Blog

  • نهر آخر اغتالته الحروب

     انه نهر آخر اغتالته الحروب, وراح ضحية الزمن والمعارك الطاحنة والآفات والإهمال. كان يحمل مياهه العذبة إلى قرى (البوارين), و(الخرنوبية), و(عتبة), و (الدعيجي), و(الصالحية), و (الحسيبية), و (كوت السيد). ويضج بالنشاط والحيوية بجوار شقيقه الأكبر شط العرب, وينساب بمحاذاته. وهو اقصر وأرشق وأجمل واهدأ منه, ولا طاقة له على استيعاب السفن الكبيرة. فاختار أن يغفو بجانبه, ويتوارى خلف الجزر الثلاث المتسقة على حافة الممر الملاحي, والتي تبدأ من الشمال إلى الجنوب بجزيرة (العجيراوية), ثم جزيرة (الطويلة), وأخيرا جزيرة (الشمشومية). وجميع هذه الجزر تقع شرقي شط العرب, في المنطقة المحصورة بين الخورة وجزيرة أم الخصاصيف (أم الرصاص).  

     ولشط العرب الصغير مدخل شمالي, ينحصر بين جزيرة العجيراوية وقرية (الصالحية), التي شيد على ضفافها أول مقر لإدارة الموانئ العراقية عام 1919 . ومدخل آخر يقع عند مقتربات ضفاف (شلهة الأغوات). 

     إن من يتجول في شط العرب الصغير تتجلى له مناظره البهيجة المزدانة بغابات أشجار النخيل. ويرى المتجول في أريافه كأنه يتنزه في بستان جميل المنظر. حيث تتفجر المياه العذبة بين الحقول الخضر. وتمرح الأسماك الملونة في مياه الجداول والغدران, في عالم مائي فريد يعج بأسماك الشانك والحمري والشبوط والكطان والبياح والبني. بينما تختال القوارب والأبلام في قلب النهر. ويمارس الإوز العراقي احتفالاته بحركات بهلوانية, تصاحبها زغاريد متناغمة مع أصوات الأمواج الخفيفة المنبعثة من تلاطم الماء في عرض النهر. وتكتسي ربوع وواحات شط العرب الصغير بمظلة خضراء مشبعة بالندى, ومزينة بفسيفساء الطيف الضوئي الحالم. ولا يستطيع المتجول في تلك الواحات أن يقاوم سحرها الطبيعي. كانت الواحات زاخرة بعرائش العنب المتشابكة مع سعف النخيل وعذوقه المتدلية بقناديل رطب الخستاوي, والبريم والقنطار والليلوي والبرحي. فتتقاطع مع أغصان اشجار التين والبمبر والنبق البمباوي وشجيرات الرمان والمانجو (الهمبة), في نسيج مدهش مطرز بتشابكات الأغصان الطرية البارعة الروعة. تتسلل من خلالها خيوط الشمس الذهبية, فتنعكس على جبهة النهر وتزداد توهجا وبريقا. وتتقافز فوقها العصافير والبلابل الجميلة والطيور الداجنة, وتعطرها الأزهار البرية بأريجها الفواح, في تركيبة عجيبة من نفحات ملكة الليل ورائحة الرازقي الذكية, وشذى الجوري, والأقحوان الممزوج بعبق حبوب اللقاح. وتداعبها النسائم العذبة في هبوب رومانسي منعش. ولعل ابرز ما تتميز به قرى شط العرب الصغير هي طيبة أهلها, وابتسامتهم الريفية المفعمة بالمحبة, ودماثة أخلاقهم, وبساطتهم الفطرية, وسخاء كرمهم, وسهولة التعامل معهم, وتتفرع من شط العرب الصغير مجموعة كبيرة من الأنهار والجداول. أشهرها (نهر جاسم). ذلك النهر الذي ارتبط اسمه بأعنف المعارك الهجومية في التاريخ الحديث. ووقعت على ضفافه في العام 1987 أشرس المواجهات الحربية, وأكثرها دموية. فتحول إلى نسخة دنيوية من جهنم الحمراء, بحممها المستعرة بالنيران, وشظاياها المرعبة, التي تلتهم البشر والحجر فتصرخ (هل من مزيد). وتحولت ضواحي نهر شط العرب الصغير إلى ساحات مفتوحة لكل أنواع المعارك الساحقة, والغارات الحربية الكاسحة. وسرقت عذرية تلك الرياض والمزارع والحقول لسنوات طويلة. فاجتثت اشجار النخيل من عروقها, وغرقت في مستنقعات الدم. وحلت محلها السواتر الترابية, والمواقع الإسمنتية المحصنة, والتعزيزات الهندسية الهجومية والدفاعية. وجففت الأنهار, وجرفت البساتين, وهجرها السكان بعد أن زلزلت الأرض تحت أقدامهم, ولاذوا بالفرار فزعا وروعا. وأخليت القرى تماما منذ انطلاق الشرارة الأولى في العام 1980, وتلتها سلسلة متلاحقة من المعارك البركانية المتوحشة. التي عصفت بالمنطقة برمتها, وأحالتها إلى هشيم محترق. وقلبت عاليها سافلها. ونال نهر شط العرب الصغير قسطا كبيرا من الدمار. بعد أن اغتالته الحرب الضروس. ومزقته قنابل المدفعية الثقيلة. وخنقته المعابر الترابية التي أقيمت فوقه. وامتلأت أعماقه بالدبابات والعجلات العسكرية المحطمة. فتقطعت أوصاله. وتغيرت ملامحه. واجتاحه الخراب الشامل. وتوقفت مياهه عن الجريان منذ عام 1980 ولغاية الآن. وصارت تلك الرياض في تداعيات الذاكرة, واختفت الربوع الجميلة في دفاتر النسيان. ودفن شط العرب الصغير تحت الركام والردم. وسجل في عداد الأنهار الموتى. لكنه ما زال مزروعا في قلوب أهله وخالدا في ذاكرتهم . وكتبت على قبره هذه الأبيات الشعرية المحرَفة (*) من قصيدة السياب : 

    عيناك غابتا نخيل ٍ دونما سحَرْ 

    والغابتان دونما ثمرْ 

    عيناك لا تبتسمان 

    من حجرْ ! 

