Blog

  • زئبقيون في الوسط الجامعي

    لا تكاد تخلو أية شريحة في مجتمعنا العراقي من أصحاب الوجوه الزئبقية، وذوي المواقف الهلامية، وربما كان الوسط الجامعي بمنأى عن تحركاتهم ونشاطاتهم الأميبية السامة، لما يتمتع به هذا الوسط الراقي من حصانة ذاتية، ومناعة قوية وفرتها له الملاكات التدريسية الملقحة بالمضادات الفولاذية القادرة على التصدي لفيروسات النفاق والثرثرة والتلون، بيد أن المؤشرات الأخيرة توحي بتغلغل دفعات ضئيلة من الانتهازيين والوصوليين والنفعيين، من الذين دأبوا على التفريط بكل ما يمتلكونه من أجل تحقيق مآربهم الأنانية الضيقة.  فالانتهازي، بغض النظر عن جنسه وعمره ودرجته، متذبذب في سلوكه، يتحين الفرص للحصول على الامتيازات بأسهل الطرق وأيسرها، فتراه يلجأ إلى الوعيد والتهديد لابتزاز من أهم أفضل منه، وقد تدفعه غرائزه الشيطانية إلى التلفيق والكذب لتحقيق مآربه الوصولية، وهو على استعداد دائم لخلع جلدة مؤخرته ليضعها على وجهه، فلا يتورع عن التقلب بين أحضان المسؤول الذي كان، والمسؤول الجديد، ولا يستحي من شتم المسؤول السابق من أجل إرضاء المسؤول اللاحق، فالأرجحية في عرفه تميل دائما مع صاحب المنصب الواقف في موقع المسؤولية، وتعزا مثل هذه الخصال الشاذة إلى عدم تأصل المبادئ في عقيدتهم الانتهازية غير المستقرة، أو بسبب ضعف ولائهم لوطنهم، ما يجعلهم يسهمون في إنعاش ظاهرة التسقيط والإقصاء المهني في ظل غياب العدالة الاجتماعية، وتفشي فوضى الديمقراطية، وضياع معايير الكفاءة والإخلاص. . تتزامن النشاطات الكيدية وتنتشر بخطوط متوازية مع تعاظم ظاهرة المخبر السري، وربما تجد ضالتها في انتحال الأسماء الوهمية المتاحة في واجهات الفيس بوك، أو المتوفرة في حقول المنتديات الالكترونية، وما تشتمل عليه من خيارات مفتوحة لاستعارة الأسماء المختصرة، وإضفاء الخصال الشبحية المزيفة، بالقدر الذي يتيح المجالات السهلة والسريعة لإرسال التقارير الدورية الملفقة ضد الكوادر التدريسية الكفوءة، وتشويه صورتهم بكل الأساليب المبتذلة. مما يؤسف له أن أصحاب الوجوه الزئبقية (من الجنسين) تحولوا في جامعاتنا إلى معاول هدامة، وفيروسات عدائية ماانفكت تسعى وتواصل سعيها لوأد الكفاءات، وإزعاج الأساتذة، وتخريب البنية العلمية، والقفز فوق واجهاتها وعناوينها، فبدلا من أن ينصرف أمثال هؤلاء إلى البحث العلمي، ويكرسوا جهودهم المهنية والمهارية للارتقاء بالمستوى التدريسي والتربوي نحو الأفضل، تراهم يمضون أوقاتهم كلها في الثرثرة الفارغة، أو في إعداد التقارير التشويهية، من أجل الإطاحة بهذا الأستاذ والنيل منه، أو من أجل إقصاء رئيس القسم أو عميد كليتهم أو جامعتهم انتقاما منهم، فيرسلون تقاريرهم في كل الاتجاهات بغية توسيع حملات الشتائم والاتهامات المفبركة، ويوزعونها على أوسع نطاق، وربما تصل تقاريرهم إلى الجهات العليا في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أو تصل إلى الإدارات المحلية للمدن التي تقع فيها الجامعات والكليات التخصصية، فتتسبب في خلق حالة غير مرغوب فيها من الإرباك والإزعاج والقلق، وقد تسهم في ضياع وقت الجهات التي وصلتها التقارير الكاذبة، فتضطر إلى فتح أبواب التحقيق والتحري والاستفسار، وتشكل اللجان للتقصي عن الحقائق، والجدير بالذكر أن لجان التحقيق تابعت ميدانيا الكثير من تلك الدعاوى الكيدية، فوجدتها تدور في حلقات مفرغة، وتتحدث عن مواضيع مُختلقة، ولا صحة لها على أرض الواقع. . .الملفت للنظر أن هذه التقارير الكيدية، المذيلة بتواقيع وهمية، والمشفوعة بأسماء منتحلة، وعناوين ضبابية، تشترك كلها في صفات موحدة، وهي أنها مخالفة للتعليمات الإدارية النافدة، ولا تندرج ضمن التقارير المقبولة المعترف بها، ولا تعد من الوثائق المعتمدة في التحقيقات الإدارية والجنائية، لذا يفترض أن تجد طريقها إلى المحرقة، أو إلى سلال المهملات. .

    نحمد الله أن جامعاتنا العراقية لا تخلو من العلماء الأعلام، ولا تخلو من التدريسيين الأكفاء، المشهود لهم بالعفة والنزاهة، من الذين افنوا أعمارهم في التعليم العالي والبحث العلمي، ولن تؤثر فيهم مثل هذه الحملات، التي تقودها جوقة القرود والمشاغبين، من الفاشلين والمتملقين والوصوليين والانتهازيين، ممن تفننوا بمهنة التشويه والتلفيق، والتصيد في البرك الآسنة، وتخصصوا بصناعة الأكاذيب، وتعليبها، وتجهيزها للتصدير والاستهلاك. وعلى الرغم من حصانة علمائنا وحصافتهم، فأنهم اليوم في أمس الحاجة إلى من يقف معهم في مواجهة هجمات هؤلاء، ويوفر لهم الدعم والإسناد، ويحميهم من بغض المبغضين، وحسد الحاسدين، وحماقات الفاشلين، ممن لا شغل لهم ولا عمل سوى محاربة أصحاب الكفاءات، والإساءة إليهم، وتدمير سيرتهم العلمية والمهنية. .وبات من المؤكد ان مجالس الجامعات رصدت هذه التصرفات الغريبة، وأبلغت الوزارة بتفشي هذه الظاهرة المقيتة، التي تعكس مدى تدني أخلاقيات بعض المحسوبين على الوسط التدريسي، وشخصت مساعيهم الكيدية لتشويه صورة مرؤوسيهم، وسيأتي اليوم الذي تصدر فيه الوزارة قراراتها الحاسمة لردع هؤلاء وأمثالهم. .  أن هذه الفيروسات الزئبقية ذات الوجه الهلامية الملونة، صارت من الآفات الخطيرة، التي أخذت تنخر في قواعد جامعاتنا وهياكلها، ولابد من القيام بحملة لتطهير جامعاتنا من تلك الفيروسات الشيطانية المريبة، والعمل على عدم السماح لها بالنمو في الأوساط التعليمية العليا.

  • صعلوك بين الملوك

    بحدود معرفتنا المتواضعة ، لم نقرأ في صفحات تأريخنا العربي عن أية علاقة أو صداقة حقيقية حصلت وتواصلت ما بين شخص من عامة الناس أو أعلى الى حد معين ، ومابين ملك أو أمير سوى صداقة لم تدم طويلا ًجمعت المتنبي بسيف الدولة الحمداني ، لكن سرعان ما أنتهت بان قذف الأخير (أي الأمير) بمحبرة (رئاسية) كانت قريبة منه في مجلس يغص بالحاشية والماشية من أصفياء واتباع سيف الدولة جرحت رأس وكرامة وشاعرية ( مالئ الدنيا وشاغل الناس ) فسال الدم مبهورا من جبين أبو الطيب المتنبي وهو ينشد قصيدته: ( يا أعدل الناس إلا في معاملتي …. فيك الخصام وأنت الخصم والحكم ). 

    ولم يغب عن قريحته أن تكمل في نفس تلك القصيدة الرائعة بمرارة لاذعة :

    ( شر البلاد  بلاد لا صديق بها ….) فيما كان الدم يتدفق حاراً تاركا ً جرحاً غائراً في ثنايا وضمير روحه التي اكتفت بالشعر- ردا- متحدينا فعلة صديقه سيف الدولة قائلا قبل مغادرة (حلب) منكسرا حزينا الى الابد :(لا يداوي الجسد إلا الجسد) ليؤكد صحة حكمة تقول ؛ مثلما ليس للبحر من جيران ،، ليس للأمير من أصدقاء!!

