Blog

  • المنطقة بين الرسائل والبدائل سياسة حافة الهاوية

    لم يعد خافيا ان منطقتنا تقع على شفير حافة الهاوية، ولم يعد جديدا ان نقول ان هذا القدر هو سر متاصل باعماق تاريخ المنطقة الذي يحكي مايلي :-

    1- ظهور البدايات 

    2- ولادة التحولات 

    3- استقبال المتغيرات 

    4- احتدام المراهنات 

    5- استبقاء المداولات 

    6- استنفار الغارات 

    7- تجميع المخططات 

    8- اكثار المحادثات 

    9- صناعة المؤامرات 

    10- هواية المظاهرات 

    هذه وغيرها كانت التباشير الاولى لتأسيس المنازعات ، وعلى ذلك جرى تسجيل التاريخ الحاضن للصالح والطالح. 

    واليوم تتسارع عجلة الاحداث في منطقتنا، والعراق منها كالقطب من الرحى ولكن بغير ما قاله علي بن أبي طالب وما عبر عنه ، فالقطب ليس المكان الجغرافي وان كان ذلك منه، والقطب ليس اللحظة والمقطع الزماني وان كان ذلك منه، ولكن القطب هو المعنى التالي :-

    1- هو العقل

    2- وهو الروح

    3- وهو النفس

    وهذه جميعا ليست مادية وهي بالتالي لاتنحو منحى جغرافيا ولا منحى زمانيا، ولكنها تنحو منحى :-

    1- الفعل

    2- والحركة

    3- والحيوية

    4- والنشاط

    5- والتصعيد

    6- والنمو

    7- والتواصل

    8- والظهور

     والرسائل والبدائل هي التعبير الأكثر حضورا في ميدان سياسة حافة الهاوية، والحاضر الابرز والاشهر في تلك الرسائل هو العقل ومنطقه، والعلم وصوابه، والحلم وعشيرته ومثلما يقترب العالم من سياسة حافة الهاوية في كل من :-

    1- أزمة النووي الإيراني 

    2- توترات القضية السورية 

    3- أزمة المقاطعة الاقتصادية لإيران 

    4- أزمة مضيق هرمز 

    كذلك فإن العراق يقترب من سياسة حافة الهاويه عبر كل من :-

    1- الملفات القضائية بين القضاء الفدرالي والقضاء الاقليمي 

    2- الدعوات لإنشاء الاقاليم بين المركز والأطراف 

    3- الدستور والتفسيرات الارتجالية 

    4- النفط وعقد التراخيص 

    5- السجون وملفات المعتقلين 

    6- اتفاقات الكتل المستجدة خارج النصوص الدستورية 

    7- الموازنة العامة وتوزيع الثروة 

    8- الامن والاستراتيجية الامنية 

    9- الارهاب والمسألة الطائفية 

    10- دول الجوار ومشاريع المحاور الجديدة 

    11- المؤتمر الوطني بين الآمال والالام 

    12- التشرذم داخل الكتل 

    وهذه المحاور وغيرها تشكل الرسائل والجفرات وتختصر الطريق إلى مفهوم البدائل التي لاتزال في رحم الغيب، والبدائل نتيجة غير متيسر قرأتها الان ولكنها احتمال عقلي لايمكن الغاؤه، وبقاء البديل متصورا لايطول به المقام ولكن تحوله الى مصداق من سنخ التجربة العراقية المفعمة بالسخونة والخشونة والتوتر، وتجربة تحوي كل مفردات الغليان هي المفتاح المؤكد لكل التحولات من حالة الى اخرى ولكن ليس على طريقة تحول الماء الى بخار وتحول البخار الى ماء كما هو في دورة الطبيعة لكن المهم في التحول هنا هو معياري وصفي وليس كميا، وفي المعياري والوصفي لابد لنا من مقاييس جديدة للالفاظ والكلمات والجمل والنصوص التي قد تحل طارئة هجينة في حضيرة التوصيف فينقلب المرتجى الى اضداد تتصارع وتصنع الصديد المقروح في الجلد المجروح كما هو العراق الذي كثرت جراحاته، وقل اطباؤه، وندر نطاسيوه، ومن يستدعى لتسكين الالام لايعرف معنى الألم ، مثلما لايعرف فسلجة الاعضاء ولايعرف كيمياء الدواء، ومن يستدعى للاشتغال في سياسة حافة الهاوية هو جزء من المشكلة وليس حلا لها وذلك للأسباب التالية :-

    1- في ظاهرة انتخابية كيف تعطى صدارة الادوار لمن لم ينتخب 

    2- وفي مناخ قانوني كيف يسمح لتصدر من هو مدان قانونيا بالتزوير 

    3- وفي مسرح دستوري كيف يسمح لاتفاقات خارج اطار الدستور 

    4- وفي حالة فدرالية كيف تتردد مصطلحات غير فدرالية 

    5- وفي ظاهرة تعددية كيف يصار الى مصادرة تكريس دكتاتورية الحزب والفرد 

    هذه هي معضلة خطورة حافة الهاوية التي افتقدت الى :-

    1- حكمة السياسة

    2- وعلم التاريخ 

    3- وفقه القانون

    4- ومعرفة الاقتصاد

    5- واستيعاب الاجتماع

    وعندما لاتتوفر هذه الابعاد تصبح الرسائل بلا معنى وتتحول البدائل الى تكرار للخطأ. 

  • الصندوق والمتقاعدون !