    قد عادتا ، والشط جف ّ 

    والنخيل ُ في ضفافه انتحرْ 

    والشرفتان نامتا في الظلامْ 

    لن ترقص الأضواء كالأقمار كالنجوم كالحمامْ 

    جميعهم قد هاجروا 

    وارتحل النهَرْ 

     (*) حرفت قصيدة (أنشودة المطر) من قبل الشاعر خلدون جاويد, مع الاعتذار للشاعر الكبير بدر شاكر السياب.

  • ألغام الخطاب السياسي

    الخطاب السياسي يحتاج إلى دراية وإلمام بمفردات اللغة ومدلولاتها مثلما يحتاج إلى معرفة المناخ السياحي للبلد، والمناخ الاجتماعي للمواطنين.

    أما مدلولات اللغة فنترك الحديث عنها لطبيعتها الاختصاصية العميقة، ولكن يكفي ان نشير إلى ان الألفاظ المستعملة في اي حديث او خطاب تترجم لدى السامع والمتلقي بمعان قد لا يقصدها المتحدث، وعندما لا يلتفت المتحدث إلى هذه الظاهرة يجلب لنفسه ولمن يقف معه من أسرة واصدقاء وحزب وعشيرة إحراجا من خلال إفرازات ما يلي:

    1- عتاب

    2- لوم

    3- سوء الظن

    4- خصومة

    وتتجمع هذه الإفرازات وتتراكم لتصنع مواقف يصعب التعامل معها او السيطرة عليها.

    وصعود وهبوط الأفراد على المستويات الاجتماعية والسياسية منوط بقدرة الأفراد على التحكم بالألفاظ ومفردات اللغة المستعملة ومن هنا جاءت الحكمة: “تكلموا تعرفوا والمرء مخبوء تحت لسانه”، ومن هنا يوظف قول لقمان الحكيم: “الصمت حكمة وقليل فاعلها”، والى هذا المعنى أشارت الآية القرآنية: “كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون”، البقرة – 151-.

    وأما معرفة المناخ السياسي للبلد والذي ينطوي على المظاهر التالية:

    1- المستوى الناضج المتطور.

    2- المستوى غير الناضج ولكنه منفتح على التطور.

    3- المستوى غير الناضج وغير المنفتح على التطور.

    ويعرف نضج المناخ السياسي من خلال:

    1- نضج القاعدة الشعبية.

    2- نضج مؤسسات الدولة وهي:

    أ- برلمان فيه المعارضة والموالاة تعمل من خلال خطة للتشريع والمراقبة، وتجتهد في الرأي من خلال حاجة الوطن والمواطن لا من خلال املاءات الحزب الذي ينتمون اليه او ربما التأثر باملاءات خارجية كما يحدث عندنا.

    ب‌- حكومة يجمعها مجلس وزراء متكافئ الحضور يعمل من اجل خدمة المواطن في قضايا: التعليم والصحة والخدمات والأمن، والاقتصاد والسياحة وتعزيز دور المواطن من خلال تقديم الاحتياجات واحترام رأيه.

    ت‌- قضاء عادل وحازم لا يتأثر بالسلطات التنفيذية او التشريعية.

    ث‌- هيئات ومؤسسات تعمل بروح الفريق الواحد وبهوية الوطن للجميع وتجسد تلك المصداقية بعملها الميداني اليومي.

    وهناك مظاهر اخرى للمناخ السياسي قد تكون على النحو الآتي:

    1- مناخ سياسي معتدل ومتوازن.

    2- مناخ سياسي متطرف وغير متوازن.

    ومن يعمل في الميدان السياسي عليه ان يكون قادرا على تشخيص مستويات ومظاهر المناخ السياسي وبدون هذا التشخيص لا يتسنى له مواكبة الحركة السياسية في الداخل ولا في الخارج، ومن هنا تبدأ صناعة الالغام في الخطاب السياسي والتي تحدث تفجيرات مفاجئة تؤدي الى تشظي المواقف التي بدورها تصنع الانقسامات المصحوبة بغيوم الفتنة وزلازلها المرعبة.

     ولا نريد ان نفاجئ جمهور القاعدة الشعبية صاحب المصلحة الاولى في معرفة إبحار سفن المشاريع السياسية التي كثرت مناوراتها وقلت فوائدها عندما نقول ان المستوى السياسي العراقي اليوم يتصف بما يلي:

    1- مناخ سياسي غير ناضج ولكنه منفتح على التطور، اما لماذا عدم نضجه فأسبابه كثيرة منها:

    أ- كثرة المواقف الملتبسة.

    ب‌- كثرة التصريحات المتناقضة.

    ت‌- كثرة الشعارات وغياب التطبيقات.

    ث‌- كثرة المتحدثين وغياب المنظرين والمخططين.

    ج‌- كثرة الادعاءات تكشف فراغ المحتوى والمضمون.

    أما الانفتاح على التطور فهي نقطة الضوء التي تبشر بالأمل بالمستقبل وأسبابها:

    1- وجود الدستور رغم ثغراته التي يمكن معالجتها.

    2- تأسيس ظاهرة الانتخابات في الحياة السياسية العراقية رغم شوائبها التي يمكن تجاوزها بتحسين الأداء وتطوير التجربة.

    والمظهر الآخر للمناخ السياسي العراقي فهو:

    “مناخ سياسي متطرف وغير متوازن”.

    وأسباب التطرف في المناخ السياسي العراقي مايلي :-

    1- كثرة وجود المليشيات.

    2- وجود احزاب لم تتخلص بعد من ثقافة التطرف وهي:

    أ‌- تقديس الأفراد.

    ب‌- تمجيد الحالة الحزبية على علاتها وشوائبها.

    ت‌- النظر للأمور من خلال المصلحة الفئوية.