    قواسم فروقات ومتطلبات السلطة وربما وحشتها بحكم الحاجة للقوة والقسوة وغيرها من عوامل آغراءات النفس بطغيان الذات والانانية لاتدع مجالا لتمتع القادة والزعماء والملوك والامراء بتقبل استمرار صداقات متكافئة ، كأن يزور جلالة الملك المفدى أو السيد الرئيس أو من يدانيه في عظمة هذه المنزلة صديقا له لكي يطمئن عليه وعلى صحته بعيدا عن دربكات الحرس والحمايات بكل اصنافها وانواعها القتالية والدفاعية بعيدا عن عيون الاخبار وفضول الصحافة وكل وسائل الاعلام في كل عصر وآوان،، يذكر لنا تأريخنا القريب وان الزعيم عبد الكريم زار الجواهري في بيته في الاعظمية فتحول البيت الى حائط مبكى ومركز لتسلم عرائض واسترحامات وشكاوى المواطنين حين علموا بوجود الزعيم الاوحد في بيت شاعر العرب الاكبر الذي ضاق ذرعا بهدير اصواتهم المحتشدة وهي تردد: (عاش الزعيم عبد الكريم ..) ايام لم يكن قد وصلنا بعد هتاف 🙁 بالروح بالدم نفديك .. يــا …) وتقول الحكاية ان تلك الصداقة التي نشأت مصادفة ما بين الزعيم قبل ثورة 1958  وبين الجواهري في عيادة طبيب أسنان في لندن كانت بعمر رغوة الصابون ، فقد أمرالزعيم شاعرنا العظيم بفرض كفالة قدرها درهما عراقيا واحدا بما كان يعادل خمسين فلسا فقط عصر ذاك العصر الجمهوري هي ثمن طابع عريضة ارادت النكاية والنيل من شاعرية (حييت سفحك عن بعد فحييني .. يا دجلة الخير يا أم البساتين).

    ومن أجل ان اصل ضفاف مقال يتناول علاقات الشعراء والملوك ومن لف لفهم في اطار صداقات غير متكافئة كون التاريخ قد أرخى لنا اخبارهم واشعار من تورطوا بمثل تلك (الصحبة) التي تشبه (الحب من طرف واحد) في أحسن احوالها وخواتم نهاياتها المأساوية دائما وليس من باب الاقتراب من مقولة ( صعلوك بين الملوك ) ولامجرد ترديد وتأكيد لمثل اخترته عنوانا لمتن مقالي هذا الذي أردت ختمه بقصيدة جميلة ومعبرة جدا ً كتبها الشاعر الفرنسي  لويس اراغون  هي هذه الابيات:

             أنا ، والملك ، والحمار 

             كلنا سنموت

            الحمار …. من التعب 

             والملك … من الضجر 

             وأنا…. من الحب .

  • نهاية العولمة

    ((وتلك الأيام نداولها بين الناس))  قرآن كريم ((وإن عدتم عدنا))  قرآن كريم ((يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتب))  قرآن كريم كانت الأرض مشهدا ومسرحا للفعاليات البشرية ومازالت، ولكنها محكومة بنهاية. والفعاليات البشرية منها ما أخذ بالحسبان علاقة الأرض بالسماء، ومنها ما لم يأخذ، والذي لم يأخذ لم يكن لديه دليل مقنع، واكتفى بالإعراض والإنكار مما عبر عن إفلاسه الفكري، ومن علامات ذلك الإفلاس انه ظل يطرح أسئلته معتمدا على الوفرة المعرفية التي جاءت بها رسائل السالكين وراء بوصلة السماء، فهي تنكر الله بدون دليل لا لشيء إلا لان المدرسة الالهية بمختلف اتجاهاتها قد التزمت بفكرة الخالق الحق وهو الله وأثبتت ذلك منطقيا وتوسعت به فلسفيا واستحضرت الأدوات العلمية من التجربة والملاحظة التي يتلمسها الحس ولا تتنكر لها المادة. والاتجاه الذي اعتكف على الإعراض والإنكار اتخذ المواقف التالية:

    1- القول بالدهرية: “وما يهلكنا الا الدهر ” وهو قول غير منتج لمعرفة سوى الهروب من مواجهة الواقع المتحرك والمتغير والمتبدل والمنفتح على كل الاحتمالات التي أقواها واكثرها حضورا “الموت وما بعد الموت”.

    2- القول بالاستسلام للعادة الظاهرية المتجسدة في وجود الآباء والاجداد وتقاليدهم، وهو وجود مسبوق بحيثية الخلق ومتدثر بتراكم التقاليد والعادات التي يغيب عنها الوعي عند مواجهة الظواهر الطبيعية فتستسلم لتكرار ماهو تقليدي وان كان خطا؟ ” هذا ما وجدنا عليه آباءنا”.

    3- السفسطة واللغو عندما اعياهم الدليل المنتج للمعرفة وقد شهد الاغريق شيئا من ذلك.

    هذا كان في الحقبة القديمة من تاريخ البشرية، اما في الحقبة التي تلت الثورة الصناعية في الدول الأوربية التي خرجت منتصرة على جمود الكنيسة التي تورطت في محاربة محاولات التطلع العلمي مما خلق فهما لدى قادة الرعيل الاول لدول تلك المواجهة ان الدين الذي كانت تمثله الكنيسة لا يصلح للحياة العامة بفرعها السياسي والاقتصادي بل وحتى الاجتماعي فتوصلوا الى نتيجة مفادها هو عزل الكنيسة عن الحكم والحياة السياسية وتركها تمارس طقوسها الكهنوتية كعبادة داخلية للافراد فنتج عن ذلك ما يلي:

    1- مفهوم الدين لله والوطن للجميع. وهو مفهوم في ظاهره صحيح، ولكنه ينطوي على اشكالية معرفية في غاية الخطورة على حتمية العلاقة بين السماء والارض ” والتي تعبر عنها الآية القرآنية المباركة: “قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا”؟ فالدين هو ليس فقط لله وإنما هو من الله وللإنسان قال تعالى :” شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه”، والوطن هو للجميع قال تعالى: “والارض وضعها للأنام”، والمفهوم الصحيح للوطن هو الارض التي اصبحت في مفهوم علم الفضاء: الكوكب الازرق “هو بيتنا نحن البشر وهو وطننا وان كنا ننتمي اليوم لأوطان صغيرة ومحددة قانونيا مثلما نملك بيوتا اصغر ومحددة عقاريا، ومثلما لا يلغي امتلاكنا للمنزل الصغير واعتباره وطنا العائلة الصغيرة في مقابل الوطن الكبير الذي هو الدولة والذي يضم عائلة كبيرة هي الشعب، وعلى نفس القياس يصح القول على الوطن الارضي الاكبر وهو الارض وعائلتها الكبرى وهو المجتمع البشري قال تعالى : “كان الناس امة واحدة…”

    وهكذا يتضح الالتباس الذي حملته مقولة “الدين لله والوطن للجميع”.

    2- فصل الدين عن الدولة : وهذا المفهوم قام على أساس المفهوم الملتبس “الدين لله والوطن للجميع”، فعندما نعرف ذلك الالتباس ونرجع الأمور الى نصابها من حيث قواعد واليات التفكير السليم، فالدولة هيئات ومؤسسات لتنظيم ورعاية المواطنين، والمواطنون افراد خلقوا لهدف كوني معقول قال تعالى: “اني جاعل في الارض خليفة”، والخليفة هو العنوان الكوني الأول الذي استحقه الانسان رجلا وامرأة في قانون الخلق والإيجاد المتضمن تفاصيل “الحياة والموت” وهي اطروحة كبرى ملأت محطات الحياة الدنيا والحياة الأخرى وهي عناوين اصبحت ملكا لثقافة بوصلة السماء ورسالاتها التي تمتلك رصيدا بشريا هو الآخر غير قابل للعزل والاختزال نهائيا وان تم تغاضيه في الدول الأوربية من حيث النظام وسمته العامة، فالنظام الأوربي اليوم ليس مسيحيا وان كان رعاياه هم من الغالبية المسيحية. ولكن هذا النظام الأوربي ومعه اليوم النظام الامريكي ليس بعيدا عن تململ الروح الدينية التي يمثلها المسيح، وما الصراع الذي دار بين حركة مارتن لوثر والكنيسة التقليدية التي يملثها الفاتيكان والتي نتج عنها : الكنيسة البروتستانتية في مقابل الكنيسة الكاثوليكية الا دليلا على ان الشعور الديني هو المحرك للأحداث، وما يعزز هذا الرأي حتى بوجود الكنيسة المتطرفة ” الانكلوكانية ” وأتباعها الذين يشكلون اليوم تيار المرمون ذي الصبغة التوراتية الطاغية على ثقافة القيادة الأمريكية التي تؤمن بوجود معركة تاريخية فاصلة هي “الهرمجدون” وهي تسمية توراتية يتبناها كتاب “حزقيال” في جزأيه: 38، 39، وفي عمق فلسفة هذا الاتجاه الذي جعل من الصهيونية حليفا وصديقا ولكنها صداقة مرحلية لمن يتأمل في الفلسفة العميقة لهذا التيار الذي يرى نفسه يقود العالم اليوم ومتطلبات هذه القيادة تفرض عليه تطلعات يجد فيها ما يلي:

    أ‌- الصراع العربي الاسرائيلي، فيتحالف مع الاسرائيلي مرحليا لان العربي يشكل له بعدا مضافا للقلق المستقبلي ومشاريعه البعيدة الممثلة بظهور المهدي كقيادة عالمية يمثلها الوجود العربي المسلم ويتحالف معها الوجود الديني بشكل عام. والروايات التي تتحدث عن نزول السيد المسيح مع المهدي تنتمي لصناعة القلق لمن يطمحوا للقيادة العالمية بغير بوصلة السماء.