    انه في مقتبل الرجولة ، لم يكمل عامه الأربعين بعد ، حين تعرض الى عبوة قذرة التهمت ساقه ، وأحالته الى التقاعد ، وهو لما يزل قادرا على العطاء، ذلك هو السيد صلاح محمد ، الذي لم ييأس ولم يستسلم للعكاز ، فقد افتتح في بيته دورة لتعليم الكومبيوتر ، لقيت اقبالا كبيرا من شباب المحلة ، كانت بالنسبة له عزاء جميلا ، ومورد رزق ، وتواصلا مع الحياة .وهذا الرجل شخصية متوقدة الذكاء والحيوية ، فقد كان من أوائل الذين تعاملوا مع الحاسوب والانترنت ، واتقنوا اسرار المواقع وعوالم هذا الجهاز المذهل حتى بلغ من تعلقه بالكومبيوتر ، انه يصرف من وقته إحدى عشرة ساعة يوميا ، وهو يتنقل شرقا وغربا ، يتابع اخبار العالم ، ويطلع على الصحف ، بحيث بات مرجعيتنا الثقافية التي نلجأ اليها في الصغيرة والكبيرة ، فهو زيادة على المعلومات التي يحصل عليها ، يتمتع بقدرة استثنائية على الحفظ والاستذكار .من طريف ما يحضرني هنا ، ان ممثل الحكومة عقد اجتماعا قبل أربعة أسابيع ، دعا إليه عددا كبيرا من المتقاعدين بعد ان ارتفعت اصواتهم الاحتجاجية عاليا ، وهي تطالب بتحسين رواتبهم المخجلة ، التي وعدت الحكومة بتحسينها اكثر من مرة ، ولكنها لم تف بوعدها ، فعلى مدى سنتين تقريبا ، كانت تزعم ان الزيادة في طريقها اذا ما حافظت صادرات العراق النفطية على معدلاتها ، واذا ما حافظ النفط على اسعاره العالمية ، ولم يحبط ، ومع ان الصادرات والاسعار لم تتراجع ، الا ان اية زيادة لم تطرأ على الرواتب ، وهو الامر الذي اخرج المتقاعدين عن صمتهم ، وهددوا باللجوء الى الدستور الذي يقال انه تعهد بضمان الحياة الحرة الكريمة للمواطنين جميعا ، الا انهم يفتقرون الى مثل هذه الحياة ، ومعلوم للقاصي والداني ، ان الحكومة لا تهاب احدا ولا تخشى من احد ، سوى الدستور ، لذلك دعا ممثلها الى اجتماع عاجل مع المتقاعدين لاقناعهم بالعدول عن فكرة اللجوء الى الدستور ، وتحدث معهم حديثا جميلا ، وتعاطف مع مطالبهم المشروعة واكد لهم ان الدولة كانت على ابواب تشريع قانون موحد لهم  من شانه ان يرفع مدخولهم الشهري الى مستوى يحسده عليهم متقاعدو العالم ، ويضمن كرامتهم الانسانية عبر ضمان كرامتهم المعيشية ، لولا موقف ( صندوق النقد الدولي ) الذي وصفه بالمؤامرة الدولية ضد المتقاعدين ، ثم اسهب في كلامه وابدى مزيدا من التعاطف مع معاناتهم المريرة التي تصعب على الكافر ، على حد تعبيره ، حتى انه بكى حزنا وابكى الحاضرين معه ، وختم حديثه قائلا ( كونوا مطمئنين … وانا اعدكم ان الحكومة لن تنساكم … انتظروا وتحلوا بالصبر وسيأتي الفرج انشاء الله ولو تأخر بضع سنوات أخرى ) ، ثم فتح باب الاسئلة والاستفسارات ، ولم يسأل احد من المدعوين اي سؤال ، فقد كانوا منشغلين بالبكاء ، ما عدا السيد صلاح محمد ، لم تنزل له دمعة ، وطلب الاذن بالكلام قائلا ( استاذ … انا لا اشك بنواياك ولا بنوايا الحكومة الطيبة ، ولكن معي صحيفة المستقبل العراقي التي تحمل الرقم 168 والصادرة بتاريخ 15/12 / 2011 ، تقول غير ما تقوله ) ، وعرض الصحيفة امام الجميع ، ثم واصل كلامه ( لقد اوردت الجريدة تصريحا للسيد باقر جبر الزبيدي جاء فيه ، لا علاقة لصندوق النقد الدولي برفض زيادة رواتب المتقاعدين ، وان الاتفاقية الساندة بينه وبين العراق ، تنص على تعاون الطرفين ، وليس فرض شروط من طرف على طرف فماذا يقول سيادتكم ؟! تنحنح الممثل ، وكرع قدحا من الماء ، ورد عليه : كنت أتمنى مناقشة موضوع الصندوق تفصيليا،  ولكنني اعتذر لارتباطي بموعد رسمي ، ونهض مسرعا ، وغادر القاعة على عجل ، قبل ان ينتهي اغلب المتقاعدين من كفكفة دموعهم السخية !!. 

  • “لو إطﮓ روحك ما أسجنك” لماذا ماضينا أفضل من حاضرنا ؟؟

    في عام 1988, وفي اليوم الأول الذي وصل فيه المدير الجديد للموانئ العراقية الأستاذ (عبد الرزاق عبد الوهاب علي) ليباشر مهام عمله في البصرة خلفا للأستاذ (فالح محمود الموسى) وقف على إطلال الأرصفة التي خنقتها الحرب الطويلة, وشلت حركتها بالكامل, ليقرأ كلمته الافتتاحية, التي كان فيها في قمة الحكمة والوضوح, عندما قال: (أتمنى أن يوفقنا الله جميعا فنرتقي بالموانئ العراقية إلى المستوى الذي كانت عليه في الخمسينيات أو الستينات). .وكان الرجل على حق, ففي تلك الحقبة ازدهرت موانئنا وتألقت حتى تربعت فوق ناصية المجد, وتفوقت على الموانئ الأوربية والأمريكية بشهادة المنظمات والهيئات الدولية. 

    وهكذا نحن دائما, نشعر أننا كلما رجعنا إلى الوراء, وعدنا إلى الماضي وتفاصيله, وشاهدنا ما آلت إليه أحوالنا في حاضرنا المؤلم, قلنا: أن ماضينا كان أجمل وأفضل من حاضرنا. 

    فالأمس عندنا أفضل من اليوم, واليوم أفضل من الغد في هذه المتوالية الزمنية المتكررة, وشاءت الأقدار أن نتقوقع في حاضرنا عند التقاء عقارب التردي في النقطة المنخفضة من ذراع البندول المتأرجح في قعر دائرة التعاسة, في الوقت الذي يكون فيه ماضينا هو الأسمى والأجمل والأهدأ والأروع, وما زلنا حتى يومنا هذا, بل في يومنا هذا (على وجه التحديد), نردد حكايات الزمن الماضي, كلما اجتمعنا سوية تحت سقف واحد, لأننا لا نملك من حاضرنا ما يبعث فينا البهجة والسعادة والفرح, ويعيد لنا الطمأنينة والاستقرار. 

    من هذه الحكايات الجميلة المعادة, اخترت لكم هذه الطرائف الظريفة من حياة رئيس الوزراء الأسبق (نوري السعيد), الرجل الذي كان أجدادنا يبغضونه, ويشتمونه في الرايحة والجاية, وتبين لنا الآن أنهم كانوا جميعا على خطأ بالمقارنة مع ما آلت إليه الأمور في المرحلة الراهنة. 

