Blog

  • بدون.. !!

    عبر رحلتي الإذاعية الطويلة، أعددت عشرات البرامج المنوعة، كان أحبها الى نفسي، برنامج بعنوان (كلمة في ساعة)، لأنه ذو طبيعة ثقافية تجمع شتى فنون المعرفة، فأنا أتناول مفردة (العين) على سبيل المثال وأتابع معانيها في القاموس ثم في الكتاب الكريم لأقف على عدد المرات التي وردت فيها والدلالات الاستعمالية لها.. 

    فهي النظر وعيون الماء والأمر.. الخ ، حتى اذا فرغت من ذلك، تابعتها في الجغرافية كمدينة العين وعين ترمة والعين السحرية وعين الحلوة.. الخ ، ثم في الأمثال الفصيحة والعامية وكذلك في الشعر العربي قديمه وحديثه، وما قيل من أبيات غزلية جميلة في العيون والوانها وما لحق بها من تشبيهات بلاغية ليس ابتداء بعيون المها او التي في طرفها حور، ولا انتهاء برائعة السياب (عيناك غابتا نخيل) ، ولا يفوتني بالطبع أن امر على هذه الكلمة في المشهور من الاغاني العراقية والعربية.. 

    وهكذا كنت أتقلب بين خمسين مصدرا او يزيد، وفي ذلك جهد ما بعده جهد، ولكن الجهد الحقيقي كان في اختيار المفردة نفسها، لأنه يمثل معضلة كبيرة بحد ذاته، حيث لا يبدو من السهل متابعة كلمة واحدة على مدى 60 دقيقة، لأن اغلب الكلمات يندر وجودها في الشعر أو الجغرافيا أو الأمثال.. الخ ، ومن هنا كنت استعين بأصدقائي لمعاونتي في البحث عن مفردات متعددة الاستعمال والمعاني، وكانوا مشكورين لا يبخلون بذلك، وقد اتصل بي احدهم في بداية العام الميلادي الجديد، واقترح عليّ مفردة (بدون)، لأنها ذائعة الصيت، واسعة الدلالة، غير انني بعد عناء عظيم، لم اتوصل إلا الى بضعة ابيات شعرية وبضع معلومات شحيحة لا تغطي اكثر من 10 دقائق، والمطلوب مني 60 دقيقة ، ولهذا اتصلت به وعاتبته، لأنه ورطني مع كلمة نادرة الاستعمال، ولكن الرجل استغرب من كلامي واتهمني من باب (الميانة)، بالبلادة والبلاهة، وقال لي بامكانك الحديث في برنامجك عن (البدون) في الكويت ومشكلتهم واصل تسميتهم بهذه التسمية، وبإمكانك الحديث عن وزارة الدفاع العراقية وهي (بدون) وزير، ووزارة الداخلية وهي (بدون) وزير، والمخابرات وهي (بدون) مدير، ومجلس الوزراء وهو (بدون) قانون، والفساد المالي والإداري وهو (بدون) حساب، ومشكلات المحاصصة والبطالة والكهرباء وهي (بدون) حل، والمستورد من الأطعمة الفاسدة والادوية المشبوهة وهي (بدون) رقابة، واسترسل في كلامه من غير توقف، هناك تلامذة (بدون) مدارس، ومعتقلون (بدون) محاكمات، وحياتنا (بدون) … 

    فقاطعته معتذرا، وقد اكتشفت انني بليد حقا، فلو فكرت قليلا وتأملت الأمر بعناية، لأدركت ان مفردة (بدون) تحتاج الى برنامج اسمه: كلمة في 24 ساعة!!

  • مبالغ الحوالات الصفر

    بحق، نخشى على أموالنا أن تتحول بما يشبه مغزى ذلك المثل المعروف بـ(تنبل أبو رطبه) أي ذلك الكسول الذي يجلس تحت النخلة ويفتح فمه كي يسقط الرطب فيه دون أي جهد أو عناء،، من فرط اعتمادنا الكبير -وربما الوحيد- على واردات النفط ومشتقاته أكثر من أي مجال صناعي وزراعي واستثماري يدعم وينمّي ويديم الاقتصاد الوطني ومدخولاته كما هو في بلدان العالم.

    لقد جاء خبر توقيع مذكرة تفاهم أعلنتها وزارة الخارجية العراقية قبيل موعد انعقاد قمة بغداد بأسبوعين تقريبا ليشعل ويذكي- مجددا – نار الخشية على طريقة التصرف بأموالنا العامة وكيف يجب توجيهها بتغليب خدمة الصالح العام وتوفير فرص العمل للخريجين ومساعدة جيوش الشباب من العاطلين في بلاد النفط ومشتقات من الصناعات الاستخراجية التي نسمع طحنا لها ولا نرى العجين بأم أعيننا،، مذكرة التفاهم تلك التي جرت بين العراق ومصر في مقر وزارة الخارجية المصرية بحضور وزيري خارجية البلدين،، سندفع بموجبها مستحقات العاملين من أخوتنا المصريين في العراق في فترة الثمانينات والتسعينات وهي المعروفة بـ(الحوالات الصفر) عبر تسديد أصل الدين البالغ (408) أربعمئة وثمانية ملايين دولار والتفاوض والتباحث لاحقا على باقي المستحقات… والحبل على الجرار… بخصوص نصوص أصل دفع ديوان متراكمة بذمة شعبنا الذي أشد وأوقع ما (يرهم) وينطبق عليه مثل ذلك الجمل الذي يحمل الذهب ويأكل العاقول،، حاشاه الله،، كم يوجعني قلبي حين أمر على مثل هذه الامور حتى فيما يخص ويتعلق بحقوق أخوتنا من أبناء الكنانة والنيل البسطاء من الذين شاركونا عذابات دفع أثمان حماقات قادتنا الضروريين (جدا) وقهر نرجسياتهم المريضة -المكلفة- المجحفة بحق الانسانية أولا وبحق شعوبهم أولا وأخيرا. وأذكر-هنا- في معرض نكأ هذا الجرح مقطعا من قصيدة مذهلة لمظفر النواب يقول فيه: (كتلي من يعتك جرح جرحين يتلاكن وجعها… وكتلي السفن من تصفك بوجه الريح يتمزك شرعها) كان قد أوصلني الى ضفاف جرح آخر،، تمثل بثقة ونكران ذات وروح انسانية عالية حين صادق مجلسنا النيابي في آيار العام الماضي على قانون تسوية طلبات تتعلق بشأن تسديد مبالغ تصل قيمها الى (400 مليون دولار أمريكي) لعدد من عشرات الامريكيين كان النظام السابق قد استخدمهم  كدروع بشرية لتفادي غارات الحلفاء الجوية خلال حرب تحرير الكويت لتكون هي الاخرى(اي المبالغ) ثمن تعويضات مضافة على ظهر وكاهل شعبنا (المكرود) بعد ضيم حصارات وحروب وجروح وندوب وضربات وقائية و أخرى جراحية اعادتنا – بنجاح ساحق- الى ما قبل الصناعة كما حذّر( جيمس بيكر) وزير خارجية ماما أمريكا ابان حرب الخليج  الثانية على هذا البلد الذي دخل الحرب في ضوء معلومات سياحية وحماسية مدهونة بهتافات وملاحم وهمية منقوعة بقصائد كانت تغنى في حب القائد الضرورة.!!!

  • نوروزيات!!

    وأنا انثر ورود المحبة على كردستان، وأشارك شعبنا الكردي في أرجاء العراق، أفراحه البهية، ومسراته اللذيذة بعيده القومي، متمنيا له وللوطن الجميل، كل خير وعافية، استميح الجميع عذرا في العودة الى الذاكرة، والتنقيب بين أوراقها الذابلة، عن زمن الطفولة والبراءة. 

    مشهدان يعودان الى ستين سنة مضت، علقا في قرارة الروح، لا ادري أيهما أحب الى القلب، ففي 21 آذار من ذلك العام الخمسيني، هيأنا معلم الرياضة، الأستاذ جواد، بملابس رياضية وزي الكشافة (نحن تلاميذ مدرسة الكرخ الابتدائية للبنين)، ثم اصطحبنا الى مكان محدد لنا عند احد شوارع بغداد -ربما كان قريبا من المحطة العالمية- لنقف مع تلاميذ وتلميذات المدارس الأخرى، ومعلميهم، ومعلماتهم، من اجل استقبال (الملك) والتصفيق له، حيث يمر قريبا منا بسيارته التي  (تتخطى) ببطء، وكأنها في نزهة، وابتسامة ناعمة ترتسم على وجهه!