    ب‌- مفهوم القيادة المهدوية وما تطرحه من مشاريع يعتبرها البعض تهديدا إستراتيجيا لهم. وهؤلاء لا يأخذون توصيات بعض من في المنطقة من الذين يعتبرون ذلك خرافة ليقدموا تبريرا غير مقنع لمن ينظروا الى التدافع الاجتماعي بعين الموضوعية. 

    3- فصل الدين عن السياسة: وهذا الأمر هو الأوسع من موضوع فصل الدين عن الدولة، لأن الدولة حالة قانونية، والسياسة حالة ثقافية، ومساحة الثقافة في الاصل اوسع من مساحة الدولة القطرية، ولكن الأمر يختلف في حالة تحقق الدولة العالمية التي لا يمكن انتزاعها من مفردات التفكير البشري لاسيما تلك التي تستقي غذائها الروحي من بوابة السماء التي مهدت لها قال تعالى “ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”، وتعزيز الوراثة للفريق الإلهي مسألة محسومة في خطاب السماء الذي يظل بعد البرهان واعمال العقل هو الأوفر حظا؟ وقال تعالى:  “ان الأرض يرثها عبادي الصالحون”، ومما يعزز مصداقية ذلك الإرث الموعود هو توالي الأحداث الطبيعية من اعاصير وزلازل وبراكين لم ترتقي الى مستواها تجارب الانسان المحدودة في استمطار الغيوم عبر غاز الكمتريل الذي كانت دعايته اكبر من حقيقته كحال المظاهر الدنيوية تسمع بها كبيرة في الظاهر ولكنك تجدها صغيرة في الواقع.

    ومثلما لم تصمد مقولة فصل الدين عن الدولة كحالة نهائية في المجتمع البشري، وظلت الدولة الدينية قابلة للظهور برغم الأخطاء التي صاحبت ظهور بعض النماذج حديثا والسبب يعود الى ان مبادئ الدين أكثر رسخوا في الضمير البشري من تجارب التطبيق التي اعلنت بنفسها فشلها الذي لا يعمم على الروح الديني ومبادئه في نظر التحليل المنصف لان الدين نفسه سبق الجميع لانتقاد ورفض الانحرافات والاخطاء قال تعالى “يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون”، وهذا النص يشكل ضمانة فكرية خالدة لحماية روح المبادئ وعدم تشويهها او التجاوز عليها عندما يحدث التطبيق الخاطئ من قبل الأفراد والجماعات، فلا السلطات الزمنية التي تحولت باسم الدين الى إقطاعيات عائلية دكتاتورية، ولا الجماعات المارقة الممثلة اليوم بالقاعدة الوهابية بقادرة على اختصار الدين بمنهجها الخاطئ وسلوكها المشين.

    كذلك لم تصمد مقولة فصل الدين عن السياسة من خلال تصوير الدين على انه الثابت المقدس والسياسة هي المتحول الممكن، وأصحاب هذه المقولة نسوا او فاتهم ان الدين يتضمن الثابت المقدس وهو الله فقط مثلما يتضمن المتحول المتغير وهو المخلوقات بأصنافها من طبيعة وكون قال تعالى:  “والسماء بنيناها بأيدي وأنا لموسعون”، وقال تعالى: “كل من عليها فان”، والفناء دليل على التغير والتحول وهو يشمل : الإنسان “كل نفس ذائقة الموت” والحيوان “وإذا الوحوش حشرت ” والنبات ” فانبتنا فيها حبا – وعنبا وقضبا – وزيتونا ونخلا” – 29- عبس – والجماد في الظاهر والمتحرك في الواقع كما تقول السماء قال تعالى “وإذا الجبال سيرت” – التكوير – 3- 

    والذين يقولون ان السياسة هي فن الممكن فاتهم ان الفن فكر + تجربة وهذا الأمر متاح للجميع وليس لفئة دون اخرى فمثلما يحق للعلماني ان يمارس فن السياسة كذلك يحق للديني ان يمارس هذا الحق وعليه فان دعوى الفصل لا تجد تطبيقا صحيحا، وإنما الصحيح هو الانفتاح على ممكنات السياسة سيجعل من الدين احق بها من غيره لا لأنه لا يؤمن بحق الآخر وانما لأنه الأسبق مرتبة في الظهور والوجود من جهة ومن جهة أخرى هو المعطى صفة الخلافة والاستخلاف في الأرض ومن هنا تبدأ السياسة رحلتها الوجودية مع الدين قبل غيره لاعتبارات الأسبقية في الوجود، وعلى هذا تظل دعوى فصل الدين عن السياسة هي الاخرى لا تلقى إقبالا شعبيا نهائيا في المنظومة الاجتماعية وان تصدرت واجهات بعض الشعارات والبرامج الحزبية التي لم تكن قادرة على ضمان بقائها فكيف بشعاراتها.

    واليوم عندما تعود الدول التي أشاعت مفهوم فصل الدين عن الدولة وفصل الدين عن السياسة مثل أمريكا والدول الاوربية التي لم تكن مشجعة للسنودس الرسولي في الشرق الاوسط الذي دعا اليه الفاتيكان وايده المسيحي الذي يجد في تركيبته الوجودية عقل عيسى ومحمد وموسى حتى لا ينفصل عن المكان ولا يتخلى عن حركة الزمان المملوكة لخالق الاكوان هذه الدول التي تعيش تناقضا وجوديا يستحيل ان تجعل منه عابرا للمراحل مثلما فعل الدين فهذه امريكا اليوم ومعها اللوبي الاوربي تستعين بالقاعدة لتفكيك واضعاف أطروحة خصومها السياسيين وهم من صلب الدين، وتتعاون مع اطراف دينية في تصورها للانتقال الى مرحلة اخرى ولكنها تنسى من خلال هذا العمل انها تعترف بالدين من حيث لاتشعر، وما يحدث في المنطقة العربية من المغرب الى بغداد والخليج هو استرجاع للدين وان بصور منقوصة ومحاولات لا تتماهى مع الجوهر الذي ينتظر لحظة التماس الصاعق الذي يغير الاشياء والمعالم ويختصر المراحل عبر كينونة ” كن فيكون ” التي تظل مشروعا للتغيير لا يطاله التقادم ولا تفقده الايام والاماكن مصداقيته لانه يستمد فعله من الديمومة الواجبة التي تلبي حاجة المحتاج تجاه المكتفي البالغ الكمال وذلك هو ” الله ”

    وهذه الحاجة المخلوقة للانفعال واللحاق بركب الوجود لايمكن ان يتخلف عنها موجود من الموجودات، ولان الذين توهموا خطا بقدرتهم على الاستفراد بالعالم من خلال ” العولمة ” حيث بسطوا قواعدهم وسفنهم وبوارجهم وطائرات تجسسهم في كل مكان واوعزوا لشركاتهم ان تجني ماتشاء من ارباح وراحوا يوزعون المكافئات والمنح في كل مكان ها هم اليوم يعانون مايلي :-

    1- جفاف مواردهم جعلهم يقلصوا بل يسحبوا مكافئاتهم عن منطقة واسعة متقلبة مضطربة هي ” العراق – المغرب ” ومن الترجمات العملية لذلك هو انسحابهم من العراق على مضض.

    2- تصاعد موجات الهزات المالية في امريكا وما مظاهرات شارع وول ستريت الا مثالا على ذلك وقادم الايام يحمل صعوبات اقتصادية اكثر.

    3- ازدياد اعداد ضحايا الفيضانات والعواصف والحرائق مما ضاعف اعداد الفقراء من اصحاب المخيمات والعاطلين عن العمل.

