Blog

  • لا أكـذب… ولا أتجمل

     بدءا أقر وأعترف بأن عنوان هذا المقال ليس له علاقة برواية الراحل إحسان عبد القدوس (أنا لا أكذب،، ولكني أتجمل) ذلك الكاتب الذي ناصر قضية (حواء) بالوقوف الى جانبها في السراء والضراء وبالضد من حبيب الروح (آدم) الذي يقتل القتيل ويمشي في جنازته كما يقول المثل المصري، على حد كثرة تكراره في المسلسلات والافلام العربية،، بحيث أضحى ينطبق كثيرا على حياة أخوتنا في مصر الكنانة،، بعد اطاحتهم الحقيقية والمباركة بتنحي مبارك،، وكم تبدو أثار تلك الحقيقة واضحة -ايضا- بوضوح عبارة (حرب الجميع ضد الجميع) التي تختصر واقع مجريات الربيع العربي منذ إندلاع شرارة موجة الغضب الأولى-قبل عام تقريبا- في تونس الخضراء بان حرق ( بائع الخضار-محمد البوعزيزي-) نفسه تحت وطأة الاحساس الطاغي بالظلم ولعنة الحاجة التي دفعت به للإقدام على الانتحار بأن شعل (صعادات) ثورات غضب عارمة في سموات وساحات ميادين التحرير،، رغم أن تلك الدول كانت حبلى بروح رفضها للواقع الذي كانت تحياه منذ عقود ووعود وكلام معسول وعهود كما يرد في أغنية أم كلثوم (للصبر حدود).

     وبعد ما حدث عقب انقلابات تسمى ثورات رتبت أوضاعها أول الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) وأخوته (اليوتويب – وتويتر) وسرعان ما تحولت الى أعمال عنف وقذف وحذف من قوائم الموجود على كراسي الحكم ومناصب السلطة وسرقات وملفات فساد وتفاقمت الأحوال الى قاتل ومقتول وتتدخل من تتدخل وتغلغل من تغلغل في تغيير مسارات وشكل ولون وطعم تلك الثورات قبل اللجوء الى القانون في حل وحسم القضايا لصالح مستقبل أفضل،، يبشر ويؤمن لحياة تستحق هذا النضال الذي ستبقى الشعوب العربية  تدور حوله ولا تصل اليه،، لأنها لم تزل غير قادرة على نقد ماضيها بروح الصراحة والابتعاد عن المجاملة وتصديق الأكاذيب التي تطلقها الأنظمة حال تسلم مقود السلطة،، لتتخلى عن وعودها وعهودها في أنسب لحظات الهروب بالتسويغ والتدويخ والتغليس حين تتفنن بوضع أغلى مساحيق التجميل الزائف بوطنية مدهونة بمراهم ومرطبات ومنعشات بشرة الحرص الأمثل الذي يتحول – بمرور الوقت والزمن- الى كدمات وندب وأورام في وجوه وقلوب وضمائرالجماهير،، بل الموت -أحيانا- أن تجاسرت وطالبت  بأبسط حقوقها،، والأمثلة كثيرة على صحة ما  نصبو ونريد،، منها القريب ومنها البعيد،، ولكي لا نزيد نفخا في قربة مثقوبة خشية ان نموت قهرا وحسرة من تكرار ما مر ويمر على بعض الدول التي غمرتها نسائم (الدنيا ربيع.. والجو بديع) سنقفل على كل (المواضيع) بمثل أفريقي يقول: ( إذا أتحد أفراد القطيع،، نائم الأسد جائعا)  مو صح.. يا جماعة الخير؟! 

  • المنســــيات.. البـــطالــة اولا !!

    في مجريات التدافع الحاصل في الحكم وفي العملية السياسية في العراق تطفو على سطح الأحداث مسائل لا تعتبر هما شعبيا وما لا يعتبر هما شعبيا في حكومة جاءت عبر عملية انتخابية يسلب منها مصداقيتها التمثيلية، وما لا يعتبر هما شعبيا عند أحزاب السلطة يسقط مدعياتها في العلاقة بالمواطنين الذين يشكلون القاعدة الشعبية التي تعتمل فيها مشاعر الرضا والسخط. 

    ومن المظاهر التي تطفو على سطح الأحداث هي:-

    1- الخلافات الحزبية.

    2- الخلافات الحكومية.

    3- الخلافات النيابية.

    4- الخلافات مع دول الجوار.

    5- الخلافات بين مجالس المحافظات.

    أما الحالات المنسية وهي حاجات أساسية تلامس الواقع المعيشي للمواطنين فهي مغيبة حد النسيان وهي: 

    1- البطالة ولاسيما بطالة الخريجين.

    2- الزراعة ومسائلها.

    3- الصناعة وشؤونها.

    4- ظاهرة الفقر والعوز وتدني الدخول.

    5- ظاهرة الأيتام.

    6- ظاهرة الأرامل.

    7- ظاهرة تدهور البنية التحتية.

    8- ظاهرة عدم احترام المواطن من قبل دوائر الدولة.

    9- ظاهرة استمرار سرقات المشاريع.

    10- ظاهرة استمرار المحاصصة.

    11- استمرار وضع الإنسان غير المناسب في المكان غير المناسب.

    12- استمرار المخالفات الدستورية.

    هذه القضايا على حساسيتها وخطورتها إلا أنها تبدو في المشهد السياسي والحكومي جزءا منه، منسية، وهناك تعمد على نسيانها لمصالح حزبية وفئوية، ومن اهم تلك القضايا: “قضية البطالة” والبطالة في العراق اليوم تنقسم الى:-

    1- بطالة حقيقية: وهي عدم وجود عمل يساهم في عجلة الإنتاج وهي على قسمين:-

    ا‌- بطالة الخريجين.

    ب‌- بطالة غير الخريجين.

    2- بطالة غير حقيقية “مقنعة” وهي بطالة الفئات التالية:

    ا‌- بطالة اغلب الموظفين ولها أسباب:-

    1- نتيجة التخمة الوظيفية.

    2- نتيجة الفوضى الإدارية.

    3- نتيجة فقدان التخطيط في دوائر الدولة للقوى العاملة.

    4- نتيجة ضعف المسؤولين عن الإدارة.

    5- نتيجة تدني منظومة القيم في الشخصية.

    ب‌- بطالة اغلب الفلاحين في القطاع الزراعي.

    ت‌- بطالة اغلب أصحاب المهن الأهلية.

    وللبطالة تأثيرات منها:-

    1- آثار نفسية.

    2- آثار اقتصادية.

    3- آثار اجتماعية وتنعكس على:-

    1- الأسرة نتيجة الضيق المالي وعدم القدرة على تلبية المطالب الحياتية .

    2- كثرة المشاكل والمعاكسات والمشاكسات من قبل الشباب الذي يعاني من البطالة وهي ترجع للأسباب النفسية.

    3- تدني مستوى النمو الاسري والاجتماعي الذي يعاني من البطالة.

    4- تدني المستوى الثقافي : لان من لايجد علا يدر عليه رزقا لايستطيع الحصول على الكتاب والمجلة والجريدة او الكومبيوتر والانترنيت .

    5- اثار سياسية : فكثرة البطالة تنعكس على الحياة السياسية من حكومية وحزبية ومنظمات وهيئات، فتجد نفسها غير قادرة على تلبية مطالب البطالة بشكل قانوني فتبدا لدى البعض طرقا واساليبا فيها الكثير من الالتواء مما يجعل الوضع السياسي مملوءا بالكثير من الشوائب .

    اما الاثار النفسية للبطالة فهي :-

    1- تحرك مشاعر الغيرة تجاه العاملين .

    2- تحرك مشاعر الحسد تجاه الآخرين.

    3- تحرك وتنمي مشاعر الحقد والكراهية تجاه المجتمع .

    4- تكون مصدرا للإحباط والكآبة.

    5- تكون مصدرا للتوتر والقلق وعدم الاستقرار. 