    ث‌- التعامل مع الدولة على أنها مغنم.

    وأسباب عدم التوازن هي:

    1- عدم وجود ثقافة حكم مدني منفتح على الآخر.

    2- عدم وجود ثقافة عمل سياسي واجتماعي يؤسس لفكرة المواطن الانسان الذي يشكل مشروع عالمية الاجتماع الإنساني وليس فئوية الانتماء.

    فالتوازن يأتي في الجسم البشري من الرأس، كذلك يأتي توازن المناخ السياسي من الفكر، فعندما لا يكون الفكر متوازنا لا يكون المناخ السياسي متوازنا.

    وعندما لا يكون الفكر المستعمل في الخطاب السياسي متوازنا تكون الألغام هي النتيجة المتوقعة للتفجير والاهتزاز.

    والمتتبع لمفردات الخطاب السياسي لعدد غير قليل من الذين انتسبوا لحاضنات سياسية ولم يكونوا سياسيين بالمعنى الاصطلاحي للكلمة هم السبب الرئيس في هذا التطرف وهم السبب الرئيس في فقدان التوازن الذي تتعرض له العملية السياسية والتي نشهد تفتت وتشظي بعض أطرافها وهذه الظاهرة تنتظر أطرافا أخرى.

    Alitamimi5@yahoo.com

  • أمنيات 2012

    جرت العادة مع إطلالة كل عام جديد –حيث تذبل ورقة من أعمارنا، ونحن نرقص ونغني فرحاً– ان تتحرك وسائل الإعلام على المواطنين بشتى شرائحهم وخاصة الفنانين لكي تطرح عليهم السؤال التقليدي المعروف (ما هي أمنياتك للسنة الجديدة؟)، مثلما جرت العادة كذلك ان تكون الأجوبة تقليدية ذات طابع يقدم العام على الخاص كالدعاء لازدهار الوطن وتقدمه وسعادته وان يهنأ الشعب بالأمن والسلام والرفاهية، ثم تأتي الأماني الخاصة على غرار انجاز رواية يحلم بكتابتها أو الحصول على جائزة الأوسكار أو سفرة مجانية الى فرنسا تستغرق 65 سنة أو الزواج من فتاة في العشرين!! 

    ولا ريب فأن لكل من المثقف والسياسي والغني والفقير أمنيته الذاتية التي قد يستنكرها الآخرون ولا يستوعبونها، فالمثقف مثلا ينشد الحرية، والسياسي يطلب المنصب، والغني يبحث عن مزيد من الثراء، أما الفقير فيصعب عليه استذكار جميع أمنياته ولذلك يكتفي بحسد الأثرياء حسدا مشروعا وهو يدعو: اللهم إذا حل العام الجديد فاجعلني أعيش مثلهم طول العمر، ولا تجعلهم يعيشون يوما واحدا مثلي!!

    في ليلة الميلاد كنت اسأل نفسي حيث لم يسألني احد [ما هي أمنياتك يا رجل للعام الجديد؟]، واكتشفت وانا اقلب الأمر على وجوهه ان كل ما أفكر فيه واتمناه وأريده واطلبه، يقع في خانة الأمنيات العامة، ليس لأن مناسيب وطنيتي مرتفعة، بل لكوني عبر عقود العمر الطويلة، استوفيت أحلامي وحققتها فقد تزوجت وأنجبت وأنا سعيد بزواجي وأبنائي الذين اطمأننت على زواجهم ومستقبلهم ونجحت الى حد مقبول في عملي الصحفي، وعندي راتب تقاعدي قدره (300) ألف دينار، ودار سكنية جنبتني متاعب الإيجار، وفوق هذا وذاك امتلك رصيداً في المصرف يبلغ خمسين ألف دينار ادخره للحالات الطارئة كالمرض او الوفاة او عطل المجمدة أو ست البيت، فماذا أريد أكثر من هذا، خاصة وانا كما يعرف أصدقائي وزملائي لست طماعا ولا أفكر بزوجة شابة او قطعة ارض على دجلة أو راتب وزير في الخدمة مع ان أحدا لم يقدم لي مثل هذه العروض المغرية حتى امتحن أطماعي!!

    على أية حال، ستكون أمنياتي عامة تتعلق بالعملية السياسية وأطرافها وأزماتها وانعكاساتها وحلولها، وبما يضمن للناس راحة البال ولقمة العيش الكريمة، وبناء على ذلك سأوجزها بثلاث أمنيات هي، اولا: [أتمنى على أطراف العملية السياسية أن……. هذا إذا…….. وسوف…… وفي حالة امتناع…… وقد……]، ثانيا: [أتمنى على الذين يفكرون…… وان يعملوا كذلك فعلا بروح القوانين والدستور…… أما عند الضرورة فيمكن….. وهو أمر ينسجم مع التوجهات الإنسانية التي……. مع علمي ان البعض لا…… ولكن المهم أولا وأخيرا هو الشعب]، ثالثا: [وكم أتمنى ونحن نستقبل العام الجديد، لو ان…… ولو……. ولو…… ولو….. وكذلك لو……]

    هواميش :

    (1) المقاطع الغائبة حذفها الرقيب لأنها مستحيلة التحقيق!

    (2) المقاطع الغائبة حذفها الرقيب بدعوى ان الدستور لا ينص عليها!

    (3) المقاطع الغائبة حذفها الرقيب لأن يده اعتادت على الحذف!

  • متدينون بالشكل واللسان

    هل كان الكاتب الياباني (نوتوهارا) موفقاً عندما جازف بسبر أغوار شخصيتنا العربية المعقدة في كتابه الأخير: (العرب من وجهة نظر يابانية) ؟؟, وهل كان صائباً عندما قال عنا؟؟:- 

    العرب: متدينون جداً. . . فاسدون جداً

    نحن نؤمن إيمانا نظريا قاطعا أن الدين هو الركيزة الأساسية القادرة على خلق منظومة اجتماعية مسالمة, مبنية على التمسك بالأخلاقيات والسلوكيات القويمة, لكننا نخشى أن يرتبط التدين بالمظهر أكثر من ارتباطه بالجوهر, فيفقد مضامينه الروحية بشيوع التدين الشكلي, ليتحول إلى مظهرية تتسم بسطحية منزوعة المعاني, فالإيمان الحقيقي ليس بالتمني, ولا بالتحلي, ولكن ما وقر في القلب, وصدّقه العمل. 

