Blog

  • دخان أبيض.. دخان أسود

    ليس في نيتي الخوض في مدى صواب أو خطأ موقف كاشغري، وليس في نيتي الخوض في الصراع الدائر حالياً في منطقة الخليج بين الإسلاميين والليبراليين، ولاسيما في السعودية والكويت، بشأن  الشاب كاشغري.

    حمزة كاشغري أتهم بالردة على خلفية تغريدات عدّت  مسيئة للذّات الإلهية وللنبي محمد. الشاب السعودي كان الشرارة التي أشعلت حريق الصراع بين الفريقين، ووضع المملكة برمتها بموقف لا تحسد عليه أمام العالم المتحضر، لاسيما وأن سخونة مداخلة وزير الخارجية السعودي أمام اجتماع الجامعة العربية بشأن  الملف السوري، لم تبرد بعد. الوزير ألقى محاضرة طويلة وعريضة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقدم مرافعة للدفاع عن القتلى السوريين متهماً النظام بأبشع صور الاضطهاد لشعبه. من يقدم مرافعة عن كاشغري؟

    نعم.. الشاب السعودي بحاجة إلى مرافعة حقيقية وجادة، لأن أمر حياته ليس مرتهناً للقانون، لأنه في هذه الحالة قد يتعرض لعقوبة بسيطة أو غرامة مالية، طالما الموضوع تحت سقف قانون الإعلام، الذي يجب أن تتكيف قضية كاشغري وفقا لمواده، بل أمر حياته مرتهناً لحرائق الصراع بين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي وصفت كاشغري بـ(السّفيه والمارق والزنديق) وطالبت بقطع رأسه.

    لم يتوقف الأمر عند حد مطالبة الهيأة بقطع رأس الشاب السعودي، بل تعداه إلى حد تنظيم حملة من قبل الإسلاميين للمطالبة بالحد من نشاط الليبراليين الذين «تجاوزوا الخط الأحمر» كما كتب الإعلامي زعل الفرمان، موجهاً نداءً إلى الملك يقول فيه «لقد عاث الليبراليون ببلاد الحرمين، فلتجتث أصولهم، واجعل هذا المارق أولى ضحاياهم».أما د.خالد الشايع، الأمين العام المساعد لـ»الهيئة العالمية للتعريف بالرسول فيقول إن «كاشغري تلقى دعماً مادياً ولوجستياً من أشخاص محدّدين يشتركون معه في الفكر والغايات الدنيئة لمحاولة تدويل قضيته بإشراك منظمات لا تراعي الحدود الشرعية». زميله سعيد البكري يضيف أن الشاب السعودي عضو في «خلايا نائمة كانت تعقد ندوات وملتقيات في مدينة جدة لغسل أدمغة الشباب، من الأولاد والبنات، بالاستعانة ببعض الكتب النصرانية واليهودية». ودخل الكويتي محمد العوضي على خط الصراع، متهماً الليبراليين والعلمانيين السعوديين، بممارسة «استفزاز مقرف للمشاعر من خلال خطاب مراهق في مثاقفتهم مع الدين والتراث».

    الكاتب الليبرالي تركي الحمد علّق على الهجوم بالقول «أنا مسلم، ولكني بإسلام دون مذاهب»، مضيفاً «كاشغري أخطأ التعبير وتاب، فلماذا كل هذا الشبق إلى الدم؟». ولم يطل الانتظار، ليأتي الرد من الإسلاميين «لو طبق شرع الله على الحمد لما زاد فساده. يجب أن يحاكم تركي الحمد بقطع رأسه».

    المملكة التي راهنت على تنامي دورها الإقليمي من خلال العبث بالدخان الأبيض المنبعث من ساحات التغيير في دول مثل مصر وليبيا، وأخيراً سوريا، منصّبة من نفسها مدافعاً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة، وجدت نفسها في دوامة عالمية من الدخان الأسود، فقد انتقدت المنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، موقف المملكة، مطالبة بالإفراج الفوري عن المغرد السعودي، الذي لم يفعل سوى «ممارسة حقه في التعبير عن رأيه» على حد وصف أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة نيويورك باسكال مونوري.

    إنّه حقاً يوم الدخان الأسود الذي يخيم في سماء منطقة الخليج.

  • غياب السادة النواب

    حال تسنمه منصب رئاسة البرلمان الحالي أكد السيد أسامة النجيفي ضرورة التزام السادة النواب بحضور جلسات المجلس، وحث مشددا على منع تكرار  ظاهرة الغياب كما حصل في الدورة السابقة، منبها، الى غرامات مالية وانذارات وعقوبات بحق المتغيبين بدون عذر مشروع قد تصل- وفق تعليمات وآليات بتقنيات الكترونية أعدت لهذا الغرض- الى منع النائب باعفائه من مزاولة شرف مهمة مسؤولية تمثيل الناخب تحت قبة البرلمان، بعد التفريط وعدم الاخلاص في تحقيق احلامه وتطلعاته الآنية والمرحلية والمستقبلية، وفي ذلك حق واعادة اعتبار للذين تجشموا مخاطر الإدلاء بأصواتهم وغمس أصابعهم بمحابر الانتخابات رغم أحقاد الظلاميين واستهدافات الإرهابيين وكل من كان يراهن على بقاء الديمقراطية في أحضان العراق الجديد يتيمة الدهر،، لا سمح الله.

