Blog

  • مقاولون…

    مقاولون في هذا الوقت مثل كثير من العناوين الأخرى, قد يشغلها من لا يناسبها ولا يستحقها.. ومنهم حمير تحمل ثروات, وجرذان في لبد اسود.. يتعاملون بالمليارات ويخطفون كسرة الخبز اليابسة من فم الشحاذ.. ويغمطون حق العامل قبل ان يجف عرقه, ويتنصلون من وعودهم واتفاقاتهم وينسون القابهم وصيت عوائلهم ومخافة الله..

    التقط هذا المقاول بلسانه وهيئته ولقبه هذا المهندس, واوكل له ادارة مشروعه في احدى المحافظات.. واكمل شهره الاول ولم يدفع له راتبه.. ومضى الوقت , الى ان جاءت المكاشفة, وبدأت المساومة.. الراتب مقابل التوقيع على الحصول على سلفة الحكومة.. على ان يدون اضعاف المنجز فعلا من حيث العمل والكلفة فرفض المهندس.. وجرت المساومات والمحاولات… ولا فائدة فالمهندس الشاب يمتعض من الغش ويخشى الحرام.. اما استحقاقه من الرواتب فقد قضم المقاول منها الكثير.. زاعما انه توهم في تقدير اجوره.. وانه دون ذلك..و.. موافق.. إلا ان المقاول لا يتوفر لديه الان كامل المبلغ,, وعندما يبيع ذهب زوجته سيدفع له المتبقي…

    هذا ما يمكن قوله عن مقاول من هذا الزمن… حيث تحال الملايين من الدولارات وكذلك المناصب والمهمات لمن هم ابعد الناس عنها, واخذ هذا العنوان ما يهينه ويبتذله وهذا ما ينسجم والسائد من التسيب واستشراء الفساد.. حتى بحت حناجر رجال الدين بشجبه.. وكف المواطنون عن الامل في نهايته, فكان ان تمدد المقاول الفاسد واخذ كامل حريته وترك لدناءته ان تهفو لاجور العاملين .. وهذا يعني ان الوقت لا يطول وتكشف المشاريع عن غشها وهشاشتها وزيفها .. وستتهدم الأبنية على رؤوس ساكنيها, والطرق تحت اقدام سالكيها….والخ، وقد تأسس الفساد.. وتحول الى سلوك مألوف, واعتاد الفاسدون وايقنوا ان احدا لا يدري بأحد وكل متروك لحاله امام الثروات, وهناك اكثر من سبب.. واكثر من حقيقة, واغزر من واقع يدعوه لتصويب نظره نحو الأخذ والنهب وتكديس الثروة وخطف (الدينار) من مكان العبادة.. ومن كد العامل… فقد تبين له ان يسحق على (خرافات القيم والمبادئ ووسوسات الضمير) فهو يساوي رصيده وما في جيبه.. وهكذا  يرى… أناس يحسبون على الوجهاء وعلية القوم.. وممن يدفعون حيواتهم من اجل كلمة.. وممن يظنون ان الاموال وسخ دنيا وان معناهم ووجودهم يقاس بنظرة المجتمع لهم.. وقد انقلبوا الى النقيض وما عاد يحرجه ان يمشي عاريا في الاسواق العامة… وبما يعني موت المجتمع داخله.. ويعني ايضا انه عدو للمجتمع… وكل هذا انما محصلة لتحلل اخلاقي وقيمي شخصه سياسيون ورجال اجتماع وأئمة دين… إلا انه لا خطوة واضحة باتجاه برنامج تربوي واخلاقي وقيمي… وبدأ الامر وكأن هناك برنامجا خفيا يعمل على تكريس القتل المادي والمعنوي.. ويوفر كل هذا الامان للفاسدين والقتلة.. وإلا ما كان لمقاول (محترم) ان يترك لدناءته كل هذه… الحرية الخلاقة…

  • إنصفونا وإنصفوا نصيف !!

    انصفونا يا منصفين وأنصفوا عالية نصيف، فليس من العدل والإنصاف أن تصادروا حقوقنا المشروعة بالدفاع عن أرضنا وحدودنا ومياهنا، وليس من العدل أن تسمحوا لدول الجوار بالتطاول علينا والتجاوز على حقوقنا، وتمنعوننا في الوقت نفسه من ممارسة حقنا الطبيعي بالرد عليهم وإسكاتهم. لقد كان صوت السيدة عالية واحدا من تلك الأصوات، التي عبرت عن هموم العراق وأوجاعه، ولم تقل أكثر مما قاله البروفسور الاندونيسي  السيد مختار كوسوما اتمادجا (Mochtar Kusumo Atmadja)، ذلك الرجل الذي أنصف العراق فأنصفه التاريخ عندما رفض الرضوخ لرغبات الطامعين بثروات العراق، ولم ينحاز للكويت على حساب الحقوق العراقية، ولم يفرط بمياه العراق الإقليمية وممراته الملاحية، ولم يشترك في جريمة تضييق الخناق على موانئنا، فاستحق أعلى درجات التكريم والتقدير، ونال أرفع أوسمة الشرف، وكتب اسمه في سجلات الفرسان العظام.

    لم يكن هذا الرجل عربياً، ولا عراقياً، وإنما كان إنسانا واعياً متحضراً شريفاً عفيفاً نزيهاً صادقاً متجرداً من الشبهات، سخر مواهبه العلمية لمناصرة الحق والعدل والإنصاف، ومقارعة الظلم والباطل والشر، ووقف وقفته الشجاعة عندما فضح ضلالة مجلس الأمن، فقدم استقالته إلى المستشار القانوني للأمم المتحدة، وبيّن فيها أن تخطيط الحدود البحرية العراقية الكويتية ليس من اختصاص اللجنة، ولا من واجباتها، وان الإحداثيات المقترحة في قطاع خور عبد الله لم تجر الإشارة إليها لا في المرتسمات القديمة، ولا في الحديثة، وبالتالي عدم وجود أي تحديد للحدود البحرية يمكن أن تتخذه اللجنة سبيلا، وأوضح هذا الرجل الشجاع موقفه الثابت في رسالتين موجهتين إلى الأمين العام نفسه، عبَّرَ فيهما عن وجهة نظره وتحفظاته على شروط صلاحية اللجنة، وأشار في رسائله إلى مناقشاته العديدة والمضنية مع المستشار القانوني في الأمم المتحدة حول صلاحية اللجنة ومآربها الخفية. . كان هذا الرجل صريحاً وواضحا في موقفه الرافض لإجراءات اللجنة التي رسمت ملامح القرار الباطل (833)، فقال كلمته على رؤوس الإشهاد، ووضع أصبعه في عيون القوى الاستعلائية الغاشمة، من دون ان يرف له جفن، على الرغم من كل المغريات المادية والمعنوية، ومن دون ان يخاف في قول الحق لومة لائم، فتنحى عن رئاسة اللجنة، وغادرها بجبين ناصع، وجبهة مرفوعة، ولم يلوث سمعته في مصادرة حقوق العراق الشرعية.ثم تبلورت المواقف الوطنية ووقفنا كلنا ضد الانتهاكات الحدودية على مسطحاتنا البحرية وممراتنا الملاحية، ووقفت معنا (عالية نصيف) بشجاعتها المعهودة، فتصدت للتجاوزات الكويتية، وعبرت بصراحة عن مواقفها الوطنية، وعرفها الناس بدفاعها المستميت عن مياهنا الإقليمية، وهذا هو واجبها وواجب كل عراقي شريف يرفض الضيم ويقارعه ولو بلسانه، وأن لا يجامل دول الجوار على حساب مصلحته الوطنية..فهل يلام الإنسان على مواقفه الوطنية الشجاعة ؟. وهل تفسر مواقفه الوطنية على إنها دعوة متطرفة لإثارة الشغب. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا ترد المؤسسات المعنية في العراق على الشتائم التي تكيلها ضدنا الصحف الكويتية، ولماذا لا تقاضي الصحف التي تصاعدت نبرتها في الأيام الأخيرة على خلفية المواقف العراقية الشعبية الرافضة لمشروع ميناء مبارك. راجعوا ما نشرته جريدة (السياسة) الكويتية الصادرة في 17/7/2011 ، واقرءوا مقالتها التي حملت عنوان (غربان الشمال) بقلم: صالح الغنام، وكيف يصفنا فيها بالغربان المشئومة، ويوصي حكومته بضرورة ((إبقاء الخلافات الداخلية دائرة ومشتعلة في العراق، حتى ينشغل أهل العراق بأنفسهم، وينصرفوا عن الكويت))، ويوصيها بحشد طاقاتها كلها لزعزعة الأمن في العراق، وبث الفرقة بين أبناء الشعب العراقي، ويوصيها بإذكاء نيران الفتن القبلية والمذهبية والطائفية، وتأجيج الصراع بين الفئات المتنازعة، وتشجيعها على التناحر مع بعضها البعض.