    كان الباشا نوري السعيد يذهب إلى مكتبه مبكرا, ليكون أول من يدخل المبنى, وكان في طريقه إلى المكتب رجل يبيع الكباب المشوي على الرصيف, وكلما مرّت سيارة الباشا, (سيارة واحدة فقط),  يعترضها الكبابجي ويصرخ بأعلى صوته شاتما نوري السعيد بألفاظ قاسية, حتى تكررت الاعتراضات وتصاعدت نبرة الشتائم, فتمادى الكبابجي بالإساءة, ما اضطر الباشا إلى التوقف ذات يوم أمام عربة الكبابجي, والترجل من سيارته, وتوجه بالسؤال إلى الكبابجي: لماذا تعترض طريقي, وتشتمني كل صباح, ما الذي فعلته لك ؟؟, فأجابه الكبابجي باللهجة البغدادية الدارجة: ((باشا آني ما عندي شي وياك, بس آني يوميتي (أجري اليومي) قليلة 250 فلسا, وصاحب عائلة كبيرة, وما أقدر أوفر منها المال لزواجي, وعرفت أن الحكومة تصرف بالسجن (400) فلس يوميا لكل مسجون, من غير الأكل والشرب والمنام, فـﮝلت (قلت) أتهجم عليك وأسبك, لعله تدخلني السجن, كسجين سياسي, واستفيد من المصرف اليومي, واجمع لي كم فلسا, فضحك الباشا, وأعطاه خمسة دنانير من جيبه الخاص, وأخبره أنه لا يستطيع إرساله إلى السجن, فودعه بروح رياضية وانصرف إلى مقر عمله. وفي اليوم التالي مرّ الباشا على الكبابجي, فناداه من خلف نافذة السيارة مداعباً: ((لو إطﮓ روحك ما أوديك للسجن)).

    حكاية أخرى عن نوري السعيد, تقول: أن الباشا دأب على الاستماع لبرامج الإذاعة العراقية ونشرتها الإخبارية في الصباح الباكر, قبل تناوله الإفطار (الريوق), وكانت قراءة الأخبار محصورة بين الدروبي وموحان بن الشيخ طاغي الطائي. وفي يوم من الأيام كان موحان هو الذي يقرأ النشرة الصباحية, ثم بثت الإذاعة أغنية (جبل التوباد حياك الحيا) في نهاية النشرة, وهي من قصائد أحمد شوقي المغناة بصوت الموسيقار محمد عبد الوهاب, وما أن سمع الباشا المقطع الأول من الأغنية, حتى تملكه الغضب, واتصل هاتفيا بالإذاعة, وطلب مديرها (محسن محمد علي), الذي لم يكن موجودا وقتذاك, فتحدث مع موظف في الإذاعة, وسأله: (منو هذا اللي كان يذيع النشرة ؟؟), فقالوا له: انه موحان ابن الشيخ طاغي, قال: ((جيبوه أكلمه, قولوا له رئيس الوزراء يريدك)), فأسرع موحان إلى التلفون, وكان مضطربا قلقا, ولم يكن بعد قد تناول حتى استكان شاي يبل به ريقه, فالتقط السماعة, وأجاب: ((نعم سيدي)), فجاءه صوت الباشا هادرا من الطرف الآخر: ((ولكم وين راح ذوقكم, الناس بعدهم على ريقهم, وانتو تدقوا لهم جبل التوباد, أتريدون تبكّوهم من الصباحيات, يعني ما عندكم أغنية بيها خير من الصبح, أغنية بيها شويه فرحة, بهجة, ابتسامة, حتى تسمعونهم هاذي الأغنية ؟؟)). 

    ثم هدأ فجأة, وتغير صوته, وقال: ((أبني موحان خلونا نسمع شي يفرحنا, مثل اعنية: على شواطي دجلة مر, أو خدك القيمر, أو خدري الجاي خدري, شوفولكم بستات توّنس الناس وتفرحهم ؟؟)), عندئذ اعتذر موحان بأدب جم. فبادره رئيس الوزراء بنبرة الأب الحنون: ((أبني موحان أنت تريقت لو بعدك ؟؟)), فأجابه: ((لا والله باشا)), فقال له الباشا: ((طيب تعال, وجيب وياك صاحبك الدروبي, تعالوا تريقوا ويايه, شيعجبكم تأكلون ؟؟)). 

    وصل الاثنان (موحان والدروبي) إلى بيت الباشا, الذي كان خلف الإذاعة تماما, وما أن جلسا حتى حضر طبق البيض المقلي, وجبن الضفائر, وقيمر السدة, والكاهي, والعسل, وكانت وليمة فطور لا تنسى, جمعتهم في دار الباشا, فخرجا من البيت فرحين مسرورين, وعادا إلى عملهما في يوم مشرق من تلك الأيام البغدادية الجميلة, وقد تعلما كيف يرسما الابتسامة على وجوه المستمعين. 

    كانت النفوس في الماضي طاهرة نقية, لا تعرف الحقد, ولا الكراهية. ورحم الله شاعرنا الجميل محمود درويش عندما قال: ((لا بأس من أن يكون ماضينا أفضل من حاضرنا, ولكن الشقاء الكامل أن يكون حاضرُنا أفضل من غدنا. فيا لهاويتنا كم هي واسعة ؟؟)), وبات من المسلم به أن ذكريات ماضينا أفضل من حاضرنا, وسوف تكون ذكريات حاضرنا أفضل من مستقبلنا. 

    والله يستر من الجايات.

  • متى نرى المغزى؟؟؟

    جاء بأن أمريكا قد سجلت أكبر حملة إعلامية وأكثرها كلفة على العراق ،تمهيداً لغزوه وإحتلاله …وجعلت الأمريكي والأوربي، والمواطن في هضبة التبت يخشى ماقد يأتيه من صوب العراق ..ويترآى له شبح عراقي يثب إليه في منعطفات الطرق، ومن جدران غرفته ومن تحت وسادته  ..وان العالم اذا لم يسرع في تدارك الأمر ففنائه وشيك بأسلحة الدمار الشامل العراقية، وبأنياب ومخالب الجنود العراقيين الذين قتلوا والتهموا أطفالهم بالذات  …وخاف وارتعب سكان العالم من غزو أمريكا للعراق ..فقد يضطر العراقيين لإبادة البشرية مع القوة الغازية  ..فكانت النتيجة ان رابع جيوش العالم انتهى عاريا حتى من سكينة مطبخ  ..واختفت طائراته ودباباته بقدرة قادر ..وملعون وارهابي من يسأل عنها ..وتبخرت مصانعه ومعامله وتحولت ارضه من السواد الى البياض (الملحي ) ..والاهم .. تفجير العائلة الواحدة وتهديم البيت الواحد وتأسيس طائفي للمجتمع ..وتزويده بما يكفل خصومات ونزاعات واختلافات مستمرة .