    أما الآثار الاقتصادية فهي:-

    1- تدني مستوى دخل الافراد والاسر الذين يعانون البطالة.

    2- تدني مستوى الدخول الوطنية للمجتمع. .

    3- تواجه الدولة ضغطا مستمرا من رعاياها نتيجة الحاجة الاقتصادية.

    4- تدني مستوى النمو المصرفي في قطاع البنوك. 

    5- تدني مستويات القدرة على الاستثمار. 

    ومن ملاحظة تعدد اثار البطالة، نعلم ونعرف خطورة هذه الظاهرة ولماذا تتحول الى مرض اجتماعي تسعى الدول والشعوب للتخلص منها او التخفيف من اثارها، ومن الملفت للنظر انه بعد تسع سنوات من التغيير لم تبدا عندنا مشاريع حقيقية للاستثمار مثل:-

    1- معامل صغيرة للمعلبات في المحافظات وموادها الاولية متوفرة في العراق مثل :-

    ا‌- معلبات معجون الطماطة.

    ب‌- معلبات الأسماك.

    ت‌- معلبات اللحوم.

    ث‌- معلبات العصائر المختلفة

    ج‌- مصانع المناديل الصحية “كلينس”.

    ح‌- مصانع الألبان والحليب. 

    خ‌- مصانع الثلج الصحي. 

    د‌- مصانع المشروبات الغازية.

    ذ‌- مصانع تكرير وتعقيم المياه. 

    ر‌- مصانع بلاستيكية.

    هذه وغيرها مما لا تتطلب رؤوس أموال كبيرة كان بالإمكان المبادرة لإنشائها لامتصاص الأيدي العاملة من الخريجين وغيرهم مما يجعل البطالة في الحد الأدنى ان لم نقل تتلاشى.

  • شرف المهنة!

    في عام يعود الى النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، تلقيت دعوة من مدير عام التربية لمرافقته مع وفد كبير من الإدارات المدرسية، وذلك لزيارة احدى المدارس، وكان الهدف – كما اخبرني عند لقائي الشخصي معه – ان هذه المدرسة يقودها مدير مخضرم وقدير، استطاع تحويل مدرسته الى مؤسسة نموذجية، وخاصة في مجال الاعمار والترميم والصيانة، وتقارير المشرفين التربويين جميعها تشيد بجهوده الشخصية وسياسته الحكيمة وقيادته الناجحة، ولهذا رأيت أن نقوم بهذه الجولة لزيارته، والتعرف على انجازاته، والأهم هو  (نقل تجربته الرائدة الى المدراء الآخرين الذين تم تعيينهم حديثا، وما زالوا قليلي الخبرة) ، وتحدث الرجل حديثا مملا بالمعنى نفسه، ثم وصل الى النقطة الرئيسة التي دعاني من اجلها (وأنت طبعا من الإعلاميين الكبار الذين احترم قلمهم، ومقالاتك مقروءة، ولذلك حرصت على ان تكون معنا، وترى بنفسك، وتكتب ما يمليه عليه ضميرك، ولعل ما ذكرته هنا لا يساوي عشر ما تكلم به المدير من إطراء ومديح، وطلب مني أخيرا بما يشبه الرجاء أن اكتب (تحقيقا دسما) على حد تعبيره حول فعالية مديريته وسعيها الدؤوب لتبادل الخبرات ونقل التجارب ويبدو انه نسي حكاية ما يمليه عليه ضميري!!

    الحقيقة لم أعر بالا لتلك المحاضرة التي اعتدت على سماع الكثير منها، اينما اجريت تحقيقات صحفية في دوائر الدولة، ولكن الذي استرعى اهتمامي، هي الفترة الأخيرة (وبالتأكيد سوف لن أنسى تعاونك معنا بعد نشر التحقيق، أما الان فأرجو قبول هذه الهدية المتواضعة مقدما!!) ، وكانت الهدية (50) الف دينار، وهو مبلغ يعادل خمسة اضعاف راتبي في الجريدة!

    كان قلبي يخفق وأنا اعتذر عن قبول الهدية، واقسمت بشرف المهنة على رفضها، ولكن الرجل سبقني في اليمين بشرفه، وشرف المسؤول لديه حصانة، وجل ما كنت اخشاه في تلك اللحظات العصيبة، ان يصدق الرجل قسمي الكاذب، وهكذا مرت المحنة بسلام، ووضعت المبلغ في جيبي على استحياء مفتعل، وفي الوقت المحدد للجولة، انطلق موكبنا، وقمنا بزيارة المدرسة ومديرها الذي تفاجأ بنا، ولكن مفاجأتنا كانت اعظم، فلم نقف على باب أو سياج أو شباك أو ساحة أو ارضية، إلا وقد عاشرها التعب، وطلب منه مدير التربية وهو ممتعض من الصورة المزرية أن يتحدث عن تجربته، وأشهد ان مدير المدرسة كان رجلا شجاعا وصريحا، فقد قال ما معناه (لقد أبلغت السادة المشرفين التربويين بمعاناة المدرسة وحاجتها الى ترميم السقف وطلاء الجدران وتصليح الرحلات والزجاج ، ورفعت الى مديرية التربية تسعة كتب رسمية، ولكن احدا لم يستجب، ولهذا قمت والله العظيم بتصليح حنفيات الماء من جيبي) ثم ختم حديثه، (أنا أعتذر إذا كانت تجربة مدرستنا مخجلة، ولكن هذا هو واقع الحال) ، وعلى عجل أنهى مدير التربية الزيارة، وهو في قمة الاحباط ، وفي اليوم الثاني استدعاني بصورة شخصية كذلك، وقدم لي هدية جديدة مقدارها (75) الف دينار، فأعتذرت وقلت له (التحقيق لم يكتب ولم ينشر إلى الان) ابتسم الرجل بلطف ورّد عليّ: هذا المبلغ يا صديقي الإعلامي، لكي تتخلى نهائيا عن فكرة كتابته ونشره، ولابد إن مبلغ (152) ألف دينار في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي  كانت أهم بكثير من شرف المهنة!! تنويه: الحياة تعج بحكايات مماثلة لهذه التجربة، والكاتب غير مسؤول عن أي تشابه قد يحصل من باب المصادفة، لذا اقتضت الإشارة!!

  • مصر.. بين الانتقالية والانتقائية والانتقامية

    من هو المسؤول عن تخريب مصر إلى هذا الحد؟؟, ومن الذي كتب سيناريوهات المواجهات المسلحة في ملاعب بورسعيد؟, وما ذنب بورسعيد حتى تتحمل وحدها نتائج العنف والشغب وتتلقى العقوبات من غير ذنب؟, وهل الأصابع الخارجية هي الشماعة الجاهزة لتبرير الصراع السياسي الداخلي؟, وإذا كان الأمر كذلك فما هو دور المشير طنطاوي وجنوده في التصدي للمؤامرة؟, وهل القوى الداخلية المختبئة هي التي تلعب بالنار وتثير الغبار؟, وإذا كان عناصر الشرطة هم الذين تعرضوا للضرب بالذخيرة الحية فمن هو الذي كان يمسك السلاح ويطلق النار على الجيش والشرطة, ويرتكب المجازر الانتقائية ثم يختفي في رابعة النهار من غير أثر؟. وهل القوى الخفية التي تعمل في السر, هي الذراع الانتقامي للخلايا النائمة التي تعمل لحساب ورثة الرئيس المخلوع؟.

     كان الصراع الشعبي في مصر يغلي في قدور الطوائف المتناطحة, حتى فاحت روائحه بين الأقباط والمسلمين, ثم انتقل الصراع ليغلي في قدور الشعب والبلطجية, وجاءت واقعة الجمل لترسم صورة بشعة للصراع بين السلطة المنهارة والجماهير المحتارة, ثم اندلعت الاشتباكات المسلحة في ملاعب بورسعيد, التي لم تعد تشعر بالسعادة, وربما ينتقل الصراع ليتفجر في جبهات التجمعات السكانية بين (الصعيد) و(دمياط), أو بين (وجه قبلي), و(وجه بحري)..