    كان ذلك من دواعي بهجتنا التي لا تضاهى، ليس فقط لأننا أدخلنا السعادة الى قلبه، بل كذلك لشعور كل واحد منا، ان الملك قد خصّه بتلك التحية، وابتسم له وحده! وكنا ندعو ذلك اليوم (عيد الشجرة)، من دون ان اعرف سبب التسمية أو لماذا لا احصل على (عيديات) كما هو الحال في الفطر والأضحى؟ على ان (بركات) ذلك اليوم لم تقتصر على الموكب الملكي صباحا، فمع بداية الليل، انصرفت عوائل كثيرة الى تهيئة (صينية) شديدة الشبه بصينية (زكريا)، وذلك احتفاء بمناسبة تدعى (دورة السنة)، كنت أحفظ طقوسها عن ظهر قلب فهي الكرزات والحلوى بأنواعها، والخس والشموع والأباريق الفخارية الصغيرة، وصحون المحلبي والحلاوة والدولمة والكبة، وقد جرت العادة ان يقرأ احد الصبيان شيئا من الكتاب الكريم على الصينية بحضور أفراد الأسرة وأنا يومها ولد مطلوب لهذه المهمة، فقد ختمت القرآن في صغري عند (الملاية)، وامتلك صوتا في التجويد -على رواية أمي- أحلى من صوت (محمد رفعة)  وهكذا حلفتني جارتنا أم محمود بالقراءة بعد ان وضعت درهما في يدي!!

    أظهرت أفضل ما عندي من مواهب، -مع أنني كنت اقرأ بعين وأراقب الصينية بعين أخرى- ونلت استحسان الحاضرين، وملأت الخالة ام محمود حبيبي بالكرزات ثم اصرت ان أشاركهم الطعام، وذهلت لأن الدولمة كانت محشوة بالرز واللحم، فهذه اول مرة اعرف ان اللحم يضاف إليها، في بيتنا تكون الحشوة من الرز، كان طعمها لا يقاوم، حتى أنني أكلت كمية مخالفة لشروط الأدب واللياقة والصحة!!

    في اليوم الثاني،  وأثناء (الاصطفاف سأل المدير التلاميذ) (ما هو أجمل شيء رأيتموه البارحة؟) وارتفعت مئات الأصابع، وكان الرجل يصغي الينا واحدا واحدا ويسمع الإجابة نفسها (ستاد.. أجمل شيء هو جلالة الملك المفدى) ويعقب الإجابة تصفيق حار، وحين جاء دوري قلت له (ستاد أجمل شي هو دولمة أم محمود) ولا ادري لماذا تحول التصفيق الى ضحك، حتى ان المدير سقط أرضا، مع أنني لم اكذب والله العظيم!! 

  • الخفقة والرطقة والفكة وأبو غرب ومجنون وخريدة .. كنـــوز نفطيــــة تحــــت أســــوار الميزوبوتاميــــا

    ربما كان الخبير النفطي العراقي (جبار علي اللعيبي) أول من أشار, بعد احتلال العراق, إلى الواقع الغامض لحقولنا النفطية الحدودية, في كتابه الموسوم (الوقوف في العاصفة – تحديات في الزمن الصعب), من إصدارات دار السراج للطباعة والنشر البصرة عام 2009. 

    من يقرأ الكتاب من الجلد إلى الجلد يكتشف إن (اللعيبي جبار) يتحدث بروح وطنية صادقة, يدفعه الحماس دائما إلى استثمار نعمة النفط, والانتفاع من مواردها الغنية في تفعيل المشاريع النهضوية الشاملة, والارتقاء بالعراق إلى المستوى الحضاري اللائق, مفضلا البدء بالمكامن النفطية الحدودية المشتركة, الواقعة تحت أسوار الميزوبوتاميا, في الفكّة, والرطقة, وأبي غرب, ومجنون, لافتا الانتباه في أكثر من مناسبة إلى إن العراق هو الدولة الوحيدة في العالم, التي لم تسع حتى الآن إلى إبرام الاتفاقيات الثانوية, بالاتجاه الذي يضمن حقوقنا في ضوء الصيغ القانونية الواردة في الإطار العام, مبينا حاجتنا للعمل المشترك بصيغة الاستفادة الثنائية المعبر عنها باصطلاح (التوحيد Unitization). 

     من يقف اليوم على مشارف حدودنا الشرقية والغربية والجنوبية يرى بأم عينه المعدات العملاقة التي جلبتها دول الجوار لخوض غمار التسابق السريع والمحموم, ويرى سعيها الحثيث لتطوير حقولها المتاخمة لحدودنا, بالقدر الذي يساعدها على استخراج أكبر كمية ممكنة من النفط لصالحها, في حين ساهمت حروبنا الكثيرة في تراجعنا, وتخلفنا عن تطوير حقولنا ومكامننا الحدودية, ما أدى إلى تكبدنا خسائر مادية فادحة, ترتبت عليها تنازلات سيادية مؤلمة. 

    كانت معظم حقولنا الحدودية تعمل بطاقات إنتاجية متواضعة بسبب افتقارها إلى المؤهلات التقنية المعاصرة, بينما كانت الدول المحاددة لنا تسير بخطوات حثيثة نحو تحقيق أعلى المعدلات في كميات النفط المستخرج من الحقول المشتركة. لكنها رفعت طاقاتها الإنتاجية إلى الحد الأقصى بعد عام 2003 , في الوقت الذي كانت فيه حقولنا الحدودية في أسوأ حالاتها بسبب تعرض آبارنا إلى العبث والتخريب, فقد تعرضت معظم آبار حقل الرطقة (الرطكَة) القريبة من الحدود الكويتية للتلف والدمار, وأُشعلت فيها النيران, وامتدت مخالب التخريب المتعمد لتشمل المنشآت السطحية لمحطة إنتاج الرطقة, ثم انتقلت شرارة التخريب لتطال حقول (أبو غرب) في الفكّة على الحدود العراقية الإيرانية, من جهة محافظة ميسان, حتى تحولت المنشآت السطحية إلى أشلاء مبعثرة, وأصبحت معظم الآبار المنتجة خارج نطاق الخدمة, واختفت الملامح الحدودية الهشة, ولم يعد لها وجود, واختفت المنشآت والمحطات التي كانت عامرة قبل 2003. 

    تطرق (اللعيبي جبار) في كتابه آنف الذكر (أسفل الصفحة 131) إلى بعض الآبار العراقية التي أصبحت في قبضة إيران, بقوله: ((والانكى من ذلك كله إن بعض آبار الفكّة صارت في الجانب الآخر, وبات من الصعب, بل يستحيل الوصول إليها, ومما يزيد الطين بلّة أيضا هي طبيعة المنطقة الجبلية الوعرة, فضلا على تداخل الحدود مع بعضها, بفعل غياب الدعامات الدولية, أضف إلى ذلك تواجد القطعات العسكرية الإيرانية)).

    خريدة في مهب الريح

    تؤكد المصادر العلمية على إن التغيرات الجيولوجية والتقلبات الجيمورفولوجية هي التي جعلت منطقة (خريدة أو الخردة) أغنى حقول النفط العراقية, في حين تفيد المصادر السياسية: أن الأطماع الإقليمية هي التي جعلتها في قبضة الكويت, وذلك في ضوء أحكام القرار الأممي الجائر (833), الذي زحفت بموجبة الكويت نحو الأراضي العراقية, وتوغلت في أعماق خور عبد الله بمباركة مجلس الأمن, حتى صارت قريبة جداً من سواحل الفاو, وتمددت حدودها الجديدة المضافة نحو حقول الرميلة بمؤازرة القوى الاستعلائية الغاشمة.