    وها هوالجيش الأمريكي وقد انسحب ..ويفترض بالعراقيين ان يعيشوا اجمل أعيادهم وتذوق افضل طعم للوطنية ولمشاعر العائلة الكبيرة ..وكل عطايا الفرح ،الذي يتسم بالتسامح ويدفع لعناق كل الحياة، ونسيان ان فيها وحوش واشرار وغرائز موت ..الا ان جهود وكفاح ومكابدات النبيهين الغيورين تتوجه لفض نزاعات جديدة، وخصومات متصاعدة، واختلافات لا بشأن ابتكار صيغ للترفيه عن العراقي، ولا بالتباري في تقديم التجربة السياسية التي تطمح ان يقلدها ساسة العالم المتطور …بل بما لا يسمى وما يلحق بالأديان والطوائف ما يشوهها وينفر منها…

    والفرضية الأكثر جدية دراسة كل ما جرى وما انتهى اليه الامر ودراسة العراقي للواقعة التي حرقت العراق ونهبته من الحد الى الحد ..والأكيد ،لابد من استبعاد الهرطقة الغبية التي تقول ان أمريكا ضحية خدعة ،وانها استدرجت (وتقشمرت )…او انها جاءت مضحية للعراقيين وتكبدت الترليونات، وهي التي تحسب للدولار حسابه ..وقدمت شبابها وهي التى يقلقها انزعاج وتقطيبة مواطن واحد …او ..انها قلقة من أسلحة دمار عراقية وهي التي ترصد الذبابة على الحدود وتعرف عدد عيدان الثقاب الداخلة للعراق …

    ابسط المطلوب من ابسط شعب ان يجهد نفسه وينقب ويتحرى ويشاور ،ويستعين بالعقول ويتوصل الى ابعاد غزو واحتلال البلد وغاياته وعواقبه  ..لا اداء مظهر قدر الضغط وقد رفع عنه الغطاء فتصاعدت ابخرته ..وليس لنا غير ان نفترض مؤقتا والى حين يكون للسياسي إرادة ورغبة لتأمل الزلزال  ،نفترض ان أمريكا قد غزت واحتلت العراق لقناعتها ان شعبا لا يقدر نعمته ولا يدري الخير الذي هو  فيه لا يستحقه ..وان مجتمعا لا يريد دخول العصر لا يستحق العصر ..والأجدر ان ينضج بنيرانه ..كما ان يصل الحقيقة بالتجربة المرة  والدامية ..فبعض العقول لا يدخلها الضوءالا مع وميض الرصاص …..

  • الفضائيات والسياسة

    طوال المرحلة التي سبقت عام 2003، اتخذت العلاقة بين السياسيين ووسائل الإعلام صيغة واضحة، فهي ذات طابع أحادي، يفتقر الى تنويع الخطاب، وتعدد الرأي ذلك لان السياسيين يمثلون يومها وجهة نظر السلطة ومواقفها وبالتالي فان الفرق بين (س) و( ص) يكمن في المفردات اللغوية والقدرة على التعبير أما المضمون فواحد. 

    كان من الطبيعي بعدة سقوط النظام الشمولي، وما تبعه من ازدهار غير مسبوق لأجواء الحرية، ان يتنوع الخطابان السياسي والإعلامي على حد سواء، تنوعا يشيب له الرأس ولكن العلاقة بين السياسي والإعلامي أفرزت في هذه  المرحلة ظاهرة من طراز جديد، رأينا نماذجها في ثلاثة أنواع رئيسة: الاول هو ما يصح تسميته بالسياسيين المدمنين وقد قدمت الفضائيات صورة معبرة لهم، فثمة وجوه محددة تتوزع على هذه الكتلة او تلك وقد تكون مستقلة لا تكتفي بالظهور اليومي عبر تصريح أو لقاء أو ندوة، بل غالبا ما نطالعها حيثما انتقلنا من فضائية الى أخرى، وهي لا تجد ضيرا ولا حياء في التوزع على ثلاث فضائيات او يزيد أحيانا في كل ليلة، وهؤلاء المدمنون هم المادة الأسهل والجاهزة أمام اية فضائية يصعب عليها الحصول على وجوده جديدة ولذلك فان ما يجري هو استغلال فضائي مكشوف لم ينته إليه السياسي او لأنه يتوافق مع حالة الإدمان المرضية التي يعانيها، أو ظنا منه ان من يكون متعهدا لوسائل الإعلام وتحت الطلب يحظى بالشهرة الجماهيرية وقد يضمن له الفوز في أية انتخابات مستقبلية ولو كان يدري ان الناس لا تطيق تكرار الوجه حتى لو كان وجه نانسي عجرم ولو تذكر ان واحدا من أسباب الحقد على صدام حسين هو إدمانه التلفزيوني لتريث في سلوكه واعتذر عن الظهور إلا حين تقتضي الضرورة.. وعلة هذا النوع انه لا يكرر نفسه في كل مقابلة أو ندوة فقط.. وإنما كذلك في كونه يتحدث في أي اختصاص، فهو رجل نفط وطاقة وصناعة واقتصاد وتجارة وتربية وزراعة وثقافة وقانون وسياسة ودواجن وسوبرمان عصره وزمانه ومع ذلك فلا خوف من هذه الفئة لأنها تضر نفسها أكثر مما تضر الآخرين: 

    النوع الثاني : سياسيون متوازنون يمر الأسبوع على الأسبوع ولا يظهر الواحد منهم على اية فضائية، واذا ظهر لا يجتهد ولا يفتي ولا يتحدث بما لا علم له به، وعادة ماتذهلك واقعيته الجميلة وهو يعتذر (آسف… ليست عندي معلومات وافية ولا أرقام دقيقة حول هذا الموضوع ولكن تصوراتي العاملة هي كذا وكذا، وميزة هذه الشرعية انها موضوعية ومن الممكن جدا ان تخالف قناعة كتلتها او قائمتها وتقف مع الرأي الآخر اذا وجدت فيه الصواب، ولاشك ان هذا النمط –على قلته – هو الذي لا يبهره بريق المنصب ولا يلهث وراءه وهو الذي نحرص على متابعته الى آخر دقيقة من وقت البرنامج! 