     ارتبط (الإخوان) برابطة الإخوة والتآخي مع العم طنطاوي ومجلسه العسكري, وعقدوا العزم على ترتيب إجراءات المرحلة الانتقالية, في حين راحت بعض العناصر المسلحة تعد العدة لخوض المرحلة التعبوية الانتقامية, فتأرجحت (الانتقائية) بين (الانتقالية), و(الانتقامية), وباتت هي الكابوس الجاثم على صدور الناس في مصر, وهي الخيار المتاح لطنطاوي و(أخوانه) في التعامل المريب مع الشعب, فهم يتحدثون بلسان طليق عن المرحلة الانتقالية, لكنهم سرعان ما يلجئون إلى استخدام العصا الغليظة والتلويح بها للانتقام من القوى المعارضة, ثم يعودون لانتقاء الحلول الترقيعية التوفيقية المتوافقة مع متطلبات التسويف والمماطلة.

    يقول المثل المصري: (اسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك استعجب), فلطالما تحدث المجلس العسكري عن اختزال إجراءات المرحلة الانتقالية, لكنه يميل في الوقت نفسه الى التنفيس عن هواياته المفضلة في ممارسة البطش والتنكيل والتعسف, فوقع على رأسه في تناقض عجيب بين التشدق في الأقوال والتطرف في الأفعال, وبين التسويف والتخويف, فبين هذا وذاك تقبع الرغبات المكبوتة, وتكمن المخططات المدروسة, وربما يتزعم العم طنطاوي حركة (حراس المحروسة) فيضع البلاد والعباد تحت رحمة العسكر, ويسقي الجنود من رحيق الخلود, ويبقى الحال على ما هو عليه, وكأنك يا أبو زيد لا رحت ولا جيت, فيتمدد حكم الجيش, وتعود الأمور الى سابق عهدها. وتستمر عجلة التوريث من اللواء محمد نجيب الى المشير طنطاوي, مرورا بكل القادة من صنف المشاة وسلاح الجو والبحرية, فلا مكان للديمقراطية في أصحاب العقول المشفرة, الذين تدربوا على إصدار الأوامر المشددة, وحرصوا على تنفيذها بالقوة, وآمنوا بتطبيق منطق التفوق العسكري على عدالة الحكم المدني, ومكانك سر, إلى الوراء در, فلن يتنازل المجلس العسكري عن سلطته بهذه البساطة حتى يضمن سيادته الدستورية, ويستحوذ على حصة الأسد من ميراث المحروسة.

     وحتى يتحقق حلم الجنرال أبو العباس السفاح, ويتحكم برقاب الناس, تبقى الفرصة متاحة لأحباب الزعيم المخلوع لكي يفتعلوا الأزمات, ويشنوا الغارات وسط الحشود الجماهيرية المتجمعة في الملاعب والمصانع والساحات.

    لا أمل لمصر المحروسة إلا بعودة الجيش إلى ثكناته, وإلا بتخليهم عن السلطة وتسليمها لحكومة مدنية منتخبة, غير متطرفة, ولا متعصبة, ولا متشنجة, ولا متحيزة. وإلا باللجوء إلى المحاكم العرفية لمحاسبة المجرمين والقتلة على وجه السرعة, ومن دون تأخير ولا تأجيل ولا مماطلة, وإلا بفرض الإقامة الجبرية على العمة (سوزان), ووضع القيود على نشاطاتها المريبة, وإلا بتبني قواعد صارمة تحد من تحركاتها, وتكبح رغباتها الموتورة, وتردع تطلعاتها الانتقامية المسعورة.

    وبخلاف ذلك سنشاهد المزيد من الأحداث الدامية, وستستمر مصر بالتأرجح بين الأوضاع الانتقالية والانتقائية والانتقامية… 

    والله يستر من الجايات. 

  • أصداء تاريخ ولادة النبوة الخاتمة

    هذه إضاءات تاريخية عن ولادة نبي الرحمة, خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم , فيها نصوص قرآنية تتحدث على ألسنة الأنبياء والرسل منهم ابراهيم “عليه السلام”, ومنهم عيسى “عليه السلام” , وفيها نصوص توقعات استباقية لبعض كهنة العرب مثل شق وسطيح, وفيها مواقف تأملية لملك العرب الأول سيف بن ذي يزن مع عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف جد النبي الذي تعهده بالرعاية لأنه ولد يتيما. أما النصوص القرآنية فهي:

    1- “ربنا وأبعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك أنت العزيز الحكيم” – 129- البقرة – وهذا النص هو ماجاء على لسان النبي المرسل ابراهيم “عليه السلام” , الذي جاء النص القرآني التالي يؤكد على ابوته الرسالية للمسلمين, ويشير الى الرسول محمد “ص” بالصفة المثبتة وحيا:

    2- “وجاهدوا في الله حق جهاده, هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة واتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولكم فنعم المولى ونعم النصير” – 78- الحج –

    3- “وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين” – 6- الصف – ولم تذكر الأناجيل الاربعة المتداولة اليوم بين النصارى هذه البشارة علما بأن الانجيل معناه “البشارة “وتفرد اجيل” برنابا ” بذكر بشارة عيسى “عليه السلام” بالنبي محمد طبقا لما صرح به القرآن الكريم, ولكن هذا الانجيل منع من التداول قبل أكثر من الف سنة؟ ومن أجل القراءة المعرفية لتاريخ الولادة النبوية المباركة سأذكر نصوصا قرآنية تركز على الصفات النبوية بشخص النبي محمد “ص”:

    4- “يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا” – 174- النساء –

    5- “يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين” – 15- المائدة –

    6- “الذين يتبعون الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون” – 157- الاعراف –

    7- “هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون” – 33- التوبة –

    8- “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير” – 1- الاسراء- “وبالحق انزلناه وبالحق نزل وما ارسلناك إلا مبشرا ونذيرا”- 105- الاسراء-

    9-  “وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين” – 107- الانبياء –

    10- “يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا” – 45- “وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا” – 46- الاحزاب

    11- “قل انما اعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا مابصاحبكم من جنة ان هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد” – 46- سبا –

    12- ” سلام على آل ياسين” – 130- الصافات –

    13- ” وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين” – 29- الاحقاف –

    14- “هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا” – 28- الفتح –

    15- “انما توعدون لصادق” – 5- ” وان الدين لواقع” – 6- الذاريات –

    ومن اصداء وليد تهامة محمد بن عبدالله “ص”: انه ولد في عام الفيل الذي كانت العرب تؤرخ به فيما ذكر بعض أهل مكة عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس وعن من لقي من علماء اهل اليمن – اخبار مكة وما جاء فيها من الاثار – ج1 – للإمام أبي الوليد محمد بن عبدالله بن احمد الازرقي – ص 209-

    وقد وثق النص القرآني ذلك الحدث قال تعالى في سورة الفيل:

    “الم تر كيف فعل ربك باصحاب الفيل” -1- “الم يجعل كيدهم في تضليل” -2- “وارسل عليهم طيرا ابابيل” -3- “ترميمهم بحجارة من سجيل” – 4- “فجعلهم كعصف مأكول” -5- سورة الفيل  –

    فلما رد الله الحبشة عن مكة واصابهم ما اصابهم من النقمة: اعظمت العرب قريشا: وقالوا: اهل الله قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم, فجعلهم يقولون الاشعار ويذكرون ماصنع الله بالحبشة, وما دفع عن قريش من كيدهم ويذكرون الاشرم والفيل ومساقه الى الحرم, وما اراد من هدم البيت واستحلال حرمته, وقال ابن اسحاق: حدثني عبد الله بن ابي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن بن اسعد بن زرارة عن عائشة ام المؤمنين قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة اعميين مقعدين يستطعمان – اخبار مكة – ج1 ص 229-