    4- اهتزاز الاقتصاد الاوربي متمثلا بافلاس اليونان التي لم ينفع معها التقشف واهتزاز الاسواق المصرفية في كل من ايطاليا وفرنسا وعدم قدرة المانيا ان تكون بعيدة عن ضعف اليورو الذي يهدد الجميع في المنظومة الاوربية

    5- تصاعد نمو الاقتصاد الصيني 11|0 سنويا

    6- تركيز الولايات المتحدة الامريكية على جبهة جنوب شرق آسيا والقوقاز نتيجة تحفز روسيا لاستعادة موقعها بعد ان اصبح بوتين الفائز في الانتخابات الروسية يائسا من السياسة الاحادية وعولمتها الامريكية مما يجعله يقوم باتخاذ خطوات لبناء محور جديد متمثلا بالصين روسيا والهند والبرازيل ومحور ايران بغداد دمشق بيروت الذي تمنحه الاحداث الاخيرة من جراء الاخطاء الامريكية الاوربية في التبني المستغرب لجماعات الارهاب في مقابل حق الشعوب في رفض التدخل الخارجي.

    7- فشل محور تركيا – المال العربي – الذي يحاول استرضاء اسرائيل بتدجين العلاقة بينها وبين الاحزاب التي قبلت بذلك الفتات غير المحسوم بحصولها على كراسي الحكم في بعض الدول التي طال انتظار شعوبها للحرية والعدالة.

    واليوم عندما تتراجع امريكا العولمة لاحزاب الحوسمة فانها تفقد مرجعيتها في العولمة.

     وعندما تصبح السياسية الامريكية تقدم طروحات تخالف شعاراتها السابقة في الديمقراطية وحرية الشعوب فانها تفقد اهم بوابات العولمة لتجعل العالم منقسما دولا واحزابا ومنظومات ومن امثلة ذلك ما قام به مساعد وزير الخارجية الامريكي فيلتمان من زيارة بيروت ولقاءاته التي شملت كل من :-

    1- رئيس الحكومة – ميقاتي

    2- رئيس مجلس النواب – نبيه بري

    3- وليد جنبلاط – رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي

    4- قائد الجيش – قهوجي

    5- مدير الامن العام – ريفي

    6- اطراف 14 اذار وتيار المستقبل

    وهذه الخلطة تعني فقدان توازن العولمة لصالح ظهور انقسامات تؤدي الى انقسامات تتعدى المحلية الى الاقليمية والدولية وهذا ما يحصل اليوم، فلقاء مسؤول امريكي بمدير امن عام يعني تردي مستوى العولمة الى مستوى التقسيمات الطائفية وهو خلاف توجه العولمة، والمطالبة بتنحي رئيس دولة يقف معه اغلب شعبه وكل جيشه وحواضنه الدينية يمثل تجاوزا لميثاق الامم المتحدة وانحسارا لموجة العولمة التي فتحت المجال امام نشوء المحاور الاقليمية الصاعدة والتي هي في طور التشكل والنمو مثل :-

    1- محور سوريا – ايران

    2- محور الصين روسيا

    3- محور الهند – البرازيل

    وكل من هذه المحاور يملك القابلية على التوسع للاصدقاء والرافضين للاخطاء والتجاوزات الدولية على ميثاق الامم المتحدة وعلى حق الشعوب في تقرير مصيرها.

    ونشوء هذه المحاور المصحوب بما يلي :-

    1- انقسام في الأمم المتحدة

    2- تراجع شعبية العولمة

    3- فقدان مصداقية الديمقراطية في التجارب الحديثة المحسوبة على جناح العولمة

    4- ضعف اقتصاديات محور العولمة

    5- عدم قدرة محور العولمة على حماية امن اسرائيل.

    6- معاداته لحركات التحرر والمقاومة.

    7- وقوف محور العولمة مع المجاميع الارهابية خلافا لما يتبناه؟

    ومن خلال كل ما استعرضناه يظهر لنا اقتراب نهاية العولمة التي لم تدم طويلا بعد نهاية الحرب الباردة في مطلع التسعينات من القرن العشرين ونحن اليوم في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، واذا اضفنا لذلك توقعات كتاب ومحللين امريكيين الذين قالوا بان عصر العولمة الأمريكي سينتهي في حدود 2025 ميلادية، يصبح من المناسب الحديث عن نهاية العولمة مثلما انتهى عصر العبيد وعصر الاقطاع والبرجوازية وعصر البلشفية والبلوتارية واشتراكيتها وعصر الرأسمالية الذي يشهد رفضا في وول ستريت قبل غيره من مناطق العالم التي لها تجارب مريرة للرأسمال المستفحل بعنوان حرية المال التي سبقت حرية النفوس وتلك مفارقة ترفضها سنة الكون “يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم – 6- الذي خلقك فسواك فعدلك -7- في اي صورة ما شاء ركبك -8- الانفطار –

    ويمكن ان نختم بمقولة من عرف بوصلة السماء من خلال خطابها المنزل والفطرة التي تسبح لربها يقول ذلك العارف بالسياسة والممتحن بالدولة واعبائها والناس واهوائهم :-

    الحمد لله المعروف من غير رؤية، والخالق من غير روية، الذي لم يزل قائما دائما، اذ لا سماء ذات ابراج، ولا حجب ذات ارتاج، ولا ليل داج، ولا بحر ساج، ولا جبل ذو فجاج، ولا فج ذو اعوجاج، ولا ارض ذات مهاد، ولا خلق ذو اعتماد، ذلك مبتدع الخلق ووارثه، واله الخلق ورازقه، والشمس والقمر دائبان في مرضاته، يلبيان كل جديد، ويقربان كل بعيد – نهج البلاغة ج1 ص141.

  • كفى .. لغرائز الموت

    المعرفة حل… وهي لبلدنا حل وانقاذ ونجدة… ودائما ما اقترنت الخلافات والنزاعات والحروب بالجهل والحماقة وعدم النظر الى الواقع ومعرفته مع الملاحظة المهمة انها تكشف بقاء الكثير من عقل الغابة ومن بقاء الشطر الشرير والعدواني من الانسان ولم يتهذب ولم تمسه انوار الفكر والحضارة.. وظل يتحين الفرص لممارسة نفسه ويضع فرويد هذه النزعة ضمن غرائز الموت .. وقد دفعت البشرية ثمنا باهظا قبل ان تشذبها وتبدلها بغرائز الحياة، وتتوجه الى الخلق والابداع والاضافات من المحبة وتطوير العقد الاجتماعي بما وفر لمن تنبذه جماعته ويطرده بلده وتتقزز منه قبيلته ان يجد في ربوعها كامل نفسه في عالم سيبدو تجسيدا ملائكيا..

    عالم النور انتزع عن طبع العدوان قناعه.. فالغريزة تجد مسوغاتها ودروبها.. وتسخر العقل على نحو مهين لتبرير وفلسفة نزوعها.. وقد يتحسس ويكره ويحترب ليأتي العقل لاحقا يقدم مرافعته وحججه.. ويتولى الهوى نحت الادلة والبراهين الموثقة للتبرير.. ولا محتال على الانسان اكثر من احتياله على نفسه.. وها هي المجتمعات الاوربية تتلفت بخجل وحياء الى ماضيها الدامي والى انفلات الكراهية .. وسينظر العراقي فيما بعد مثل هذه النظرة.. فقد يحتاج البسيط الموهوم الى مسافة عن تجربته ليتأملها ويتبين ملامحها… وقد ينصعق لوحشيتها ويتساءل كيف مارسها ولم ينتبه لقبحها؟.

    بدأت تجربة ما بعد الاحتلال بشعار الفوضى الخلاقة.. وصار ماصار وتجلت الفوضى عن فوضى .. مثلما حال الديمقراطية.. إذ لا ديمقراطية بلا عدالة.. ولا ديمقراطية مع الطائفية.. وهذه التعيينات في الدوائر وهذه الفرص تصرخ بانعدام العدالة.. ثم ان الدولة يغنمها المتغانمون… ولا حصة للطوائف من طائفييهم وهذا هو الفساد والقلق العام … وبلا مضي في التعداد .. فالمبدأ ان توفر الحكومة العيش الكريم للمواطن.. ومن حق المواطن ان يغلق اذنيه عن ظروف ومصاعب وشكاوى السطة، فذاك شأنها .. الشعوب معنية بالنتيجة.. والنتيجة سقيمة… وإذا قيل ان الانسان يبتكرالشخصية التي تناسبه ويتصرف في نطاقها  فان هذا الوهم قد يصيب مجاميع واحزاب ورجال سلطة… وربما توهم سياسيون انهم وثبوا الى ارقى التجارب والرؤى والسياسات الاوربية ونفذوها في العراق.. وقد يتوهم آخرون انهم بانحيازهم انما يمتثلون الشرعي والمقدس… وكذلك الطرف الثالث والرابع ..والخ، في حين ان الواقع في حال مغاير… وان اقدم بلد وحضارة واجمل اواصر وعلاقات اجتماعية مهدد بالتفتت والتمزق والاختفاء..