    النوع الثالث: سياسيون يتولون (مهمات خاصة) وتحتضنهم فضائيات خاصة وهؤلاء أشبه بالخلايا النائمة يختفون دهرا ويظهرون فجأة ليمارسوا دورا قد لا يكون موكلا اليهم وقد يتبرعون به ووظيفتهم صب الزيت على النار، ومع انهم وليس غيرهم وراء فتنة السنة والشيعة على سبيل المثال ومع ان الشعب والعقلاء وعلماء الدين وأدوا هذه الفتنة في مهدها إلا ان الحذر الشديد مطلوب من هؤلاء السياسيين وهذه الفضائيات لأنهم جاهزون وراء متاريسهم بانتظار زلة لسان من هذا الطرف أو ذاك، والسكوت عليهم باسم الحرية هو سكوت على الجريمة ولايساورني الشك لحظة ان أمرهم ميؤوس منه ولا تجدي معهم دعوة مخلص ولا صلاة مشتركة!!  

  • وزير الحرب الأعور

       ليس من باب الشماتة، بل من باب التذكير، نسعى إلى ان نقف ونتمعن عند مفصل -فاصل من مفاصل ماضينا القريب يتعلق بظروف وملابسات الصراع العربي – الاسرائيلي بعد نكسة حزيران عام 1967 التي وصمت ووصفت العرب بشتى صنوف التقريع والتقزيم جراء تلك الهزيمة النكراء التي منيت بها الجيوش العربية أمام جيش هذه الدولة اللقيطة-المدللة التي (فاطت بنا) وحققت بجهود ولوجستيات (ماما أمريكا) ونصائح دهاء (العمة بريطانيا) انتصاراتها في أتون حرب محيرة وغريبة لم نزل ندفع الى الآن -بسببها- ضرائب وفروقات أثمان خسارات نفسية وسياسية ودولية، بشقيها المعنوي والمادي.

       والآن – وقد أختلف الحال بخصوص دواعي ذلك النزال الأزلي والتأريخي ما بيننا وبين اليهود من آل صهيون ليتحول الصراع بزعم جملة دوافع وتداعيات دولية ومصالح أممية أخذ بالقضية – برمتها – الى أحضان (الحبايب) في المنظمة الدولية للأمم المتحدة الى تنازلات  وبنود اتفاقيات ومعاهدات تسوية وسلام (سرية وعلنية) تسير وتهتدي بضوء ونور ما تم رسمه بين الطرفين من خلال خرائط الطريق المتعددة وتناور بها (إسرائيل) بغية نحو غاياتها المعروفة،، وبإلحاح تلوح يوجب إيجاد حل نهائي يغلق ملفات القضية -ولو لحين- دون حرب مباشرة بين أطراف ذلك النزاع الذي كلف الأمة العربية والشعب الفلسطيني الكثير من الخسائر وخلف جيوشا من الضحايا يعرفها القريب والبعيد من دوائر ومربعات ومثلثات تلك القضية الشائكة. 

       إن دواعي استذكاري -هنا ،، بغية اطفاء نار الشماتة الوارد ذكره بداية المقال – هو أن يعرف الجيل الحالي ان وزير الدفاع الإسرائيلي أو وزير الحرب كما يسمى في الملاك الوزاري لتلك الدولة اللقيطة في تلك الحقبة التأريخية يا جماعة الخير… كان (كريم العين)،، أي أعور!! وكان يقوم بوضع قطعة صغيرة من القماش على عينه (الكريمة) في محاولة منه لسد ذلك العيب الذي اشتهرت به شخصية (موشي دايان) – وهذا هو اسمه المعروف والمتداول- وتميزت بذلك الشكل الغريب والمريب،، حتى ضحى (موشي) علامة فارقة يصعب نسيانها في سجلات تفاصيل ومحاصيل صراعنا الدامي مع الصهيونية العالمية منذ اغتصابها العلني لفلسطين (عروس عروبتنا) كما أسماها شاعرنا الكبير مظفر النواب في إحدى أهم قصائده الثورية النادبة بحق ما لحقنا من نكسات وهزائم أمام جيش كان وزير حربه ,, أعور – ولا اعتراض على خلق الله جل شأنه- لكن التذكير أقتضى – هنا- لكي أسألكم،، بالله عليكم لو كان لدينا ضابط مثل المدعو (موشي دايان) بالموصفات المذكورة هل سنسلمه حقيبة وزارة الدفاع أو الحرب؟ أم نعفيه من الخدمة على اعتبار انه غير صالح للخدمة العسكرية،، وانه غير مسلح (اي سلاح – سزز) بلغة دوائر التجنيد -عندنا- وعند أبناء عمومتنا وجلدتنا في الدول العربية حول من يصلح ومن لا يصلح لخدمة العلم (اي الخدمة العسكرية) بشروطها الجسمانية والذهنية، التي تجاوزها عدونا الاسرائيلي اللدود عندما أختار الأعور (موشي)- بالمناسبة هذه الكلمة العبرية معناها بالعربية (موسى) – وزيرا للحرب في ذلك الظرف الصعب ضد أمة العرب التي قال عنها اللعين (موشي دايان) في مذكراته الخبيثة بعد نكسة حزيران: (لقد غلبنا أمة لا تقرأ) نكاية بنا نحن العرب،،لأننا لا نعرف ولا نحلل كيف يفكر أعداؤنا،، للأســى ويا للعجـب .!! 

  • السياسة الناعمة والسياسة الخشنة.. أردوغان مثالا

    منذ العام 2002 حيث مجيئ حزب العدالة والتنمية التركي الى الحكم اتبع اوردغان سياسة اقتصادية استهوت الرأسمال العربي الذي يبحث عن فرص الربح نتيجة الوفرة النفطية التي لم تجد من يستثمرها لصالح المنطقة وانسانها, وظلت ظاهرة القشرة المالية تنحو منحى ترفيا خاليا من البعد التنموي الاستراتيجي, فكانت سباقات الهجن مثالا على السطحية التراثية مثلما كانت مهرجانات السينما على الطريقة الهوليودية في امارات الخليج هي تعبير عن ازدواجية التخطيط الذي يلبس قفازات غيره .