    وربما وبسبب ما اكتنف العملية السياسية من تعكرات ظروف وكثرة تدخلات من أطراف داخلية وخارجية وتزايد سجالات قادة الكتل والائتلافات وانسحابات واعتراضات هذا الطرف أو ذاك، فضلا عن اعتقالات وتصاعد حمى انشاء الاقاليم بسريان العدوى الى أكثر من محافظة في التوقيت ذاته، قد أنسانا قضية متابعة قوائم الحضور والغياب في ملاك السادة أعضاء مجلس النواب، وثمة نظرية درسناها في علم النفس الاجتماعي كانت تفيد بخصوص تغيير الاتجاهات لدى فئة أو جماعة معينة بأن يتم القيام بعمليات إبدال الاتجاه أو الاهداف بتغيره ومحوه باتجاه آخر قد يكون مهيئا ومعدا أو قد يأتي بشكل عرضي- آني  ليتم تطويعه والاستفادة منه تبعا لنوع الحاجة والحالة والظرف، وهنالك من يعي ويدعي القول؛ لايمكن نسيان الخطأ أو مشكلة إلا بخطأ أقوى وأكبر من السابق أو مشكلة أكبر وأهم .! 

    يا سادة يا كرام، لقد أثار عندي هذا الموضوع فضول ذلك المفلس الذي يبحث في دفاتره العتيقة عن فلس زائد أو درهم ناقص فاته من قائمة حساب قديم، وحين حاولت في ذهني مراجعة لوائح الغياب في قائمة حساب الدورة السابقة لمجلس النواب، توقفت باستغراب عند حكاية (116) يوما بالتمام والكمال التي خلا فيها منصب رئيس المجلس الذي كان يشغله (د. محمود المشهداني) من تأريخ قبول استقالته الاجبارية في(24/12/2008) حتى موعد قبول السيد(أياد السامرائي) بديلا عنه في(19/4/2009) ولم يحدث أي فراغ أو حرج يلكأ من سير أعمال ومهمات المجلس حتى بغياب العديد من السادة النواب الذين سجلوا أرقاما -ربما-  قياسية في سجلات عدم حضورهم أغلب الجلسات طيلة تلك السنوات رغم أنهم تسلموا رواتبهم وجميع مستحقاتهم (على داير مليم), ألم أقل لكم أني كنت أبحث وأقلّب في دفاتر عتيقة يا جماعة الخير!!    

  • هل بقيت للجامعة العربية قمة؟

    تتناقل بعض وسائل الاعلام المحلية اخبارا عن توقعات لعقد قمة الجامعة العربية في بغداد نهاية شهر آذار المقبل, ويحيط الغموض بزيارة بن حلي مساعد أمين عام جامعة الدول العربية الى بغداد ولقائه ببعض المسؤولين.

    وينقل عن بعض المسؤولين العراقيين تأكيداتهم على حتمية انعقاد القمة العربية في موعدها في بغداد, ويدعم هذا القول قيام رئيس جمهورية العراق بتوجيه الدعوات الرسمية للملوك والرؤساء العرب لحضور القمة العربية في بغداد.

    من جهة اخرى تطالعنا اخبار مفادها تحضير الفنادق الخاصة باستضافة الملوك والرؤساء العرب والوفود المرافقة لهم.

    ويذكر ان هذه التحضيرات هي استمرار لتحضيرات السنة الماضية التي اؤجل فيها انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد والأسباب معروفة.

    ومن حق المسؤولين العراقيين التحضير لانعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد, فهذا ما يتطلبه واجب القيام باظهار قدرة العراق على استضافة المؤتمرات الدولية ومنها مؤتمر القمة العربية. نتيجة تعطيل دوره العربي والدولي منذ نهاية الثمانينات وحتى انسحاب جيش الاحتلال الامريكي نهاية عام 2011 , حيث كانت آخر قمة عربية في بغداد عام 1989 والتي كان من غرائبها توقيع معاهدة عدم اعتداء بين بغداد والرياض.

    ومن حق المسؤولين العراقيين ان يؤكدوا للعرب وللعالم انهم قادرون على حماية امنهم, والبحث عن فرصة مناسبة يثبتون من خلالها ضعف الخلايا الارهابية التي لم تعد تشكل تهديدا امنيا يتحدى قدرة الدولة في بسط الأمن في بغداد والمحافظات كافة، وبذلك يعطون مثالا عمليا من خلال انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد للشركات الاستثمارية ان تطمئن لعملها في العراق وان لاتبقى تلك الشركات وحكوماتها تعيش هاجس الخوف من العمل في العراق, ذلك الخوف الذي اصبح لدى البعض من جوار العراق وغيره مشروعا لمحاصرة العراق حكومة وشعبا.

    مع استحضار كل تلك المبررات والأسباب وهي وجيهة ومقبولة من جهة الحس الوطني على ان يكون لبلدنا العراق حضورا رسميا ومشاركة ايجابية حتى ولو بالحد الأدنى كما هو في حالة اجتماع الجامعة العربية في بغداد ان تم ذلك.