    هناك رجال افذاذ.. هنا سياسيون خالصو العراقية .. هناك قادة لا يكبر عليهم التاريخ.. هناك نظيفون وموثوقون.. ولكن لا نتيجة على الارض.. وهؤلاء ينتظرهم منعطف التاريخ…

  • حقيبة دبلوماسية !!

    منذ 30 سنة تقريبا ، إعتدت على حمل الحقيبة الدبلوماسية ، بعد اكتشافي إنها شيء عملي بالنسبة لي ، حيث الأوراق والجرايد والكتب والسجائر والولاعة وهوية النقابة والمستمسكات الأربعة المعروفة التي تثبت عراقيتي !! والحق فقد شعرت ان السبب الرئيس في احترامي يعود إليها ، وإنني من دونها مواطن لا يساوي فلسين ، فقد كان مدراء الدوائر ينظرون إلي بعين التقدير ، والناس يخاطبونني بمفردة ( أستاذ ) وبعضهم يمنحني لقب ( دكتور ) ، ولهذا زاد تمسكي بها ، وبدأت احملها حتى عندما اذهب بدشداشتي من المنزل الى فرن الصمون !!.

    في الشهر الماضي ، كنت معها في العادة في طريقي الى الدوام واستأجرت سيارة ( تاكسي ) لكوني خرجت من البيت متأخرا ، وما ان قطعنا بضعة كيلومترات حتى  توقف السائق وغادر المركبة ، ورأيت على الرصيف سيدة قام بمصافحتها ، ورجلين صافحهما كذلك ، وبادلهما القبل ، ثم توجه الجميع نحوي ، وتولى السائق مهمة التعارف بيننا ، وعلمت منه إنهم أقاربه ، والتفت إليهم قائلا: ( أرجو المعذرة ، كان بودي إيصالكم ، فانتم على الطريق ، ولكن هذا غير لائق فالأستاذ استأجرني ولا يصح ان أضايقه ). يا الهي كم أعجبني سلوك هذا الرجل المتحضر ، وأثار نخوتي العراقية ، ولهذا حلفت بالطلاق فورا ( لأنه اقرب كلمة من لساني ) ان يتفضلوا بالصعود ، وهكذا جلست السيدة في المقعد الأمامي ، فيما توسطت الرجلين في المقعد الخلفي ، ولم تكد المركبة تنطلق حتى استقبلت حاصرتاي مسدسين ، وأدركت إنني (مختطف) ، ولكنني لم أكن خائفا فأمامنا عشرات السيطرات ، وعمد السائق الى تغيير وجهته ، بحيث لم تصادفنا سوى سيطرتين ، شاء سوء الحظ ان لا تؤشر أجهزتهما على المسدسين ، ووجدت نفسي معهم خارج حدود بغداد في منطقة خالية من السكن والمارة ، وكانت الخطوة الاولى التي اقدموا عليها هي تفتيش جيوبي الفارغة ، ثم حقيبتي التي لم يعثروا فيها على اكثر من (23) الف دينار ، ولهذا انزعجوا وتولت السيدة صفعي صفعة قوية ( انتم الصحفيون أثرياء … فاين تخفي نقودك ابن ال … ) ، كانت شتيمة قبيحة خصت بها أمي فأقسمت لهم إنني لا املك غير هذا المبلغ ، وهو كل ما بقي من الراتب ، وأنهم واهمون في تصورهم حول ثراء الصحفيين ، واعتقد انهم صدقوني لذلك بدأت خطوتهم الثانية ، وهي التحقيق معي ، فاوضحت لهم ان مجموع دخلي الشهري هو (850) الف دينار ، ادفع منه (350) الف دينار للإيجار و (100) ألف لوالدي المتقاعد ، و (75) الف للمولدة ، ويبقى معي (325) الف دينار لمصروف البيت واجور الماء والكهرباء والنقل والموبايل والطبيب والملابس ، كما أوضحت لهم ان أسرتي تتكون من زوجتي و3 ابناء جميعهم في المدارس ، واننا نعيش حياة نباتية ، ولا نعرف شيئا عن الوان اللحوم ولا انواع الفاكهة والحلوى و … وقاطعني السائق وعرض علي العمل معهم فقلت له بصدق ( لولا خوفي من الحكومة لما ترددت لحظة واحدة ! ) واستغرب الرجل ( والله عجيب امر الحكومة الا تشبعكم ولا تخليكم تصيرون حرامية !!)ولم أرد عليه فقد كنت أراقب السيدة وهي تتقدم نحوي ، وهيأت نفسي لصفعة جديدة ، الا انها فتحت حقيبتها و استلت رزمة من النقود ودستها في جيبي ( هذه “150”  ألف دينار للأولاد ) وحاولت جاهدا رفضها من دون أخبارها أنني رجل لا يسمح للمال الحرام ان يلوث لقمة عائلته ولكنها لم تعر رفضي اهتماما ، ثم أمرت العصابة ان تقلني الى الشارع العام وتطلق سراحي وهكذا انتهى الأمر بسلام ، ولم اذهب الى الدوام ، بل عدت الى المنزل وكأنني تعرضت الى كابوس ، ومن يومها تخليت عن الحقيبة لأنها مواطن شبهة ، أما المبلغ فما زال معي ، ولست ادري هل أسلمه الى الشرطة أم احتفظ به للذكرى ؟!!.  

  • كرامـــات … الــــروح

    كانوا مستثارين امام الفضائية، وبرنامج عن الصوفية، والدروشة وصور الكرامات المذهلة ، عبر تجمع صوفي .. أو عائلة وريثة للكرامات ، والتي تنتهي إلى الإمام علي كرم الله وجهه … كان من بين الحضور دكتور بالطب ، ودكتور بالليزر، ومثقف وجودي .. يتابعون سيرة عائلة كريمة وتقية وبالغة الصلاح والزهد والكرامات… تأوي الايتام والمشردين، وتساعد المحتاجين وتفتح تكياتها وجوامعها وتقيم وجبات الطعام الكبرى لمن يقصدها .. تنفق بلا حساب … يسأل مقدم البرنامج عن مصادر الثروات والاملاك، يقول احد اتباع (الطريقة) انها من عند الله ومن ارباح شركات وتجارات بعض افراد الاسرة او الطريقة (تجارة ..وتصوف؟؟) ومن تبرعات أهل الخير..

    ونصل الى تحقق الكرامات.. السيوف والخناجر والقضبان تخترق الاجساد.. تنبت وتغور في الرأس والدماغ، وتندفع من باطن الفم وتخرج من الرقبة.. وتثقب البطن والصدر.. ويستبطن مقدم البرنامج اسئلة وشكوك المشاهد.. ويسحب بيده (السيخ) والخنجر من العنق والرأس ويتأكد من حقيقة ما يرى.. ويذهب الى الابعد ويقصد الصور المقطعية (الاشعة) ويقصد الطبيب في المسثشفى وتعاد الممارسة.. ويجري التصوير الشعاعي، ويفحصها الطبيب ويرى الخناجر والقضبان تخترق وتغور في الرأس والعنق، ويقول ان ما يراه قاتلا ومميتا في الحال ، وليست هناك خدعة..

    بروفسور اميركي متخصص بالتنويم المغناطيسي عكف على تفحص ودراسة الحالة، عندما زار المنطقة وهذه الحلقات من الذكر وتجسيد الكرامات واقر واعترف ان ما يراه ليس تنويما مغناطيسيا … ولاحيلة ولا خدعة بصرية.. دكتور الليزر، المشاهد للفضائية ، يعلق بأن الامر مثير واجداده يفعلونها، ومع ذلك لا يصدقها . فيما قال الطبيب بان السيخ في الهند يمارسونها ، وأنهم الذين يركضون على وجه البحر..

    قال المثقف الوجودي ان المصادفات عرفته على واحد من هذه العائلة المبروكة… كان محدود المدارك ، ولا يجيد قراءة وفهم مقالة في جريدة.. فكيف له ان يفهم ويستوعب التراث الصوفي..؟؟ كما يعرف منهم الكاذب والغادر وعديم الوفاء.. فكيف يستقيم التصوف والزهد إذن؟ الجواب .. ان الاب لا يزكي الابن.. وإذا كان الابن جشعا فإنما يسيئ إلى نفسه ولا ينال من بركة وكرامات والده … وليؤلف المؤلفون الكتب عن المتصوفة .. وعن الابناء العاقين .. فالطاقة الروحية جلية واضحة وقد لا تتوقف على الاديان .. وربما لا تتوقف على الاخلاق… وان العالم ليس ما نراه فقط .. وان الطاقة الروحية خارج العقل.. وافضل ما في الصوفية وعالم الروح انها غير طائفية وغير متعصبة.. وتخاطب الله والله رب كل البشر…

  • عودة الخطط الماكرة .. الربيع العربي مثالا..