     تقع (خريدة) على امتداد الخط الصحراوي المرسوم من جبل سنام, والذي ينتهي عند الحافة الجنوبية لميناء أم قصر, مروراً بصفوان ومزارع (بني حجيم), و(البو صالح), التي استولت عليها الكويت وردمت سواقيها, وهكذا وقعت (خريدة) في قبضة الكويت, مثلما وقعت أرصفة الزوارق الصاروخية العراقية, وقاعدة الخليج العربي, ومنشآت قيادة القوة البحرية في قبضتها في العام 1993. كانت للعراق في (خريدة) وحدها عشرات الآبار, حفرتها شركة النفط الوطنية العراقية في عصرها الذهبي, وثبتتها في خرائط ومرتسمات موثقة منذ عقد السبعينات من القرن الماضي, ومنحتها أرقاماً ومسميات عراقية خالصة, بيد أن ذاريات (عاصفة الصحراء) زحفت عليها من حفر الباطن, وضمتها إلى الحقول النفطية الكويتية في قسمة ضيزى, لعب فيها (بطرس بطرس غالي) دور الخصم والحكم, وكان فيها مجلس الأمن هو العراب الذي أصدر شهادة ميلاد كويتية جديدة لحقول (خريدة), من دون أن يشير إلى اسمها العراقي القديم, وربما ضمتها إلى حقل (الرطقة), وهكذا انتقلت ملكيتها من العراق إلى الكويت في غفلة من الزمن.   ومن نافلة القول نذكر أن حقيبة الوثائق الرسمية العراقية القديمة حملت في جعبتها حكايات أخرى عن (خريدة), حكايات بدأت فصولها في منتصف شهر تموز (يوليو) من عام  1990 عندما انهالت التصريحات العراقية ضد الكويت, واتهمتها بسرقة النفط العراقي من حقول الرميلة, في حين تقول الروايات الكويتية أن تلك الاتهامات كانت إحدى الذرائع, التي لجأ إليها العراق لافتعال مبررات الغزو, بيد أن الوقائع الملموسة على مسرح العمليات النفطية في حقل (خريدة) وحقل (البقة) توحي للمشاهد العادي أن ما يجري الآن على الأرض يبعث على الريبة والشك, فالنشاطات الكويتية غير الاعتيادية, وغير المسبوقة, وجهودها المكثفة المعززة بأحدث التقنيات, والمجهزة بأفضل الأبراج العملاقة ذاتية الحركة, ونشاطاتها المتسارعة على حافة الخط الحدودي المستحدث بين الكويت والعراق تعطي انطباعات وتفسيرات غير مريحة, فالجهد الهندسي الكويتي الجبار في هذه المنطقة يتعدى حدود المعقول, ويتمرد على قواعد المنطق, ليسقط تحت طائلة التساؤلات والاستفسارات الكثيرة عن فحوى المساعي الكويتية المحمومة والمركزة في هذه المنطقة بالذات, فقد تراكمت الآبار الكويتية فوق بعضها البعض, حتى صارت منطقة (خريدة) تعج بغابة من الأبراج المتباينة الأحجام والأشكال والوظائف, ما دفع مجلس محافظة البصرة إلى إطلاق سلسلة من التصريحات بين الفينة والأخرى, محذراً من فقدان كميات هائلة من النفط العراقي, بسبب الجهود الكويتية الاستثنائية في التركيز على حفر الآبار عند خطوط التماس مع العراق, وأشارت التصريحات إلى احتمال لجوء الكويت إلى استخراج النفط الثقيل عن طريق استخدام أساليب الحفر المائل, بهدف استنزاف الاحتياطي النفطي, وشفط المخزون السطحي, من المناطق المحاذية والمتاخمة والمجاورة للحقول العراقية.

     فهل عادت حليمة الكويتية إلى عاداتها الاستفزازية القديمة ؟؟, أم أنها تعمدت شفط الثروات النفطية السطحية الواقعة على حافة خطوط التماس مع العراق؟؟, وهل خططت لالتهام المأدبة من أطرافها الدسمة ؟؟, أم أنها استغلت الظروف المؤاتية لتستولي على الوليمة البترولية كلها ؟؟. هذه الأسئلة نعرضها على أنظار وزارة النفط  بانتظار الجواب الشافي والرد الحاسم.

    حقولنا البحرية المتروكة

    لقد تفجرت الصراعات الحدودية بين الأقطار المتلهفة للاستحواذ على مكامن النفط والغاز في قاع الخليج, وتحول الخليج إلى ما يشبه الحوض الكبير, الذي تتشابك في قعره مصالح دول المنطقة والدول الكبرى, باستثناء العراق الذي اختار القيام بدور المقاتل الشرس, وانشغل بالمطالبة بحقوق العرب المنهوبة في عرض البحر, فشهر سيفه للدفاع عن (طنب الكبرى), وشقيقتها الصغرى, وعمهما (أبو موسى), في الوقت الذي راحت فيه الأقطار الخليجية نفسها تعد العدة للاستيلاء على ثرواته النفطية والغازية في البحر, وكانت هي السباقة في التسلل إلى خور عبد الله, فاستغلت غيابه, وراحت ترسم حدودها مع إيران بالطريقة, التي تحرمه من حقوقه الموروثة في مياهه الإقليمية, التي أقرتها الأعراف والاتفاقيات البحرية الدولية, فوجد العراق نفسه خارج الوليمة, وتقاسم الأخوة الأعداء حصته من غنائم البحر, فخرج من المولد بلا حمص. .  واللافت للنظر إن حوض الخليج يضم الكثير من الحقول المسكوت عنها في المرحلة الراهنة, ونخشى أن تقع بعض تلك الحقول في حدود منطقة (خور الخفقة) العراقية الخالصة, أو في حدود منطقة (خور العمية), فتنهشها مخالب النزاع في ظل الغموض الذي يكتنف المياه الإقليمية العراقية.. ومن نافلة القول نذكر إن حقل (نوروز) هو أقرب الحقول البحرية لمدخل قناة خور الخفقة العراقية من جهة البحر, ولا يبعد عن مدخل هذه القناة الملاحية سوى (28) ميلا بحريا (الميل البحري يساوي 1852 متراً فقط), بينما تحيط بالمدخل ثلاثة حقول أخرى موزعة على قوس وهمي, يقدر نصف قطره بحدود (43) ميلا بحريا تقريبا, والحقول الثلاثة هي: حقل (أبو زار), وحقل (سروش), وحقل (درة). ما يعني إن مقتربات القناة الملاحية العراقية المؤدية إلى موائنا النفطية لابد أن تكون غنية بحقول النفط والغاز لوقوعها بمحاذاة أربعة من كبريات الحقول المشهورة شمال الخليج العربي. .

    ويؤكد وزير النفط الأسبق (الأستاذ عصام الجلبي), على إن العراق سبق له أن حدد بعض الرقع الاستكشافية عام 1990, وسعى لسبر أغوارها لكن محاولاته توقفت فجأة في آب 1990 لأسباب معروفة. . ختاما نقول: إن كنوز الميزوبوتاميا الواقعة تحت أسوارها الطرفية البعيدة في البر والبحر, وحقولنا النفطية والغازية المهددة بانتهاكات دول الجوار تستدعي التفعيل والتعجيل, ولا تحتمل التعطيل والتأجيل, لأنها من ممتلكات الشعب العراقي, التي لا ينبغي التفريط بها, فهي حق مشروع من حقوقنا المدعومة بقوة القانون الدولي وبموجب أحكام الاتفاقيات النافدة, ولابد من الإسراع والمباشرة باستغلال المكامن الحدودية المهجورة قبل أن تشفطها مضخات الأشقاء, وقبل أن تجففها شافطات الأصدقاء.

  • كتاب أم.. وثائق ناطقة

    في عادتي – مما اكتب من اعمدة – انني أترك موضوع او اسم من يتناوله العمود الى آخر سطر؛ وهي طريقة لا ادعي ابتكارها.. لكني وجدتها ادعى الى المتابعة والتشويق فاتخذتها منهجا؛ ومثلما لكل قاعدة استثناء؛ فقد وجدت قلمي مرغما هذه المرة على ان يبتدئ عموده بذكر(زيد الحلي)!

    هكذا..ودفعة واحدة .. وبلا مقدمات!!

    أما السبب – او المناسبة – فهو صدور كتابه الفخم(50 عاما في الصحافة) الذي لا يمهلك ولو دقائق لتتركه؛ فقد نوّعه(اللعين) بطريقة (لعينة) فما ان تحزن هنا؛ حتى تفرحك الصفحة التي تلي؛ وما ان تتوقف لتتذكر كم من اسماء حاولت القصاص من نجاحك المهني او الاجتماعي؛ حتى يبادرك الحلي بضرورة ان تترك الاسماء وراء تاريخك؛ فالرهان على البياض.. وان الصحافة بقدر ما هي(صاحبة الجلالة) بقدر ما في بلاطها من جواسيس ومتآمرين وخونة للملح والزاد.

    بلدان؛ وشخصيات؛ وصحف؛ ومجلات؛ ومواقف؛ وذكريات عن– ومع – زعماء صنعوا تاريخ بلدانهم؛ وأثّروا في الوعي والذاكرة؛ ولم يكن الكلام عنهم؛ على عواهنه او ادعاء مدّع؛ لكنها الصور والمقالات المستنسخة المثبّتة بالتواريخ والارقام؛ وربما يتأسف الكاتب على ضياع صورته مع الزعيم الصيني(ماوتسي تونغ) لكنني أتاسف لـ(ماو) لانه لم يكن من المحظوظين ممن شملهم توثيق الحلي زيد(وهو ما ذكرته في مداخلتي مازحا اثناء الاحتفاء بالكاتب)الذي يضرب لنا مثلا – ودرسا – في ضرورة الاحتفاظ حتى بالقصاصات التي نعتقدها لا تملك اهمية ما – في وقتها – فربما تملك مستقبلا اهمية ليست في الحسبان؛ وهذا دأب الكاتب العربي المعروف(هيكل) وما اثبته مؤلف زيد.

