ليس في نيتي الخوض في مدى صواب أو خطأ موقف كاشغري، وليس في نيتي الخوض في الصراع الدائر حالياً في منطقة الخليج بين الإسلاميين والليبراليين، ولاسيما في السعودية والكويت، بشأن الشاب كاشغري.
حمزة كاشغري أتهم بالردة على خلفية تغريدات عدّت مسيئة للذّات الإلهية وللنبي محمد. الشاب السعودي كان الشرارة التي أشعلت حريق الصراع بين الفريقين، ووضع المملكة برمتها بموقف لا تحسد عليه أمام العالم المتحضر، لاسيما وأن سخونة مداخلة وزير الخارجية السعودي أمام اجتماع الجامعة العربية بشأن الملف السوري، لم تبرد بعد. الوزير ألقى محاضرة طويلة وعريضة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقدم مرافعة للدفاع عن القتلى السوريين متهماً النظام بأبشع صور الاضطهاد لشعبه. من يقدم مرافعة عن كاشغري؟
نعم.. الشاب السعودي بحاجة إلى مرافعة حقيقية وجادة، لأن أمر حياته ليس مرتهناً للقانون، لأنه في هذه الحالة قد يتعرض لعقوبة بسيطة أو غرامة مالية، طالما الموضوع تحت سقف قانون الإعلام، الذي يجب أن تتكيف قضية كاشغري وفقا لمواده، بل أمر حياته مرتهناً لحرائق الصراع بين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي وصفت كاشغري بـ(السّفيه والمارق والزنديق) وطالبت بقطع رأسه.
لم يتوقف الأمر عند حد مطالبة الهيأة بقطع رأس الشاب السعودي، بل تعداه إلى حد تنظيم حملة من قبل الإسلاميين للمطالبة بالحد من نشاط الليبراليين الذين «تجاوزوا الخط الأحمر» كما كتب الإعلامي زعل الفرمان، موجهاً نداءً إلى الملك يقول فيه «لقد عاث الليبراليون ببلاد الحرمين، فلتجتث أصولهم، واجعل هذا المارق أولى ضحاياهم».أما د.خالد الشايع، الأمين العام المساعد لـ»الهيئة العالمية للتعريف بالرسول فيقول إن «كاشغري تلقى دعماً مادياً ولوجستياً من أشخاص محدّدين يشتركون معه في الفكر والغايات الدنيئة لمحاولة تدويل قضيته بإشراك منظمات لا تراعي الحدود الشرعية». زميله سعيد البكري يضيف أن الشاب السعودي عضو في «خلايا نائمة كانت تعقد ندوات وملتقيات في مدينة جدة لغسل أدمغة الشباب، من الأولاد والبنات، بالاستعانة ببعض الكتب النصرانية واليهودية». ودخل الكويتي محمد العوضي على خط الصراع، متهماً الليبراليين والعلمانيين السعوديين، بممارسة «استفزاز مقرف للمشاعر من خلال خطاب مراهق في مثاقفتهم مع الدين والتراث».
الكاتب الليبرالي تركي الحمد علّق على الهجوم بالقول «أنا مسلم، ولكني بإسلام دون مذاهب»، مضيفاً «كاشغري أخطأ التعبير وتاب، فلماذا كل هذا الشبق إلى الدم؟». ولم يطل الانتظار، ليأتي الرد من الإسلاميين «لو طبق شرع الله على الحمد لما زاد فساده. يجب أن يحاكم تركي الحمد بقطع رأسه».
المملكة التي راهنت على تنامي دورها الإقليمي من خلال العبث بالدخان الأبيض المنبعث من ساحات التغيير في دول مثل مصر وليبيا، وأخيراً سوريا، منصّبة من نفسها مدافعاً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة، وجدت نفسها في دوامة عالمية من الدخان الأسود، فقد انتقدت المنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، موقف المملكة، مطالبة بالإفراج الفوري عن المغرد السعودي، الذي لم يفعل سوى «ممارسة حقه في التعبير عن رأيه» على حد وصف أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة نيويورك باسكال مونوري.
إنّه حقاً يوم الدخان الأسود الذي يخيم في سماء منطقة الخليج.