    واقرءوا على صفحات جريدة (الوطن) في 20/7/2011 مقالة أخرى تحمل عنوان: (ألو الحجاج ؟)، بقلم الكاتب الموتور (مفرج الدوسري)، يجري فيها مكالمة هاتفية وهمية مع الحجاج بن يوسف الثقفي، ويطالبه فيها بالنهوض من قعر جهنم، والعودة ثانية إلى العراق، لكي يقطع رقاب الناس هناك، ويقتلهم بالجملة إرضاءا للأحقاد التي يحملها (مفرج الدوسري) ضد الشعب العراقي الصابر المجاهد. ثم يعود (مفرج) نفسه على صفحات جريدة (الوطن) ليكتب مقالة أخرى في 29/2/2011، تحمل عنوان: (أيتام صدام والردح الكاولي)، يبتدئها بالهجوم على الحكومة العراقية الحالية ويصفها بالفشل، بقوله: (مازالت السلطات العراقية مستمرة في إلقاء تبعات فشلها وإخفاقاتها على الكويت)، ويصنف فيها الشعب العراقي إلى ثلاثة أصناف، فهم في نظره، أما (أيتام لصدام)، أو (عملاء لإيران)، أو (رعاع ومغفلين)، ويواصل من خلال تلك المقالة استغاثته مرة أخرى بالحجاج للانتقام من العراقيين والبطش بهم.واقرءوا على صفحات جريدة (الرأي) في 24/7/2011 مقالة بعنوان: (الفاو وأم قصر المحتلة)، بقلم (فهيد البصيري)، والتي يبتدئها بهذه العبارة العدوانية الشمولية الجازمة: (لن يتوقف العراقيون عن حماقاتهم إلا إذا توقف كوكب الأرض عن الدوران)، ويستخف في مقالته بتاريخ الدولة العراقية، وينتقص من مكانتها السياسية والتاريخية، ويتهكم على الحضارية السومرية، وينعتها بأبشع النعوت، يسميها (الحضارة الحومرية) نسبة (للحمير) أعزكم الله، ويزعم أن الفاو وأم قصر والزبير ممتلكات كويتية صرفة، ويناشد الحكومة الكويتية بضرورة العمل على استعادتها، واستردادها من قبضة العراق.واقرءوا على صفحات جريدة (الوطن) في 30/7/2011 مقالة استفزازية أخرى، بعنوان: (العراق الجديد بنفس نوايا صدام)، بقلم (وليد بورباع)، وفيها يتجنى الكاتب على الشعب العراقي بطريقة سافرة، ويتطاول عليه بعبارات جارحة وألفاظ نابية. واقرءوا مقالة الكاتب الكويتي المتهتك (فؤاد الهاشم) على صفحات صحيفة (الآن) الكويتية، والتي يشتم فيها الشعب العراقي بكلام فاحش لا يصدر إلا من حاقد يبول من فمه، وهذا مقطع من كلامه البذيء:- ((العراق يشبه الكلب الضعيف المربوط بشجرة، ينبح على الكويتيين ليل نهار، ليس لديه طائرات قاذفة مقاتلة، ولا دبابات، ولا قوات برية، ولا بحرية، ولا يستطيع، ولا يجرؤ أيضاً، لفعل أي شيء ضد الكويت للمائة سنة القادمة، مع الوجود الأمريكي عند الطرفين)).ونحمد الله، أننا في العراق لم نهبط إلى هذا المستوى الرخيص في التراشق الإعلامي، ولم نتطاول على الشعب الكويتي الشقيق مثلما تطاول علينا محمد بن إبراهيم الشيباني، ومفرج الدوسري، وصالح الغنام، وفهيد البصيري، ومحمد الجدعي، وفؤاد الهاشم، وعوض المطيري، الذين بالغوا في الاستخفاف بالشعب العراقي وفي الإساءة إليه، ونحن عندما طرحنا أفكارنا الرافضة لإنشاء ميناء مبارك في هذا الموقع الحرج، الذي يتقاطع مع مسارات الخطوط الملاحية الوحيدة المؤدية إلى الموانئ العراقية، كان رفضنا مبنيا على الأسس العلمية والتشريعية والملاحية والجيولوجية والحدودية، وكان اعتراضنا مدعوماً بالشواهد التاريخية الراسخة في ذاكرة خور عبد الله، فجاءت أفكارنا متطابقة تماما مع الأفكار الكويتية الرافضة لهذا المشروع، بل إننا لم نتطرق إلى سلبيات ميناء مبارك مثلما تطرق إليها النائب الكويتي المتشدد (وليد الطبطبائي) بمقالته التي نشرتها جريدة (الوطن) الكويتية في 27/7/2011، وكانت بعنوان: (ميناء بوبيان. . فكرة غير مناسبة)، والتي فنَّدَ فيها فكرة المشروع، وتوقع فشله في المستقبل القريب لأسباب بيئية وملاحية وأمنية ومالية وإستراتيجية، وحذر من تفجر الأوضاع الحدودية عند تقاطعات المسارات الملاحية المتشاطئة. واختتم الطبطبائي مقالته بجملة من الحلول والمقترحات طرحها على الحكومة الكويتية، تلخصت: (باختيار موقع بديل للمشروع، بحيث يكون خارج مناطق التوتر، أو اللجوء إلى الاستفادة من الأموال المهدورة في جزيرة (بوبيان)، وتوظيفها في توسيع مينائي (الشعيبة)، و(الدوحة)، أو نقل المشروع إلى جزيرة (فيلكا) واستغلال موقعها البحري العميق، وإنشاء جسر (بحري –  بري) بين الكويت وجزيرة (فيلكا)، والسعي لربطها بخطوط السكك الحديدية لنقل الحاويات من والى الجزيرة، أو تزحيف موقع المشروع ونقله إلى الطرف الجنوبي من جزيرة (بوبيان)، على أن تكرس الحكومة الكويتية جهودها لتحويل الموقع الحالي للمشروع إلى قاعدة بحرية عسكرية كويتية متقدمة، تكون على أهبة الاستعداد عند خطوط المواجهات الساخنة مع إيران أو مع العراق)، فإذا كانت بعض الأصوات الكويتية المنصفة تتفق معنا في رفض فكرة ميناء مبارك، فلماذا تمنعوننا من ممارسة حقنا الطبيعي في الدفاع عن مصالحنا المستقبلية ؟، ومن ذا الذي سيقاضي الصحف الكويتية على حملات السب والشتم التي ماانفكت تشنها علينا، والتي تتهجم فيها على الشعب العراقي بأساليب سافرة ؟. وهل اطلعت الحكومة العراقية على نصوص المقالات الكويتية، التي تنعتنا بالرعاع والغربان والكاولية، وتتهمنا بالعمالة والتخلف ؟. وهل قرأ أعضاء البرلمان الكتابات الكويتية، التي تشوه تاريخنا، وتستخف بحضارتنا، وتنعتنا بأبشع النعوت والصفات ؟؟. . ختاما نقول إذا كان البرلماني لا يحق له التصريح، ولا المطالبة، ولا حتى توجيه اللوم ؟، فمن ذا الذي يدافع عنا ولو بالكلام أو حتى بالهمس إذا وقع ما لا يحمد عقباه ؟، وما الذي سنقوله إذا وقعت الكارثة وصار العراق من الأقطار المغلقة بحريا، وهو الذي كان سيد الخليج العربي كله (خليج البصرة) قبل أقل من نصف قرن ؟، بحيث بسط نفوذه على الخطوط الملاحية الممتدة من (رأس البيشة) جنوب الفاو، إلى (رأس مسندم) في مضيق هرمز. .والسؤال الأخير هو: ما الذي يمنع وزارة الخارجية العراقية من عرض قضية الحدود البحرية على أنظار المحكمة الدولية ؟. وما الذي يمنعها من الاستئناس برأي الوزير الاندونيسي المتقاعد (المختار) باعتباره من أهم الشهود على سوء النوايا الدولية، التي حرمت العراق من حقوقه السيادية في خور عبد الله ؟؟؟؟. .

    حكمة وطنية

    تعلمنا منذ الصغر إن الحق حق، وإن الباطل باطل، وإن الخير خير، وإن الشر شر، وإن لا شيء يصح إلا الصحيح، وإن للحق جولات، وللباطل جولة واحدة، فإن كان لنا حق عند أحد سننتزعه بأسناننا دون خشية من أحد، فالله معنا، ولن يتخلى عنا، وسيظللنا برحمته، ويمدنا بأسباب القوة والمنعة، وأسباب البقاء. .

    الدكتور عماد عبد اللطيف سالم

  • «صديقنا» كي مون

    العنفُ يستشري في أكثر من مكان في العالم. الصومال على سطح صفيح ساخن، وأرتيريا كذلك، مصر لم تستعد استقرارها، وتونس تبحث عن ملامحها الجديدة. اليمن تجاوزت عنق الزجاجة بعد الانتخابات الأخيرة، لكنها لم تدر حتى الآن إن كان هذا التجاوز إلى خارج حدود الزجاجة، أم إلى داخلها، والتفجيرات الأخيرة تضع البلد أمام غابة من علامات الاستفهام، يتعلّق أغلبها بالحراك الجنوبي الذي سيشطر اليمن شبه السعيد من جديد، إلى يمنين. المجاعة تفتك بالملايين من البشر، أغلبهم من الأطفال، لاسيما في أفريقيا المبتلاة بالجوع والمرض. الكوارث الطبيعية تعبث بأمن الشعوب المستقرة، هل هي لعبة توازنات تقوم بها الطبيعة نيابة عن البشر؟.