    بعض الكتب؛ تأخذ من وقتك بلا جدوى؛ وبعض الكتب تشكّل اضافة نوعية لثقافتك؛ وتفتح آمادا واسعة لخيالك؛ خصوصا تلك الكتب التي تعنى بالـ(سيرة الذاتية) او الـ(سيرة المهنية) كهذا الكتاب(خمسون عاما في الصحافة) والذي اعتبره (سيرة صحافة) في رجل؛ فلم يكن زيد في ضمائرنا الا(رقم صعب) في المعادلة الصحفية؛ لا تشهد بذلك- فقط – المواقع التي تسلمها؛ لكن(معاركه) تقول ذلك ايضا.

    في ما مضى؛ كانت(نقابة الصحفيين) تتولى الاحتفاء باصدارات كهذه؛ بل وتشتري نسخا من المطبوع؛ واحيانا تسهم في توزيعه من خلال فروعها المنتشرة في عموم البلاد؛ لكن هذا التقليد قد غاب كما يبدو – كما غابت الكثير من التقاليد الصحفية التي يؤرشفها لنا كتاب زيد الحلي- والذي يفرح ان جريدة كـ(الزمان) قد دعت الكاتب الى اقامة (حفل توقيع) باصبوحة جميلة؛ لم ادر فيها ايهما اكثر نداوة؛ باقات الورد ام الكلمات التي انسابت عفوية من فم الاصدقاء ام تلك اللحظات الحميمية التي– اسعدني– انني كنت احد شهودها .

    تحية لـ(ابو ارغيدة) ودعوة لقراءة كتابه الماتع؛ فهو شهادة تحتاجها الاجيال الصحفية الجديدة.

  • الطرق السريعة “شرايين الحياة”

    أصبح تنظيم الطرق مظهرا من مظاهر التقدم , ودليلا حضاريا للدول والشعوب.والدول التي تحرص على التنظيم وحماية المرافق والاملاك العامة وإدامتها هي التي جعلت المواطن يشعر بالمسؤولية من خلال مساهمته الرمزية بدفع الرسوم عندما يستخدم الطرق السريعة بسيارته, وهذا النوع من المشاركة له جذور تشريعية, ومفاهيم اجتماعية تعرف “بالتكافل الاجتماعي” الذي يغذي الدولة بأمدادات حيوية غير منظورة وغير مكلفة للمواطن, وهذا النمط من المساهمات هو الذي يتكفل بصناعة التوازن بين الدولة والناس “الشعب”.

    والعجلات التي تستخدم المرور في الطرق السريعة التي تعرف “الاتوبان” أو  “هاي وي” تدفع رسوما رمزية مثلا عندنا لاتتجاوز الـ”250 أو 500 ” دينار عراقي في حال أهتدت السلطات المختصة الى إيجاد تشريع من خلال البرلمان يجيز لها تطبيق مثل هذا الاجراء المتّبع دوليا.

    والاسباب المسوغة لمثل هذا الاجراء تفرضها حاجتنا المتزايدة الى كل من:

    1- وجود طرق سريعة لدينا تربطنا مع دول الجوار مثل سورية والاردن وتركيا وايران والكويت والسعودية, وهذا يعني وجود حركة نقل وتنقّل دولية عبر طرقنا السريعة مما يجعلها معرضة الى الاستهلاك والتأكل, وإدامتها وتنظيمها ومراقبتها الكترونيا وراداريا يحتاج الى مبالغ مالية كبيرة قد تسبب أرهاق ميزانية الحكومة الفدرالية وميزانية الحكومات المحلية.

    2- زيادة عدد السيارات السياحية لدينا مما يسبب حمولة إضافية دائمة ومستمرة على طرقنا السريعة.

    3- زيادة نسبة الشاحنات والمقطورات والمركبات الثقيلة التي أصبحت تستعمل طرقنا السريعة على مدار الساعة وبدون توقف.

    4- كثرة وجود السيطرات الامنية والعسكرية وهي ضرورة أمنية تفرضها ظروف العراق المستهدف بالارهاب, مما يجعل كثرة توقف الشاحنات والمركبات الثقيلة يترك مضاعفات وآثارا تخريبية على بنية الطرق السريعة.

    ونتيجة لذلك بدأنا اليوم نشاهد تدهور البنى التحتية للطرق السريعة ومقترباتها, مثلما نشاهد تدهورا مستمرا في بنية الطرق والشوارع الداخلية للمدن, ولم نلحظ وجود عمل يحاول انقاذ تلك الطرق والشوارع الداخلية من قبل الجهات المختصة , بل أن الامر تعدى جمالية الطرق وتنظيمها الى وجود خطورة حقيقية تواجه السيارات السياحية في عدم قدرتها اجتياز بعض الطرق والمقتربات نتيجة تشوهات الطبقات الاسفلتية وما تحتها من تربة متكسرة ومنخفضة بمستويات تجعل العجلات الصغيرة تفقد توازنها, وفي بعض الحالات يتعذر عليها اجتياز تلك المطبات المثيرة للرعب والاشمئزاز.

    والمتأمل في هذا الوضع المزري لحالة طرقنا السريعة وشوارعنا الداخلية يخالجه الشك فيما يلي:

    1- في عدم وجود جهات وهيئات مسؤولة عن الطرق في بلدنا

    2- وفي حالة وجودها وهو أمر متيقن, فإنها يعوزها وينقصها الاخلاص والغيرة على بلدها, وهذه الظاهرة أصبحت لشديد الاسف شائعة ولايمكن تبرير عدم وجودها, بل يمكن إثبات وجودها بدون عناء.

    3- وفي جانب آخر قد يشك في قدرتها العلمية والمعرفية من جهة هندسة الطرق, وهذا الامر مستبعد تماما فالعراق يمتاز بامتلاكه للاختصاصات والكوادر العلمية والفنية التي أثبتت وجودها عالميا على هذا المستوى, ولكنها في العراق مهمشة نتيجة المحاصصة التي جلبت كل محدود وجعلت من الأميين من يتربع على المناصب الحساسة مما أفقد الوزارات والمؤسسات الحكومية قدرتها على إلانتاج والتوازن في العمل فظهرت مترهلة تعاني الفساد والتخلف القاتل لكل إبداع وحيوية, وهذا الامر يتحمله كل من ساهم وشارك في إشاعة مفهوم المحاصصة.

     أن الحديث عن هذا الموضوع ليس ترفا كما قد يظن البعض من المسؤولين من الذين يتحججون بالارهاب وفقدان الامن في بعض المناطق, وهي حجة مدحوضة بأكثر من دليل لاسيما في المناطق الآمنة وهي كثيرة والحمد لله, ولكننا نجد طرقنا من مدخل الخليج الشمالي مرورا بالبصرة التي كانت تسمى يوما بعروس الخليج والتي أصبحت طرقها وشوارعها التي تحمل أسماء جميلة مثل: شارع الاستقلال, والعشار, والمعقل, وشط العرب, أصبحت متهالكة أكثر من منازلها ونخيلها وأنهارها التي تغزل بها بدر شاكر السياب الذي يقف تمثاله اليوم حزينا على ضفاف شط العرب مستقبلا مدينة البصرة وأحياءها التي غادرها نشيد جيكور وبويب وكركرات المد والجزر التي تشهد على الجاذبية بين الارض والقمر.

    أن رؤية طرقنا السريعة وشوارعنا الداخلية توحي بالوحشة لما أصابها من تآكل وحرمان, فهي تئن تحت وطأة العجلات المسرعة في سباق مع الزمن, وهي تتألم تحت رفسات الناقلات العملاقة ذات الطابقين التي تحمل بضاعتها من السيارات المستوردة التي أصبحت شركاتها وعملاؤها يربحون كل شيء من العراق ولايدفعون ولو رسما رمزيا يسهم في حفظ طرقنا السريعة التي تقدم خدماتها بالمجان مخالفة كل ما أعتاد عليه العالم المنظم والمتطور, والذي لايحتاج الى أن ينتظر ميزانية الحكومة السنوية حتى ينفق مايريد لإصلاح وإدامة الطرق السريعة لأن ما موجود لديه من رصيد الضرائب والرسوم يجعله في غنى عن طلب مساعدة الحكومة, وهذا هو عين التصرف الحكيم, فمتى يلتفت البرلمان عندنا لمثل هذا الامر الحيوي, ومتى تبدأ الحكومة تفكر بالمشاريع الحيوية والتنظيم الحضاري فتطلب من البرلمان تشريعا يساعدها في انجاز مهماتها بعيد عن إرهاق الميزانية العامة التي أصبحت مظلومة ثلاث مرات , مرة من الحكومة الفدرالية بعدم التخطيط, ومرة من حكومة الاقليم بالابتزاز, ومرة من الحكومات المحلية بسوء الادارة وعدم المعرفة التي تجعل من بعض أعضاء مجالس المحافظات لايفكرون إلا بأعلى سارية للعلم العراقي، ومن أجل ذلك يقترح البعض أن يذهب موفد لرؤية أعلى سارية للعلم في بلد ما.