    ولكن من المناسب هنا ان نتذكر قول الشاعر:

    ما كل ما يتمنى المرء يدركه

                     تجري الرياح بما لاتشتهي السفن 

    ويبدو هذا هو واقع الحال مع رغبة العراق بانعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد.ولكن, وستكون الـ”لكن” هنا عاملة وحاضرة بقوة اقوى من انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد.

    ان نتذكر ما وصانا به رسول الله “صلى الله عليه وعلى اله وسلم” عندما قال:  “لاترغب في زاهد فيك”.

    ويبدو ان الذين يزهدون من الرؤساء والملوك العرب بانعقاد القمة العربية في بغداد ليسوا بالعدد القليل, لاسيما بعد التحولات والاحداث التي تمر بها المنطقة العربية وخصوصا في البحرين وسورية.

    ثم ان هناك من هو غير مهيأ للحضور لمثل هذه المؤتمرات نتيجة اوضاعهم الداخلية. ولايمكن اغفال مايجري من حولنا ومما هو قريب علينا وملاصق لجغرافيتنا ذلك هو التحدي النووي الذي تشتبك فيه ايران مع امريكا واسرائيل, وانعكاس هذه الازمة على موقف الانظمة العربية لاسيما الخليجية منها.

    ثم ان مظاهر الشد والتوتر بين بعض اطراف العملية السياسية لاسيما احزاب السلطة, وعدم القدرة على حسم المناصب الوزارية للوزارت الامنية لما يقرب من سنتين, وعدم القدرة على حسم موضوع انعقاد المؤتمر الوطني بين الاطراف المشاركة في الحكم كل هذا لايشجع الزوار المرتقبين على الحضور للقمة العربية في بغداد, وستكون حججهم ومبرراتهم رغم عدم صدق بعضها لايمكن منع تأثيراتها على المتلقي في الوطن العربي وخارج الوطن العربي, بل وفي الداخل العراقي المبتلى بتشتت الرؤى وضبابية المواقف التي تغذيها حواضن وبؤر تغرد خارج السرب العراقي وهويته الوطنية المظلومة عبر تاريخ الدولة العراقية الحديثة.

    وهنا من الانصاف ان نقول ما لنا وما علينا, وقد قلنا بعض مالنا, وهناك تردد لدى البعض ان نقول ما علينا, بل هو خوف مختزن نتيجة ثقافة لاتنتمي لافق حضاري ولا بعد انساني, تلك هي ثقافة السلطة في العراق عبر تاريخ طويل شهد تاريخ ظهور اول مظاهر الحكم والسلطة في العالم, حتى سميت حضارة بابل وسومر وآشور وأكد بالحضارة الحارة, مما جعلتها موضع اهتمام الأمم والشعوب والقادة المتطلعين الى حب السيطرة من أيام الأسكندر الذي استشار حكيم الاغريق “ارسطو” في موضوع العراق.

    وما هو علينا: ليس من حقنا ان نظهر انفسنا وكأننا مستميتين على انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد وذلك للأسباب التالية:

    1- لم تعد الجامعة العربية مؤسسة تتمتع بالاستقلالية بعد مشهدها الأخير في سيطرة دول الخليج واماراته على قراراتها.

    2- لم تعد الجامعة العربية تحترم ميثاقها عندما جمدت أحد اعضائها دون حصول النصاب المطلوب وهو الاجماع وليس الاغلبية.

    3- عندما تخلت الجامعة وامانتها عن تحمل مسؤولية المسألة السورية ونقلتها الى الأمم المتحدة بطريقة اخلت بالعمل العربي, وبحقوق الانسان العربي.

    4- عندما أسفت على الفيتو الصيني الروسي ولم تأسف على “60” فيتو امريكي لصالح اسرائيل.

    5- عندما اعلنت تبنيها ودعمها المالي والسياسي والعسكري للجماعات المسلحة من المعارضة السورية, وهو مما يصنع الفتنة, ويخرج الجامعة العربية من مهمتها الجامعة لكل العرب.

    6- عندما الغت مقررات فريق المراقبة العربية وعزلت رئيس الفريق محمد الدابي لأنه اعترف بوجود المسلحين الذين يمارسون عنفا في سورية.

    واخيرا لم تكن الحكومة العراقية موفقة بتحضيراتها السابقة عندما تعاقدت مع شركات ايطالية لعمل ” 2000 ” بدلة رجالية لموظفي الاستقبالات والتشريفات, وعندما قررت ارسال بعض موظفيها للتدريب على بروتوكولات الخدمة الى ماليزيا. وهذه قرارات تنم عن عدم الخبرة, والاساءة الى شركات الخياطة الوطنية مع تبذير غير مبرر للمال العام.

  • معسكر شبابي!

    في عام 1957 ، وبتوجيه من الملك، اقامت وزارة المعارف معسكرا للشباب في مدينة شقلاوة، ضم على ما اذكر أكثر من ثلاثين شابا من (متصرفيات) العراق جميعها، تمّ اختيارهم من أوائل الدراسة الاعدادية، زيادة على بعض الموهوبين (اقتصر المعسكر على الذكور من دون الإناث) وقد تولى مهمة الإشراف ثلاثة من موظفي الوزارة، أحدهم بدرجة مدير عام هو المسؤول الأول عن المعسكر. 