     (وتلك الأيام نداولها بين الناس) – ال عمران – 140-من المفاهيم التي لم تدرس وتستوعب جيدا هو مفهوم التداول، والتداول هنا يعني تداول السلطة ، وللتداول معان اخرى.والأيام صناعة ربانية ومن نزهة البحث وفائدته لمن يريد ان يستفيد نقول : ذكرت الأيام “365” مرة في القرآن الكريم وبما ان السنة التي عرفها الناس هي ” 365″ فالتأمل جدير بالعقلاء.وذكرت الشهور ” 12″ مرة في القرآن الكريم وقد عرف الناس ان السنة “12” شهرا قال تعالى ” ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن انفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا ان الله مع المتقين” – التوبة – 36- ولأن الايام تقسيم للزمن ، والزمن حاضنة للفعل البشري لذلك قال الله تعالى” فلا تظلموا فيهن انفسكم” ، ولا اريد ان ادخل في دراسة هذا المعنى الان لما له من اهمية على مستوى الدراسات النفسية والاجتماعية في استحضار قيمة الانتاج وجودته من خلال طبيعة العمل الصالح البضاعة المختارة من قبل خطاب السماء. ” اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه “.

    ولكني اريد ان اركز على مفهوم التداول تمهيدا لتوضيح عودة الوعود الماكرة والتي اصبحت رياحها تجتاح منطقتنا بتسقيط انظمة عرف الناس فسادها وخلط الاوراق لتشويه الرؤية عند عامة الناس تجاه الخزين الفكري المتراكم في هذه المنطقة والعالم من رسالات السماء وهي المدرسة الواعدة لاحتضان الفعل البشري في اطار الزمن والمكان المشخصين معرفيا وفي كل مرة يأتي دور العقلاء للتداول قال تعالى ” والأرض وضعها للأنام ” – الرحمن -10-

    وللتداول شروط هي :-

    1-  ان يكون عند الانسان هدفا 

    2-  ان يمتلك الانسان القدرة على التخطيط 

    3-  ان يستحضر الانسان الجدية في العمل 

    4-  ان تكون لديه الحيوية في العمل 

    5-  ان يستحضر الاستمرارية في العمل 

    ونحن اليوم في العراق مثلا لانمتلك هذه الشروط ، ولذلك نحن في دوامة المراوحة ، ومن يراوح في مكانه تسبقه الايام ويسبقه الآخرون .

    والدول والشعوب التي تقدمت حرصت على توفير هذه الشروط لذلك تمكنت من البناء والانتاج ودخلت سوق العمل ، ولكن هذا النجاح سيظل محدودا بالمفهوم الكوني للنجاح ، لان الجانب الروحي لم يستثمر بمواصفات التناغم والتكامل مع المشهد الكوني قال تعالى :” قل لو كان في الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا” – الاسراء – 95- وهذه حتمية تعلو على كل الحتميات التي تصورها البشر عبر مطارحات الفلسفة والكلام ، فحتمية علاقة الارض بالسماء هي الحتمية الاصح والاكمل ، وقد غاب معنى هذه الحتمية عن الكثير من الناس لذلك بحثوا عبثا عن حتميات وهمية ، وهذا التخبط الذي نراه اليوم على مستوى السياسة العالمية والاجتماع العالمي مرده الى فقدان تلك الحتمية ، ولذلك نرى النظام العالمي مرتبكا مهزوزا ، ومن مصاديق هذا الاهتزاز  هذا الذي يسمونه مكرا بالربيع العربي .

    ومظاهر الاهتزاز هي :-

    1- ازمات اقتصادية يعانيها من خططوا مكرا لما يسمى بالربيع العربي وهو ليس كذلك وسنتبين من خلال هذه الدراسة معالم وحقيقة هذا المكر وطبيعته ووسائله.

    2- ازمات اخلاقية كبرى جعلت بعض اطراف المكر الجديد يجوزون الزواج المثلي بين الرجال ويقفون حائرين مع مستجدات طفل الانابيب وزراعة الاعضاء ولهذه بحث في غير مكان.

    3- ازمات سياسية تختنق بها المحافل الدولية لعدم صوابيتها مثل عدم الاعتراف بعضوية فلسطين في الامم المتحدة ، والسكوت عن الصناعة الذرية الاسرائيلية التي اصبحت تخزن مئات بل الوف القنابل والصواريخ النووية ، بينما تقوم قائمة دول المكر المشاركة زورا بما يسمى الربيع العربي بالضجيج والعويل واستنفار الرأي العام العالمي المحبط بالشراك الماكر لأميركا واوربا ضد الصناعة الذرية الايرانية وبعض الخطوات التمهيدية في هذه الصناعة الموجودة لدى دول اخرى لاتغرد في المحور الصهيوني الأميركي مثل سورية.

    كل هذه الازمات والتي اذا تحقق واحدة منها فإنها كفيلة بإسقاط من يكون وراؤها ومن يكون سببا لها.

    والحتمية الكونية تقول : ان من يغفل او يتغافل عن قانون الحتمية الكونية فإنه غير مؤهل للقيادة البشرية ، وعلى صعيد السلطة فإنه غير مؤهل للبقاء وتلك سنة يعرفها من يتدبر بشؤون العالم على هدى العقل والتجربة المستحضرة لمكونات النجاح بشروط السنن الكونية.

    قال تعالى :” عسى ربكم ان يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا” – الاسراء – 8- ، فالعودة مفهوم يستحضر السنن الكونية وما تملكه من قابلية على التغيير وصناعة الحدث قال تعالى: “وقال الشيطان لما قضي الأمر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فإستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا انفسكم ما انا بمصرخكم وما انتم بمصرخي اني كفرت بما اشركتمون من قبل ان الظالمين لهم عذاب اليم” – ابراهيم – 22-” وتلك القرى اهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا “– الكهف – 59- ، “واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا” – الاسراء – 16-.

     والفجور والفسوق متحقق اليوم في بقاع كثيرة من الارض مع وجود الاستثناءات ، وتغيير هذه الظاهرة عندما لاتتم بأيدي بشرية مستوعبة لشروط التداول وسنن الحتمية فإنها تتم بوسائل المكونات المحتشدة كونيا والمؤتمرة بطواعية متفردة في الاداء الذي يجعل الانسان نادما عندما يتخلف عن الاداء كما حدث لقابيل عندما سولت له نفسه قتل اخيه هابيل وحصل الندم عندما تعلم من الغراب كيف يواري سوءة اخيه . قال تعالى ” واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق اذ قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من آخر قال لاقتلنك قال انما يتقبل الله من المتقين” – المائدة – 27- “لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لاقتلك اني اخاف الله رب العالمين” – 28- “اني اريد ان تبوا بأثمي واثمك فتكون من اصحاب النار وذلك جزاء الظالمين” – 29- “فطوعت له نفسه قتل اخيه فقتله فأصبح من الخاسرين “– 30- “فبعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يواري سوأة اخيه قال ياويلتي اعجزت ان اكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة اخي فأصبح من النادمين” – 31- . ومن هذه التجربة تعلم الانسان عمل القبور وليس كما يدرس لأبنائنا في المدارس عن اسطورة انسان النياندرتال وكيف تعلم بناء القبور بعيدا عن توجيهات السماء بوسائلها المبثوثة في الكون.

    ان اصحاب الوعود الماكرة هم مجموعة الاوربيين الذين دخلوا بلادنا قبل ما يقرب من ” 300″ سنة ويومها كان الاميركيون لايزالوا يحثون الخطى في البناء بمواصفات التداول الموضوعي للسلطة الذي تحدثت عنه الآية القرآنية مستعملة لغة الاطلاق لتشمل كل الانسانية بكل اجناسها واديانها من حيث التداول وتلك حكمة وعدالة ربانية.

    وعندما التحق الأميركيون بركب الدول التي عرفت شرط التداول اصبحوا في المقدمة ولكن بشكل مؤقت ، وكل المؤشرات لدى الباحثين واصحاب الدراسات من اميركيين ومن غيرهم تشير الى التراجع الأميركي الذي ستشهده العقود القريبة ولهم في ذلك ادلة موضوعية.