    بهذا النوع المتخلف من المسؤولين أبتليت بلادنا, ولهذا تدهورت وساءت حالة طرقنا السريعة وشوارعنا الداخلية, وبنيتنا التحتية, وتخلفت تربيتنا وجامعاتنا, وتراجعت صحتنا عن الريادة والمثل الحسن في الاداء الطبي ليتحول مرضانا الى كمائن مكاتب السمسرة التي تأخذهم الى الهند والى غيرها من الجهات المجهولة.. 

  • أوزار الوزير

    يحمل الظلم عوامل واسباب نهايته دائما.. ودوام الظلم تدمير للحياة والناس, وللظالم.. واعلى واقسى درجات الظلم, ان يعجز المظلوم عن تسمية الظالم والتلميح عنه… ويكون فيه الظالم قد اقتنع بممارساته, وبلغ من اليقين مبلغا.. وقد تكلل وتحصن بالمقدس.. وتماهى مع صوت السماء.. وهذا قريب مما يحدث في عراق ما بعد الاحتلال, وقدم المتقون نموذجا للدولة يفتقر الى الكثير من مقوماتها… وبات الناس ينزفون ويهذون ويتشكون من الطبيب الذي يسلخ جلودهم.. ومن مركز الشرطة الذي يبتزهم ومن الطرق التي تمزق اعصابهم .. ومن الاراذل يستفزونهم ويذلونهم, ومن فرص العمل التي لا تعبأ بكفاءاتهم ومؤهلاتهم بقدراهتمامها باعتبارات اخرى… فضلا على(معجزة)الخدمات المختلفة, وعن بنية حكومة تمتد من بين ثغراتها البنادق والمفخخات.. وعجزها عن توفير الامن كل هذه السنوات..

    حجم الجياع يطيح برؤوس… وكذلك حجم الفساد… وكذلك ضياع الثروات .. وكذلك هذه الفوضى.. وكذلك افتقاد القوانين لاعمال كثيرة حتى وجد الضئيلون وكناسة الشارع طرقهم ومناخاتهم لفرض كلمتهم وسطوتهم لاضطهاد المواطن .. وها هم الشريرون والمنبوذون.. يفتعلون الحادث في الشارع ويفرضون التعويض الخيالي.. ولا حيلة للضحية سوى ان يشتري حياته ويدفع, وبدا ان الدنيا للاقوى والاكثر شرا.. وهل اهتزت الكراسي, لا الضمائر, ولا الحياء الوطني عندما انفضحت سرقة اموال الشبكة الاجتماعية, وعرفنا ان الافا بينهم ميسورون يتقاضون رواتب الشبكة؟؟

    نعم لا حاجة لمن يعيش التجربة الى من يعدد له اسباب وجعه وألمه.. غير ان تشخيص ذلك الكبير الذي عرف الدين والدنيا وطفح بالمكانة الاجتماعية وتصدى لغول المرحلة عاد كثيرا الى الجواهر والدرر وخلاصات الحكمة للإمام علي «عليه السلام» وتوقفه على عواقب الظلم ومصير الظالمين… ودور الاراذل في تفشيه , وفي توظيف ضعف وهزال اهل الحل والعقد.. بتملقهم, والعزف على اوتارهم الضيقة, ومناغاة ميولهم واحقادهم وتسويغ الجور والظلم… 

    ولكن.. الاب مسؤول عن عائلته, والمدير عن دائرته والوزير عن وزرته.. وما لم يكن بعقلية ونفسية واستعداد ليكون رجل دولة ويتحمل اوزارها فإنه يكون عقابا حكمت به الاقدار والظروف على الشعب الذي هو فيه… وما لم يكن على ايمان ويقين انه معني بمهمة عامة تحتم عليه الخروج من نفسه, والصد عن اهوائه وميوله الشخصية لاداء مهمته.. فإنه جاء لخدمة نفسه وانه في المكان الخطأ… فقد كان المسلمون لا يحبون الكفر والكفار ولكن لا اكثر منهم مراعاة واهتماما بالمسجون منهم ويؤثرون اطعامه على انفسهم.. لسبب بسيط انهم لا يكرهونه شخصيا ويتمنون له الخير والجنة وتمييز الحق عن الباطل.. وكانوا بتعاملهم الانساني قد اسسوا السلام ونشروه في الارض… هل وفّر السياسيون مثل هذه الاخلاق؟؟ هل اقنعوا القتلة بالسلوك والقدوة برمي البندقية.. ام يواصلون كسب الاعداء والقتلة؟؟؟

    لولا ان نزلاء المستشفى لا يعرفون الاحتجاج والثورة.. لكان للشعب العراقي المصاب بالاعياء موقفه من السياسي المكفوف الذي لا يرى الحقيقة من انه لا وزراء يملأون كراسيهم ولا وزراء بشجاعة تحملهم على الاعتذار والانسحاب من مناصبهم ويعلنوا انهم اضعف من مواجهة ذوي الشهادات الدراسية المزورة .. ومن موجة الاراذل.. التي لا تخفى على الحكيم.. ومن مختلف الملل والنحل والتسميات..

  • مآلات انفصال كردستان عن العراق

    لسنا هنا بصدد استعراض التصريحات المدوية التي تناقلتها الصحافة عن الرغبات والمساعي الخفية والمعلنة لتحقيق حلم الدولة الكردية المستقلة, لكننا نريد أن نلفت انتباه القارئ الكريم لمآلات الانفصال عن جسد العراق, ومآلات التوسع والانتشار في الرقعة الجغرافية, التي نشرتها المنتديات والمواقع الالكترونية على أوسع نطاق, وبات باستطاعة القارئ البسيط الاطلاع على تفاصيلها, والتعمق فيها بعد تصفحه شبكة الانترنت, والبحث عن عبارة (Kurdistan Map).   عندئذ سيكتشف بنفسه: أن الخرائط المنشورة يجمعها قاسم قومي مشترك, وأنها تبسط إحداثياتها على خطوط الطول والعرض, وبمساحات شاسعة في العراق وتركيا وسوريا وإيران وأرمينيا وجورجيا, وتتمدد بين قارتي آسيا وأوربا لتربط السلاسل الجبلية كلها في إطار كردي شامل, يجمع بين جبال (زاكروس) وتفرعاتها, وجبال (أرارات) وهضابها ووديانها 

    , فتطل من شمالها الغربي على أجمل وأعمق سواحل البحر الأبيض المتوسط, لتتمحور في موانئ الاسكندرونة وإنطاكية, والمرافئ الأخرى المفتوحة على السواحل الجنوبية لقارة أوربا, والسواحل الشمالية لقارة أفريقيا, في حين تنفتح منافذها الجنوبية على الجزء الشمالي الشرقي من حوض الخليج العربي, لتضم إليها خور الديلم,

    وموانئ (بوشهر), و(بندر ريق), و(عسلو), فتتحكم بخطوط الشحن البحري, وتبسط سيطرتها على حركة الملاحة الدولية بين الموانئ الآسيوية والأوربية والأفريقية, وتهيمن على أفضل المواقع البحرية الإستراتيجية للقارات الثلاث, ما يعني أنها ستستحوذ على اكبر جسور العالم التجارية المرتبطة بموانئ قلب العالم, لأنها ستصبح, بموجب هذا المخطط, الدولة الأولي التي تجمع البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي في كيان إقليمي واحد بعد أن كانت تجمعها الدولة الأموية ومن بعدها العباسية فالعثمانية. (أنظر الخرائط).  

    من ناحية أخرى نجد أن التطلعات الجغرافية المثبتة على تلك الخرائط, تعكس سعة وامتدادات الشبكة النهرية العظيمة, التي ستقع في قبضة الدولة الكردية الحلم, بما يتيح لها التحكم بمنابع دجلة والفرات والكارون والوند, وهوشياري, والزاب الأعلى, والزاب الأسفل, والكرخة, والسويب, وبما يساعدها في امتلاك أكبر وأضخم السدود والنواظم المشيدة في هضبة الأناضول التركية, أو المبنية في إقليم عيلام الإيراني, أو التي هي الآن قيد التنفيذ والإنشاء ضمن مشاريع سدود (الغاب) التركية, أو مشاريع (الأفق الأزرق) الإيرانية, ويتعين على من يريد التعمق في تفاصيل الأحلام المستقبلية للدولة الكردية المرتقبة, أن يبحث عنها بنفسه في الخرائط المنشورة على الشبكة الدولية (الانترنت). 