    كانت المدة المقررة ستين يوما، تبدأ من تموز وتنتهي في آب، واعتقد أن المعسكر لم يكن نوعا من المتعة فقط بل كان قبل ذلك درسا حياتيا بالغ الأهمية لبناء الشخصية.

    حين وصلنا المعسكر المهيأ لنا سلفا، اجتمع بنا المسؤول الأول، وكتب أسماءنا على أوراق صغيرة جمعها في  كيس وأجرى قرعة تم على أساسها توزيعنا الى مجموعات عدة، تضم كل واحدة شبابا من شتى المدن العراقية، والحق فإن مئات الصداقات الوطيدة نشأت بين طلاب العراق من شماله إلى جنوبه، تعزز بعضها وتواصل مع الزمن، ولعلني مدين بتواصل علاقتي الرائعة مع الصديق عبد الحسن الغرابي ( من محافظة ذي قار)  الى أيام المعسكر.

    تعلمنا في أثناء الشهرين كيف نعتمد على أنفسنا في تهيئة وجبات الطعام وغسل ملابسنا وتنظيف المكان والنهوض المبكر والتعداد المسائي واحترام الأنظمة والتعاون والعمل المشترك، واستمتعنا بجولات لطيفة في المدينة والمناطق الجبلية المحيطة بها، مثلما استمتعنا بالعديد من المباريات الرياضية والآماسي الثقافية والفنية المنوعة، يا لها من أوقات لا تنسى، ومع ذلك لم تخل رحلتنا من منغصات قادها شابان، أحدهما انتخبناه مسؤولا عن تنظيم الفعاليات، والآخر عن الخدمات، فقد شاءت المصادفة أن يكونا نرجسيين بصورة مرضية، ولذلك لم ينصرفا الى واجباتهما، وإنما الى المشاكسة فيما بينهما، وقد أنعكس ذلك علينا، فإذا قام الأول بالإعلان عن فعالية معينة، لم يقم الثاني بتوفير المكان مثلا أو المنصة والكراسي والمستلزمات الأخرى، واإذا قام الثاني بتهيئة المستلزمات جميعها على أفضل وجه، قام الأول بإلغاء الفعالية وقد ذقنا الأمرين منهما طوال الأيام التسعة الأولى من الرحلة، وكان أسوأ  ما في الأمر هو انقسامنا على انفسنا بين مؤيد للأول أو مؤيد للثاني، وتفاقم الانقسام الى حد العداوة  والضغينة، ولذلك طلبنا من المشرفين إجراء انتخابات جديدة، فوافقوا على الطلب ، ولكن الغريب والمضحك في الوقت نفسه، إننا إخترنا الشخصين نفسيهما في الانتخابات الجديدة، فعادا إلى المشاكسة، وعندها إتخذنا قرارا صارما بأن نقيم الفعاليات، ونهيئ مستلزماتها من دون الرجوع إليهما، وهكذا أمضينا أياما حلوة ، حافلة بالمتع والسعادات، لعلها أحلى أيام العمر.

  • المؤلفون العراقيون .. وحقوقهم الفكرية

    قبل ايام كنت في بيروت؛ بيروت عاصمة الثقافة الانسانية وعاصمة الجمال وشارع الحمراء والروشة والليالي التي لا تملّ كانها بغداد ايام زهوها القديم .

    • بالمصادفة؛ صارت بيني وبين خبير المخطوطات الكبير الاستاذ اسامة النقشبندي؛ مهاتفة عن السفر والجهة الداعية؛ وعتب نبيل منه لاني لم اشعره بسفري الى ست الدنيا – كما يحلو لنزار قباني ان يسميها – ومبعث عتب النقشبندي ان الكثير من كتبه يعاد طبعها الان في بيروت من دون ومن دون حقوق ؛ واحيانا باسم مؤلف آخر او -باحسن الاحوال- من دون اسم ؟!! 

    • وهو أمر يعود بنا الى قضية حقوق المؤلف او قضية حقوق الملكية الفكرية بشكل عام؛ وتزوير العقل العراقي؛ ومن المؤسف ان بلدانا لها باع طويل في احترام العقل؛ تساهم الان في سرقة انتاجنا العقلي والفكري والفني؛ وبغياب كامل لجهاتنا الاختصاصية وبعدها عن هذه القضية الخطيرة؛ وبودي ان الفت عناية المختصين هنا الى اثارنا وتلك قضيتها قضية كما يقال.

    • ولعل النهب والتهريب المنظّم – خصوصا للفترات التي تتعلق بالسبي البابلي او المخطوطات التي تتحدث عن تاريخ اليهود في العراق؛ أوكتبهم قبل التحريف – فحدّث ولا حرج.