    ومما قاله عبد المطلب في صد هجوم ابرهة صاحب الفيل, فأخذ بحلقة باب الكعبة, ثم قام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على ابرهة وجنده, حيث قال :-

    يارب ان المرء يمنع …. رحله فامنه رحالك

    لايغلبن صليبهم ….. ومحالهم غدوا محالك

    فلئن فعلت فربما اولا .. فامر مابدا لك

    ولئن فعلت فإنه ….. أمر يتم به فعالك

    وقال عبد المطلب ذلك:

    قلت والاشرم تردى خيله ….ان ذا الاشرم غر بالحرم

    كادت تبع فيمن جندت ….حمير والحي من آل قدم

    فانثنى عنه وفي اوداجه … جارح امسك منه بالكظم

    نحن اهل الله في بلدته …. لم يزل ذاك على عهد ابرهم

    نعبد الله وفينا شيمة …… صلة القربى وايفاء الذمم

    ان للبيت لربا مانعا ….. من يرده باثام يصطلم 

    وقال نفيل بن حبيب حين رأى ما انزل الله بهم من نقمته:

    اين المفر والاله الطالب .. والاشرم المغلوب غير غالب

    وقال ايضا حين ولوا وعاينوا مانزل بهم:

    الا حييت عنا ياردينا … نعمناكم مع الاصبح عينا

    ردينة لو رأيت ولن تريه .. لدى جنب المحصب ما رأينا

    اذا لعذرتني وحمدت امري .. ولم تأسي على مافات بينا

    حمدت الله اذ عاينت طيرا .. وخفت حجارة تلقى علينا

    وكل القوم يسأل عن نفيل .. كان علي للحبشان دينا – تفسير الطبري 30|303 , وتاريخ الطبري 1|443 , واتحاف الورى 1|38 , وتاريخ الخميس 1|190 , وسبل الهدى والرشاد 1|257 , وتفسير ابن كثير4|554 , واخبار مكة ج1 ص 227-

    ومن بؤس الثقافة وامية الفكر سمعنا في هذه الأيام من يحلو له ان يكذب حادثة الفيل, ومن سولت له نفسه تكذيب سورة الفيل مدعيا ان الفيل لايمكنه السير في الرمال؟ والذين سموا لانفسهم رواق المعرفة من اميي هذا الزمان ومحدوديه هم من استضافوا ذلك المدعي واسبغوا عليه لقب المفكر، وذاك وهؤلاء نسوا ان للعرب ديوانا شعريا يحفل بتسجيل عام الفيل وما جاء فيه, وما هذه الاشعار التي ذكرناها إلا نزرا من ذلك السفر الحافل بالقصص والحكايات والشعر.

    ويقال: انه حدث، ان اول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وهو عام الفيل الذي ولد فيه رسول الله محمد بن عبد الله “ص”: ولذلك نقل عن الرسول قوله: “ما انزل الله من داء إلا وجعل له دواء فتداووا ياعباد الله “.

    فلما قتل الحبش ورجع الملك الى حمير, سرت بذلك جميع العرب لرجوع الملك فيها وهلاك الحبشة, فخرجت وفود العرب جميعا لتهنئة سيف بن ذي يزن, فخرج وفد قريش, ووفد ثقيف, وعجز هوازن وهم: نضر وجشم, وسعد بن بكر , ومعهم وفد عدوان وفيهم ابنا عمرو بن قيس, فيهم مسعود بن متعب, ووفد غطفان, ووفد تميم, واسد, ووفد قبائل قضاعة والازد, فأجازهم واكرمهم, وفضل قريشا عليهم في الجائزة لمكانتهم من الحرم وجوارهم بيت الله, وكان سيف بن ذي يزن في قصر له بصنعاء يقال له غمدان وهو الذي يقول فيه الشاعر أبو الصلت الثقفي أبو امية بن ابي الصلت:

    لاتطلب الثأر إلا كابن ذي يزن .. ريم ففي البحر للأعداء احوالا

    اتى هرقل وقد شالت نعامتهم …. فلم يجد عنده النصر الذي سالا

    ثم انتحى نحو كسرى بعد عاشرة .. من السنين يهين النفس والمالا

    حتى اتى ببني الاحرار يقدمهم … تخالهم فوق متن الارض اجبالا

    فأستاذنوا عليه فأذن لهم: فدنا عبد المطلب فأستاذن الكلام, فقال له سيف بن ذي يزن: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد اذناك: فقال عبد المطلب: ان الله قد احلك ايها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا, وانبتك منبتا طابت ارومته , وعزت جرثومته, وثبت اصله, وبسق فرعه في اكرم معدن, واطيب موطن, وانت ابيت اللعن رأس العرب, وربيعها التي تحصنت به وانت ايها الملك رأس العرب الذي له تنقاد وعمودها الذي عليه العماد, ومعقلها الذي يلجأ اليه العباد, سلفك خير سلف, وانت منهم خير خلف, فلن يخمد ذكرمن انت سلفه, ولن يهلك من انت خلفه.

    ايها الملك نحن أهل حرم الله وسدنة بيته, اشخصنا اليك الذي انهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا, فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة: قال: وايهم انت ايها المتكلم؟

    قال، أنا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف, قال: ابن اختنا، قال: نعم قال: ادن , فأدناه, ثم اقبل عليه وعلى القوم, فقال: مرحبا واهلا وناقة ورحلا ومستناخا وسهلا وملكا ربحلا, يعطي عطاء جزلا, قد سمع الملك مقالتكم, وعرف قرابتكم, وقبل وسيلتكم, وانتم اهل الليل والنهار, لكم الكرامة ما اقمتم والحباء اذا ظعنتم.

    ثم قال: انهضوا الى دار الضيافة والوفود, فاقاموا شهرا لايصلون اليه ولا يأذن لهم بالانصراف, ثم ارسل الى عبد المطلب, فناداه واخلا مجلسه له ثم قال: ياعبد المطلب اني مفوض اليك من سر علمي امرا, لو غيرك يكون لم ابح له به, ولكني وجدتك معدنه فاطلعتك طلعه, وليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه, فإن الله بالغ فيه امره: اني اجد في الكتاب المكنون, والعلم المخزون, الذي اخترناه لانفسنا واحتجبناه دون غيرنا خبرا جسيما, وخطرا عظيما, فيه شرف الحياة, وفضيلة الوفاة للناس عامة, ولرهطك كافة ولك خاصة.

    قال: ايها الملك: مثلك سر وبر, فماهو فداك اهل الوبر والمدر, زمرا بعد زمر

    قال: اذا ولد بتهامة, غلام به علامة, كانت له الامامة, ولكم به الدعامة الى يوم القيامة.

    وهذا ماصرح به كل من شق وسطيح للملك سيف بن ذي يزن عندما رأى رؤية هالته وطلب جمع الكهنة والمعبرين ليفسروا له رؤياه, ولكنهم اجمعوا على ان شق وسطيح وحدهما يعبران عما رأى الملك لأنه اشترط عليهم ان يخبروه بفحوى ما رأى دون ان يقص عليهم رؤيته.

    وقال عبد المطلب لسيف بن ذي يزن: ابيت اللعن, لقد ابت بخير ما اب بمثله وافد قوم ولولا هيبة الملك واعظامه واجلاله, لسالته من ساره اياي ما ازداد به سرورا فإن رأى الملك ان يخبرني بافصاح فقد اوضح لي بعض الايضاح.

    قال: هذا حينه الذي يولد فيه او قد ولد, اسمه محمد بين كتفيه شامة, يموت ابوه وامه, ويكفله جده وعمه, ولدناه مرارا, والله باعثه جهارا, وجاعل له منا انصارا, يعز بهم اولياءه, ويذل بهم اعداءه, ويضرب بهم الناس عن عرض, ويستبيح به كرائم الارض, يعبد الرحمن, ويدحر الشيطان, ويكسر الاوثان, ويخمد النيران, قوله فصل, وحكمه عدل, يأمر بالمعروف, ويفعله, ويمهي عن المنكر ويبطله.