    ان تنفس الاقتصاد التركي عبر العراق وسورية وبقية الدول العربية مع فتح الفرص للعمالة التركية في المنطقة العربية كل ذلك يندرج تحت اطار ” السياسة الناعمة ” ولكن هذه السياسة لم تدم طويلا اذ سرعان ما بدت عليها الاعراض المرضية مثل :-

    1-  استمرار العنف ضد اكراد تركيا 

    2-  تكرار الهجمات غير المبررة وغير المجدية على شمال العراق 

    3-  احتضان بعض العناصر المتطرفة من سنة العراق 

    4-  التنسيق الخفي مع سلفية الاحزاب العربية 

    5-  الانقلاب المفاجئ على صداقة النظام السوري 

    6-  امتثال قبول الادوار بوحي من الادارة الامريكية واللوبي الاوربي الداعم لإسرائيل 

    7-  عدم جدية وعودهم باطلاق نسب كافية من مياه دجلة والفرات حسب معاهدات المشاطئة الدولية للانهار 

    8-  احالة مجموعة من كبار قادة الجيش التركي بتهمة مؤامرة انقلابية الى الاعتقال. 

    وتلت هذه الاعراض المرضية في السياسة التركية مسلسل الانتكاسات مثل :-

    1- فشل مخطط سفينة الحرية تجاه اسرائيل التي ردت بقتل تسعة من الاتراك دون وجود رد فعل دولي يتناسب وبشاعة الاعتداء .

    2- عدم تأثر التمثيل الدبلوماسي بين تركيا واسرائيل بعد حادث سفينة الحرية وعدم تأثر التبادل التجاري اذهب بمصداقية الدور التركي الذي اراد الدخول للمنطقة العربية والاسلامية بوجه المتحدي لاسرائيل. 

    3- ظهور الدور التركي متلبسا بالادوار المشبوهة من خلال مخيم الفتنة على الحدود التركية السورية الذي تم اغتصاب “400” امراة سورية فيه مما سبب حرجا كبيرا للقيادة التركية لم تعرف كيف تواجهه. 

    4- استعمال خطاب مجافي للاعراف الدبلوماسية تجاه القيادة السورية مما سبب انتكاسة حقيقية لمفهوم السياسة الناعمة. 

    5- فشل الخطاب الاوردغاني في مصر الذي كان سببا لفشل زيارة اوردغان لمصر. 

    6- دعوة فرنسا تركيا للاعتراف بالمذبحة الارمنية وتقديم الاعتذار, وهي خطوة لم تكن القيادة التركية تتوقعها نتيجة قيامها بدور يخدم المصالح الاوربية في المنطقة. 

    7- ظهور التحالف العلني بين الاخوان المسلمين في سورية الذين يتقدمون اعمال التحريض والقتل وكل اعمال العنف في سورية بدعم خليجي سعودي وبقبول امريكي ورضا اسرائيلي وبين القيادة التركية بزعامة اوردغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو. 

    8- نصب الدرع الصاروخي الامريكي الاوربي في تركيا على الحدود الايرانية اخرج القيادة التركية الاوردغانية من السياسة الناعمة الى السياسة الخشنة. 

    9- تبني اوردغان ووزير خارجيته للدعم العلني للجناح المتطرف في ليبيا والسماح له من خلال علي بلحاج الوهابي بنقل مسلحي القاعدة الليبية عبر تركيا الى الاراضي السورية هو علامة الانتقال والتحول النهائي من مفهوم السياسة الناعمة الى مفهوم العنف وما يترتب على ذلك من مصطلحات الحرب التي تتجمع فيها كل مظاهر العنف. 

    10- فشل محاولاتهم لايجاد منطقة منزوعة السلاح حتى تكون ممرا امنا لعناصر الارهاب وما يسمى بالجيش السوري الحر بين تركيا وسورية أو بين لبنان وسورية عبر وادي خالد جعلهم يتجرعون انتكاسة لوجستية في محاولاتهم الرامية الى اسقاط النظام السوري. 

    11- فشلهم في اقناع جماعات واحزاب الرأي التركية في صحة مايقومون به تجاه سورية من زعزعة لاستقرارها انعكس سلبا في الحياة الاقتصادية التركية مما جعل غالبية التجار واصحاب الحرف التركية يعلنون رفضهم لما يقوم به اوردغان ووزير خارجيته , والمنظمات التركية التي زارت سورية والتقى بعضها برئيس النظام السوري بشار الاسد كانت تعرب عن رفضها لسياسة اوردغان. 

    12- قيام وزير خارجية تركيا اخيرا بزيارة طهران التي جاءت متأخرة بلغة الحدث هو اقرار بالفشل واعتراف ضمني بانتكاسة سياسة اوردغان تجاه سورية والعراق والمنطقة, وطلب احمد داود اوغلو من طهران القيام بنصيحة سورية هو اعتراف بنجاح الدور الايراني وعدم نجاح الدور التركي المنافس للدور الايراني في المنطقة. 

    13- فشل علني لسياسة اوردغان في العراق من خلال البحث عن المعابر والمنافذ الطائفية لمخاطبة المسؤولين العراقيين, ومن خلال عدم قدرتهم على توظيف الدور الامريكي في اقليم كردستان العراق لصالحهم , فبعد الانسحاب الامريكي من العراق ظلت مشاكلهم عالقة على حالها مع حزب العمال الكردي التركي الذي يقع في مثلت تنفتح فيه كل الاحتمالات المستقبلية, مما يجعل الحرب الناعمة مستحيلة على الجانب التركي بينما يظهر العنف صانعا وناسجا لعلاقات اوردغان مع محيطه بما يجعله ينطبق عليه المثل :” على نفسها جنت براقش “. 

    14- من هنا وبعد كل هذه الملامح والمظاهر لايمكن وصف الحالة الاوردغانية التركية الا باستغراقها في وحول ومستنقعات الهموم السياسية التي نقلتها سياسة اوردغان من السياسة الناعمة الى السياسة الخشنة وما يترتب عليها من متاعب كانت تركيا في غنى عنها يوم كان الاقتصاد التركي في بحبوحة والسياحة التركية تجتذب الكثيرين بعيدا عن العنف والطائفية والعنصرية, اما وقد دخلت سياسة اوردغان في شراك الخشونة التي لاتستبعد كل مفردات العنف كما حدث في سورية الخاصرة المؤلمة لتركيا اقتصاديا واجتماعيا, فان العراق وسورية هما البوابة الحقيقية لإطلالة تركيا على العالم العربي, ومن يعمل في السياسة بدهاء وذكاء عليه ان يعرف ما معنى هذه البوابة التي دونها مياه دجلة والفرات , فالباب يمكن ان يغلق نهائيا ولكن النهر الدولي لايمكن ان يغلق نهائيا. 