    لقد وقع ما كنا نخشاه عندما انتشرت عندنا مظاهر الورع النفعي في كل مكان, حتى اصطبغت بها أرصفة الشوارع, وتزينت بها واجهات المؤسسات الحكومية والأسواق والمحال التجارية, وطغت على سلوك كبار القوم وصغارهم, بحيث صار التدين الشكلي هو الشعار الشعبي والرسمي والسياسي والمهني, لدرجة انك تحس وكأننا نحلق في فضاءات العفة والطهارة والنزاهة, وننعم بالطمأنينة والهناء والصفاء والوئام والسلام, في الوقت الذي تستيقظ فيه مدننا على أصوات العبوات الناسفة, وتستفزها صفارات سيارات النجدة, ودوي عجلات الإسعاف والدفاع المدني, وزعيق مواكب المسئولين وهي تنتهك نظام المرور جيئة وذهابا, حتى صارت مدننا تحتل المرتبة الأولى في سجلات المدن الدموية الأكثر صخبا وتعرضا للضجيج والتفجير, وجاء اليوم الذي وقف فيه العراق في طليعة البلدان غير النزيهة في التصنيف العالمي لمنظمة الشفافية العالمية. 

    فكيف يمكن أن نكون الأكثر استقامة والأكثر انحرافا في آن واحد؟, وكيف يمكن أن نكون الأكثر حكمة والأكثر رعونة؟, والأكثر رحمة والأكثر نقمة ؟, وكيف تجتمع الأضداد كلها فوق رؤوسنا الخاوية من دون شعوب الأرض.   

    من الواضح أن مجتمعنا يمر اليوم بحالة غير مسبوقة من انفصام الشخصية, وانفصال العقيدة في السلوك والتطبيق, ويعزا ذلك إلى غياب المعايير الأخلاقية العامة, التي أكدت عليها الأديان السماوية كلها, فضلا عن شيوع الغش والكذب والنفاق, بحيث صار الدين في كثير من الأحيان مختزلا في مجموعة من ممارسات وصولية, وإجراءات سطحية مفتعلة, يراد منها التزلف والتقرب لنيل المراتب, أو لتحقيق المكاسب, ويراد منها التبضع السياسي. .

    لقد أصبحنا نعيش في عصر يهتم فيه أصحاب الوجوه الزئبقية بمظهرهم لا بجوهرهم, فتراهم يتلاعبون بتضاريس وجوههم وجباههم, فيضعون الأقنعة التنكرية لتغطية ملامحهم الحقيقية, ويتخذون ماكياج التدين والوقار الزائف كبطاقات ترانزيت لعبور بوابات النصب والاحتيال, أو لاستغلال سذاجة الناس وطيبتهم, تمهيدا لتحقيق مآربهم الدنيوية, ونيل المناصب والدرجات الرفيعة.

    وانحصرت أدوات التظاهر الشكلي بحلاقة الشوارب, وإطلاق اللحى, وكي الجباه, وتقصير الثياب, والتباهي بتنويع الخواتم الكبيرة والصغيرة, وترديد بعض العبارات المشفرة, والكلمات المنمقة, وإظهار الشدة والصلابة المفتعلة عند التعامل مع عامة الناس, والتمسك بالقشور إلى درجة المبالغة في استعراض صور نمطية منسوخة من قوالب كاريكاتيرية متناظرة, حتى صار من المألوف مشاهدة الكثير من هذه النماذج المتخشبة, من الذين أساءوا للدين والتدين بمزايداتهم التمثيلية المعادة.

    يتسترون بالدين, ويتظاهرون بالورع والتقوى, ويستبطنون الكفر والفسوق والعصيان, فاستغلوا الدين وقودا لإشعال فتيل الصراعات السياسية, وتأجيج نيران الفتن الطائفية, واتخذوا الدين جسرا تكتيكيا عبروا من خلاله إلى مواقع التسلط, وتبرقعوا ببرقع الإيمان المزيف وهم ابعد ما يكونون عن الدين وعن طاعة رب العالمين.

    مزيفون أعمى حب المال بصائرهم, فتمظهروا بكل أنماط الخشوع السطحي, وخلعوا المهابة المصطنعة على عناوين شركاتهم المتنامية في مستنفعات الفساد, وتحصنوا خلف جدران الرياء وتلحفوا بردائه, واستغلوه استغلالا بشعا في الترويج لمنتجاتهم وبضائعهم المغشوشة, فأقحموا الرموز الدينية في الأنشطة الاستثمارية, التي شهدت في الآونة الأخيرة موجات جديدة لمشاريع ربحية اصطبغت بصبغة دينية صارخة. 

    نحن على يقين تام أن المتاجرة تحت غطاء الدين ليست اختراعا حديثا, بل هي قديمة قدم نشوء الأديان وتطورها في عصورها التاريخية المختلفة, فالطبيعة الاستغلالية التي تكبل الإنسان بالمادية هي طبيعة جشعة من شأنها أن تستفيد من كل فرصة في سبيل تحقيق مطامعها, فلا عجب أن نرى المتاجرة بالقيم الدينية وقد صارت اليوم هي الوسيلة الأسرع والأسهل لتحقيق الثراء الفاحش, بحيث امتطوا صهوة التدين السطحي, واتخذوا منه مطية لتحقيق مآربهم. 

    أن أمثال هؤلاء لا يعرفون حقوقهم ولا حقوق غيرهم, وتكاد تنحصر صولاتهم الانتهازية في حدود أنشطتهم الوصولية المكشوفة, لكنهم أن صعدوا أو نزلوا, أو غابوا أو حضروا, لا يعدون عن كونهم مجرد كومبارس في هذا السيرك الرمادي المزعج. 