    وسط هذا المشهد الكوني الملتبس، ثمة دور على منظمة الأمم المتحدة أن تلعبه للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، بل عليها أن تلعب هذا الدور بشكل كامل، يزيح عن كاهل الشعوب شبح الحروب والجوع وفواجع الطبيعة. أليس هذا ما يقبض موظفو المنظمة الدولية رواتبهم الضخمة من أجل القيام به؟. بالمقابل: أليس منصب الأمين العام هو الذي يحدّد وبشكل فاعل، دور المنظّمة في كل تفاصيل المشاهد الكونية الملتبسة؟.

    دعونا نجري مقارنة بسيطة لدور المنظمة الدولية في حل مشكلات العالم في مرحلة كورت فالد هايم، ومرحلة بطرس بطرس غالي. سنصل الى إجراء المزيد من المقارنات بين أمين عام وآخر، منذ تأسيس المنظمة الدولية.

    الأمر يتعلّق بشخصية الأمين العام للمنظمة الدولية كما أسلفت، لكنه يتعلّق بالظروف الدولية أيضاً. فالد هايم استفاد من الصراع الدائر آنذاك بين القطبين المتحكمين بمصائر العالم، ووظّف الحرب الباردة في اتخاذ قرارات المنظمة الدولية، بما ينسجم مع لعبة توزيع النفوذ والحد الأدنى من استقلالية عمل المنظمة، أما بطرس غالي، فإنه كان شاهدا على انهيار القطب الثاني، لكنه «شاهد مشافش حاجة». بمعنى آخر كان شاهد زور على عربدة الولايات المتحدة الأميركية في أكثر من بقعة في العالم. وكل من أعقب الرجل كان مرتهناً إلى حد ما للقرار الأميركي، مع وجود سيناريوهات داخل أروقة المنظمة الدولية، تصل أحياناً إلى الكوميديا المفضوحة. أما آخر عنقود الأمناء العامين للمنظمة الدولية، صديقنا، كي مون، فإنه ومن خلال متابعتي لنشاطه في السنة الأخيرة، سنة الربيع العربي، فأنني أجده أقرب إلى مراسل في قناة الجزيرة أو العربية، أكثر منه أميناً لمنظمة بحجم الأمم المتحدة. القناتان تختزلان العالم بكل حجم الدماء البريئة التي تراق وحجم الكوارث والجوع والمرض، في سوريا، وأية نشرة إخبارية لإحدى القناتين تفضح انهما مكرستان تماماً للأزمة السورية، والأمين العام أيضاً، فالرجل يبدو غير معني بمتابعة قضايا العالم والاهتمام بالسلم والأمن الدوليين، بل أن اهتمامه ينصبّ على الأزمة السورية، ليس من باب إيجاد الحل المناسب، عبر تشكيل لجنة مساعي حميدة بين الحكومة والمعارضة، بل عبر اتهام الحكومة السورية بارتكاب مجازر بحق الشعب السوري، وانصب اهتمام كي مون على مدينة حمص السورية، ما دعا ممثل سوريا الدائم لدى المنظمة إلى القول، أن الأمين العام اعتمد في تقييمه على الشائعات.

    صديقنا كي مون يتماهى، في تناوله للشأن العربي، مع مواقف الغرب، المغرضة في أغلب الأحيان، بل أنه يتقدم عليها في الرياء وادعاء الحرص على حاضر ومستقبل الشعوب العربية. الموقف من ما يجري في حمص، ليس سوى مقطع من مشهد سيتكرر في أكثر من مدينة عربية. لا تتفائلوا.. القدس وغزة والضفة الغربية، غير موجودة على لائحة صديقنا كي مون، لأنها وفق حساباته.. ليست موجودة على خريطة الأمم المتحدة..

  • مهدي أحمد… عمو بابا كرة السلة

      عنوان عمودي هذا مأخوذ من تسمية أطلقها المؤرخ الرياضي الكبير (د.ضياء المنشئ) على الكابتن (مهدي أحمد) أحد أعرق وأنبل فرسان الرياضة في العراق- تحديدا كرة السلة- ألق وسحر وعافية هذا النوع الراقي من الرياضات التي كانت تنافس-بجدارة- ولوقت قريب،، شعبية كرة القدم بسطوة كاسحة،، سابحة،، طافحة في عيون وقلوب محبيها وعشاقها.

       (مهدي أحمد)، الآن بعمر الخامسة والسبعين،، لم يزل حيويا،، مفعما بالحب متواصلا مع الرياضة والحياة،، حاضرا مهيوبا بوسامة لم يخطف الزمن من بريقها كثيرا- أقول، هذا وأنا أدق على الخشب طاردا للحسد- متمنيا أن يمد الله بعمره،، ولعل سر بريق عينيه وابتسامته الانسانية العذبة هي مكمن وعمق ما يسكن روحه من نقاء وصفاء وخبرة واخلاص نادر للحبيب العراق،، وكل ما يمت بصلة للرياضة فيه – ليس حصرا كرة السلة،، عنوان بيت وجوده،، وشعاع ضميره الناصع مثل تأريخه- بل عموم محافل الرياضة التي عرفت لمعان نجم (أبو صلاح… أبو زينة) لاعبا فذا منذ انتسابه الى نادي الحرس الملكي(نادي الجيش حاليا) في زهو مصادفة عيد الحب(فالنتاين) في الرابع عشر من شباط عام 1953 كما يذكر ويتذكر (كابتننا)المخضرم،،أيام رحلة توالي مآثر مسيرته،، بعد أن طاف أكثر بلدان العالم ولعب في ثلاثة أرباع الكرة الأرضية،، أولا مع(نادي الفرقة الأولى) للفترة من عام 1957ولغاية عام1971 ثم (نادي الجيش) الذي ظل متمسكا بعروة هذا النادي الأعمق والارحب والاحب الى قلب(مهدي) من عام1970-1971 حتى لحظات وساعات وأيام وشهور عقوق وتخلي (بعض) أعضاء الهيئة الادارية الحالية لهذا النادي العتيد ممن حث وسعى عن جهل أو تجني لشطب أسمه وعطاءاته ومجهودات بطولاته كما حصل منذ العام الماضي/2011 والى الآن بعد أن كان عضوا بارزا،، واداريا ناجحا في هيئته طوال سنوات ماضية!! فكيف يتم الاستغناء وبهذا الشكل الجاحد عن من أفنى أبهى سنوات عمره تألقا،، متفانيا- حد الاحتراق- في اللعب والادارة وتدريب منتخباتنا،، العسكرية،، والوطنية،، والشبابية لأكثر من خمسة عشر عاما، شارك في عشر بطولات عسكرية عالمية وثلاث دورات عربية وعدد من الدورات الآسيوية محرزا نتائج كبيرة،، مهمة وراسخة في محافل ومباهج كرة السلة التي أهداها قبل سبعة أعوام أهم وأعمق وأغزر مؤلف ومرجع لتأريخ هذه الرياضة عبر كتابه المعنون (نصف قرن في رحاب.. كرة السلة العراقية) تقديم(د.نجم محيّ الدين السهروردي) تعريف(د.ضياء المنشىء) ومراجعة (د.باسل عبدالمهدي).

     فهل يصح… يا جماعة الخير.. أن يعامل هذا الصرح الرياضي والتربوي والانساني بالطريقة التي اتبعها (بعض) أعضاء الهيئة الادارية لنادي الجيش بحق أمجاد ومآثر عطاءات (عمو بابا،، كرة السلة في العراق) والتي أحسبها- أي الأطراف التي سعت وأصّرت على ازاحة الكابتن مهدي أحمد- عن جهل أو عمد- أنما كانت تحقق وتجسد على أرض الواقع حكمة وحزنا قائلا:( إذا أطلقت مسدسك على الماضي.. أطلق عليك المستقبل مدافعه!)،،أما أنا – وأعوذ بالله من كلمة أنا- فأقول لمن يعنيه مثل هذا الأمر: ليس ثمة أرتفاع بلا عمق.!                                                        

  • الدولة والأزمات…

    تعرف الدولة بشعبها وقادتها, وتعرف الشعوب بانتاجيتها, والانتاجية دليل على التنظيم والتخطيط والمثابرة, ولهذا نجد شعوبا صعدت وتقدمت, وشعوبا تراجعت او ظلت تراوح في مكانها, والمراوحة نوع من اعلان التراجع. 