  • القلم في لحية القاضي

    فلت العيار، واكتملت الفوضى (الخلاقة) واعتاد الشاذ شذوذه، وتراخت المحاذير مع طول الوقت والممارسة، وصار سلوكا مألوفا وعاديا.. وفاض جوهر الديمقراطية غير مكتملة الشروط، وتجلى في إجراءات ومعالجات إدارية في العنوان المرئي لها.. أي الإعلام… وبرهنت الطائفية أن طريقها يضيق باستمرار، ويصل إلى ان يضيق بطائفتها، وينتهي آخر المطاف ألا يتسع لغير جسد الطائفي.. وقد لا ينفد من إلا جانبيا وحشرا، وما عاد من فسحة واسعة في الإعلام لغير القلم الطائفي… وكان على العراقي ان يتوقع كل غريب وصادم .. وان يتهيأ لكل واقعة طائفية.. ومع ذلك تفاجأنا في الصباح اختفاء قلم عراقي غزير وعميق وأفلح في إيصال رؤيته وتعاطفاته الوجدانية الى ابسط العقول والإفهام.. وكان منسجما مع أفكاره وخياراته، والاهم، مع ضميره المهني والثقافي.. ومع عراقيته.. وربما مع حرصه على طائفته ونغمتها في موسيقى الحياة.. وهذا ما لا يفهمه الطائفي بمعناه الضيق والمغلق والذي لا يرى مصادر الثراء في الآخرين لطائفته التي اراد لها العزلة والانغلاق والجواب الواحد في عالم تتدافع اجوبته بعدد البشرية.

    وتأكد القول مرة أخرى، بان قلم المبدع قد علق بلحية القاضي، التي صارت مكنسة.. مع طمأنينة كاملة من المساءلة واللوم.. ومن الضراوة بالتظاهر باحترام الأقلام والأفكار ورجال الثقافة والإعلام..  احترام شكلي كاذب …الأميون لا يعنيهم المثقف لأنهم لا يعرفونه ولا يرونه إلا كعنصر زائد.

    القلم الذي يخلص لرسالته ولضميره ولوطنه،,لا يطلع له الطائفي ولا تمد له الأيدي المنتفعة من التجارة الجديدة  لتسانده او تنقذه..  وقال احدهم انه انحاز ووقف مع نفسه وامتيازاته ومع رغد عائلته ..فالمبادئ والمواقف لا تأتي له بما أتت به مناغاة اللحن السائد ..والانضمام الى جوقة منشدين وطبالين وحاملي مباخر،ولكن بصيغة اكثر خفاء ودهاء وفاعلية.

    يعرف الاعلاميون ومن سنوات الاحتلال انهم محسودون على هذا (النعيم) من الفرص في حشد الصحف والفضائيات ووسائل الاعلام.. وهو حسد بلا معنى لان فاقة الكاتب والصحفي والاعلامي قد تضاعفت ما دام الكثير من الممولين، أما جهلة لا يبغون من وراء مشاريعهم الإعلامية سوى الربح او الحصول على ثروة من طرف اجنبي ..كما قد يكون الممول طائفيا، والطائفي بالضرورة معتل الثقافة وقصير النظر  ..ولهذا استحق الكتاب والاعلاميون قراءة سورة الفاتحة لولا قلاع رصينة تحترم الثقافة،والرأي العام..  والا لاتسع ميدان هذه النخبة التي تعيد للاذهان صورة المجتمعات البائسة المذعورة التي تبيع اسرة نومها في الصباح لا لتقتات بثمنه فقط،,بل لانها غير واثقة من وصولها للمساء وتنام على سرير.

  • الذنب ذنبي!!

    لأسباب اعتبارية وأخلاقية واجتماعية، سوف أتجنّب ذكر الشخص الذي أتحدث عنه هنا.. مع انه بالنسبة لي ليس أي شخص آخر فهو صديق تمتد علاقتي معه الى عام 1974، كنا نسكن ضمن منطقة واحدة، ومن النادر ان يمر يوم من دون لقاء في المقهى او المنزل او النادي، وطالما سافرنا معا سفرات ترفيهية الى البصرة وبابل والسليمانية والموصل، ويوم تحولت الى منطقة سكن جديدة، لم تفتر علاقتنا أو تنقطع، كان الرجل يبادلني الاتصال الهاتفي، ولا يتوانى عن زياراتي في مقر عملي حيث يكون، مرة في جريدة العراق ومرة في مجلة (ألف باء) ومرة في الإذاعة، وغالبا ما نتناول الغذاء او العشاء في المطعم او النادي ونذهب لمتابعة فلم سينمائي هنا أو مشاهدة عمل مسرحي هناك.

    ولعل أحلى ما في صداقتنا وأغربها هي ميلنا المشترك الى تبادل المقالب، كان “شريرا” وداهية في توريطي بمقالب محرجة ولم أكن اقل شرا ولا دهاء منه وكنا نجد في ذلك متعة نادرة وفرصة لجعل حياتنا اكثر استرخاء وضحكا وسعادة، ومع ذلك فان لهذا الرجل وجها آخر في التصرف معي عندما أمر بظروف صعبة سياسية كانت أم مالية ام عائلية، انه أكرم من أي وصف وأكثر استعدادا لتعريض نفسه الى مخاطر لا تحمد عقباها من اجل حمايتي، وكنت أواجه مواقفه النبيلة بمواقف مماثلة، وهكذا بنينا تاريخا خاصا من الصداقة يدعو الى الاعتزاز والتباهي.

    كان الرجل بعيدا كل البعد عن متاعب العمل السياسي والانتماء الحزبي، ولكن المصادفة السيئة وحدها جعلته يدير مشروعا فرعيا صغيرا في إطار مشروع اقتصادي كبير تابع لرئيس اللجنة الأولمبية يومها، عدي صدام حسين، والحق فقد أفاد صديقي من تلك الإدارة فائدة مادية كبيرة، بنى دارا فخمة واقتنى مركبة حديثة وأغدق بسخاء على نفسه وأسرته، غير ان عدي في لحظة غضب، وكما هو متوقع غضب منه لحدوث خطأ لم يكن صديقي طرفا فيه أو مسؤولا عنه، وألزمه بدفع مبلغ مالي ضخم لا يمكن سداده حتى لو باع بيته ومركبته ومصوغات زوجته، وحدد موعدا للدفع أمده أربعة أسابيع فقط، وبخلاف ذلك سيكون السجن مصيره ومصير عائلته! 