    جيوبولوتيكا

    عراقيا يبدو لنا أن الحركات والكتل السياسية الكردية حزمت أمرها, ووضعت نصب أعينها تجسيد فكرة التمدد على حساب العراق كخطوة أولى نحو توسيع رقعة أقيم كردستان, وتطبيقها على ارض الواقع, بحيث تشمل محافظة الموصل برمتها, ومحافظة كركوك بحقولها, وتبين الخرائط بما لا يقبل التأويل والاجتهاد أن حدود الإقليم ستطوق مدينة (خانقين) ببساتينها, وتبتلع مدن (بدرة), و(جصان), و(مندلي), وربما تثلم الأطراف الشرقية من محافظة (ميسان) في مدن (علي الغربي) و(كميت), و(البسيتين).  

    أما على الصعيد الإيراني فتظهر الخرائط أن الدولة الكردية ستزحف باتجاه إيران لتضم إليها مدن (سنندج), (ديزفول), (شوش), (عيلام), (خرم آباد), (لورستان), (كيلان غرب), (بروجرد), (كرمنشاه), (اندمشك), (بوشهر), وحقول (مسجدي سليمان), وتقضم الأراضي التركية في (أورفة), ,(ماردين), (أوميد), (مرعش), (أرضروم), (أرضنجان), (سيرت), (درسيم), (ملاطية), (إنطاكية), (اسكندرونة), (وان), و(موش), وتقتطع من سوريا (القامشلي), و(الحسكة), و(كراتشوك). 

    ان ثمن انفصال إقليم كردستان عن العراق سيكون غاليا على العراقيين في شمال العراق وجنوبه, وسيكون له الأثر الكبير على المجموعة الإقليمية المهددة بالتنازل عن أراضيها وثرواتها وماضيها ومستقبلها, فهل سترضى تركيا باقتطاع هضبة الأناضول كلها, لتهديها إلى الدولة الكردية العظمى؟, ومن قال أنها ستتخلي عن سواحلها البحرية ومنافذها الملاحية بهذه البساطة, وبهذا السخاء الذي تتوقعه كتائب حزب العمال, وهو الحزب الذي تلوذ الآن فلوله بالفرار في وديان وكهوف شمال العراق خوفا من بطش القوات التركية العابثة هناك من دون رادع, وكيف ستضحي تركيا بأراضيها, وهي التي استنفرت قواتها كلها لتقسيم جزيرة قبرص, فقصمت ظهرها, وفصلتها إلى جزأين متنافرين, هذا جزء تركي مسلم وذلك يوناني أرثوذكسي ؟, فهل ستتقبل حكومة أنقرة سماع مثل هذه الفرضيات القومية المتقاطعة مع طموحاتها التوسعية, وهي التي تسعى الآن لاسترداد مجد إمبراطوريتها العثمانية على حساب العرب المتأمركة والعرب المتأسلمة ؟, ثم من ذا الذي يقنع إيران بقبول فكرة التبرع بإقليمي (عيلام) و(خوزستان) والتنازل عن حقول (مسجدي سليمان) وخور الديلم بنفس راضية, ومن دون مقابل, إكراما لعيون القومية الكردية, وهي التي صهرت القوميات كلها في نيرانها الساسانية عبر تاريخها الطويل ؟, وزجت نفسها في حرب طاحنة مع العراق على خلفية مناوشاتها الحدودية عند مقتربات مخافر عراقية بحجم ملاعب كرة القدم (خضر وهيلة), وتواصل اليوم قصفها للقرى الكردية في منطقة (حاجي عمران) بالمدفعية الثقيلة بذريعة مطاردة فلول المليشيات الكردية المتمردة عليها. 

    ثم من قال أن سوريا هي الحلقة الأضعف في سلسلة التنازلات السخية ؟, ومن قال أنها سترضخ, وتوافق على استئصال ربع مساحتها من اجل تحقيق أحلام الحركات الكردية, ومن اجل دعم تطلعات القومية المستقبلية؟. 

    وهل شهدت الوقائع التاريخية في يوم من الأيام ظهور دولة بهذا الحجم, وبهذه المساحة, تكونت من لملمة أشلاء المدن والمقاطعات المبعثرة في أكثر من أربع دول, ووحدتها في كيان سياسي من نسج الخيال القومي, ثم تماسكت مع بعضها البعض من دون أن تعترض الأقطار, التي سُلبت منها تلك المدن والمقاطعات؟, وهل نحن بإزاء لعبة سياسية خاسرة صُممت قواعدها على غرار قواعد تركيب وتجميع قطع الميكانو؟, أم أننا نقف اليوم على مشارف حروب جبلية غير معلنة رسميا, ستتفجر براكينها في سلسلة متوالية من معارك كردية ضارية لا نهاية لها, وغير محسوبة العواقب في مواجهة الحكومات العراقية والإيرانية والتركية والسورية والأرمينية والجورجية في جبهات قتالية ملتهبة ستحرق الأخضر واليابس؟ 

    في ضوء ما تقدم يتضح لنا أن فكرة إقامة الدولة الكردية تعد من الأفكار النظرية البحتة, التي لا تتفق ولا تتماشى مع المعطيات والظروف الجغرافية والسياسية المغروسة في أرض الواقع, وبات من المسلم به أن المقومات الأساسية لقيام تلك الدولة يتعذر توفرها حتى في المستقبل البعيد, لان قيام تلك الدولة يتطلب إحداث انقلابات جذرية هائلة في خرائط الشرق الأوسط.

    الدولة الحلم

    لم تنعم القومية الكردية, التي يزيد تعدادها اليوم على أربعين مليون نسمة, بدولتها المستقلة منذ انهيار الدولة (الميدية) في الألف الأول قبل الميلاد, على الرغم من نجاحها في تأسيس دويلات متناثرة في ظل الدولة الأموية والعباسية والعثمانية, كإمارة (أردلان), وإمارة (بوتان) في الأناضول, وإمارة (البابانيين), وولاية (شهرزور) شمال العراق, لذا نجد أن فكرة تأسيس هذه الدولة ظلت تراود القادة الكرد, وتشغل بالهم, وتستنزف طاقاتهم وثرواتهم منذ أمد بعيد, خصوصا بعد أن أجهضت الإمبراطوريتان (الفارسية والتركية) المحاولات الكردية كلها, ووأدتها في مهدها, وما أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها حتى انهارت الآمال الكردية في ظل التقسيمات الحدودية التي أفرزتها معاهدة (سايكس – بيكو) عام 1916. 

    يتفق اليوم بعض القادة الكرد على احتمال تحقق حلمهم القومي بقيام الدولة الكبرى إذا توفرت لها المناخات السياسية والإقليمية والدولية المناسبة, بينما يرى البعض الآخر منهم أنها ستبقى حلماً عسيراً, بعيد المنال بسبب تراكمات العقبات الجيوسياسية, ويتنبأ فريق آخر بقيام أكثر من دويلة كردية مستقلة, أو شبه مستقلة في العراق وتركيا وإيران وسوريا, وذلك في ضوء المستجدات والتحولات السياسية المتوقعة. وإن كان إقليم كردستان العراق هو المرشح الأقوى لإعلان الاستقلال, وهو المرشح الساخن لتشكيل نواة الدولة الحلم, والذي سيتحقق بعد إعلان الانسلاخ التام والانفصال عن جسد العراق. وحتى لو أقيمت هذه الدولة شمال العراق فإنها ستكون دولة مغلقة, ومعزولة تماما عن العالم لعدم امتلاكها المنافذ البحرية, وستتعامل معها أنقرة وطهران ودمشق بحذر شديد, وربما تشترك الدول الثلاث في مقاطعتها, وفرض الحصار عليها, أو إعلان الحرب على هذا الكيان الغريب, الذي سيتمدد ويتغلغل إلى الأراضي التركية والإيرانية والسورية, ويحفز الكرد على إعلان التمرد والعصيان والانضمام إلى كردستان العراق, ما ينذر بتأجج المواقف بين الدولة الفتية وحكومات الدول الثلاث, وينذر بتدهور الأوضاع في المناطق الكردية المجاورة, فتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن, وتصبح وبالا قاسياً على القوميات الكردية المستوطنة في تلك الدول.  