    نحن في العراق نفتقد لثلاثي البناء والتقدم وهو:

    1- التنظيم2- التخطيط3- المثابرة

    وتعرف القيادات في كل شعب بمايلي:

    1- بالعقل المنظر والمشاور2- وبالحكمة3- وقوة الإرادة4- والتوازن

    وهذه هي مواصفات رجل الدولة الذي نفتقده اليوم, وبافتقادنا لرجل الدولة كثرت ازماتنا في كل من:

    1- ادارة الحكومة2- ادارة العملية السياسية3- ادارة العملية الاجتماعية

    ومظاهر الفشل الحكومي في الادارة تتضح من خلال:

    1- كثرة اللجان وغياب الانتاج على مستوى امانة مجلس الوزراء, وتبدل الوجوه, وبقاء الترهل, والكسل والمماطلة والتبرير المستمر في عدم القدرة على مواجهة الواقع بروح وحيوية تتواصل مع الاخر لتزرع المحبة والامل, بل نرى الاصرار على التشبث بالعناوين, واصدار الاوامر التي تجد طريقها بسرعة الى البقاء على رفوف المكاتب لتصبح عبئا ثقيلا على ذاكرة الحفظ والتخزين لتطالها من جراء ذلك يد الاتلاف والحذف وهي العملية الاكثر انقضاضا على ملفات المواطنين التي استودعوها في دوائر الدولة في حالة لايمتلكون فيها خيارا فكانت النتيجة ضياع مصالح المواطنين ومن هنا بدأت ظاهرة فقدان الثقة بين المواطن والدولة, وهذه اشد الازمات التي تؤشر على فشل الحكومة في اية دولة 

    2- كثرة الوعود, وغياب الوفاء بها ومن امثلتها:ا‌- ازمة الكهرباء التي اصبحت تحاصر الحكومات بعدم الثقةب‌- ازمة البطاقة التموينية: التي اصبحت من مظاهر العجز والفشل الحكومي غير المبرر.ت‌- ازمة الفساد: الذي يكتشف المواطنون والرأي العام كل يوم سيلا من المعلومات والاخبار التي تتعلق بممارسات الافراد الذين انيطت بهم مسؤوليات ادارية ومالية, فظهرت تجاوزاتهم على المال العام بما يصنع فضيحة تسقط من اجلها حكومات في الدول التي تحترم شعوبها, مثلما يظهر باستمرار ممل وغير محتمل عجز المسؤولين ممن انيطت بهم مسؤوليات بطريقة جزافية يخجل منها العقل ويندى لها الجبين والمسؤول عن ذلك بلا استثناء كل من:

    ا‌- احزاب السلطة ب‌- رئيس الحكومة الذي يمتلك صلاحيات تؤهله على عزل غير الصالح ممن تلبس بالفساد, ولكنه لوحظ خلال مدة توليه رئاسة الحكومة لايفعل ذلك, ولا يمارس صلاحياته الا فيما يعزز بقاء غير الكفوئين والفاسدين في مكاتبه خصوصا , وفي مؤسسات الدولة عموما ضاربا عرض الحائط كما يقال قرارات مجلس النواب احيانا, وضاربا عرض الحائط بنصائح من يوصلون نصائحهم اليه بطرق مباشرة او غير مباشرة, والجواب الذي يسمعه الجميع دائما هو:”لايوجد عندنا غير هؤلاء” وهذا الجواب هو الذي يؤسس فشل الحكومة ويصنع الازمات , ويولد العجز الدائم في اداء الحكومة, مثلما هو السبب المباشر لخلق حالة عدم الثقة بين المواطن والدولة, ومن هنا كثرت العناوين والاسماء التي اتخذت من مسميات كثيرة منها منظمات مجتمع مدني وهي ليست كذلك, وشركات استغلت ضعف البنية القانونية وضعف التنظيم الاداري لمؤسسات الدولة, فمارست غسيل الاموال, مثلما مارست تهريب المال العراقي معبئا بالصناديق وتحملها الطائرات مثلما تحمل اية بضاعة قابلة للشحن الجوي, بحيث اصبحت احدى عواصم دول الجوار العربية محطة من محطات توريد العملة العراقية بالملايين مما اوقع بعض مسؤولي تلك العاصمة في ممارسة فساد الرشا, وهي الحالة نفسها التي اوقعت ضباطا من جيوش القوات المشتركة في احتلال العراق يقعون في اغراءات المال وصناديقه التي يسيل لها لعاب ضعاف النفوس فكشفتهم مطارات دولهم قبل ان يعلم احد في مطاراتنا التي تسودها الفوضى بسبب الاحتلال وبسبب النفوس الضعيفة ممن جاءوا مع الاحتلال او ممن تغلغلوا في صفوف احزاب السلطة من الذي ملئت بهم ملفات كل من:

    ت‌- الفصل السياسي ث‌- السجناء السياسيين ج‌- ملف الشهداء ح‌- ملف المهاجرين والمهجرين خ‌- ملف الاعانات الاجتماعية

    ووجود مثل هذا الضعف وهذه الفوضى هو الذي يقف وراءه ضعف من يوضع في موضع المسؤولية وهو غير جدير بها, ونتيجة لذلك تظهر ازمات الدولة التي تتخذ طابعا متكاثرا ومستديما مما يضعف الدولة, ويضعف مواقفها, ويجعلها مرتبكة غير قادرة على مواجهة المتغيرات السياسية والتحديات التي تهدد وجودها,, والتي جعلت البعض يتجاوز على مفاهيم الدولة والنظام فبحجة معارضة النظام المتاحة ديمقراطيا, يذهب البعض لمعارضة الدولة, وهنا تظهر مشكلة تتحول الى ازمة تهدد العمل السياسي الديمقراطي بتبعية تشوه معناه, وتمسخ هويته, وهذه الازمة تتجمع فيها اخطاء الحكم مع اخطاء المعارضين الموجه للدولة والمتمثل في تنظيم القاعدة الارهابي الحاصل هذه الايام على موافقة امريكية اوربية يتناغم مع المصالح الاسرائيلي. 

    وهذه الموجة التي تجتاح العالم العربي اليوم, نحتاج معها رجل الدولة صاحب العقل المنظر المشاور, وصاحب الارادة القوية والحكمة التي تبعث الحيوية والامل حتى يتوازن الاجتماع باتجاه بناء الدولة التي تخدم المواطن بغض النظر عن طائفته وعنصره وحزبه, ولونه السياسي. 

    هذا هو رجل الدولة الذي يواجه الازمات ويتغلب عليها, فلنعمل على اكتشافه, فانه موجود في ثنايا مجتمعنا, ولكن العملية الانتخابية بطريقة القائمة المغلقة, والدستور المثقل بالثغرات هما من ضيع علينا اكتشاف الرجال المؤهلين لقيادة الدولة التي تنتصر على الازمات.

  • إجابة متأخرة!

    من هو (العربي)؟ سؤال أرقني منذ سنوات بعيدة، وعلى كثرة ما افترضت إلا انني لم أصل الى إجابة مقنعة، فهل الأمر يتعلق باللغة أو السكن أو الشعور أم النسب؟ أم أن العربي هو كل من يتحلى بالكرم أو الشجاعة وحسن الضيافة؟ وكلما أستقر رأيي عند هذه الصفة أو تلك واخضعتها للنقاش الموضوعي، خطأ ما ذهبت إليه.

    على أية حال، حصل ذات وقت قريب، أن كنت اتابع حوارا على إحدى الفضائيات ، حيث استضاف مقدم البرنامج شخصيتين معروفتين، ولكنهما متعارضتان في وجهة النظر حول القضية المطروحة للنقاش، وقد تولى مقدم البرنامج التعريف بضيفيه على النحو التالي (أرحب بالدكتور جابر، الأستاذ في جامعة كذا، وهو علم من اعلام الفكر والثقافة، وقد صدرت له ثلاثة مؤلفات، هي كذا وكذا وكذا)

    ثم التفت الى الشخصية الثانية (كما أرحب بضيفي الآخر، الدكتور مراد) ولكوني أعرف الدكتور مراد جيدا، فهو أستاذ في واحدة من أرقى الجامعات، وعضو المجمع العلمي العربي، ورصدت له 4 مؤلفات في العلاقات السياسية الدولية، و3 مؤلفات في حقل الفلسفة، زيادة على كتاب في جزءين حول آثار الغزو المغولي، فقد تصورت إن المقدم يجهل هذه المعلومات ولهذا غمط حق الرجل في التقديم!

    كان السؤال الأول من نصيب الدكتور جابر الذي تحدث قرابة 7 دقائق، حتى إذا انتهى من كلامه، توجه المقدم الى الدكتور مراد (أستاذ ما تعليقك على ما قاله الدكتور جابر؟) ، رد عليه (أنا احترم ما ورد في حديث زميلي من أفكار، ولكن هناك ثلاث ملاحظات جوهرية يرفضها المنطق العلمي، أولها…) وقاطعه المقدم (أستاذ عن إذنك… سنذهب الى فاصل اعلاني ثم نعود) وحين انتهى الفاصل، قال المقدم (أستاذ مراد… ورد الان على خاطري سؤال مهم، اتوجه به الى الدكتور جابر، وسأعود الى ملاحظاتك لاحقا) ، وطرح السؤال على الدكتور جابر الذي أفاض بالشرح واستغرق قرابة تسع دقائق، حتى إذا انتهى، التفت المقدم الى الدكتور مراد، وسأله عن رأيه من افكار، فرد عليه (أود قبل ذلك أن اصوب لزميلي جملة من الأخطاء التاريخية، فهو لم ينتبه الى اعوام الحوادث التي استشهد بها، ونسب أقوالا الى غير اصحابها، كما أنه) وقاطعه المقدم (في الحقيقة هناك قضية ساخنة تستحق التوقف، سنرى وجهة نظر الدكتور جابر فيها، ثم أعود إليك!) 

    وتحدث الدكتور جابر ما طاب له من الوقت، وفجأة نظر المقدم الى ساعته وقال (كان بودي مواصلة هذا الحوار الممتع، ولكن الوقت ادركنا مع الأسف، شكرا لضيفي الكريمين) وصرخت بفرح غامر (الان عرفت من هو العربي، حاكما أو محكوما أو مقدم برامج، إنه من يسمع ما يناسبه فقط، ولا يصغي الى كلام الآخر ، حتى لو كان من ذهب) وقفزت من مكاني وطبعت قبلة على وجه المقدم ـ حتى ظنت زوجتي بي الظنون ـ فقد أجاب عن  سؤال حيرني  العمر كله!!  