    في اقل من أسبوعين باع صديقي جميع ممتلكاته ودبر أمر هروبه مع أسرته الى خارج العراق، وهناك التحق بالمعارضة مكرها كما عرفت منه لاحقا، وأصبح جزءا من الحركة السياسية التي لم يقرب يوما بابها، وقد انقطعت أخباره عني تقريبا على مدى سبعة أعوام او ثمانية الى ان سقط النظام وحدث التغيير في نيسان 2003 حيث عاد مجددا الى العراق واتصل في لحظة وصوله الى بغداد.. كانت حفنة دموع باذخة وكان لقاء أحضانٍ وقبل ساخنة حتى إذا هدأت عواطفنا، قلت له ممازحا (هاي أنت وين.. الأستاذ الفاضل عدي يدور عليك؟!) ضحك بسخرية وأجابني بطريقة مازحة كذلك (ليش اني قشمر مثلك أنت اللي بقيت بالعراق تحت رحمة الجوع والخوف والحصار والطحين المخبوط بالرمل، تدري اني هناك عشت احسن عيشه، سكن محترم وسهرات يومية للصبح واكل مال أوادم وراتب راس الشهر، من سقط النظام رجعت مناضل بروسكم وموعود بوظيفة تعجبك، شسويلك، انت واحد بومة، ما سمعت كلامي وهربت ويايه للخارج.. حيل بيك).

     أوجعني كلامه كثيرا ولم أرد عليه فقد كانت آراؤه سخيفة وتفتقر الى المنطق السياسي الحكيم، ولهذا غادرت المكان غاضبا من دون ان أشعره بذلك، ولم يمض عام واحد على لقائنا حتى أدركت ان صديقي الرائع على حق في كل ما قاله، وتيقنت أنني فعلا (بومة)!!

  • هوليود تستخف بالعرب .. جمهوريـــة (الواديــــِّة) الشعبيــــة الديمقراطيـــــة!!

    صارت أنظمتنا العربية فرجة للرايح والجاي في دور العرض السينمائي, وتحولت أوضاعنا المزرية إلى مادة كوميدية لإضحاك الناس والترويح عنهم.   

    الملفت للنظر ان هوليود, وعلى وجه التحديد بعد انهيار أبراج مركز التجارة العالمية في (11 أيلول 2001), انتهزت آثار تلك الكارثة, فكرست جهودها في تسويق المشاهد المشوهة للعرب, وصار العربي في معظم الأفلام مرتبطا بالإرهاب, وربما نجحت في ترسيخ هذه الصورة, حتى صارت صورة العربي الملتحي رمزا للشر والإجرام, وأضحت الكوفية العربية (اليشماغ) من مظاهر التمرد والتطرف, وهكذا جندت استوديوهاتها في إظهار اللقطات السلبية لمجموعة من النماذج العربية المنتخبة, فاختارت التاجر العربي, وأضفت عليه صفات المرابي الجشع, الذي يستغل الناس ويسعى للربح الحرام بالغش والاحتيال, واختارت المواطن البسيط فصورته بملامح العميل الخائن, وعرضت للناس صورة المواطن الخليجي بملامح الجاهل المتخلف, الذي يعيش في البادية مع قطعان الأغنام والماعز والى جانبه مجموعة من آبار النفط والغاز, ثم تجاوزت هذه اللقطات النمطية البليدة, لتتحول نحو منح دور البطولة لقادة الأنظمة العربية, فجاء الحاكم العربي المستبد بصورته الحقيقية, وظهر على الشاشة غارقا في الظلم والفساد, لا هم له سوى الجنس والمقامرة والمعاقرة, فاحتل مركز الصدارة بعد تفجر الأوضاع في العواصم العربية الملتهبة. بيد أن محاور الإثارة في تلك الأفلام كانت تدور في جوهرها حول شخصية المواطن العربي المغلوب على أمره, فحولته هوليود إلى مادة سينمائية مقيدة في معظم المشاهد بسيناريوهات محددة بأدوار السخرية والتندر, فالمقصود هو التهكم على المواطن العربي نفسه, وليس على الحاكم الذي وضعته في الصدارة بهدف المخادعة والتمويه, وصولا إلى تشويه صورة العرب بين الشعوب والأمم. 

     وهذا هو النهج المريض الذي سارت عليه شركة (بارامونت) الأمريكية, عندما شرعت بإنتاج فلم (الدكتاتور), ومنحت فيه دور البطولة للممثل اليهودي (ساشا بارون كوهين), ليجسد في الفلم شخصية الرئيس العربي (الجنرال علاء الدين) الزعيم الأوحد والقائد الأبدي الملهم لجمهورية (الوادية) الشعبية الديمقراطية. ومن نافلة القول نذكر ان (الواديّة) عبارة عن قرية ريفية بائسة من قرى محافظة ميسان جنوب العراق, تقع في ضواحي (المجر) على جدول متفرع من نهر (العدل), ولا ندري بالضبط, ما الذي جعل إدارة الفلم تختار هذه القرية المتروكة عند مقتربات هور (الصحين), لتتعامل معها كجمهورية تحمل آثام الملوك والرؤساء العرب ؟؟. 

    يظهر الجنرال (علاء الدين) بلحية طويلة سوداء, وبدلة عسكرية بيضاء مزركشة بالنياشين, مزينة بالرتب المذهبة, يمتطي بعيرا كبيرا, يتجول على ظهره وسط مدينة نيويورك, تحيط به عناصر مدججة بالسلاح من أفراد الحرس الجمهوري الخاص, يتحدث مع نفسه باللغة الانكليزية ليعبر عن إعجابه بأمريكا, قائلا: (مرحبا بأمريكا مسقط رأس الإيدز), ثم يردد عبارات مبهمة, يراد منها الإيحاء للمشاهد انه يجيد العربية, والحقيقة أنه يكرر مفردات صوتية غير مفهومة, لا تمت للعربية بصلة, من مثل عبارته التي يقول فيها (وِدّه فاخور موخومد بجا ليا), لا الفصحى تشبهها, ولا العامية الدارجة في معظم المدن العربية من المحيط إلى الخليج, فممثل الفلم يسخر من العرب بلسانه اليهودي من بداية العرض وحتى نهايته.