    ومحور المكر الاميركي والاوربي استحق هذه التسمية للأسباب التالية :-

    1- طريقة التفافهم على ماسمي الرجل المريض وهو السلطنة العثمانية 

    2- المكر البريطاني مع ما سمي بالثورة العربية في مطلع القرن العشرين من خلال الشريف حسين ومن مظاهر ذلك المكر نفيه الى قبرص وتفريق ابنائه بين الاردن والعراق ليخلو الجو للمد الوهابي في الجزيرة العربية لما عرفوا فيه من امكانية لزعزعة وحدة المسلمين نتيجة ما يحويه من آراء تكفيرية وكراهية مبالغ فيها.

    3- مشاركتهم في زرع الانظمة الفاسدة في العالم العربي 

    4- محاولاتهم المستمرة لإجهاض الثورات والتحركات الشعبية مثل: ثورة العشرين في العراق، وحركة ملا حسن عبد الله في الصومال والسودان عام 1919 وحركة المختار في ليبيا ، وثورة المليون شهيد في الجزائر والالتفاف على ثورة 1958 في العراق ، واستقدام السائرين في ركابهم عام 1963 في العراق واجهاض الثورة الفلسطينية بعد ان عملوا على تثبيت الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة ومحاصرة ثورة مصر عام 1952 حتى جعلوا من السادات مطية لماربهم في السلام الكاذب مع اسرائيل التي ما زالت تماطل منتظرة وعودها التوراتية الباطلة التي اصبح قسم من القيادة الأميركية يؤمن بها.

    5- صناعتهم للحروب الوهمية العبثية لاجهاض قوة الامة وزراعة الفتن والخلافات التي استهلكت كثيرا من حيوية العقل العربي والمسلم، والحرب العراقية الايرانية وغزو الكويت من امثلتها.

    6- صناعتهم للادوار الديمقراطية بشكل ظاهري لتمرير اغراضهم واهدافهم كما حدث في العراق الذي تركوه ممزقا تتقاذفه ميول الانقسام والطائفية والعنصرية مع بديل في الحكم ضعيف في كل شيء.

    7- تبنيهم للانظمة الفاسدة واستبعادهم للعناصر الكفوءة المخلصة لشعوبها واوطانها. 

    ومثلما احتضن هذا اللوبي الاحداث العربية في مطلع القرن العشرين وثبت فساد احتضانه لها ، ها هو اليوم يعود لاحتضان الحاجة العربية الشعبية للتغيير نتيجة الضعف الذي تركه متعمدا مستحكما في جسد الامة ومؤسساتها ، ونتيجة ثغرات البنية الثقافية التي عمل على وجودها من خلال المؤسسة التعليمية التي جند لها من خبرائه وعلمائه مما جعل المناهج التعليمية والتربوية تتلاعب بها قوى اخضعت للتاثير الغربي فاخذت قشور المظاهر مما جعلها في حالة تناشز اجتماعي مع محيطها.

    وللتدليل على بطلان هذا الاحتضان يمكن الاشارة إلى ما يلي :-

    1- ارتياح الكيان الصهيوني لما يسمى بالربيع العربي .

    2- اعطاء ادوار لعناصر واحزاب كانت مبعدة ومرفوضة من قبل الحاضن الغربي بقيادة اميركية مما يجعل الشك والريبة لاتبقى نظرية.

    3- السكوت والصمت المعزز بالدعم اللوجستي لعناصر القاعدة الوهابية ومن امثلتها العملية الميدانية ” العراق واحداثه التي ما زالت مفتوحة على احتمالات كثيرة ، وسورية التي اندلعت فيها الاحداث اخيرا والتي يراد منها ان تكون مكملة للحدث العراقي لصناعة الفوضى الخلاقة بتعبيراتهم الموثقة.

    4- الانحياز الفاضح والمكشوف تجاه خيارات شعوب المنطقة في المطالبة بالحرية والعدالة ، والامثلة الصارخة هنا هو المثال ” البحريني” ونظامه المتورط بقتل واضطهاد شعبه وبشهادة لجنة “بسيوني” التحقيقية ، والمسكوت عنها بتعمد واضح ، بينما تتعالى دعاويهم ضد الشعب السوري الذي تقف الغالبية منه مع النظام السوري ، والمثال السوري من الامثلة التي تستجمع كل مظاهر الوعود الماكرة للوبي الغربي في صناعة ربيع عربي تطمئن له اسرائيل ، وتصبح الاستثمارات مفتوحة بشهية جديدة للشركات الغربية التي تفرض حصصها دون مشاورة او مراجعة للجانب العربي مستعينة بالخبرات الفنية والتقنيات التي تملكها وما زيارة بعض النواب الاميركيين المبكرة لبنغازي قبل سقوط القذافي وتصريحات وزيرة الخارجية الاميركية من طرابلس بقتل القذافي ، والزيارة لمبكرة لساركوزي الفرنسي وكاميرون البريطاني الا دليلا على الشهية الاستحواذية للمكر الغربي الذي يعيد نفسه هذه المرة للمنطقة من الشباك والباب معا.

    5- ثم ان الاهتمام بالحدث الليبي من قبل الغربيين دون الحدث التونسي والحدث اليمني تتضح ابعاده من خلال امتلاك ليبيا لمخزون نفطي بينما لايوجد مثل ذلك في كل من تونس واليمن.

    6- أما الاهتمام بالحدث المصري فجاء عبر البوابة التركية المتبرع الجديد لدخول المنطقة عبر شهية السلطنة العثمانية المتمثلة باركان حزب العدالة والتنمية ” اوردغان ، عبد الله رئيس الجمهورية ، ووزير الخارجية داود اوغلو، ولكن الاهتمام بالحدث المصري هو نتيجة العلاقة المباشرة بالكيان الصهيوني والمعاهدات التي وقعت معه وبامدادات الغاز المصري لإسرائيل.

    ومن مشاهد المراقبة لمجريات احداث ما يسمى بالربيع العربي يستنتج ما يلي :-

    1- عدم استقرار اوضاع الدول التي حدث فيها ما يسمى بالربيع العربي .

    2- سيطرة العسكر على مجريات الامور بدعم اميركي خفي.

    3- عقد صفقات مع الاحزاب المخترقة بالوجود الوهابي لتظهر على سطح الاحداث، حيث صرحت الادارة الاميركية عن رضاها عن وصول الاخوان الى الحكم، بينما كان الاخوان مبعدين ومضطهدين من قبل نظام حسني مبارك وبتوجيه اميركي ورغبة اسرائيلية ، وهذ التغيير في المواقف وبهذه السرعة يعني ان هناك اتفاقات جانبية سرية تقوم بها اطراف عربية موالية لاميركا ، وهذه الاطراف متهمة بالتمويل المالي للاحزاب التي حصلت على نسبة عالية من الاصوات في الانتخابات الاخيرة، وهذا الامر لايستبعد نتيجة قيام هذه الانظمة بتمويل الانتخابات في لبنان لصالح طرف معروف بولائه لنظام عربي له حضور طائفي في لبنان .

    4- تذمر بعض الاطراف الليبية من التدخل القطري.

    5- زج بعض الاطراف الليبية التي لم تستكمل بناء الساحة الليبية بعد بالتدخل في شؤون الساحة السورية عبر البوابة التركية مما يجعل ما يسمى بالربيع العربي ساحة للانفلات والفوضى وخلق النزاعات التي تعطل طاقات بلدان المنطقة وشعوبها.

    6- قيام نائب الرئيس الاميركي جو بايدن بزيارة رئيس اقليم كردستان العراق بعد زيارة بغداد مما يدل على عزم الادارة الاميركية على رغبتها الدفينة في تقسيم العراق ولو كانت غير حريصة على ذلك لكان الواجب من منطق دبلوماسي سيادي ان يلتقي برئيس اقليم كردستان العراق في بغداد وليس في اربيل او على الاقل لياقة ان تكون الزيارة مصحوبة بحضور بعض المسؤولين من بغداد.