  • أحكام متطرفة في تكفير علماء العرب

    من منكم لا يعرف الرازي والخوارزمي والكندي والفارابي والبيروني وابن سيناء وابن الهيثم؟. ومن منكم لم يسمع بالغزالي وابن رشد والعسقلاني والسهروردي وابن حيان والنووي وابن المقفع والطبري؟؟. ومن منكم لم يقرأ لافتات المدارس والمعاهد والسفن والمراكز العلمية والأدبية التي حملت أسماء الكواكبي والمتنبي وبشار بن برد ولسان الدين الخطيب وابن الفارض ورابعة العدوية والجاحظ والمجريطي والمعري وابن طفيل والطوسي وابن بطوطة وابن ماجد وابن خلدون وثابت بن قرة والتوحيدي؟؟ لا شك إنكم تعرفون هذه النخبة المتألقة من الكواكب المتلألئة في فضاءات الحضارة العربية التي أشرقت بشموسها المعرفية الساطعة على الحضارة الغربية, ولا ريب إنكم تتفاخرون بهم وبانجازاتهم العلمية الرائعة في الطب والفلسفة والفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلم الفلك والهندسة والفقه وعلم الاجتماع والفنون والآداب,  وكانوا أساتذة العالم فكرا وفلسفة وحضارة, وتعلمون إن عواصم كوكب الأرض تسابقت فيما بينها لإصدار باقات من الطوابع البريدية الجميلة لإحياء ذكراهم, فحلقوا فوق سحب القارات السبع, ونشروا رسالتهم المعبرة عن مشاعرهم الإنسانية الصادقة بين الشعوب والأمم على اختلاف ألسنتهم ودياناتهم.  

    لكنكم لا تعلمون حتى الآن إن هؤلاء العلماء الأعلام صدرت ضدهم سلسلة من الأحكام التكفيرية بقرارات ونصوص متطابقة بالشكل والمضمون مع قرارات محاكم التفتيش, التي كفرت غاليلو,  وجيوردا, ونويرنو, وكوبرنيكس, ونيوتن, وديكارت, وفولتير, وحرمت قراءة كتبهم, وبالغت في مطاردتهم وتعذيبهم والتنكيل بهم, فلا فرق بين تلك الأحكام التعسفية الجائرة, وبين الأحكام الارتجالية المتطرفة, التي ضللت الناس, وحرضتهم على قتل الطبري, وصلب الحلاج, وحبس المعري, وسفك دم أبن حيان, ونفي ابن المنمر, وحرق كتب الغزالي وابن رشد والأصفهاني, وتكفير الفارابي والرازي وابن سيناء والكندي والغزالي, وربما لا تعلمون ان السهروردي مات مقتولا, وإنهم قطعوا أوصال ابن المقفع, ثم شويت أمامه ليأكل منها قبل أن يلفظ أنفاسه بأبشع أنواع التعذيب, وان الجعد بن درهم مات مذبوحا, وعلقوا رأس (أحمد بن نصر) وداروا به في الأزقة, وخنقوا (لسان الدين بن الخطيب) وحرقوا جثته, وكفروا (ابن الفارض) وطاردوه في كل مكان. 

     اغلب الظن إن عامة الناس لا يعلمون بما قالوه عن ابن سيناء الطبيب والعالم والفقيه والفيلسوف, ولا يعلمون بما قاله عنه ابن القيم في (إغاثة اللهفان 2/374), حين قال: ((انه إمام الملحدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر)), وقال عنه الكشميري في (فيض الباري 1/166): ((ابن سيناء الملحد الزنديق القرمطي)), وقال عنه الشيخ صالح الفوزان: ((انه باطني من الباطنية, وفيلسوف ملحد)). 

     

    ولا يعلم الناس بما قالوه عن أبي بكر الرازي, الطبيب والعالم والفيلسوف. قال عنه ابن القيم في (إغاثة اللهفان 2/179): ((إن الرازي من المجوس)), و((انه ضال مضلل)). 

    وقال ابن العماد في (شذرات الذهب 2/353) عن الفارابي: ((اتفق العلماء على كفر الفارابي وزندقته)), وقالوا عن محمد بن موسى الخوارزمي: ((انه وإن كان علمه صحيحا إلا إن العلوم الشرعية مستغنية عنه وعن غيره)), وقالوا عن عمرو بن بحر الجاحظ: ((انه سيئ المخبر, رديء الاعتقاد, تنسب إليه البدع والضلالات)), وقال عنه الخطيب بسنده: ((انه كان زنديقا كذابا على الله وعلى رسوله وعلى الناس)), وقالوا عن ابن الهيثم: ((انه كان من الملاحدة الخارجين عن دين الإسلام, وكان سفيها زنديقا كأمثاله من الفلاسفة)), وقالوا عن أبي العلاء أحمد بن عبد الله المعري: ((انه كان من مشاهير الزنادقة, وفي شعره ما يدل على زندقته وانحلاله من الدين)), وقالوا عن نصير الدين الطوسي: ((انه نصير الشرك والكفر والإلحاد)), 

     وقالوا عن محمد بن عبد الله بن بطوطة: ((انه كان مشركا كذابا)), وشتموا يعقوب بن إسحاق الكندي, وقالوا عنه: ((انه كان زنديقا ضالا)), فقال عنهم: ((هؤلاء من أهل الغربة عن الحق, وإن توجوا بتيجان الحق دون استحقاق, فهم يعادون الفلسفة ذبا عن كراسيهم المزورة, التي نصبوها من عير استحقاق, بل للترؤس والتجارة بالدين, وهم عدماء الدين)), وكان يرى: ((إن في علم الأشياء بحقائقها علم الربوبية, وعلم الوحدانية, وعلم الفضيلة, وجملة علم كل نافع, والسبيل إليه)), وكان يعتقد إن السعي لمعرفة الحقيقة هو مقصد جميع الأنبياء والرسل, وليس فقط الفلاسفة, وبالتالي فإن الفلسفة ليست كفراً, على عكس ما يقولوه عدماء الدين. 

     لسنا هنا بصدد الدفاع عن هؤلاء العلماء الذين غادروا الدنيا منذ أكثر من ألف عام, وسجلوا أسماءهم في سجلات الأمجاد العلمية بحروف من نور, لكننا نخشى ان تفسر نهضتنا العلمية القديمة على إنها عبارة عن امتداد فكري للثقافات الموروثة من العصور البابلية والسومرية والأكدية والأشورية والفرعونية والفينيقية والرومانية والفارسية, أو إنها بذرة منقولة من الحضارات الأخرى غرست في بيئة لا تنتمي إليها, ولا علاقة لها بالثقافة الإسلامية, على الرغم من إن الإسلام أول الأديان التي جعلت العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة, وحثت المسلمين على شد الرحال لطلب العلم ولو كان خلف أسوار الصين, وبناء عليه فان محاولات تكفير هذا الجمع الغفير من العلماء الأعلام, وتشويه صورتهم بهذه الأساليب البدائية الرامية إلى تجريدهم من هويتهم الإسلامية تتقاطع تماما مع الشعار الذي رفعه الإسلام عندما أكد على مواصلة طلب العلم من المهد إلى اللحد, وتمهد الطريق لتراجع مساهمات العرب في إنتاج وتطوير وتحديث منجزات العلوم والفنون والآداب. 

     والاستنتاج الوحيد الذي يمكن نخرج به, هو إن الدعوات التي استهدفت تكفير العلماء في الماضي والحاضر تهدف في حقيقتها إلى تكريس الجهل والتخلف, ومصادرة محفزات الإبداع من المجتمع العربي, وحرمانه من حقوقه الإنسانية, بحيث يصبح غير قادر على مواجهة التحديات, وربما تدفعه إلى التقهقر والتراجع نحو العصور المتزمتة المتشددة المتصلبة, وبالاتجاه الذي يرمي إلى كبح جماح حرية الفكر والعودة بها إلى حظيرة الفترة المظلمة, التي خسرنا فيها كل شيء تقريبا, ولكي تتضح الصورة أكثر, نذكر ان أغلب الفتاوى المعادية للرعيل الأول من العلماء, حصرت صفة أهل العلم على المشتغلين فقط في مجالات الفقه والخطابة, وحفظ وتلقين النصوص الفقهية. 

