البعيد عن الواقع العراقي، ولا يرى منه إلا المظهر الخارجي، يتوهم كثيرا في تصوراته واحكامه، عندما ينظر الى حجم وطبيعة الخلافات والصراعات المحتدمة بين الكتل السياسية، والتي تبلغ احيانا مرتبة التهم المتبادلة بالتخوين أو العمالة او التآمر، وقد يذهب الظن الخاطئ به، الى التصديق والاعتقاد، ان العملية السياسية برمتها مهددة، وتقف على شفا حفرة من النار!
كل هذه أوهام تعشش في رأس من يجهل الحقيقة، او يتصيد بالماء العكر، ذلك لأن الخلافات في وجهات النظر بين الكتل، مهما عظٌمت او تصاعدت لهجتها، تبقى جزءا من الفعالية الحياتية الصحية التي تمارسها البلدان الديمقراطية في العالم من ناحية، وإن هذه الخلافات بحد ذاتها لا تصلح أن تكون قاعدة نبني عليها احكامنا من ناحية أخرى .. ذلك لأن القرار الصائب في الحكم على (متانة) او (هشاشة) العملية السياسية، انما يقوم على معيار آخر، هو نقاط (الالتقاء) ـ اي حجم ونوع المشتركات بين الأطراف ـ او نقاط (الاختلاف) فيما بينها، وأيهما أقوى وأرسخ، نقاط الالتقاء أم الاختلاف، وفي ضوء ذلك نتوصل الى الاحكام الصحيحة!!
ومن هنا اعتقد جازما، إن ما يجمع اطراف العملية السياسية هو اعظم وأمتن الف مرة من الذي يفرقها، وأنا لا أزعم هذا من باب التطمين أو التفاؤل السطحي، وانما من باب فهم الحقائق ورصدها على أرض الواقع وعندي من الأدلة الثابتة ما يؤكد موقفي إذ ما اهمية اختلاف الفرقاء حول قضايا على غرار، أهلية الدستور أو الموقف من مجلس السياسات أو مصير الصحوات أو العفو عن مزوري الشهادات او تبعية الهيئات المستقلة وشبكة الإعلام أو المساءلة والعدالة أو قانون الانتخابات أو المنافع الاجتماعية.. الى غير ذلك من القضايا الخلافية التي يمكن حسمها عبر التشاور والحوار وقبة البرلمان؟
اقول: ما اهمية هذه الاختلافات في وجهات النظر من هذه المسائل، إزاء الثوابت الرئيسة والجوهرية التي تلتقي عندها أطراف العملية السياسية، حيث وضعت جميعها خطوطا حمرا امام وحدة العراق ارضا وشعبا او امام سيادته الكاملة واستقلاله الناجز، فهذه مقدسات وطنية لا يجوز المساس بها من علماني أو إسلامي أو ليبرالي أو سني أو شيعي أو كردي، ولا من قبل أي مكون قومي أو ديني أو مذهبي ، كما أن هذه الأطراف، وخاصة صاحبة اليد الطولى، وضعت خطوطا حمرا أمام أية محاولة من أية جهة حول قضايا رئيسة اخرى لا تقل اهمية، فالمحاصصة مثلا وتحسين الكهرباء وزيادة راتب المتقاعدين كلها خطوط حمر، بل ان هناك خطا احمر شديد الحمرة وعريضا كأنه مكتوب بقلم احمر الشفايف أمام قضية لا يجوز حتى الحوار فيها أو الاقتراب منها، وهي تداول السلطة، فلماذا الخوف على العملية السياسية وأطرافها متفقون على الثوابت؟!