    بلد مستباح لا شرطة لا جيش لا امن لا مخابرات؛ وبوجع ممض نقول ما مضى مضى؛ لكن يجب ان نتابع؛ بعد ان اصبحت هناك ملامح للدولة العراقية الجديدة بخروج المحتلين؛ فنتقصّى ما نهب وما سرق وما سجّل باسماء غير اسماء مبدعينا؛ ونعمل على استعادته ومقاضاة السارقين ؛ لكن كيف ..؟

    اكثر من 100 دولة وقعت على اتفاقية تسمى(حقوق الملكية الفكرية) بهدف حماية حقوق مبدعيها في كافة مجالات النشاط الانساني؛ ولا يحق لأحد المناقلة او الافادة من (الملكية الفكرية) الا بعد ان يتم الاتفاق مع صاحب المنجز على شرائه منه ؛ او على استثماره مقابل حصة معقولة .

    • فمن هي الجهة الضامنة او الجهة التي تؤكد او تؤيد بان هذا الكتاب او الاكتشاف او الاختراع او اللوحة او الاغنية او القطعة الموسيقية تعود لك ؛ وفي حالة سرقتها منك تستعين بها لاسترداد حقك الفكري .

    • الجهة التي سرقت جهد السيد النقشبندي معروفة؛ والناشر موجود؛ وكتبه موثقة بالاسم وبتاريخ الاصدار؛ والمطلوب ان تساعده جهة حكومية او شعبية على استرداد حقوقه؛ فعلى الاقل ان لم نحفظ الدم؛ نحاول ان نحافظ على انتاج العقل الذي نعرف جميعا انه المستهدف وعلى المستويات كافة.

  • شظايا عراقية في الأزمة السورية

    أسعار إيجارات المنازل في العراق، أغلى منها في أيٍّ من الدول المجاورة، الفرق في عدد السكان ومستوى دخل الفرد يقول البعض . الخلل في تخطيط بغداد العمراني والتمدد الأفقي في البناء الذي جعل عدد الوحدات السكنية أدنى بكثير من عدد السكان ولا يلبي متطلبات الانشطار في الأسرة  العراقية، يقول البعض الآخر. 

    الوعود الرسمية بحل الأزمة مستمرة، لكنها بلا تنفيذ، مرة تأخذ اسم مجمع بسماية وأخرى اسم العقود الكورية أو اليابانية وربما عقود ساحل العاج، لكنها تبقى وعوداً تتبخر مع أحلام المواطن بسكن يجنبه ذل الإيجارات المرتفعة التي تصل أحيانا الى  مرتب الموظف الحكومي. تخيل أن تعمل بجهد لمدة ثلاثين يوماً، لينتهي بك الأمر بتسلم ثمن هذا الجهد من المحاسب وتسليمه إلى يد مالك البيت الذي تسكنه.

    هل هي أزمة؟.. لا.. الأزمة لم تبدأ بعد.

    جاءني صوته رطباً قلقاً وهو يتحدث من شارع العراقيين في منطقة السيدة زينب في ريف دمشق. صاحبي الذي قضى أكثر من (10) سنوات  من العيش في سوريا، قرّر العودة إلى العراق. لكنه غارق في حيرة السؤال عن السكن في بغداد، عن أسعار الإيجارات، عن فرص العمل. باختصار: عن كونه عراقي يريد أن يعيش بكرامة في عراقه. 

    أزمة صاحبي، هي أزمة مئات آلاف العراقيين، الذين لم يجدوا وسط ظروف القلق التي تعيشها سوريا، سوى العودة إلى العراق، هؤلاء ينشدون الأمان، الذي بدأ يتبدد في الشارع السوري. أنهم يقارنون بين الأمن هنا وبين الأمن هناك، ومثل كل المقارنات، فإن كفّة الوطن هي التي ترجح وإن كانت هي الكفة الهابطة في الميزان. 

    الغربة كالصقيع، تقتل دفء الروح.

    أزمة صاحبي وضعتني في دوامة البحث عن سكن يليق به، وتتناسب مع إمكاناته المالية. إستنفرت كل أصدقائي للبحث عن سكن لصاحبي، حتى الزملاء في الجريدة دخلوا في دوامة البحث. المناطق تختلف، وكذلك الأسعار، دوامة البحث ذكرتني بمقولة غسان كنفاني في روايته الرائعة أم سعد (خيمة عن خيمة.. تفرق). والأهم أن أجد لصاحبي خيمة تقيه وعياله برد الشتاء الذي جاء قاسياً هذا العام، لكن سقف أي خيمة في بغداد مرتفع عن سقف إمكانات صاحبي المالية.

    هل هي أزمة؟ نعم بدأت ملامح الأزمة الآن..

    مئات الأسر  العراقية تصل بغداد فجر كل يوم، ومثلها تصل في المساء. هؤلاء شظايا عراقية للأزمة السورية، فهم بحاجة للسكن، وللعمل.. أيضاً.

    الإيجارات ترتفع في كل المناطق، والتصريحات الرسمية التي تتبخر فور عرضها من على شاشات الفضائيات، لم تعد تجدي. والمطلوب حلول سريعة لحل أزمة الشظايا العراقية في الأزمة السورية، لأنّها إن تواصلت بهذه النسبة، إن لم تتصاعد خلال الأيام المقبلة، سنكون أمام أزمة، لا تحلها سوى مخيمات هي أشبه بمخيمات اللاجئين، ولا أعتقد أن العراق الجديد سيعامل العراقيين العائدين، بعد طول غربة، إلى وطنهم، معاملة اللاجئين.