  • يوميات نائب في البرلمان

      أسعى-هنا- ملامسة فكرة كتاب قديم لـ(توفيق الحكيم) تحول الى فيلم سينمائي مؤثر وجميل في ستينيات القرن الماضي لما حمل من صدق وصفاء معان وملاحظات وأفكارعاشها الكاتب أيام كان نائبا في ريف مصر هو (يوميات نائب في الأرياف) ولعل أغراءات هذاالعنوان الدال يقرب عندي مساعي هذاالمقال- لغاية في نفس يعقوب – حيث تؤشر صوب من سيحاول كتابة مذكراته من ملاك أعضاء مجلس النواب -عندنا- من هم الآن في قلب وعقل شرف حمل هذة المسؤولية أو من الذين تشرفوا- في دورات نيابية سابقة- بتمثيل شعبهم وطرح معاناتهم تحت خيمة البرلمان لسنوات خلت لم نسمع بعدها من قام بكتابة يوميات أو مذكرات تؤرشف وتوثق لتلك المرحلة الهامة في حياة اي انسان شاء ان يتحول بقدرة قادر ومن خلال تأييد أصابع الحبر البنفسجي واستمارة الناخب على مختلف المستويات و طبيعةالاهداف والنوايا والطرق التي تجري بها تلك الانتخابات خاصة في الدول حديثة العهد بالديمقراطية وشجونها من مجرد مواطن عادي الى نائب يتمتع بجملة من الامتيازات والحصانة وهالة الشهرة وتراكض كافة وسائل الاعلام ورائه لاخذ تصريحات أو تبادل اتهامات مابين هذا الطرف أوذاك تبعا لحالة الانواء الجوية ودرجات الحرارة الصغرى والعظمى للعملية السياسية فضلا عن تبريرات ودفاعات وأستمالات كيدية وأخرى أخوانية من نوع (الخلب) اي التي لاتتعدى ابراز حالات السخط والغضب وتبادل التهم والتهديدات أمام وسائل الاعلام وجمهرة الصحفيين في أروقة وممرات قصر المؤتمرات فقط ،، فيما تجري تبادل الزيارات وتراشق قبلات الاعتذار ورفع رايات العتب تحت الطاولة بعيدا جدا عن أعين وأنظار قطعات الشعب التي تجشمت عناء تجاوز مخاطر كل المحبطات والمحدقات التي يحاول ان يزرعها الظلاميون والارهابيون للحيلولة دون نجاح هذه الممارسات الديمقراطية – الحضارية الكفيلة بتحسين حياة الناس وأحوالهم  عبر توزيع الثروات وفق مفاهيم العدالة ونواميس الشريعة و مبادئ حقوق الانسان وكل متممات الاعتراف بانسانيته التي أضحت بديهيات وثوابت في عموم مفاصل ويوميات تلك الشعوب التي تزداد ثقة والتصاقا بمستقبلها من خلال معرفة واجباتها ودواعي حقوقها التي وصلت بفعل ذلك الثبات والوعي الصادق عبر آلية التفاعل الحي مع متطلبات الحياة الحقة والسعي للمطالبة حتى بما يسمى عنده برفاهية الحيوانات،، ياجماعة الخير .!!

        لقد أخذت بالموضوع – قصدا- من واجب التذكير بضرورات كتابة مذكرات السادة النواب لسنوات خدمتهم في خدمة الشعب وعلى ذمة التأريخ وعاتق الحقيقة واصالة الواجب الوطني والانساني لكي أغذي – مجددا- صلابة الجذر و الصلة بين من يعيش من أجل العيش فحسب وبين من يحيا ويعيش كي يترك أثرا وفعلا ،، وأحكمت مقالي بقوة وعبقرية كتاب توفيق الحكيم عبر مجمل أعماله من أجل تحفيز ذاكرة من يعي أهمية تنشسيط الذاكرة الجمعية من خلال الذاكرة الفردية كونها الاقوى من الأولى ،، فضلا عن ضرورات كتابة الملاحظات كونها (خمرة) وذخيرة لتلك المذكرات حتى لمن لا يجيد فعل الكتابة ببراعة ما يفغلة الكتاب المحترفين فالامكان الاستعانة بمن يقوم بهذة المهمة ،، فمن هؤلاء الكثير من نجح في كتابة مذكرات أو يوميات الكثير من المشاهير والسياسيين والبرلمانيين وصدرت في كتب مهمة اذا ما كانت تلك المذكرات تستحق القراءة  والاهتمام ،، ولان آفة العلم هوالنسيان ،، يا جماعة الخير .                                                                        

  • شكوى الطبيب …لعنة

    عاد الطبيب إلى سريره ،بعد أن امضى ما يقارب العشرين ساعة في استقبال  المرضى ،وفحص اكثر من مائتي مراجع …وهذا رقم خيالي،لا يستوعبه ولا يفهمه أطباء العالم ..انه عدد خرافي ..وحاله حال العمل المتواصل كلهذه الساعات الكفيلة بطرح فيل واصابته بالأعياء …ولهذا غادر سريره والتحق من ذلك القضاء وسافر الى بغداد والتحق بزملاءه الاطباء للاعتصام والتظاهر امام وزارة الصحة …لرفع اصواتهم عن تردي الواقع الصحي ،بعد تردي حالة الطبيب…والعجز عن توفير ابسط متطلبات المراجع من اجهزة فحص وادوية علاج ..فضلا عن نقص الاطباء الذين هاجروا الى بلدان تحترمهم وتوفرلهم ان يؤدوا عملهم الانساني …ونصدق تلك المرأة في الفضائية بانها باعت بيتها لتغطية تكاليف العلاج …

    وتجدد السؤال الغاضب عما يحول دون اعتذار وزير الصحة ،واي وزيراخر،والانسحاب من منصبه اذا وجد نفسه عاجزا عن اداء مهمته وما هو  منتظرمنه ؟وكيف له ان يحترم نفسه وهو مجرد عاطل ينتظرهبات منصبه ؟ انه كائن ينتظر الراتب وفيض الامتيازات وسفراتالترويح والمتعة …انه مجرد متهافت ودبق بالكرسي ..وكان باستقالته سينبه الى خطورة حالة ،ويحث على تلافيها ومعالجتها …ثم ان الاستقالة بلا عواقب  غير خسران النعيم الباطل ..على العكس ..سيحظى باحترام مواطنيه ..وكل المخلصين في الحكومة  ..وان من فعلها من قبل (وخلع) الكرسي ،وصد عن (الحقوق… )ظل كوكبا متألقا في العراق وفي قلوب العراقيين ….