     نحن ضد تسطيح عقول الناس, ولا نحمل أية ضغينة لعلمائنا الأفذاذ, وهذه مجرد وجهة نظر شخصية لا تحتمل المناقشة ولا التحاور, لأنها إما أن تكون صائبة فتصب في مصلحة الأمة وتراثها الفكري, وترفع الظلم الذي لحق بعلماء العرب في حياتهم وفي مماتهم, أو تكون خاطئة فيصار إلى استنفار مجالس الوزراء, في عموم الوطن العربي من المضيق إلى المضيق, ودعوتها لاتخاذ إجراءات عاجلة تقضي برفع أسماء هؤلاء العلماء من واجهات مدارسها ومعاهدها وكلياتها وشركاتها وصيدلياتها ومستشفياتها نزولا عند رغبات التكفيريين, ورفعها من الطوابع البريدية والعملات الورقية, وان تبادر إلى تنفيذ حملة شاملة لتغيير أسماء مؤسساتها ومراكزها العلمية والطبية والفكرية والأدبية التي حملت أسماء الكندي والفارابي والرازي وابن سيناء وابن بطوطة والإدريسي وابن خلدون وابن حيان والخوارزمي وابن رشد والجاحظ والسهروردي ورابعة العدوية والغزالي والمعري وابن الفارض وابن الهيثم لأنهم في نظر المتشددين يعدون من الملاحدة والكفار والزنادقة والمارقين على الدين, ويتعين على وزارات الأوقاف إخراج ما تبقى من عظامهم من مقابر المسلمين باعتبارهم ليسوا من الملة. 

    من المفارقات العجيبة إن احد فقهاء المسلمين من غير الأصول العربية تبرع وحده بتكفير هؤلاء جميعا من دون أن يستثني منهم أحدا, لا نريد أن نذكر هذا الفقيه بالاسم (تلافيا للإحراج) لكنه كان القاسم المشترك الأعظم في كل الفتاوى التكفيرية التي أطاحت بعروش عباقرة العرب كلهم, وقام بتنفيذ أغرب مقاولة تكفيرية عرفها التاريخ. 

    أخطر الأسلحة

    كانت تهمة (الزندقة) هي السلاح الوحيد الذي حمله أعداء الحقيقة ضد العلماء والمفكرين في كل زمان ومكان, زرعوا بذور الشك والريبة في المجتمعات الناهضة,  فنمت أشجار الجهل والتخلف في وديان الظلام. 

                                        

    البيروني شهد له التاريخ بالنبوغ

    عالم مميز، ولا تكفي كلمة عالم للتعبير عما يعنيه هذا الرجل فهو موسوعة علمية متكاملة تنوعت مجالات معرفته فهو مؤرخ ، جغرافي، فلكي، رياضي، فيزيائي، ومترجم، يقف العديد من العلماء أمام علمه الغزير موقف الاحترام والتبجيل ويتساوى في هذا العلماء العرب والأوربيون الذي أذهلهم البيروني بأبحاثه العلمية واكتشافاته، والتي تسهم إلى اليوم في خدمة العلماء في مختلف المجالات سواء رياضية أم تاريخية جغرافية أم فلكية.

    برز البيروني كأشهر شخصية علمية على مر العصور المختلفة كما برزت مؤلفاته كواحدة من أهم المؤلفات العلمية التي أثرت المكتبات، واعتبرها العلماء إرثا من المعرفة تركها لهم البيروني لينهلوا منه العلوم المختلفة.

    النشأة، هو أبو الريحان محمد بن أحمد الخوارزمي ” البيروني”، ويأتي لفظ بيرون من الفارسية ويعني “ظاهر” أو “خارج” ، ولد البيروني في 4 سبتمبر/ ايلول عام 973م في مدينة كاث عاصمة خوارزم “تقع خوارزم حالياً في أوزبكستان “.

    عرف عن البيروني منذ الصغر حبه للرياضيات والفلك والجغرافيا وأخذ علومه عن العديد من العلماء المميزين منهم أبي نصر منصور بن علي بن عراق وهو أحد أمراء أسرة بني عراق الحاكمة لخوارزم وكان عالماً مشهوراً في الرياضيات والفلك، كما عمل البيروني على دراسة عدد من اللغات حتى أتقنها وكان من هذه اللغات الفارسية والعربية والسريانية واليونانية.                                      

    رحلته مع العلم

    رحل البيروني من خوارزم إلى “الري” نتيجة لحدوث بعض الاضطرابات في خوارزم وكان هذا في عام 994م، التقى في “الري” بالعالم الفلكي ” الخوجندي ” حيث أجرى معه بعض الأرصاد والبحوث الفلكية، وبعد ذلك عاد إلى بلاده مرة أخرى حيث واصل عمله وأبحاثه في الأرصاد، سافر مرة أخرى إلى ” جرجان” عام 998م حيث التحق ببلاط السلطان قابوس بن وشمكير وكان محباً للعلم والعلماء ويزخر بلاطه بالعديد من العلماء المتميزين في شتى فروع العلوم والمعرفة، كما كانت لديه مكتبة ثرية بالكثير من الكتب القيمة.

    التقى البيروني في هذه الفترة بالعالم الجليل ابن سينا وناظره، كما اتصل بالطبيب الفلكي أبي سهل عيسى بن يحيي المسيحي، حيث تلقى عنه العلم كما شاركه في بحوثه العلمية.

    كانت الفترة التي قضاها البيروني في بلاط السلطان قابوس بن وشمكير فترة ثرية بالنسبة له حيث درس فيها وقام بعمل الأبحاث العلمية المختلفة كما التقى بالعديد من العلماء المتميزين وكانت واحدة من إنجازاته المهمة هي قيامه بتأليف أحد مؤلفاته الكبرى وهي “الآثار الباقية من القرون الخالية” وهو كتاب تاريخي يضم التواريخ والتقويم التي كان العرب والروم والهنود واليهود يستخدمونها قبل الإسلام، كما يقوم بتوضيح تواريخ الملوك من عهد آدم حتى وقته، كما يوجد به جداول تفصيلية للأشهر الفارسية والعبرية والرومية والهندية، وتوضيح كيفية استخراج التواريخ بعضها من بعض.

                                            

    العودة إلى الوطن

    مكث البيروني في جرجان فترة من الزمن استطاع أن ينجز فيها العديد من الخطوات العلمية المهمة، كان خلالها موضعا دائما للتقدير والاحترام، قامت بعد ذلك ثورة في جرجان قامت بالإطاحة ببلاط السلطان قابوس وذلك في عام 1009م، فقام البيروني بالعودة مرة أخرى إلى وطنه واستقر بمدينة “جرجانية” التي أصبحت عاصمة للدولة الخوارزمية، التحق بعد ذلك بمجلس العلوم الذي أقامه الأمير مأمون بن مأمون أمير خوارزم والذي كان يضم العديد من العلماء المتميزين منهم ابن سينا، وابن مسكويه المؤرخ والفليسوف.

    ومن خلال التحاق البيروني بمجلس العلوم هذا حظي بمنزلة عالية وقدر رفيع عند أمير خوارزم الذي عرف قدر البيروني كعالم جليل فاتخذه مستشاراً له وأحاطه برعايته، وفي خلال هذه الفترة واصل البيروني تحصيله للعلم وإجراء بحوثه الفلكية، حتى كان الاستيلاء على خوارزم من قبل السلطان محمود الغزنوني والذي قام بضمها إلى ملكه فانتقل البيروني إلى بلاطه ورحل مرة أخرى في عام 1016م إلى غزنة “تقع جنوب كابول بأفغانستان”.  

                                          

    ما بين غزنة والهند

    استغل البيروني انتقاله بين العديد من الدول في التعرف على المزيد من العلوم وتوسيع دائرة علومه فخلال الفترة التي قضاها بعد ذلك في ” غزنة ” اشتغل بالفلك وغيره من العلوم، كما أفادته مرافقته للسلطان محمود الغزنوي في فتوحاته في بلاد الهند حيث تعرف على علومها ودرسها كما قام بتعلم اللغة الهندية واتصل بعلمائها، ودرس الطبيعة الجغرافية الخاصة بها، إضافة لدراسته للعادات والتقاليد والمعتقدات الخاصة بالبلد، لم يكن البيروني يضيع أية فرصة لاكتساب علوم جديدة فكانت المعرفة تلاحقه في أي مكان يرسو فيه وكان هو لا يسمح بأن يفوته شيئا منها.

    أثمرت الفترة التي قضاها في الهند عن كتاب آخر انضم للإرث الضخم من الكتب والعلوم التي تركها لنا البيروني وكان هذا الكتاب بعنوان ” تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة” حيث تناول فيه الحضارة الهندية والجغرافيا والتقاليد والديانة وغيرها من العلوم الخاصة بهم، وساعده في ذلك دراسته للغة الهندية.   

    حظي البيروني بالتقدير والإعجاب من قبل الحكام الغزنويين كافة، فبعد وفاة السلطان محمود الغزنوي والذي كان يحيطه باهتمامه تقديرا لعلمه الغزير، تولى بعده ابنه السلطان مسعود بن محمود الغزنوي والذي ظل أيضاً يبجل البيروني وأحاطه بالعناية والتقدير الذي يستحقه عالم بمكانة البيروني العلمية.

    قام البيروني بتأليف موسوعة في علم الفلك قام بتسميتها ” القانون المسعودي في الحياة والنجوم” هذا الكتاب الذي يعد موسوعة ضخمة في العلوم وقام بإهدائها إلى السلطان مسعود الغزنوي الذي أعجب بهذا العمل القيم وقام بمكافأة البيروني، ولكن البيروني الذي طالما بذل حياته من أجل خدمة العلم والمعرفة أعتذر عن قبول الهدية وأوضح أنه يخدم العلم من أجل العلم فقط وليس من أجل المال.   