  • مبدع مثل يره !!

    على كثرة الذين جذبهم طابور الواقفين أمام باب السلطان، ودخلوا البلاط وقبلوا الأرض التي يمشي عليها وعلى كثرة الذين تغنوا بطوله وعرضه وطلعته وأفكاره وأفعاله وبطولاته، طلبا للدنانير والمكرمات، أو طمعا في الحصول على مركز مرموق، أو حفاظا على منصب لا يستحقونه، أو استجداء لوظيفة يحلمون بها، أو خوفا من تقرير مخبر سري أو حزبي حاقد لأسباب شخصية، وما بين هؤلاء وهؤلاء، فريق يمدح طوعا وإيمانا وقناعة إلا هذا الصديق القامة الفارعة من الإبداع، نأى بنفسه عن تلك الكثرة، ووقف صامدا في وجه الريح العاتية، لم ينحن له جذع ولم ينحرف بقلمه يوما الى غير وجهته قانعا بحياة الزهد وخشونة اللقمة، لا يلتفت الى رؤوس من حوله تنثر عليها دراهم الذهب بلا حساب وهي لا تستحق دراهم النحاس، ولم تسوّل له النفس ضعفا، او تشتهي طعام الأمير على ما فيها من جوع، وحاجة الى لحمة تسند القلب وترم العظم وتعافي البدن!!

    كذلك أمضى الرجل سيرته، منذ خمسين أو يزيد من السنوات العجاف، منصرفا إلى كتبه وأوراقه ومراجعاته ومتابعاته، وهو في ذلك كله، قارئ نهم ومثقف موسوعي، ومبدع متعدد النواهب والمذاهب، كتب في النقد التشكيلي بحوثا ودراسات تعد مرجعا لا غنى عنه للمشتغلين في حقل الفن، وكتب في النقد الأدبي مقالات وآراء تعد مرجعا للعاملين في حقول الأدب، ونشر عبر رحلة العمر الطويلة دراسات بالغة الأهمية في ميادين الفكر والفلسفة، وأتحف المكتبة الثقافية بعدد من الروايات والمجاميع القصصية، ولم يكن أقل شأنا في رحاب الرسم، حيث أقام في داخل العراق وخارجه العديد من المعارض، لفتت إليها الأنتباه، وفوق هذا وذاك كان الرجل وما زال، علما بارزا من أعلام الصحافة العراقية، سواء في كتابة (العمود) أم التحقيق أم فنون العمل الصحفي الأخرى، بحكم ما يتمتع به من رشاقة الأسلوب وعمق الفكرة وجزالة اللغة.

    الغريب إن هذا الإنسان المبدع، غير ميال إلى التذمر أو التشكي أبدا، على الرغم من ظروفه الحياتية الصعبة، وما عاناه من إهمال على مدى خمسة عقود، والأغرب إن الأبتسامة الوديعة لا تفارقه، و(النكتة) الساخرة حاضرة على لسانه ، ولعل من أطرف ما يحضرني هنا، إنني التقيته قبل بداية السنة الجديدة 2012 وسألته سؤالا عرضيا عابرا عن أمنيته للعام المقبل، فأجابني على الفور (أتمنى أن أموت!) ، ومثل هذه الإجابة المستفزة دفعتني إلى أن اسأله مجددا (لماذا؟) فرد علي وهو يضحك بسعادة غامرة: لعل الدولة (تتفطن) وتقيم لي حفلا تكريميا، أو تشمل أسرتي براتب شبكة الرعاية الاجتماعية!! 

  • ضحكة خير

    من الشائع والمعروف عند العراقيين، ان الواحد منهم حين يصادف او يعيش لحظات فرح او ان امرا اضحكه مايدعونه ضحّكا من القلب، وهي لحظات نادرة في عمر العراقيين، فانه يستعيذ من الله ويبسمل عدة مرات، متمنيا من الله، ان يجعلها ضحكة (خير) موقنا ان لحظة الفرح او الضحك تلك ايذان بوقوع مصيبة كبرى، لا لشيء الا لانه عايش الاحزان طويلا وتآخى معها، ولم يألف تلك اللحظات السعيدة  الا بالسنة حسنة كما يقال..

    كثير من الذين يتصدون لتحليل الشخصية العراقية يقعون في خطأ فصلها عن حيثياتها التاريخية ــ الفكرية، ومحيطها ذي الاصول الشرقية المعبأة بالمعتقدات، فمن حيث التاريخ قاست تلك الشخصية ما لا عد له  ولا حصر من شتى انواع القمع والعذاب اللذين ما انفكت تقاسيهما حتى اليوم، ومن حيث الفكر فقد ظلت اسيرة التابعية المطلقة لأيديولوجيا السلطة من دون ان تمتلك قدرة التمرد والسؤال عن مجاهل المعرفة التي لم تزل مغلقة بفعل التحريم، والحالات النادرة التي شذت عن تلك القاعدة تعرضت للتجريم ومن ثم الى عقوبة الموت. وراحت تقيم تقاليد وطقوس للحزن، وتبتدع يافطات ومسميات لتكريسه حتى غدا مهيمنة لا خلاص منها او مهرب، وهناك على الدوام من  يدافع عن تلك الطقوس ومأساويتها بدعاوى تكرس واقعية المأساة حيث مشاهد القتل والتدمير وخراب مستشر في الانفس والعقول، من دون ان تمد يدا بإتجاه التفاؤل بالغد حتى امست عبارة (اليوم احسن من الغد) لازمة تلوكها الافواه كل ساعة وبمناسبة  او من دونها.