    عيب ان يشكو الطيب من رداءة الاجراءات الادارية ..ومن انعدام الحماية ..ومن عدم لحاق راتبه بموظف امي في الدواوين الحكومية الخاصة ،ولا بالاميين الذين زوروا الوثائق وحملوا الشهادات العليا  ..ورغم الشكوى المستمرة من هروب الاطباء مع الكفاءات الاخرى الا ان اجراء جديا واحدا لم يتخذ للحفاظ على المتبقي …ولعل تظاهر واعتصام الاطباء هو تجسيد للعيب وادانة خطيرة ..فالطبيب وحده الجدير بالاهتمام ..وحتى بالدلال ..في حين وقع في العراق عرضة لعدوان الهمج … وفي واقع صحي مؤلم  ..تكفي سرقة واحدة لمسؤول ان تجهز كل المستشفيات بكامل احتياجاتها وتجهيزاتها المتطورة ..وسرقة اخرى تكفي لضمان المواطن صحيا لعام كامل …

    نتمنى على وزير الصحة ان يكشف الواقع الصحي وحال الاطباء ..وليحرج الجميع ويضعهم امام مسؤولياتهم  من اجل مواطن لا يستحق كل ما يحل به  ..وان يخرج من اجواء الكرسي الدوار ..دائما …

  • الطاغية وول ستريت .. مظالم الفقراء .. من عروة بن الورد إلى روبن هود

    بدأت النخبة الواعية في نيويورك تستشعر مخاطر هيمنة المصارف وبيوت المال على المؤسسات الغذائية والدوائية، وتعاني احتكارها لمكاتب الرهن العقاري، والمراكز الإعلامية، وانتبه الفقراء هناك للفوائد المالية الثقيلة التي تفرضها عليهم دور الربا، وما تفعله بهم البنوك الجشعة من ممارسات استنزافية، أثقلت كواهلهم بالديون والفواتير المتراكمة فوق بعضها البعض، فولدت حركة (احتلوا وول ستريت) لتلبي نداءات الفئات المسحوقة، وتنسف ثقتهم بإجراءات الوول ستريت، وتسخر من مضاربات سوق الأسهم، وتعترض على سياسة الحكومة في تبذير أموال الشعب على المخططات الحربية الاستباحية الاستباقية، وتبذيرها في تسديد نفقات ترسانات البنتاغون الجبارة، ناهيك عن تذمرهم من الضرائب القاسية، التي قصمت ظهورهم، وشردتهم في متاهات الضياع، ومما زاد الطين بلة، تلك الهبات المالية السخية التي اعتادت أميركا على منحها سنويا لأنصارها، من الأقطار المؤازرة لها، على حساب مستقبل الشعب الأميركي، حتى وصلت الأوضاع إلى أقصى درجات التوتر والتردي، خصوصا بعد أن أصبحت غيلان (وول ستريت) متهمة بالانحياز ماليا للمشاريع الصهيونية في الأرض المحتلة، وتورطها مع البيت الأبيض والكونغرس بالبرامج الاميركية التوسعية العابرة للقارات.   فتشكلت هذه الحركة الاحتجاجية لتحرض الناس على توجيه ضربة مباشرة لأفاعي (وول ستريت)، وتدعوهم لتضييق الخناق على تماسيح مستنقعات نيويورك بالولايات المتحدة، ولم تمض بضعة أشهر على تأسيس الحركة، حتى التحق بها ملايين المشردين، من الذين حُرموا من إعانات دور الرعاية الاجتماعية، أو من الذين سحقتهم بلدوزرات البطالة والحرمان.   ربما كان المشاكس (كالي لاسون) أول من اختمرت في ذهنه بذرة التمرد على (وول ستريت)، وكان يرى أن الغبن الذي لحق بالأميركيين من هذا الكيان المالي المتسلط على رقابهم، وممارساته الظالمة، التي أفرزت هذا الواقع الفوضوي، سيما ان غيلان (وول ستريت) لم تعتذر للناس حتى الآن، ولم تتنازل عن غنائمها التي سرقتها في الظلام من قوت الشعب الأميركي. 

    وهكذا انطلقت الجموع الغاضبة، من دون أن تكون لها قيادة مركزية، فكل متظاهر يعبر عن غضبه بالطريقة التي يراها مناسبة، والهدف المعلن الآن هو مطالبة البيت الأبيض بتطبيق ضريبة (روبن هود) في التبادل التجارية، ومطالبته بالعودة إلى أحكام قانون (الأنشطة المصرفية غير السوية)، وإدخال الإصلاحات المصرفية، ومحاربة الفساد المستشري في الولايات الاميركية، ومن نافلة القول نذكر: أن ضريبة (روبن هود) قريبة الشبه، بأهداف حركة الصعاليك، التي ظهرت في قلب الجزيرة قبل الإسلام، وتحولت إلى حرفة تفوقت على الفروسية على يد أميرهم (عروة بن الورد)، وكانت تردد صيحات الفقراء، وتعكس صرخات الجياع، وتدعو للانتقام من البخلاء، وامتاز الصعاليك بالشجاعة والصبر وقوة البأس والمضاء وسرعة العدو، فكانوا يغيرون على قوافل التجار، ويوزعون غنائمهم على الفقراء، فاتسمت لغتهم الشعرية بالترفع والسمو والإباء، وهذا ما نجده في قول (أبي حراش الهذلي):

    وإني لأثوي الجوع حتى يملني

    فيذهب لم يدنس ثيابي ولا جرمي

    أرد شجاع البطن قد تعلمينه

    وأوثر غيري من عيالك بالطعم

    لقد أخذت الصعلكة شكلا ايجابيا رغم أنها قامت على السلب والنهب، كانت أهدافها ترمي إلى إطعام الفقراء من أموال الأغنياء، وكأنهم يؤكدون أن للفقراء حصة في أموال الأغنياء. 