    المؤلفات

    تمكن البيروني من تأليف العديد من الكتب التي عرض فيها أبحاثه واكتشافاته والعديد من النواحي العلمية في مختلف المجالات سواء فلكية أم تاريخية أم رياضية وغيرها من المجالات العلمية، هذه الكتب التي أثرت الساحة العلمية كثيراً ومازالت يرجع إليها كمرجع هام في العديد من الأبحاث العلمية التي يقوم بها العلماء الآن، تبلغ مؤلفاته المئة والعشرين ولقد ترجمت إلى العديد من اللغات منها الإنجليزية، الفرنسية وغيرها من اللغات.

    نذكر من هذه الكتب :الرسائل المتفرقة في الهيئة – ويضم إحدى عشرة رسالة في العلوم المختلفة.

    الجماهر في معرفة الجواهر – يتضمن الكتاب العلوم الخاص بالمعادن.

    استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها- وهذا الكتاب صدر في الهندسة، كتاب العمل بالإسطرلاب، كتاب في تحقيق منازل القمر، كتاب المسائل الهندسية، جمع الطرق السائرة في معرفة أوتار الدائرة.

    تتنوع كتب البيروني في مختلف المجالات، إضافة لقيامه بتأليف العديد من الكتب فقد قام أيضاً بمهمة الترجمة لعدد من الكتب وذلك نظراً لإلمامه بعدد من اللغات ، فقام بنقل بعض الكتب من التراث الهندي والتراث اليوناني إلى اللغة العربية منها كتاب أصول إقليدس، وكتاب المجسطي لبطليموس.

    الكندي… فيلسوف العرب

    هو أبو يوسف يعقوب بن اسحق الكندي الذي اطلق عليه لقب ” فيلسوف العرب ” او ” فيلسوف العرب واحد ابناء ملوكها”. وقد إختلف المؤرخون في مكان وتاريخ ولادته وموته، انما أجمعوا على انه يرتقي الى يعرب بن قحطان من عرب الجنوب ومن قبيلة كندة. ويُذكر ان اباه اسحق بن الصباح كان أميراً على الكوفة للمهدي والرشيد وان أجداده كانوا ملوكاً على كندة. وذكر “القفطي” ان الكندي كان ” شريف الأصل بصرياً وكان جده ولي الولايات لبني هاشم، ونزل البصرة، وضيعته هناك، وانتقل الى بغداد وهناك تأدب وخدم الملوك مباشرة بالادب”. وذكر “البيهقي” ان الكندي كان استاذاً لأحمد بن المعتصم.

    عني الكندي بالرياضيات والمنطق والعلوم الطبيعية والفلك والموسيقى والفلسفة . وقد إختلف الرواة والمؤرخون في عدد المؤلفات التي وضعها الكندي. فمنهم، وبينهم ابن النديم ، يجعلها حوالى 238 رسالة، بينما جعلها صاعد الاندلسي قرابة الخمسين. أما ما وصلنا منها فلا يتعدى الستين رسالة منها في الفلسفة: ” رسالة في الفلسفة الاولى” و  “رسالة في حدود الاشياء ورسومها” و “رسالة في العقل” و “رسالة في كمية كتب ارسطاطاليس” . وفي الموسيقى وصلتنا “رسالة خبر صناعة التأليف” و “مختصر الموسيقى في تأليف النغم”. وفي الفلك “رسالة في إيضاح تناهي جرم العالم”. اهتم الكندي بتحديد الفلسفة وتحديد الألفاظ للتعبير تعبيراً صادقاً عن الحقيقة الفلسفية ولايضاح طرق المعرفة التي توصل الى الحقيقة. ويعالج بعد ذلك قضايا الطبيعة وما وراء الطبيعة ويعلن ان الرياضيات هي المقدمة الضرورية لعلم الفلسفة. أما في علم النفس فيعتمد الكندي على الكثير من أراء الافلاطونية، كما يعتمد في الأخلاق على تعاليم سقراط وافلاطون . وفي كل ذلك، فلسفة وعلم نفس، نزع نزعة معتزلية تعتمد العقل وتلجأ الى التأويل في تفسير الآيات القرآنية. وصف الكندي الفلسفة بأنها اشرف العلوم وأعلاها مرتبة ودعا المفكرين الى الأخذ بها. وقال إن ” الفلسفة الاولى هي الأعلى مرتبة لأنها علم الحق الاول الذي هو علة كل شيء”. لذلك يجب ان يكون الفيلسوف التام الاشرف هو المرء المحيط بهذا العلم الاشرف. وانتهى الى الاستنتاج ان الفلسفة، كونها علم الاشياء بحقائقها، فلا خلاف بينها وبين الدين. فكلاهما علم الحق.

  • رسالة حب (إلى ستار ناصر.. أينما كان)

    -1-

    ممتنّ لك من القلب.. فقد هذّبتني؛ وحضّرتني؛ وعلمتني كيف احاول ان اكون «جنتلمان».. كيف اضع يدي اليسرى على فمي عندما اتثاءب؛ وكيف لا أبصق في الشارع؛ لا اركل الأحجار التي فيه؛ وكيف أحرص على أن يكون في جيبي منديل نظيف دائما؛ وكيف اتعامل مع الشوكة والسكين؛ وكيف.. وكيف.. وكيف.

    لذلك أنا مدين إليك بعدد شعر رأسي؛ مدين بكل شيء حتى بحماقاتي الصغيرة؛ ألم يقل تشخوف: إذا ارتكبت حماقة فعليك السير فيها إلى النهاية؛ ها أنا ذا قد ارتكبت هذه الحماقة وسأسير فيها نهاية العمر يا أحلى الحماقات وأروعها على الإطلاق.

    في لحظات الهدنة – المؤقتة – من هجوم الشوق؛ أحاول أن أعيد ترتيب الماضي؛ اجمع شتات أيامنا؛ ليس من اجل أن نعود (وهل افترقنا ولكن لأفهم سرّ هذا الجرح النازف في داخلي  منذ ابتعادك لأعوام خلت والى الآن).

    يقول لي أحد الأصدقاء ستنساها كما نسينا وأحببنا ونسينا!!

    أمن المعقول هذا.. لا سيكون بإمكاني ذات يوم أن التقي حبيبة روحي دون أن يخفق لي قلب؟!!

    أحيانا يحدث أن نلتقي في هذا المكان أو ذاك فـ»يتكهرب» الجو؛ وتتحفز ذرّات الهواء لنقل اقل نأمة بيننا؛ فثمة ما يوصلنا بقدر ما يفصلنا؛ والحلقة المفقودة نفسها الحلقة المتصلة بألف سلسلة لا تستطيع وصفها الكلمات.

    ومثل أبطال فيلم سينمائي «زعلانين» نتصرف برسمية عالية: التحية المرفقة ببسمة مجاملة «تقول ولا تقول» والسؤال الطائر عن»الأحوال» مثل حجر يرمى إلى هاوية سحيقة؛ فيخلق صدى مكتوما!!

    هل نجح الفراق حقا معنا؟؟

    ولكن لا.. أيها الفراق.. سنعود يوما ما؛ وسنحاسبك على كل دمعة ذرفناها في ليالي البعد..

    -2-

    ولأعترف؛ أنني لم أحبك كما ينبغي؛ وان سيأتي أكثر من محاسني وأنك الخاسرة الوحيدة في علاقة صارت مضرب الأمثال في وسطنا الذي لا يرحم.

    وليس الذنب ذنبي؛ أبدا 

    تصوّري أن فقيرا ما؛ مشرّدا؛ لا مأوى له؛ ولا نقود لديه؛ يجد نفسه وهو يملك مليون «دولار» ومن دون أن ينتمي لل»حواسم» ؟!!

    إذا تصرّف بعقل؛ إذا ظلّ متوازنا؛ فهو مجنون حقيقي؛ أما إذا جنّ فهو عين العقل،  وأنا يا حبيبة عمري؛ كنت عين العقل وروح العقل وعقل العقل؛ لذلك جننت بك.

    فهل بإمكان قلبك – الذي اختصر كل نقاء العالم – أن يغفر لعاشقك عقله وجنونه؟!! 

    أم أن عليّ أن أبقى مثل سيزيف وصخرته اللعينة؟؟

    لقلبك الإبقاء على الأسطورة من دون صخرة لعينة؛ فأنت ابنة السهول الخضر وطين دهلتها الذي انتزعه الله من جنانه الخضر صيّره صلصالا.

  • بين الحرية والأمن!!

    تميل معظم المفاضلات بين الفترات والمراحل، إلى الفترة أو المرحلة السابقة، على حساب الفترة أو المرحلة اللاحقة. قد يكون أمراً مفزعاً أن تجد في العراق مثلاً، الكثير ممن عاش فترتي الحكم الملكي والجمهوري، ممن يتغنون بفترة الحكم الملكي، ولاسيما في ما يتعلق بمستوى الأمان ومستوى المعيشة. ولم تشفع قوانين الإصلاح التجاري التي حررت الفلاحين من عبودية الإقطاع، أو قوانين السكن التي مهدت لبناء أكبر مدن بغداد كثافة سكنية، لإنصاف الفترة الجمهورية. والسبب ببساطة، كما يخبرك هؤلاء، أن فترة الجمهورية الأولى، والتي تسمى فترة عبد الكريم قاسم، شهدت تناحراً سياسياً وصل في بعض فصوله إلى إراقة الدماء، وهو ما لم تشهده فترة الحكم الملكي التي تميزت بنموذج ديمقراطي هيمن عليه رموز الثراء والوجاهة الاجتماعية، مثل كبار التجار وشيوخ العشائر ورجال الدين بمعزل عن السواد الأعظم من أبناء الشعب، المكتفين بالخبز والأمن والقماش الأسمر الذي توزّعه الدولة بموجب بطاقات التموين.