    فخر عبد المطلب ساجدا, فقال له: ارفع رأسك ثلج صدرك, وعلا كعبك, فهل احسست من امره شيئا؟

    قال: نعم ايها الملك: كان لي ابن وكنت به معجبا, وعليه شفيقا زوجته كريمة من كرائم قومه: آمنة بنت وهب ين عبد مناف بن زهرة, فجاءت بغلام سميته محمد, مات ابوه وامه, وكفلته انا وعمه, بين كتفيه شامة, وفيه كل ماذكرت من علامة.

    قال له: والبيت ذي الحجب, والعلامات على النصب, انك ياعبد المطلب لجده غير كذب, قال: والذي قلت لكما قلت, فاحتفظ بابنك, واحذر عليه اليهود فإنهم له اعداء, ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا, واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك, فاني لست امن ان تدخلهم النفاسة من ان تكون لك الرياسة, فيبتغون لك الغوائل, وينصبون لك الحبائل, وهم فاعلون او ابناؤهم, ولولا ان الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى اصير بيثرب دار ملكي, فاني اجد في الكتاب الناطق والعلم السابق: ان بيثرب استحكام امره, واهل نصرته, وموضع قبره, ولولا اني اقيه الافات  واحذر عليه العاهات, لاوطأت اسنان العرب كعبه, ولاعليت على حداثة من سنه ذكره ولكني مفوض وصارف ذلك اليك عن غير تقصير بمن معك.

    ثم امر لكل رجل منهم بمائة من الابل, وعشرة اعبد, وعشرة اماء, وعشرة ارطال من الذهب, وعشرة ارطال فضة, وكرش مملوءة عنبرا, وامر لعبد المطلب بعشرة اضعاف ذلك ثم قال له: إئتني بخبره, وما يكون من امره عند رأس الحول, فمات سيف بن ذي يزن من قبل ان يحول الحول – اخبار مكة ج1 ص 234-

    وكان عبد المطلب يقول: ايها الناس: لايغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك, فانه الى نفاد, ولكن ليغبطني بما يبقى لي ولعقبي شرفه وذكره وفخره فاذا قيل له وما ذاك؟ يقول: ستعلمونه ولو بعد حين وفي ذلك يقول امية بن عبد شمس: 

    جلبنا النصح نحقبها المطايا … الى اكوار اجمال ونوق

    مغلغلة مراتعها تغالي  ….. الى صنعاء من فج عميق

    تؤم بنا ابن ذي يزن ويفري .. ذوات بطونها أم الطريق

    وترعى من مخائلها بروقا … موافقة الوميض الى بروق

    فلما وافقت صنعاء صارت … بدار الملك والحسب العريق

    وهكذا ارخت العرب، بعام الفيل وهو مولد محمد بن عبد الله رسول الله “ص” ثم ارخت بعام الفجار, ثم ارخت ببنيان الكعبة فلم تزل تؤرخ به حتى جاء الله بالاسلام فأرخ المسلمون من عام الهجرة – اتحاف الورى – 1|45-44

    ومن الشعراء الذين نظموا في ذلك هم :

    1-  الطفيل الغنوي:

    ترعى مذانب وسمي اطاع لها

                     بالجزع حيث عصى اصحابه الفيل

    2- أبو قيس بن الاسلت:

    ومن صنعه يوم فيل الحبوش

                      إذ كل ما بعثره رزم

    3-  أبو الصلت الثقفي:

    حبس الفيل بالمغمس حتى

                  ظل يحبو كأنه معقور

    4- ابن اذينة الثقفي:

    لعمرك ما للفتى من مفر

                 مع الموت يلحقه والكبر 

    – اتحاف الورى – سيرة ابن هشام – تاريخ الطبري – اخبار مكة ج1 ص 238-. ومن الاشعار التي نظمها الصوفية, وتغنوا بها نشدوا المدائح النبوية في احياء ذكرى الولادة الشريفة:

    1- حب النبي سرا …. بالقلب وازدهرا

    انار لي دربي ….. ونور البصرا

    كمال طلعته ….. قد اخجل القمرا

    مبعوثنا احمد …قد رتل  السورا

    بالحسن افضله .. بالحب قد امرا

    فالحق موعدنا .. نلقى به الظفرا

    2-  فالينصت الكون …. وليسمع لي البشر

    وليقصف الرعد ,, وليهمي لنا المطر

    3-  ماذا يقول لسان الشعر في بشر

                         جاءت لتبجيله الآيات والسور

    ياسيد الخلق عين الشعر قد عشيت

                           فأنوار حبك لايقوى لها بصر

    من اين ابدأ اشواقي واكتمها

                    وانتم البحر والبحار والسفر

    4-  احمد ياحبيبي … سلام عليك

     ياعون الغريب … سلام عليك

    جئت بالقرآن .. من عند الرحمن

    5- نسب شريف طاهر ساد الورى

    عزا واجلالا ومجدا فاخرا

    مازال يعلو شأنه وكماله

                حتى بدا في الكون مسكا عاطرا

    هذا هو وليد تهامة المكي المهاجر الى يثرب محمد بن عبد الله خاتم الانبياء والمرسلين: الشاهد, والمبشر, والنذير, والداعي الى الله, والسراج المنير, وتلك هي بعض اصداء تاريخ ولادته الشريفة التي اصبحت استكمالا للمعرفة, وينبوعا للحكمة, ودليلا على هدي السياسة التي نحتاجها بعد ان اصبح الحكم لعبة بيد الصغار واقصاء للكبار..

  • وجوه الصفيح

    صدقنا من قبل هجرة تلك العائلة، فرارا من صخب مولدات الشارع الميسور، وما يؤشره هذا الصخب من أخلاق غليظة وجلفة.. ولم نستغرب هجرة العائلة الأخرى من الكوت التي غرق بيتها المتواضع بمياه الجيران الثقيلة ..ولكن بدون إدانة للجيران ولأخلاقهم..  ما داموا مجبرين، ولا خيار لهم إزاء انعدام الخدمات البلدية هناك..  بل هو نفاد صبر وجزع ….والخ… مع الم وغصة وأسف على فراق الناس والتغرب عنهم … وقد وجد مهاجر ثالث ان مبررات (المترف) أقوى من مبررات نظيره الفقير الذي فاض بيته بالنجس والمياه  الثقيلة..  ما دام بآصرة حميمة بناسه ومنطقته..  إذ لا اقسى من فقدان الثقة بالمجتمع… وانقطاع الصلات به.. واخذ هذا الشعور مدياته عند اتساع هذه الحالة وتخوف المرء من وقوعه فريسة لقريب وصديق… ومن خيبات متوالية ببروز وجوه قبيحة من ذات الوجوه التي كانت جميلة … ومن ألفة واعتياد وضع أقنعة الصفيح.. ومن ثم نزعها ورميها  بعد أن تحولت الوجوه ذاتها الى صفيح … ولكل عراقي حكاياته مع ضروب الأنانية والتوحش والنذالة.. وفقد الدهشة لكل ما يسمع ويرى ويعيش… ولا غرابة ان يتمخض الجبل عن فأر …والكريم عن دنئ.. وابن الغنى والجاه عن شحاذ ذليل… والتقي المتصوف عن مرآب وسخ… وان تحري ودراسة أبطال الفساد الحكومي،يكشف قطعا عن طبائع نذالة …نذالة كانت مستورة ..ومغطاة. ووفرت محنة العراق أفضل المناخات لبروزها واضحة جلية للعيان.. ويظن المختصون أن فقدان التواشج والتفاعل والعلاقات الطيبة ترمي بالإنسان الى حظيرة الحيوانات..  فالإنسان وحيدا هذا مصيره.. فإنسانيته بالمجتمع..  ومن العلماء من يحيله الى شيطان خارج المجتمع..  وربما لم يترجم بعض المهاجرين مشاعرهم فأحالوا أسباب نزوحهم وفرارهم وهجرتهم الى التهديدات وصعوبات العيش، والعلل المادية.. فقوة الآصرة الاجتماعية هي مصدر مهم في قرار الهجرة.. وان العيش وحيدا في الصحراء اهون واقل وقعا على النفس من العيش وحيدا في المجتمع.. ومن العراقيين من بات متوجسا من وثوب الكائن النذل من عين صديقه وقريبه ومن ذاك الذي ظنه عملاقا.. فهل يحق لنا الاعتقاد بان الفساد الرسمي قرين النذالة ونتاج ضمور القيم الاجتماعية وتفكك العلاقات..؟