    وبغض النظر عن تلك العقبات الإقليمية والدولية, التي تحول دون قيام دولة الكرد, فان القومية الكردية نفسها تواجه اليوم عقبات كردية أخرى تمنع قيام تلك الدولة, في مقدمتها تلك الأفكار الشديدة التطرف, التي ينادي بها حزب العمال الكردستاني لإقامة كردستان الكبرى من ميناء (إنطاكية) على البحر الأبيض المتوسط إلى ميناء (بوشهر) على الخليج العربي, ومن الحسكة في سوريا إلى (بروجرد) في قلب إيران, وهي مطالب لا يقبلها العقل ولا المنطق (انظر الخرائط). 

    نعمة الاستقلال أم نقمة الانسلاخ؟

    ربما كان استقلال جنوب السودان في التاسع من تموز الماضي حافزا أجج المشاعر القومية لدى الكرد, وأشعل في قلوبهم جذوة المطالبة بتقرير (حق المصير), وأعاد إليهم الأحلام القومية الموروثة, وربما كان لانفصال (الشركس) عن جورحيا, وانفصال كوسوفو عن صربيا هو الذي منح النزعات الانفصالية شحنات جديدة, سيما أنهم يتمتعون الآن بمزايا الاستقلال, ويعيشون في بحبوحة الدولة المستقرة, بعد أن توفرت لهم مظاهر الدولة العصرية من علم ودستور ونشيد قومي وسيادة وبرلمان وجيش متكامل وحرس حدود وجمارك موزعة على المنافذ الحدودية, حتى وصل الأمر إلى فرض بعض حالات العزل والانفصال الجزئي, التي تمثلت بوجوب حصول أبناء المحافظات العراقية الجنوبية على موافقات مسبقة, أو حصولهم على الأذن المسبق قبل السماح لهم بزيارة مصايف شمال العراق.  

    وهي الآن دولة مدللة تأخذ مصروفها اليومي والشهري والسنوي من جيب بغداد, وتتمتع بـ (17%) من واردات نفط الجنوب, من دون أن تضطر إلى التفريط بمواردها المالية من أجل تعزيز موارد الخزينة المركزية, فمواردها لها, وثرواتها لها, بينما تعيش من واردات نفط البصرة وأخواتها.  

    وهي الآن تميل إلى الانفراد بالرأي خارج سلطات المركز, خصوصا بعد أن صارت تستقبل البعثات والوفود الرسمية في مطاراتها, وتتحاور معهم على أرضها, وتعقد معهم الصفقات والاتفاقيات الثنائية من دون أن تزعج نفسها بمخاطبة المركز, ولم يعد خافيا ما تريده القيادات الكردية من مكاسب جديدة تضاف إلى المكاسب القديمة, لتحقيق التكامل المطلوب لبناء الدولة القوية عن طريق ضم المزيد من المدن العراقية وإلحاقها بإقليم كردستان, بيد أنها ترى أن التريث مطلوب في هذه المرحلة لحين فرض الهيمنة الكاملة على كركوك وخانقين, وضم بعض الأجزاء من الموصل, ومناطق أخرى مبعثرة هنا وهناك, تمهيدا لإعلان الاستقلال القومي للكرد, والحصول على الموافقات الدولية على الانفصال الثاني من جسد العراق, بعد أن انفصلت عنه الكويت بعملية قيصرية أجريت له في (حفر الباطن) على يد بريطانيا (العظمى), فهل ستجري أمريكا (العظمى) العملية القيصرية الثانية ؟, وما هي ردود الأفعال التركية والإيرانية والسورية إزاء ولادة الدولة المنشقة التي ستكون بمثابة الحاضنة الرئيسة لتجميع وتركيب ولملمة القوميات والمدن الكردية المستقطعة من أراضيها؟. 

    تساؤلات انفصالية

    أولم يرصد أهلنا في كردستان الممارسات الكردية التي تسعى لإضعاف الحكومة المركزية في بغداد, والدفع باتجاه تعزيز قوة حكومة الإقليم, وجعلها هي الواجهة السياسية التي تمثل العراق, وهي المؤهلة لفتح قنوات الحوار مع العالم في كل ما يتعلق بالعراق ؟

    أولم يعلم أهلنا في كردستان أن العراق كله يكاد أن يكون دولة كردية بامتياز, فالرئيس كردي, ووزير الخارجية كردي, ووكلاء الوزراء أكراد, ومعظم السفراء وأعضاء البرلمان من الأكراد, وصارت جوازات السفر بلغتين (كردية وعربية), وربما تصبح العملة العراقية الورقية بلغتين (كردية وعربية), ونخشى أن يأتي اليوم الذي يطالب العراقيون فيه بانفصال إقليم العراق عن دولة كردستان؟فهل يوجد في الكون كله من يفكر بمغادرة فردوس الإقليم, التي يعيشها الآن في كنف العراق, ويرفض هذا النعيم والرخاء والازدهار ليلقي بنفسه في التهلكة, ويخوض حقول التجارب القومية الملغومة ؟؟, وهل يوجد إقليم واحد في الكون كله يتمتع بهذه المزايا والعطايا والدلال والموارد والثروات مثل التي يتمتع بها إقليم كردستان, ويفكر في رفضها والتخلي عنها, فينفصل عن العراق ليزج بنفسه في فوهات البراكين الإيرانية والتركية المستعرة بالحمم السياسية المدمرة, والمتأججة بالصراعات القومية المرهقة ؟, أولم يشعر أهلنا في كردستان بما تقوم به القوات التركية والإيرانية الآن من قصف ومطاردات وغارات ومداهمات بين الوديان والجبال, في خطوات استباقية ساحقة لكسر شوكة الحركات الكردية المسلحة قبل إعلانها الانفصال والاستقلال؟.والله يستر من الجايات..

  • في الدفاع عن الأغنياء

    تلك دعوة أطلقها ملياردير هندي دعا من خلالها إلى ضرورة تأسيس جمعية لدعم الاغنياء في العالم مبررا في سياق تلك الفكرة الماكرة من أن كل الأديان والأنبياء والمصلحين وصولا الى الجمعيات والمنظمات الإنسانية وعلى مختلف اتجاهاتها كانت تدعو الى الاهتمام بالفقراء ومساعدتهم ومازالت حسب زعم ودهاء ذلك الملياردير الماكر الذي علل -ايضا- لتمرير فكرته ان كل تلك المحاولات والدعوات والاحتجاجات والاستغاثات والبيانات لم ترفع عن الفقراء -الى يومنا هذا- ذلك الحيف ولم تمحو عنهم صفة أو حالة الفقر والحاجة والعوز. 

    من هنا،، من خرم هذا الباب يدخل متماديا ذلك الثري الهندي بغية تعزيز (مشروعية) حلمه بالدعوة والاصرار على ضرورة دعم زخم وجود مثل هذه الجمعية التي يجب ان تهتم وترعى شؤون أمثاله من الاغنياء ممن أنعم الله عليهم بوافر النعمة التي تحول التراب في أيدي أمثال ذلك الهندي الى ذهب أو ماس ومعادن ثمينة أخرى قد لا يعرفها إلا الراسخون في شؤون جمع الثروات، وأن تبعد عنهم تلك الجمعية المزعومة حسد الحاسدين وطمع الطامعين ونقم الناقمين و(ربص) المتربصين والمعتاشين على قوت ما يحققه هؤلاء الأثرياء- الأبرياء وهم يحققون بدأبهم وجدهم ومثابراتهم الجريئة والبريئة من أجل الحصول والوصول الى عرش المال والدلال والجمال بحاصل تغيير الحال والأحوال وواجب  الحفاظ عليها من طمع عيون وسيلان ظنون  لعاب الفقراء والمعوزين امامها  من الذين لا يبذلون أدنى جهد ومحاولة لتغيير طبيعة حياتهم وكل ما يملكون هو الاكتفاء بالدعاء والرجاء والتشبث بالأماني التي هي رأسمال المفلسين.!!

    وعلى هامش غرابة فكرة هذه الجمعية التي يناضل ويقاتل من أجل تأسيسها ذلك الملياردير، نذكر مرة ان سئل أحد الصحفيين (تشارلي تشابلن) الذي بدأ حياته فقيرا معدما قبل ان يتحول الى أحد المشاهير والاغنياء وان يكون من طبقة النبلاء سؤالا مفاده: )لماذا لا توزع ثروتك على فقراء بلادك لطالما وانت تنتمي الى اليسار الانكليزي؟) أجاب تشارلي:( يسعدني ان أقوم بذلك ولدي الرغبة في أن أوزع ثروتي باونا…. باونا على كل الفقراء من أمثالي أيام العوز والحاجة، لكن- صدقني- كل ما سافعله أني  سازيد على قائمة الفقراء رقما آخر هو(أنا)! 