    وبلغة سياسية بسيطة، يمكننا القول، أن أخطاء مرحلة التحرر الوطني قد أكلت منجزاتها في التحرير والتنمية الاقتصادية والبشرية، وخسرت الكثير من النقاط في المفاضلة بينها وبين المرحلة التي سبقتها.

    ويبدو أن التجربة تعيد إنتاج نفسها اليوم، فرغم أجواء الفرح التي تسود الأوساط الشعبية بنجاحات الثورات الشبابية العربية وإسقاط رموز الأنظمة الشمولية، إلا أن قدراً كبيراً من التوجس يسود هذه الأوساط، بعد أن فقدت جزءاً كبيراً من أمنها الشخصي.

    معهد غالوب أجرى استبياناً للرأي وجد فيه أن نسبة المصريين، ممن قالوا إنهم يشعرون بأمان أثناء السير وحدهم ليلاً، في المدينة أو الضاحية التي يقطنون بها، انخفضت إلى 47 في المئة من 82 في المئة قبل الثورة، ووجد أيضاً تراجع مفهوم الأمان بدرجة كبيرة، وفي الفترة ذاتها، في كل من تونس وبنسبة 29 في المئة، و27 في المئة في البحرين، علاوة على اليمن، حيث لم يكن الاختلاف شاسعاً وبلغت نسبته 5 في المئة، وهو ما رجحه الاستبيان إلى شيوع حمل اليمنيين للسلاح.

    وخلص الاستبيان الذي أعده «المحلل «هتش ايه هيللر، إلى أنه بغض النظر عما إذا كانت تصورات السكان بشأن السلامة والأمن صحيحة أو مستندة إلى تجارب حياتية واقعية، فهناك تداعيات خطيرة محتملة لذلك على كل من هذه البلدان.

    وشارك ما لا يقل عن ألف شخص في كل من الدول المشمولة بالاستبيان، بهامش خطأ ما بين 3.3 و 3.9 نقطة في المئة، زيادة أو نقصاناً.

    ألا تدعو هذه النتائج للقلق؟

    محللون غربيون يعترفون بحجم القلق الذي يسيطر على شعوب هذه البلدان، ويذهبون أبعد من ذلك، حيث يحذرون من أن الشعوب التي لم تصلها رياح التغيير بعد، بدأت تميل إلى مهادنة الأنظمة والقبول بحزمة الإصلاحات، خوفاً من إرهاصات التغيير التي ستفقدها الأمن الشخصي والاجتماعي، مثل ما هو جار الآن في البلدان التي شهدت التغيير.

    على مستوى تجربتي الشخصية، لم أحمل هويتي الشخصية طيلة أحد عشر عاماً قضيتها في دمشق، لأنني لم أصادف أن طولبت بها من قبل أحد، رغم العمل بقانون الطوارئ، فدمشق كما هو معروف من أكثر مدن العالم أمناً، لكن حين هبت رياح التغيير، وتم إلغاء العمل بقانون الطوارئ، وجدتني لا أستطيع السير في شوارع دمشق من دون أن أحمل بطاقتي الصحفية وكرت الإقامة السنوية مشفوعين بجواز السفر، لأن نقاط التفتيش انتشرت في معظم شوارع المدينة.هل هي ضريبة التغيير؟ ربما.. ويبقى للشعوب الحق في الاختيار بين الأمن وقبول الأنظمة الشمولية، أو الإطاحة بتلك الأنظمة ودفع الثمن من هذا الأمن ولو… بصورة مؤقتة.

  • الدين مركزية… أم مركز؟

    “فما يكذبك بعد بالدين”  – قرآن كريم– سورة التين  “7”.

    “وان الدين لواقع”  -قرآن كريم– سورة الذاريات “6”.

    المركزية سياسة، والمركز تكوين، والتكوين مقدم على السياسة

    الحوادث التي وقعت في الأيام الأخيرة في بعض مدن جنوب العراق وطالت مكاتب تنتسب الى مركزية تتخذ من الدين عنوانا، وهذه الحوادث لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة، والمجتمع العراقي، والاجتماع الإنساني يواجهان تساؤلات كثيرة عبر أطوار حياته الاجتماعية والسياسية، ولكن أهم التساؤلات دواما وحضورا هي تساؤلات الفطرة، والفطرة تعرفت على العهد الديني قبل كل العهود التي يمكن ان تقع:

    قال تعالى: “فطرة الله التي فطر الناس عليها”

    وقال تعالى: ” ذلك الدين القيم”

    وقال تعالى: “شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا والذي أوحينا اليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”

    وقال تعالى: “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين”

    ان أكثر الحوادث في تاريخ البشرية هي التي ترتبط بشكل من الاشكال بالدين على نحو الارتباط الصحيح او على النحو غير الصحيح.

    ومن صور الارتباط الديني غير الصحيح مثل:

    1- طريقة حج العرب في الأزمنة القديمة الى بيت الله الحرام تلك الطريقة التي اخذت من مصادر دينية مثل:

    ا‌- الرسول

    ب‌- النبي

    ت‌- المحدث

    ث‌- من ينقل عن الرسول والنبي والمحدث

    ج‌- الى تنوع وتعدد وسائط النقل التي تختلف في درجة قدرتها على النقل بسبب تدخل عوامل الذات وطغيان عوامل النسيان والسهو والغفلة والمرض بنوعيه النفسي والجسدي، كل هذا أنتج لنا الناقلين بالصفات التالية:

    1- ناقل صادق

    2- ناقل كاذب

    3- ناقل جاهل

    4- ناقل منافق

    ونتجت عندنا من الروايات التالية:

    ا‌- الرواية الصحيحة

    ب‌- الرواية غير الصحيحة

    ت‌- الرواية الضعيفة

    ث‌- ثم تعددت الروايات الى: مقطوعة، معنعنة، مرسلة، مدلسة

    2- ظهور الاصنام عند مختلف الشعوب: حيث كانت تعبر برغم تعارضها مع اطروحة الدين عن الحاجة للدين كمركز تكويني تنجذب اليه النفوس.

    3- ظهور الوجاهات القبلية والعشائرية والاجتماعية وتمحور بعض الناس حولها كان تعبيرا عن الحاجة للمركز، فظهرت المركزية.

    4- ظهور السلطات الزمنية “الحكومات” كحاجة لأمن الاجتماع البشري وتنظيمه ، فظهرت المركزية التي نافست المركز التكويني فشاع الفساد وظهرت التناقضات، وحدثت الصدامات والصراعات والحروب، وتوسعت دائرة البلوى والمعاناة .

    وهكذا ظلت البشرية تطحنها الصراعات، وتشغلها المعاناة، ويدوم شقاؤها، ولا تهتدي للحلول حتى اصبح البيت الشعري مصداقا لحالتها:

     كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ

    والماء فوق ظهورها محمول 

    والعيس هنا في التعبير المجازي هم “البشر” والماء على المستوى نفسه من التعبير هو “الدين”.

    فالدين هو الثابت من حيث العنوان والهدف والتكوين، وهو المتغير من حيث الحاجة والمناسبة ومشهد الحضور وطريقة التمثيل والتجسيد مثل:

    1- الصلاة وأوقاتها: واجبها ومستحبها، تمامها وقصرها، جمعها، وافرادها.

    2- الصوم وأنواعه: واجب ومستحب ونذر، توقيتاته المتوزعة على جغرافية الكرة الارضية.

    3- الحج واقسامه وواجباته: والعمرة وتكرارها ايقاعا على اشهر السنة.

    4- الجهاد بانواعه: الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس، والاصغر وهو الجهاد الحربي.

    ويبقى الغيب هو المدخل لفتح شهية العقول والنفوس لمعرفة الاسرار، وكشف غياهب المجهول، والغيب مساحة مقتصرة على مفاتيح مرجعية المركز الكوني” وعنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو”

    هذه الخصائص جمعيها هي التي تجعل من الدين مركزا يستقطب كل مشاعرنا، واليه تتجه حاجاتنا بما فيها: الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والأمنية، والنفسية، والصحية، والتربوية، والصناعية، وكل شيء.

    ومركز يحتل كل هذه الابعاد ليس من الصحيح النأي عنه او التجافي عنه، او استبداله بما هو ادنى منه كما قال تعالى: “اتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير” 

    فالأدنى هو الذي من اجله تجري الصراعات الحزبية، والاختلافات التي وصلت الى حد الاحتراب بين بعض المكاتب المنتسبة للدين، لا لشيء إلا لأنهم لم يفهموا الدين. 

    فالخواء الروحي والثقافي المنتشر عند الأفراد، والأسر، والهيئآت والمنظمات والاحزاب والعشائر والحكومات هي التي تستبدل الدين “المركز” بالمركزية المصطنعة للجاه والوجاهة والامتيازات التي تختفي بلمحة بصر “ان قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم” ، “فخسفنا به وبداره الأرض”.