    لا ينزلق المرء الى الرخص والابتذال قبل أن تتقطع خيوطه وأواصره بالمجتمع …سواء لأسباب تربوية او فسلجية، ولا يشغله  حينئذ غير مطالبه الذاتية او الجسدية،ويغدو كائنا بيولوجيا او بهيميا .. وسيرى نفسه بعين المجتمع ضئيلا مبتذلا بلا أي اعتبار.. وهذا هو مشروع الدمار الشامل عندما تقع بيده سلطة، أية سلطة ..كاتب في عيادة طبيب يضاعف من مرض المراجع ..او مدير تتولى أنفاسه العفنة تسميم مكاتب المديرية.. او سياسي يريد أن يتخلص من جرذيته ويتضخم بالمال المسروق وبالتطلعات المتراكضة كأحلام المجرمين مع استسهال النذالة ..وبما يسهم بإشاعتها وتعميمها… ويجزم الاجتماعيون بقرب الوحيد اجتماعيا من الموت.. وفي العراق وباء النذالة ..فما جواب السياسي؟ 

  • رياح الحرب الكونية المحتومة .. آخر التعديلات على سيناريو الهرمجدون

    خرج الثعلب العجوز (هنري كيسنجر) من عزلته السياسية التي اختارها بنفسه, وبدا متوقد الذهن بالشر, رغم بلوغه العقد التاسع من العمر, فتحدث لصحيفة (ديلي سكيب) اليومية النيويوركية, بلغة معفرة برماد الكوارث والمصائب والنكبات, فكان حديثه بمثابة الإعلان النظري لاندلاع الحرب العالمية المرتقبة..

    لقد نطق الثعلب الماكر بما لم ينطق به كهنة النظام العالمي الجديد في غابات الطغيان العسكري الكاسح, فأشار في حديثه إلى القوى المرشحة لخوض الحرب, وحدد تشكيلاتها التعبوية, التي ستخوض المنازلة الخرافية الكبرى, ورسم محاورها القتالية, وثبت إحداثياتها بخطوط  الطول والعرض, وكأنه يقول للناس: يتعين عليكم متابعة العد الرقمي التنازلي لساعة الصفر المخبأة في فوهات براكين الرعب القادم من جهة الغرب. .  

    عندما يتحدث رجل بمستوى (كيسنجر) عن حرب عالمية مرتقبة, ينبغي ان نأخذ كلامه على محمل الجد, فالرجل لا يجيد التنجيم ولا يميل لقراءة الطالع, ولا من الذين شغفوا بالتنبؤات المستقبلية, وليس ممن يبحثون عن الشهرة بإثارة الضجيج, ولا ممن يرغبون بإطلاق الفقاعات السياسية الكاذبة, ولا يسعى للمزاح الثقيل في هذه الظروف المتكهربة, واغلب الظن انه يحمل في جعبته سيناريوهات حربية لحماقة جديدة من حماقات النظام الأمريكي المتبجح بقوته, المتباهي بطغيانه. .

    قال (كيسنجر): ((أن ما يجري حاليا هو تمهيد للحرب العالمية الثالثة, التي سيكون طرفاها روسيا والصين من جهة الشرق, والولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها من جهة الغرب)). .

    وستكون حربا كونية شرسة طاحنة ساحقة ماحقة مدمرة, لا يخرج منها سوى منتصر واحد, وقال (كيسنجر): ((أن واشنطن تركت الصين تضاعف قدراتها العسكرية, وتركت روسيا تتعافي من تداعيات الإرث السوفيتي الثقيل, وسمحت لهما باستعادة هيبتهما المفقودة, بيد أن تلك الهيبة ستكون هي الحزام الانتحاري الناسف, الذي سيحمل أخبار اختفاء تلك الأنظمة وانصياعها للنظام العالمي الاستعلائي الموحد)). .  

    ويقول هذا الثعلب العجوز: ((ان مراكز القوة في الولايات المتحدة خططت لاحتلال سبع دول في الشرق الأوسط بهدف الاستفادة من ثرواتها الطبيعية, وان الفيالق العسكرية الامريكية, حققت هذه الأهداف تقريباً, وربما هي الآن في طريقها نحو تحقيق ما تبقى من الأهداف المؤجلة)), وأكد في حديثه للصحيفة: ((ان السيطرة على الموارد النفطية هو الوجه الآخر للسيطرة على الدول, أما السيطرة على الموارد الغذائية فهو الوجه الآخر للسيطرة على الشعوب)). . 

      ويختتم كيسنجر حديثه بالقول: ((بات من المؤكد أن التنين الصيني, والدب الروسي لن يسيرا في مؤخرة الزحف الأمريكي المدمر للشرق, ولن يقفا موقف المتفرج ليراقبا إسرائيل وهي تشن سلسلة من الغارات الحربية المتوقعة على البلدان العربية, عندئذ ستقع الحرب الكونية الثالثة في قلب الشرق الأوسط)). 

    يتحدث كيسنجر هذه المرة بمنطق الخرافات الكهنوتية الوثنية القديمة, ويبدو ان أمراض الشيخوخة إصابة بلوثة دماغية أفقدته صوابه, فعاد إلى الحديث عن خرافة (الهرمجدون Armageddon), التي سردتها له جدته في الضواحي الألمانية البافارية العتيقة.

    فالهرمجدون معركة منتظرة, ولدت من ترهات الأساطير الغابرة, وروّج لها سفهاء (الطاروط), و(الزوهار) الذين شحنت عقولهم بحكايات عرافات مذهب (الكابالا), و(الويكا), وخطط لها فرسان المعبد منذ زمن بعيد, واستعدوا لخوض غمارها في فلسطين, فهي عندهم من المعارك الحتمية الفاصلة. . 

    و(الهرمجدون) كلمة عبرية مكوّنة من مقطعين. (هر) أو (هار) بمعنى جبل, 

    و(مجدون) اسم لواد في فلسطين. يقع في مرج ابن عامر, وكلمة (هرمجدون) تعني: جبل مجدون, وبصرف النظر عن مدلول الكلمة, فأنها ترمز إلى الحرب العدائية التي تخطط لها أمريكا وزبانيتها. فنحن نقف اليوم على أعتاب اندلاع حرب وثنية جديدة تستهدف تدمير الشرق الأوسط برمته. .

    ينبغي أن لا نستغرب من تلك الأفكار الامريكية المنبعثة من كهوف الأزمنة الغابرة, وخير مثال على صحة كلامنا هذا: إنّ الرئيس الأمريكي (بوش الصغير) كان مسكونا بالخزعبلات الوثنية, ومن لا يصدق ذلك يتعين عليه قراءة آخر ما كتبه الكاتب الفرنسي (جان كلود موريس) في كتابه, الذي حمل عنوان (لو كررت ذلك على مسامعي فلن أصدقه), وكشف فيه عن تفاصيل المكالمات الهاتفية بين (بوش) والرئيس الفرنسي (جاك شيراك), والذي حاول فيه (بوش) إقناع (شيراك) بالمشاركة في الحرب التي شنها على العراق بذريعة القضاء على العفريتين (ياجوج وماجوج), الذين يزعم إنهما ظهرا في الشرق الأوسط تحقيقا لنبوءة وثنية قديمة وردت في الكتب (المقدشة), ونلفت الانتباه هنا إلى إن مفردة (مقديش) بالشين, تعود إلى المصطلح الأكدي الوثني (قديشتو) للتعبير عن كاهنات الدعارة في معبد (مردوخ).   