    يقول المفكر الفرنسي هنري برغسون (الضحك سلاح جبار، يستمد جبروته من كونه يسفه المأساة) ولا خلاف على طبيعة الحياة المأساوية، فانت لن تعيش وتحقق ما تصبوا اليه ان انت لم تبذل جهدا، ايا كان هذا الجهد وهنا تكمن العتبة  الاولى في المأساة.. ونمتلك نحن العراقيون في عقولنا ونفوسنا عدسة يمكن لها ان تكبر حجم الحدث المأساوي بنسب كبيرة، ربما تصل الى 100 % من دون مبالغة يعاضدها في ذلك تاريخ طويل ومرير من العذاب.

    الثابت ان الحزن طبيعة خلق اما الفرح فصناعة انسانية تقتضي منا فعلا متواصلا نديم من خلاله نسغ الحياة وندحر به في ذات الوقت رموز المأساة وصناعها النتنين من الصداميين والقاعديين وداعميهم من الظلاميين وطغاة الجوار الذين صدئوا لطول ما تسمروا على عروش مأساة الشعوب المبتلاة بهم..

  • قصص حب.. عربية

    ..ونذكر من قصص جداتنا، أن في شباط يكثر مواء القطط، إنه موسم تناسلها، هكذا كن يوحين إلينا على استحياء، ونذكر أيضاً ما يقوله الأجداد للأحفاد عن شهر شباط، أنه شهر المطر الذي يغسل الزرع تمهيداً للحصاد. لكننا سنذكر ما سنقوله لأحفادنا، أجداداً وجدات، عن أشهر شباط التي مرّت خلال الأعوام الماضية على عالمنا العربي.

    ..سنخبرهم، أن شباط شهد أهم ثورات الشعوب العربية، وأنه قدّم الربيع العربي المعتاد شهراً على الأقل، فقد منح شهر آذار إجازة مؤقتة، وخطف منه توصيف الربيع، ليكتب في صدر صفحات التاريخ الإنساني قصص انتصارات الشعوب التي ولدت من رحم القهر والجوع والاضطهاد، هل كان الموت المعلن للبوغزيزي حرقاً في ساحة تونسية عامة ترفاً ثورياً؟. 

    إنه الاحتجاج الإنساني بأقسى معانيه. لكن ثمنه كان تحرر الشعب التونسي من قبضة دكتاتورية جثمت على صدره عقوداً طويلة، لأن بذورها الحقيقية تمتد من زين العابدين بن علي، لتصل إلى نظام بورقيبة. هل ندع تاريخ الموتى جانباً؟.

    الثورة المصرية هي الأخرى بدأت في شباط، وطغى صوت الشباب الثائر في ساحة التحرير على مواء القطط، ألم تقل الجدات أنه شهر التناسل..؟ تناسلت الثورة الشباطية لتصل ليبيا وسوريا. 

    في مصر حققت جزءاً من مهامها حين أسقطت نظام توارث الجنرالات للحكم بدءاً من جمال عبد الناصر، مروراً بأنور السادات وانتهاءً بمحمد حسني مبارك، وبقيت أجزاء من الثورة قد يكون تحقيقها أصعب من الجزء المتحقق، الصراع المدني–العسكري على الحكم، الصراع القادم على شكل الدولة المصرية بين شباب الثورة والإخوان المسلمين الذي تسلقوا إلى البرلمان على تضحيات ثوّار ساحات التحرير، لكن المتحقق يمهد لتحقيق ما لم يتحقق، أنه قانون الثورة. من حقق آخر الانتصارات في تشيلي؟ سلفادور الليندي الذي صعد إلى الرئاسة بأصوات التشيليين، أم الجنرال بينوشيت الذي أغتاله وأغتال الديمقراطية التشيلية في ليلة رسمت قمرها وكالة الاستخبارات الأميركية؟ إنه تاريخ الشعوب وحده المرشح للبقاء.

    في ليبيا أيضاً، أنجزت الثورة مهامها الناقصة، وقتل الرجل الذي سخر من العالم أربعة عقود، بظروف غامضة، وبقيت مهام كثيرة لم تنجز لترسم معالم الدولة الليبية في مرحلة ما بعد القذافي. قبله زين العابدين بن علي الذي هرب سراً إلى السعودية، وأعلن عن إصابته بمرض السرطان. 

    لاحظوا النتائج المتشابهة واختلاف تفاصيل المصائر، مبارك من القصر إلى السجن، في واحدة من أكثر محاكمات التاريخ سخرية، والقذافي من قصر العزيزية إلى القبر، في فلم أقسى من أفلام الرعب الهوليودية، وزين العابدين من القصر إلى مصير مجهول، حيث لا أحد يعرف أخبار الرجل المرعب.