     أما (روبن هود) فقد ولد في الأحياء الانكليزية المتوسطة، وكان فارسا شجاعا مهذبا، يتمتع ببراعة مذهلة في رشق السهام، كان يسرق الأغنياء الأشحاء ليطعم الفقراء، فحارب الظلم والطغيان في غابات توتنغهام، حتى طبع اسمه منذ زمن بعيد في ذاكرة الفولكلور الانكليزي، وها هو اليوم يعود للظهور من جديد في شوارع (واشنطن دي سي)، ويرشق (وول ستريت) بسهامه، التي لا تخطئ، ويطالب إمبراطورية البيت الأبيض بإرساء قواعد العدل والإنسانية في المعاملات المالية، التي صارت خاضعة بالكامل لسلطات المرابين والجشعين. 

    خرج (روبن هود) ممتطيا دراجته النارية في ميادين الأرض الاميركية الجديدة، ليصول ويجول في الحديقة الأمامية للبيت الأبيض، فمتى يخرج علينا السليك بن السلكة، وتأبط شراً، والشنفرى، ومعهم كوكبة من الصعاليك النبلاء، الذين حاربوا الظلم والفساد، ورفعوا الصعلكة إلى مرتبة الشموخ والسيادة، ودعوا الناس للتضامن والتكافل الاجتماعي. 

    وهل من العدل والإنصاف أن ننعتهم بالصعاليك وهم الذين رسموا بشجاعتهم وبسالتهم أروع مواقف المروءة والرفعة والشرف ؟؟، ونترك الحرامية الذين سرقوا لقمة العيش من أفواه الجياع، ونهبوا أموالنا، ليشيدوا فيها أفخم القصور في ضواحي توتنغهام، المدينة التي خرج منها الفارس روبن بن هود بن عروة بن الورد ؟؟؟. 

  • موت غامض!

    اعتقد ان مركز البحوث الإقليمية التابع للأمم المتحدة، هو واحد من مئات المراكز المماثلة في العالم التي تعنى بدارسة شتى الظواهر في أرجاء المعمورة، بغض النظر عن حجم تلك الظواهر ونوعها، سواء كانت مهمة أم تافهة، والغريب انه لا تكاد دراسة أو إحصائية رقمية، تظهر هنا أو هناك، حتى تصبح قضية، تسلط عليها الأضواء من جهات لا تحصى ولا تعد، وربما كان التقرير الذي نشرته إحدى الوكالات الدولية نهاية عام 2003، والذي يشير الى (ان) أرقام الوفيات في العراق آخذة بالتصاعد التدريجي وبصورة مثيرة للفزع هو واحد من أمثلة كثيرة، إذ ما كاد التقرير يرى النور، حتى اخذ مركز البحوث الإقليمية على عاتقه مهمة المتابعة التفصيلية للوقوف على الأسباب الحقيقية وراء أرقام الوفيات المتصاعدة، ولذلك عمد الى ما يعرف أكاديميا بنظام العينات، حيث اختار الأشهر العشرة من عام 2004 والواقعة بين 1/ 1/ 2004 لغاية 31/ 10/ 2004، كما اختار على وفق النظام نفسه 9 آلاف حالة وفاة موزعة على المحافظات العراقية بحسب النسب المئوية لكثافة المحافظة السكانية، وتوصل الى ان هناك 48% من العراقيين ماتوا لأسباب معلنة كالقتل العمد أو الخطأ الذي ارتكبته قوات الاحتلال، وكذلك عمليات الإرهاب القذرة والخطف والملثمين والميليشيات والاغتيالات السياسية هذا غير الوفيات الناتجة عن حوادث الطريق أو السكتة القلبية أو الخلافات الزوجية او الشيخوخة… الخ.. ولكن المشكلة التي دوخت المركز هي: أن 52 % من الوفيات لا تقع ضمن أية خانة من الخانات المذكورة ولم يقف احد على السبب الحقيقي، ومع ذلك لم ييأس علماء المركز، وتوجهوا -في محاولة أخيرة– الى الشارع العراقي وناسه البسطاء علّهم يقفون على إجابة منطقية، غير ان المواطنين جميعهم، الأمي منهم والمثقف، ذكروا سببا واحدا وهو (ان 52% من العراقيين ماتوا بسبب خيبة الأمل)، ومن الطبيعي أن يرفض العاملون في المركز مثل هذا الرأي المبني على تحليل عاطفي من وجهة نظرهم ولذلك تم التحفظ على النتيجة إلى حين التوصل إلى رأي مقبول وإجابة مقنعة وظل الأمر كذلك حتى عام 2011 حيث ظهرت دراسة رقمية جديدة تفيد بان عدد الوفيات في العراق للمدة ما بين 2003  -2011  بلغ  7 ملايين مواطن منهم 48 % لقوا حتفهم لأسباب معلنة يقف وراءها الإرهابيون والأمريكان والكواتم والصراعات السياسية والمرض والشيخوخة وسوء التغذية.. الخ، و 52% (ماتوا) بطريقة غامضة لا تفسير لها، ولو ان خبراء المركز كلفوا أنفسهم وسألوا أي عراقي، لا على التعيين (كيف مات 52 % من الشعب العراقي؟!) لرد عليه في الحال، وبثقة عالية (ماتوا من القهر) ولكن مشكلة هذه المراكز، إنها لا تحترم رأي الشعوب المقهورة!!.                  