    يذكر المؤلف: أن (جاك شيراك) وجد نفسه بحاجة إلى التزود بالمعارف المتوفرة بكل ما تحدثت به التوراة عن (يأجوج ومأجوج), وطالب المستشارين بمعلومات أكثر دقة من متخصصين في التوراة, على أن لا يكونوا من الفرنسيين, لتفادي حدوث أي خرق أو تسريب في المعلومات, فوجد ضالته في البروفسور (توماس رومر), وهو من علماء الفقه اليهودي في جامعة (لوزان) السويسرية, وأوضح البروفسور: إن (يأجوج ومأجوج) ورد ذكرهما في سفر (التكوين), في الفصلين الأكثر غموضا, وفيهما إشارات غيبية, تذكر: ((أن يأجوج ومأجوج سيقودان جيوش جرارة لتدمير إسرائيل ومحوها من الوجود, وعندئذ ستهب قوة عظمى لحماية اليهود, في حرب يريدها الرب, وتقضي على يأجوج ومأجوج وجيشيهما ليبدأ العالم بعدها حياة جديدة)), ثم يتابع المؤلف (موريس) كلامه, قائلا: إن الطائفة الانجليكانية التي ينتمي إليها بوش, هي الطائفة الأكثر تطرفا في تفسير العهد القديم (التوراة), وتتمحور معتقداتها حول ما يسمى بالمنازلة الخرافية الكبرى, ويطلقون عليها اصطلاح (الهرمجدون), وهي المعركة المنتظرة, التي اشرنا إليها آنفا, وحذرت مجلة (لونوفيل اوبسرفاتور), الفرنسية, من تنامي هذه العقيدة  الجديدة المتطرفة. وأكدت أن الرئيس (بوش), المؤمن جدا بهذه العقيدة الشاذة, اتصل بالرئيس الفرنسي (شيراك) ذات مرة, لحثه على مؤازرته في غزو العراق. قائلا له : (( اسمع يا صديقي شيراك. لقد أخذت على عاتقي تخليص العالم من الدول المارقة والشريرة, وسأسعى بكل ما أوتيت من قوة لخوض معركة الهرمجدون هناك)). .

      لقد بات من الضروري أن يعرف الناس حقيقة تلك العلاقة الدينية والتاريخية بين اليهود وأمريكا التوراتية، ويدركوا إن كل هذه الحروب الاستباحية التي تخوضها أمريكا, أو التي ستخوضها، وكل هذه المؤامرات التي تحيكها هي من اجل تدميرنا ونهب ثرواتنا وتمزيق وحدتنا الوطنية من خلال زرع الفتن وإثارة النعرات الطائفية المسيسة، والسعي لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، وترسيخ أقدام عبيد الشيطان في قلب الوطن العربي. 

    من المؤسف له أن نرى كوكب الأرض في الألفية الثالثة تتحكم به الكاهنات والساحرات وتتلاعب بمصيره التعاليم الوثنية المنبعثة من أوكار المجانين والمتخلفين والمشعوذين. 

    والله يستر من الجايات

  • لا جنود.. لا عقود

    الدب الروسي يتململ بين تلال الثلج التي خلفها انهيار الاتحاد السوفيتي السابق والمنظومة المحيطة به من الدول الاشتراكية، وهو إذ يستسيغ التنازل عن معادلة القطبين اللذين يتحكمان بمصير العالم، فإنه لا يستسيغ تنازل روسيا عن كونها قوة دوليّة تحتفظ بقوة لا يستهان بها وتحتفظ بالورقة الأهم في التأثير بالقرارات الأممية، متمثّلة بحق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن الدولي، باعتبارها من الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس، ذلك الحق الذي ورثته عن الاتحاد السوفيتي السابق.

    تململُ الدبّ الروسي يزداد خلال هذه الفترة التي تشهد انهيار الأنظمة العربية القريبة من موسكو، نتيجة الحراك الشعبي الذي أنتج الربيع العربي، ما يعني، إنها بدأت تفقد حلفاءها، وبالتالي مصالحها في المنطقة التي تعد خزان الطاقة من جانب، وأهم أسواق ترويج الأسلحة من جانب آخر، وهما من أهم عوامل الصناعة والاقتصاد في العالم.

    روسيا التي اعترضت على التدخل العسكري الغربي في العراق، استقرأت بشكل مبكر، أن مصالحها في العراق قد وضعت تحت رحمة واشنطن، وهل ثمة رحمة في العلاقات الدولية؟

    ولقد كان لشعار وولفويتز، الذي عينه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش مسؤولاً عن إعمار العراق، (لاجنود..لا عقود) وقع الصدمة في أوساط الحكومة الروسية التي أدركت بعد ضياع الفرصة، حجم خسارتها في العراق، هل كانت موسكو على حق؟.

    دعونا نعيد قراءة أسماء بعض الدول التي شملتها قائمة الدول التي يحق لها المشاركة في العقود الخاصة بإعادة إعمار العراق والمموّلة من جانب الولايات المتحدة.. أفغانستان، ألبانيا، أنغولا، أذربيجان، كولومبيا، كوستاريكا، السلفادور، أريتريا، أثيوبيا، هندوراس، جزر مارشال، ميكرونيزيا، بالاو، رواندا، جزر سولومون، تونغا – قد يعتقد البعض إنها مزحة، لأن بعض هذه الدول لم تطرق أسماؤها الأسماع إلا في قائمة السيد وولفويتز، التي حرمت بالمقابل دولاً كبيرة مثل فرنسا، ألمانيا، روسيا، كندا، الصين، البرازيل، من المشاركة في تلك العقود.

    المفارقة الأكبر في القائمة، إن اسم العراق يرد فيها بصفته دولة يحق لها المشاركة في إعادة الإعمار نفسها، فتصوروا!.

    ووولفويتز حينها لم يبقِ الأمور على ضبابيتها، بل وجه سهامه مباشرة إلى المعترضين على التدخل العسكري الأميركي في العراق، فقد قال إن استثناء دول هو «من أجل حماية المصالح الأمنية الأساسية للولايات المتحدة»، هل كان قول ووولفويتز استفزازاً صرفاً للدول المعترضة؟ نعم؛ إذ كيف يمكن لمنع شركات روسية وألمانية ذات خبرة مديدة في العراق أن يحمي «المصالح الأمنية الأساسية للولايات المتحدة»؟ 

    وإذا كانت الحالة العراقية قد شهدت توزيع الكعكة على حلفاء واشنطن وإن كانت دولهم (مش موجودة على الخريطة) على حد تعبير الكوميدي عادل إمام، فإنها في حالة ليبيا، منعت أقرب المقربين إليها من الاقتراب من الكعكة الليبية، وعزلت موسكو عن الخارطة الاقتصادية الليبية بتحصيل الحاصل.

    روسيا ليست صديقاً وليست حليفاً للنظام السوري، هكذا يصرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ولكن روسيا صديقاً وحليفاً لمصالح روسيا في المنطقة، أليس هذا كافياً لأن تتخذ موسكو موقفاً متشدّداً ضد أي قرار دولي يطالب بتغيير النظام في سوريا؟

    موسكو تطرح شعار ووولفويتز بطريقة معكوسة، عقود دون الحاجة للجنود. 

  • أفضل صحفي!