    في شباط أيضاً، اغتيل رفيق الحريري، وفي عيد الحب بالتحديد. قضية الاغتيال أخذت حيزاً من الاهتمام الدولي تجاوزت قضايا اغتيال شعوب كاملة. 

    المقارنة بين اغتيال الحريري واغتيال شعب البوسنة تفضح النفاق الدولي، وتشي أن الموت المعلن والموت السرّي تجارة عالمية بامتياز.

    ما هو مصير علي عبد الله صالح في مستشفيات أميركا؟ وما هو مصير بشار الأسد بعد تصاعد نغمة العداء العربي والدولي لنظامه؟

    هذا ما سيجيب عنه شباط العام المقبل ، في حلقة أخرى من حلقات قصص الحب.. العربية.

  • الشفرة

    يحاول الأوربي، وكل من فهم الحياة، وعرف مزاياها وممكناتها ومعناها، مثلما عرف عبثها ولا معناها.. يحاول ان يعيشها، كفرصة معطاة لمرة واحدة، ويتمتع بها ولا يترك للقبر غير عظام نخرة، يرضي كل خلية فيه.. يتمتع بالطعام والشراب والجمال وكشوفات الفكر ومديات الكون.. فالعالم له ويتوجب ان يعيشه.. ويعيشه سريعا بعمره الوجيز هذا، وبالوقت الناضب والخاطف، وبات يأسف لأن اليوم قصير ولا يكفي لانجاز النزر اليسير من متطلباته ومشاغله.. ويشكو المثقف المنتج، على نحو مضاعف من ضيق الوقت وقصر العمر وعدم قدرته على اللحاق وقراءة جزئية من حقول المعرفة والاطلاع.. في النفس والمجتمع والطبيعة والكون، وفي الأديان والتاريخ والعلوم.. مثلما راعهم وأفزعهم مقدار العبث…  ولكنهم واجهوه وتصدوا له بمزيد من الجدية وتفوقوا عليه بالتحدي..  مثلما تحدوا قانون الجاذبية وجابوا اقطار السماء …وأحالوا نزعة العدوان البشرية الى تباري في العطاء والمودة والتواصل.. وفي الفن الجميل وإبداع الحياة..  وهكذا أحالوا الشر الى خير، وأعادوا إنتاج جسم الإنسان، ونفسه وعقله ونوازعه الفطرية.

    هذا الأوربي.. أو هذا المثقف المنتج.. أو هذا الذي (رأى) وعرف.. وبلغ شيئا من السر وعاش بالإبعاد التي تنتجها له حياته الوجيزة وثقافته المحاصرة بقصر الوقت.. هذا الكائن المحظوظ بنظر الأجيال الغابرة ومخلفاتها، سينظر، بدوره بحسد الى هذا الصنف من المتحجرين.. يحسدهم على أوهامهم وخرافاتهم وجهالاتهم، يحسدهم على يقينياتهم البليدة، وفي وقت كشف عن قصور عقل اينشتاين.. يحسدهم على إحساسهم بسعة وطول الوقت.. وهو الذي يكاد يتلاشى كل منجزه في قصر الوقت.. وفي محدودية الحياة.. وفي موت يختم كل شيء.. وان الحياة، قد تكون بنظره، معادلة طرفها الآخر صفر.

    من المحتمل ان ينظر الواعي الى المتخلف مثل هذه النظرة.. ويحسده على يقينياته وتثاؤبه وكهفه..  ويظن ان عدم الوعي بطمأنينته افضل من وعى يفجر معنى وحياة الإنسان ولو للحظة…  والاكيد ان شعور الواعي هذا هو من قبيل المترف والمتخم الذي يتصور مذاق الرغيف اليابس في فم البائس المدقع.

    المتخلف متخلف بقدر جهله بالزمن والحياة وضرورات خلقها، وبقدر تبديده لها بما لا يديمها ولا يخدمها…  المتخلف لا يدري ان طاقته مرصودة لأفران صناعة وخلق الحياة وليس لطبخ الحصى، مثلما ينسى انه يحوز على انسانيته ويقترب من الله بقدر انتمائه للإنسان وبقدر المجتمع في وجدانه.. وبقدر ما يضيف للحياة من معاني وابعاد جميلة.. وبقدر بصمته التي يودعها في قلوب وذاكرة البشر.

    المؤلم، والمغيض والممزق للأعصاب بان يكون بين الواعين المشوهين ..بين من توصلوا الى فهم مشوه للحياة..ووظفوه لذواتهم او لذئبيتهم ليعيشوا الفرصة الوجيزة، وجدوا في المتخلفين مشاريع استثمار مربحة ..وقالوا ان من حق من عرف الحياة وادرك قيمتها ان يعيشها اكثر من سواه …وكما هناك حمير للركوب ونقل الاحمال(وعندما ينفق حمار يستعان بغيره) هناك سعداء بخرافاتهم وكهوفهم.. ولا بأس من مجاراتهم ومن علفهم.