    حكاية أخرى تدور في فلك هذا الموضوع، تفيد بأن صحفيا تجاسر وسأل أحد الملوك العرب: (لماذا لا يدفع جلالتكم واحدا بالمئة 1% من ملياراتك لدعم أسعار الخبز بعد ان سجلت ارتفاعا كبيرا في البلاد؟) فأجاب الملك ببرود وثقل دم :(هذه أموال العائلة المالكة،، وهي ليست أموالا عامة)،، ما حصل بعد الذي حصل في نهاية هذه الحكاية اختفاء الصحفي عن الوجود، ولم يجب جلالة الملك المعظم عن سؤال مهم هو: (من أين لهم هذه الاموال؟ وكيف جمعها جده الذي دخل عاصمة تلك المملكة هاربا من بلاده الأصلية على ظهر(جحش).؟!!  

  • شعب يستغيث وأقلام تستحضر الخبيث

    تطالعنا بعض الاقلام بمزاج ملتبس يستحضر النعوت ويوزع الشتائم ويتقمص الاحكام بعد إفراغها من محتواها في هجرة واضحة للعقل, وتنكر لحقائق التاريخ والميدان, وكأنه يرى ولا يرى غيره, ويسمع فوق ما تتحمل الاذن البشرية, ويسمح لنفسه أن يفسر ويؤول وهو لايعرف منهجا للتفسير ولا يهتدي لطريق في التأويل, فهو كحاطب الخريف يخشى سقوط المطر, فلا يبقي خيرا لغيره من البشر.

    وهذا الصنف من الاقلام عرفتهم بلاطات السلطان ودواوين الظلمة من الملوك فأوتهم وقربتهم وصنعوا لها فرية, وصنعت منهم ببغاء يرددون ما لايعون, فهم أعداء ماجهلوا .

    وهذا الصنف من الاقلام يغترفون بأوعية الجهالة, ويجمعون من تردت أحواله, وتشبثت بالباطل أماله, فالحسن عندهم قبيح, والبليغ عندهم غير فصيح, والناصح عندهم غير مريح.

    هؤلاء غادروا دوحة الرحمن, وأستزلهم الشيطان لأنهم لايفرقون بين الرحمة والنقمة, ولا بين العدل والجور, وألامثلة على ذلك كثيرة منها:

    1-  فالثورة عندهم ، قتل على الهوية مبرر 

    2-  والثورة عنهم إغلاق قسري للأسواق 

    3- والثورة أن تقتل ألاطفال وأكبر عدد من النساء والرجال ثم تقول ذبحهم جيش الدجال بالدبابة والمدفع ووسيلة القتل طعنا بالسكين أو رصاصة في الرأس لاتدفع .

    4- والثورة عندهم أن تستعين بإسرائيل, واليهود أعداء لجبرائيل, فكيف يستوي هذا. “ربنا لاعلم لنا إلا ما علمتنا”.

    5-  والثورة عندهم عرابها من عق أبيه , والحديث الشريف: لاتنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم.

    6-  والثورة عنهم نصيرها من يمنع النساء من قيادة السيارة.

    7- والثورة عندهم جنودها ليبيون أكملوا تحرير ليبيا فتركوا برقة تصبح أقليما وجاءوا يحثون الخطى الى باب عمرو وأدلب والجنادورية يكتبون فوق رؤوس التقلى من ألابرياء في كرم الزيتون من هنا مرت كتائب الفاروق. والفاروق العادل بريء منهم.

    8- والثورة عندهم عبوات ناسفة لاتفرق بين البريء والجاني.

    9- والثورة عندهم مفخخات وألغام وتفجير منازل وحرق ممتلكات ونسف قطارات وخزانات وقود ثم رميها بعهدة الجنود.

    10- والثورة عندهم سرقة بنوك ومصارف .

    11- والثورة عندهم استقدام القطريين عبر مطار بيروت ثم أيوائهم في بعض البيوت على الحدود في الطريق الى التسلل غير المحدود حيث يكون القنص والاغتيال أفضل الموجود.

    12- والثورة عندهم اغتصاب النساء ولا تناقش في الدهماء وفتاوى المخنث بأسم الفقهاء.

    13- والثورة عندهم لاتفرق بين الالف الموالي والمليون المعارض مادامت الحالة قابلة للتفاوض.

    14- والثورة عندهم أحقاد فكلها أمجاد ولا معنى لما يرفضه العباد.

    15- وهم لايعرفون كيف صار عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل وهو سليل العائلة الاموية التي أستباحت سنة الرسول المختار, فلم يمنعه تاريخ عائلته من التحليق بالامجاد. وهم بذلك لايعرفون لماذا لايحق لغيره أن يحذو حذوه. أنها عقدة العقد وزفرة الأنا المربوط بالمسد والمطعم بالحقد.

    16- والثورة عندهم ماترضى عنها أمريكا التوراتية وفرنسا التي تحارب الحجاب وتمنع النقاب.

    17- والثورة عندهم ما يناسب الرغبة الاوردغانية وما يحلل الدرع الصاروخية وما يحرم المقاومة الفلسطينية والعراقية واللبنانية.

    18- والثورة عندهم لا تعترف بالحشود المليونية في ساحات: العباسيين, والامويين, والسبع بحرات, ولا تعترف بوطنية حلب ودمشق عندما يحتضنان الإصلاح.

    19- والثورة عندهم لاتعترف بمظلومية أهالي البحرين وتظاهراتهم السلمية ويتهمونها زورا بالتدخلات الاجنبية وهم يستجلبون الى سورية عصابات الارهاب من ليبيا والسعودية وقطر وتركيا ومن سلفية مخيمات لبنان الذين بدلوا الطريق الى إسرائيل بالطريق الى سورية لزرع الفوضى والخراب حتى كفر أغلب أهل سورية بالأعراب.

    20- هل عرفتم لماذا يستغيث الشعب السوري. وحتى لانسد الطريق على بعض النقيق: نقول، أغلب الشعب السوري الذي صوّت على الدستور الجديد بنسبة 57|0 وصوت من نسبة المقترعين 89|0 وسينتخب برلمانه في 7|5|2012 فهل بعد هناك حجة لمتعثر في لحن القول. كيف يمكن أن تكون الديمقراطية بغير ذلك. أم أن الديمقراطية أصبحت عبوة وكاتم ومفخخات وضمائر تشترى وأموال يسيل لها لعاب صغار النفوس, حتى تخرب الأوطان ويستباح الإنسان. هذه هي لغة الأقلام التي تصنع الخبيث والتي نسمع هذيانها مستغلة حرية المدونات وعدم معرفة الناس بما يجري في أرض الواقع الزاخر بخلاف ماتنقله فضائيات الهوى الصهيوني والعجز الملوكي المتحجر بأنظمة سباق الهجن.

    قي سورية شعب يعرف مايريد, عرف أخطاء نظامه فطالب بإصلاحها, وعرف الفساد فرفضه, وطالب بإقصاء الفاسدين, وعرف من يريد استغلال المطالبة بالإصلاح فيحولها الى ثارات شخصية وشعارات طائفية فرفضهم, وعرف من يستقدم الذباحة ويزودهم بالسلاح الإسرائيلي والمال العربي الموظف دائما لتمزيق الامة ونصرة أعدائها.

    في سورية شعب يحاصر من أجل التجويع والتركيع فيتعالى بالصبر والصمود, في سورية رجال يديرون مواجهة حرب كونية أعلامها أخبث من سلاحها, ونواياها البعيدة يشيب لها الولدان ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه, ولو عرف العراقيون ماذا يخبئ لهم من جراء الحرب على سورية لما غمضت لهم طرفة عين. ولكننا نرى البعض منهم ساه, فلا البرلمان عرف أسرار اللعبة, ولا الحكومة أجتهدت في أدوار تجعلها تجتاز المواقف الصعبة.

    في سورية شعب يستغيث ومعه رجال أصبحت إدارتهم للموقف تستحق الدراسة منهم بشار والمعلم والمقدسي والجعفري الذي أصبحت حواراته في مجلس الامن تعجب المحللين السياسيين من غير المتحيزين, ومع هذا الطراز من رجال الدولة برز كتاب ومحللون أجادوا الاداء منهم الدكتور أحمد الحاج علي, وضرار محمد جمو, وطالب إبراهيم, وخلد العبود وعمران الزعبي, وكندة الشماط, ولهم أصدقاء أوفياء للحق مثل: ناصر قنديل, ووئام وهاب،  وكريم بقرادوني, وأيلي الفرزلي, وجان أبوفاضل, والعميد حطيط, ووليد سكرية،  ورفيق نصر الله, وغالب قنديل, وأنيس نقاش, وعادل الجرجوري, وإبراهيم فيومي, والشيخ ماهر حمود, وقائد المقاومة السيد حسن نصر الله  هؤلاء كانوا أهلا لنداء الاستغاثة, وغيرهم كان مثالا للخباثة, ولكن الشعب السوري سيكسب الرهان لآن الحق معه..