    أغلب الظن إنه عام يعود الى أواخر العقد الثمانيني من القرن الماضي  وأنا اجلس وراء مكتبي في مجلة «ألف باء» منهمكا بإنجاز مادة صحفية ، حين توجه نحوي الزميل مجيد السامرائي، وهو إعلامي متميز أشهد له بعلو القامة، واتخذ له مقعدا الى جانبي، ومن دون مقدمات مّد يده وأخذ قلمي وأوقفني عن الكتابة، وقال لي: (هل تعلم إنك أفضل صحفي في العراق، وأنا أفضل ثاني صحفي) ، اربكني سلوكه وإن لم يكن غريبا عليه، قبل أن أنفجر ضاحكا من فكرته، فقد كنت وما زلت أنظر  الى نفسي طارئا على الصحافة، وفي أحسن الأحوال مبتدئا يتعثر في عالمها الفسيح، ولكن السامرائي ما كان مستعدا لتغيير قناعته لو أنقلبت السماء على الارض، حتى إذا انتهى من تنصيبي وتنصيب نفسه في أعلى منصبين، انتقل الى الخطوة الثانية، وسألني عن طبيعة علاقتي مع رئيس التحرير، فأجبته إنه واحد من أعز اصدقائي، وعلاقتي معه تمتد إلى عقد الستينات، فلما اطمأن، انتقل الى الخطوة الثالثة وسألني عن مبلغ (العقد) الذي اتقاضاه من المجلة، فأوضحت له أن عقدي هو (200) دينار، ويبدو انه انتهى من خطوات الاستجواب كلها ليصل الى النتيجة التي لم اكن اتوقعها، فقد قال لي بسعادة ، وبما يشبه الأمر واجب التنفيذ…

    (الان تذهب اليه وتخبره انك افضل صحفي في العراق وعقدك 200 دينار ويجب ان يكون 600 دينار، وإن مجيد السامرائي ثاني أفضل صحفي وعقده هو 150 دينارا ويجب ان يكون 400 دينار) ، ثم سحبني من يدي ولم يترك لي فرصة الرفض أو الاعتراض أو ابداء الرأي، فقد كان يتحدث عن افكاره وكأنها حقائق ثابتة وطبيعية غير قابلة للنقاش!!

    توجهت الى غرفة رئيس التحرير منفوش الريش، أكاد انفجر من النرجسية، استقبلني الرجل بترحاب كبير، وما أن جلست حتى قلت له،  (نحن اصدقاء وارجو ان لا تغضب من كلامي) استغرب من لهجتي وقال لي، (أنا بالذات لا يمكن أن اغضب منك) ، شجعتني عبارته الرقيقة وقلت له، (أنا افضل صحفي في العراق ويجب أن يصل عقدي الى 600 دينار شهريا في الحد الادنى، ومجيد السامرائي، ثاني أفضل صحفي في العراق، ويجب أن يتقاضى في الحد الادنى 400 دينار  شهريا) !!

    تأملني الرجل وهو لا يصدق أذنيه، وتململ قليلا في كرسيه الدوار ثم قال لي: (نحن اصدقاء وأرجو أن لا تغضب من رأيي) فأجبته: (أنا بالذات لا يمكن أن اغضب من رأيك) وشجعته عبارتي الرقيقة على ابداء رأيه من دون محاذير، فقال لي: (هذا يعني انك والسامرائي تطلبان ألف دينار في الشهر، وانا قادر أن استكتب عشرة محررين بهذا المبلغ،  كل واحد منهم أفضل منك ومن مجيد مئة مرة) وتغيرت وجهة الحوار بيننا في الحال وتحدثنا عن آخر اخبار الفنانات، ثم روى لي نكتة… ورويت له نكتة، وضحكنا كثيرا، وغادرت المكان وقد تساقط ريشي وذبلت نرجسيتي، وأسرعت الخطى لأصب جام غضبي على ثاني أفضل صحفي الذي غادر المجلة ولم يعد الى الدوام إلا بعد ثلاثة أيام حيث هدأت ثورتي وتماثلت إلى الشفاء!! 

  • واشنطن تأكل الحصرم.. والعرب يضرسون

    الربيع العربي لم يؤتي ثماره بعد، فالمراحل الانتقالية بعد الثورات قد تطول أكثر مما أعتقد المتفائلون، لكنها قد تكون أقصر بكثير مما يعتقد المتشائمون.

    في مصر ثمة من يعتقد أن نظام مبارك سقط، الآن المباركية باقية لبعض الوقت، ورغم أن انتخابات مجلس الشعب المصري جاءت بالإسلاميين على عكس ما كانت تبشر رياح الثورة، إلا أن مطالبات البعض بتسريع الانتخابات المصرية قد تعيد كفة ميزان الثورة، وأن بشكل يعيد ما يشبه التوازن بين واقع مصر السياسي وطموحات شعبها التي تبدو أنها أظلت الطريق في فوضى التغيير.

    وحدها واشنطن استفادت من صعود الإخوان المسلمين في الانتخابات المصرية، فقد تمكّنت من التنسيق معهم قبل وبعد الانتخابات وحصلت منهم على ضمانات برعاية مصالحها في مصر، والأهم، حصلت منهم على صك حراسة بنود اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها الرئيس المصري، أنور السادات، واشنطن أكلت الحصرم المصري والشعب سيضرس في السنوات الأربع القادمة بسبب غياب برنامج الدولة في أدبيات الإخوان.

    في ليبيا، لا يختلف الأمر كثيراً، إلا من حيث الدمار الذي أصاب المدن الليبية، وموقف الأميركان في ليبيا لم يختلف عنه في العراق لجهة الحفاظ على عقود النفط وآبار النفط ومنشآت النفط، أي النفط، والنفط فقط، فقد أستمر إنتاج النفط بإشراف أميركي-غربي

     وتسويق قطري دون أي «تدخل» من الحكومة الليبية المؤقتة، بل أن خبيراً نفطيّاً ليبياً، يؤكد للصحافة الفرنسية أن الليبيين ممنوعون من الاقتراب من آبار وحقول النفط الليبية لمسافة تزيد على الخمسة عشر كيلو متراً، في الوقت الذي تشهد فيه المدن الليبية احتجاجات شعبية واسعة بسبب خواء المصرف المركزي الليبي من العملات، وعجز الحكومة الجديدة عن دفع المرتبات وتقديم الخدمات للمواطنين، والمفارقة في الأمر، عجزها عن توفير النفط والبنزين

     مرة أخرى.. واشنطن تأكل الحصرم الليبي، والليبيون يضرسون.

    في اليمن السعيد، الأمر مختلف هذه المرة، فتنظيم القاعدة الذي ضربت تنظيماته بقوة في العراق وأفغانستان، خاصة بعد مقتل أبرز قياداته، مثل أسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي وغيرهم، وجد ملاذاً آمناً في اليمن، مستفيداً من حالة الفوضى التي أعقبت ما يشبه نجاح الثورة اليمنية، إثر موافقة علي عبد الله صالح، الذي يحل ضيفاً على مستشفيات واشنطن، على التنحي وتسليم صلاحياته الرئاسية إلى نائبه تمهيداً للانتخابات اليمنية المقبلة.

    واشنطن نقلت ساحة معركتها مع القاعدة إلى اليمن، وهي كما فعلت في الباكستان، تفعل الآن في المدن اليمنية، فمن ناحية تهاجم طياراتها بدون طيار مدناً يمنية لضرب تجمعات تنظيم القاعدة، ومن ناحية أخرى تسوق للمخاوف من عمليات إرهابية للتنظيم في مجمل الجزيرة العربية، انطلاقاً من الأراضي اليمنية، بل وبدأت حملة منظمة لتسويق مخاوفها من هجمات يشنها التنظيم داخل أراضي الولايات المتحدة على شاكلة تفجيرات 11 أيلول، مما يشكل مقدمة حسب المراقبين لتدخل أمريكي مباشر في الشأن اليمني، إذا ما جاءت نتائج الانتخابات على عكس ما يشتهي البيت الأبيض.

    إنها مقدمات أيضاً لأكل الحصرم اليمني.. وترك اليمنيين.. يضرسون.