  • تحية محبة وتضامن

    بعد الانعطافة التاريخية التي حدثت هنا في عراق مابين النهرين، انعطافة نيسان 2003، والتي أشرعت نوافذ المنطقة بل العالم واسعة امام رياح التغيير الديموقراطي، بعد تلك الانعطافة العظيمة شاع لغط واضح الغرضية ان هناك حالة فصام ثقافي بين ماسمي ثقافة داخل وثقافة خارج، غير ان وقائع مايقرب التسع سنوات منذ بدء التغيير وحتى اللحظة اثبتت بما لايقبل الدحض ان المعطى الثقافي العراقي بوصفه لاعب اساس في الحراك الثقافي العربي لاينتمي الى لحظة زمنية عابرة بل هو سليل تاريخ من الابداع موغل في طيات قرون من التاريخ، ويثبت اليوم اهميته كرافد متدفق بالعطاء في محيطات الفكر العربي بنحو خاص  والانساني بنحو عام… هذا ما بتنا نلمسه عبر المواقع الالكترونية سيما موقع التواصل الاجتماعي(FACE BOOK )  اذ اطل من خلاله عدد من المواقع المنتجة للابداع العراقي والعربي ومنها موقع الورشة الثقافية الذي يبث كل دقيقة كما كبيرا من نصوص ادبية في شتى صنوف الادب وكذا عدد كبير من المنجزات الابداعية الفنية… ومؤخرا اجرى الموقع المذكور مسابقة للقصة القصيرة فازت بها القصص التالية التي ننشرها اليوم تضامنا ومحبة لجهد الورشة الثقافية والقائمين عليه سيما الزميل كاظم الشويلي والزملاء الآخرين متمنين لهم وكل المشتركين عراقيين وعرب.

  • الهيمنة والتوازن … وما بينهما

    مع تباشير وتهاليل الانسحاب الامريكي من العراق – مرغما كان أم بطلا- في التأريخ والزمن الذي حددته الاتفاقية الامنية المبرمة بين الاثنين تتقافز في الذهن جملة من الاسئلة والاستفسارات والتوجسات التي تتعلق بما قد تم رسمه من قبل قادتنا السياسيين لفترة ما بعد هذه المرحلة المهمة والحرجة وما يجب فعله مستقبلا لتجاوز الأخطاء والتضحيات والخسارات المادية والمعنوية التي أصابت النفسية العراقية بالانكسار ومشاعر الاحباط والخوف من المستقبل بعد تعثر تحقيق أغلب وأقرب أحلامها التي كان يجب ان تتحقق بعد زوال شبح الديكتاتورية ونظام حكمها الشمولي ذلك الذي تفنن و(خاط وخربط) في تبذير الاموال والطاقات بحجج الحفاظ على كرامة الوطن الذي لم يزل يئن تحت وطأة عقوبات واتفاقيات وصفقات دولية تحمل ويتحمل أعباؤها حتى هذة الساعة (المكاريد) من أبناء شعبنا في السلم والحرب وسنوات الحلم الطويل والدامي بالديمقراطية التي نراها – نحن أبناء الواقع- بعيدة فيما يراها الآخرون قريبة قرب الجفن للعين ،، فالذي يده بالماء غير الذي يده في النار (مو؟!) (لو.. مو،،مو!) ولكن رغم الهم والغم تعم حكمة الشاعر وتلحق بقوله المأثور: ( ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل) وها هي بوادرالآمال تتوهج وتتسع فضاءات التفكير بما يجب فعله والعمل عليه بعد (واقعية) الانسحاب وغلق باب القيل والقال لما يحسن التصيد في مستنقعات المياه العكرة ولا يلبي غير حاجات اوهامه ودوافعه مهما سطعت وكبرت شمس الحقيقة …. ولان عالم العولمة اليوم،، يا جماعة الخير محكوم بثلاثية العوامل التي حققت ذلك الاحكام وهي متوزعة مابين (امريكا المتجددة) و(أوربا الموحدة زائد اليابان) وأخيرا (الامم المتحدة) بمعنى أدق (القوة والشرعية) ،، وذلك لا يعني اغفال المسميات بوجود القوة والهيمنة وهي تتمركز بأسماء متعددة ،، كالقطب الواحد أو القوة الواحدة أو المركز والمحيط ،، وكل ما يحيط بأدوات العولمة (منظمة التجارة العالمية / الشركات المتعددة الجنسية/ ثم الأهم… تطور وسائل الاتصال – والفضائيات بشكل خاص) كلها مجتمعة تتطلب منا معرفة (رأسنا من رجلنا) في مناخ دولي وعالمي لاحقته الى عام 2002 آثار ومصائب ومآس. (150) حربا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وأخرى توالت بعد ذلك العام رأينا ولمسنا وعانينا من دهاء الدول الكبرى والتي ما أن تزداد قوة وهيمنة محققة انتصاراتها الواقعية منها والوهمية حتى تبقى في حمى وحراك دائم لايجاد عدو يوقظ حواسها وينشط توجساتها بما يجعلها متحفزة – يقظة متهيئة للوثوب في اية لحظة تستدعيها قوتها وهيبتها للسيطرة على مصالحها في مكان من العالم وتحت أية ذريعة تبرر لها ذلك بما فيه تمرير فكرة التوازن على منوال وميزان الهيمنة التي يتماهى فيها التبرير ويذوب مثل فص من الملح في ماء دافئ .  هذا ايجاز قاس لمعنى ان نفهم ونستفهم معايير القوة في مهابة وحكمة العقل والاعتراف هنا واجب بضرورة الحاجة الى زعماء أو قادة استثنائيين من أجل حل المشكلات التي تواجهنا وتفويض الدبلوماسية في كبح جماح القوة. وان أستخدام السلاح – في استراتيجية نهاية المطاف –  يمثل الوجه الآخر لفشل السياسات في ادارة شؤون الأزمات،، ولنا في أحوال بلادنا التي تعرفون.. ياجماعة الخير… الكثير مما يدعونا للقول مرارا وتكرارا ، في الإعادة إفاد .