    7- وتعمد جوبايدن زيارة تركيا والتصريح من تركيا طالبا بتنحي الرئيس السوري وهي مخالفة لميثاق الامم المتحدة في احترام سيادة الدول ، ومما يجعل مثل هذه الدعوات تحول ما يسمى بالربيع العربي الى خريف تذبل فيه كل المفاهيم والقيم ، فكيف لايحترم شعب كالشعب السوري الذي ينزل للشارع يوميا بالملايين طالبا عدم التدخل الخارجي وواقفا مع نظامه وجيشه الموحد وعلماء دينه المسلمين ورجال دينه من المسيحيين الداعمين للنظام فلا يستمع لهم ، ويستمع الى مجموعة ممولة بالمال العربي المتواطىء مع الصهيونية ومسلحة بسلاح لامثيل له في بلاد سورية واعترافاتهم تترى من على شاشة قنوات النظام السوري مما لايدع مجالا للشك بتابعية هذه المجاميع الارهابية وافلاس مشروعها التكفيري وهذا ما عرفه الشعب السوري وبعض اطراف المعارضة السورية الداخلية الذين اكتشفوا سوء النيات وخبث الخطط التي يبشر بها النظام الصهيوني وترعاها الولايات المتحدة الاميركية عبر سفيرها في دمشق وفرنسا، وعبر سفيرها في دمشق وهؤلاء هم ممن زاروا حماة ايام اشتداد الطيش الوهابي الارهابي من خلال العناصر الداعمة في كل من لبنان وتصريحات الطرف اللبناني اصبحت واضحة وفي قطر وقد اتضح موقفها الداعم للجهات الارهابية والسعودية التي امرت رعاياها بمغادرة سورية مما كشف نياتها.

    وبعد كل هذا التخريب الذي شمل كل من :-

    1- العلاقات العربية : حيث جمدت عضوية سورية بالجامعة العربية بطريقة غير قانونية مخالفة لميثاق الجامعة ونظامها الداخلي.

    2- العلاقات الاقتصادية : حيث تعالت صيحات بعض الدول بتذمرها من المقاطعة الاقتصادية مع سورية مثل الاردن لحاجتها للانتاج الزراعي السوري.

    3- العلاقات الاخوية بين الشعوب العربية لوجود اواصر المصاهرة والعمل الوظيفي والحاجة للسياحة بكل انواعها الترفيهية والدينية ، مما سيخلق حالة من التباعد لامبرر لها.

    4- ان تصريحات راشد الغنوشي بعدم وجود شيء في الدستور التونسي ضد اسرائيل ، ثم تأكيده على انه لم يقل يوما ان اميركا هي الشيطان الاكبر يكرس لغة الاعتذار التي كانت من خطابات مرحلة الخضوع والهيمنة لاصحاب المكر الموغل في فساد هذه المنطقة.

    5- وتصريحات برهان غليون القائلة: بأنهم عندما يستلمون السلطة سيقطعون علاقتهم بحزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين وبايران هي عربون الاستجداء المذل للدخول في خانة المكر المكرس لسلب هوية الامة وتمزيقها .

    6- وقيام بلحاج في ليبيا بتبرعه بتقديم المسلحين الى تركيا ليقوموا بايجاد منطقة عازلة بين سورية وتركية هي لعبة هزيلة لا يشم منها إلا رياح الطائفية والتخلف وتمزيق المنطقة حتى يظل اصحاب المكر الغربي هم المتحكمون بسياساتها وهم المستثمرون لخيراتها . فهل هذا هو الربيع العربي . الربيع العربي هو الخلاص الحقيقي من انظمة التسلط والتخلف والتبعية ، وتصدي القواعد الشعبية بقياداتها الوطنية لادارة شؤون البلاد واشاعة الحرية والعدالة والدعوة الى انتخابات نزيهة بعيدا عن المحاصصة والتدخلات الاجنبية وتأثيرات المال الذي افسد اغلب تجارب الديمقراطيات الولود، مما جعلها تنشغل بخلافات مصطنعة فضيعت بوصلة الامن والاستقرار وفتحت الباب مجددا للتدخلات الاجنبية التي تختزن المكر في سلوكها ونياتها تجاه شعوب المنطقة والمراقب لسلوك السفارة الاميركية في لبنان ولحركة مساعد وزير الخارجية فيلتمان مع بعض الاطراف اللبنانية يكتشف حقيقة هذا المكر ، أما في العراق ، فإن تحركات السفارتين البريطانية والاميركية تجاه العشائر والكتل والاحزاب والاقاليم هي من الفصول التي تترجم المكر التاريخي المختزن والذي اصبح عقدة لدى تلك الدول تجاه المنطقة العربية.

    وهكذا نرى ان الحدث الذي يباعد الاخوة ، ويدمر الاقتصاد ، ويشل التواصل الانساني ، ويخلق حالة من الكراهية لايمكن ان يسمى ربيعا.

  • زيارات مباركة !!

    مهمة الصحفي كما فهمتها عبر تجربتي الطويلة، هي الاكتشاف المتواصل والكشف عما يختبئ ، وراء الأكمة وهذه عملية معقدة تتضمن مزيدا من المراقبة والانتباه ودقة الملاحظة والاستفسار وجمع المعلومات، ولذلك فانها ــ مع الفارق ــ، نوع من (التحري) الشبيه بتحريات رجل الأمن !! ومن هنا فقد كنت على مدى شهرين أتابع معاملة خاصة بي ، في احدى الدوائر ، صعدت ونزلت وتنقلت من غرفة الى اخرى حتى اعياني التعب واجهدني الانتظار وادركت لماذا يطلقون على مؤسسة الدولة اسم ( الدائرة ) الحكومية، لان المراجع مثل ثور الحقل، ينطلق من نقطة معينة، ويظل يدور ويدور ثم يجد نفسه في النهاية عند المربع الاول ، وهكذا بعد شهرين من الاختام والتواقيع والتوسلات والانتظارات المملة والتدافع مع الطابور امام (كوة) بحجم رغيف الخبز لايصال المعاملة ، قالوا لي بلهجة جافة قاطعة ( تعال بعد عشرة ايام ) ، وبالنظر لمعرفتي المسبقة ، ان اغلب موظفي الحكومة ينظرون الى المراجعين وكانهم شرذمة من المعارضة التي تخطط للاستيلاء ، على مراكزهم وامتيازاتهم ، فلا يصح مناقشتها ، ولا هي مستعدة للتحاور ، لذلك لزمت الصمت ، وفوضت أمري الى الله !!

    بعد انقضاء الأيام العشرة عاودت المراجعة ، وفوجئت بما لم اكن اتوقعه حيث قاموا بالغاء الكبوة واستعاضوا عنها ، بقاعة كبيرة كتبوا على واجهتها مفردة (الاستعلامات) منحوتة بحروف بارزة فيها الكثير من الذوق الفني ، اما في الداخل فتم تزويدها بسبع مساطب وثلاث مدافئ وبراد ماء ، كما تم طلاء الجدران وعلقوا عليها عدة لوحات تمثل مناظر ساحرة من الطبيعة العراقية في حين جلس عند صدر القاعة خمسة موظفين ( سيدتان وثلاثة رجال ) وراء منصة خشبية انيقة يعلوها هاتفان ارضيان وسلة ورد !

    اخذت مكاني مع المراجعين ، وقبل ان اجلس استدعاني احد الموظفين وتسلم اضبارتي ، قلب اوراقها ثم حولها الى الموظفة التي الى يمينه ( فهمت ان كل موظف يختص بنوع من المعاملات ) وبعد ان اطلعت عليها قالت لي بمنتهى اللطف ( عمو … معاملتك منجزة … باقي بس ختم الصادرة .. تفضل أستريح )  ، عدت الى مقعدي فيما تسلم الإضبارة مستخدم عاد بعد اقل من ربع ساعة ومعه مجموعة أضابير منجزة من بينها اضبارتي من دون ان يتجشم  احد من المراجعين عناء المتابعة والصعود والنزول !!

    الحقيقة أربكني المشهد الذي بدا وكأنه حلم جميل ، وتساءلت مع نفسي عن سبب هذا التغيير المفاجئ ولم أتوصل الى اجابة مقنعة ، غير ان المصادفة دفعتني الى مراجعة الدائرة نفسها بعد اسبوعين فقط ، وكانت المفاجأة ان الكوة عادت من جديد واصبحت اصغر من رغيف الخبز ، ومعها عادت المعاناة القديمة وهنا تحركت عندي حاسة التحري الصحفي ، واكتشفت العلة ، فقد ظهر ان الدائرة كانت تنتظر زيارة مسؤول رفيع المستوى ، وحين أنهى زيارته وأبدى رضاه الكامل عن سير العمل ( المثالي ) ، عاد كل شيء الى سابق عهده ، على إنني اكتشفت ما هو أدهى، حيث تبين ان المسؤول يعرف جيدا كيف كانت الحالة قبل زيارته ، والى أي شيء ستؤول بعدها ، ولكن ذلك يمنحه الفرصة لحضور اي مؤتمر ومواجهة الصحفيين الذين يتحدثون عن الروتين والفساد ، ويؤكد لهم  ، انه اطلع شخصيا على الدائرة الفلانية والفلانية والفلانية ، ووجد الامور تسير مثل عقارب الساعة السويسرية ، وبالطبع ليس من حق الصحفي ( الغليظ ) تكذيب المسؤول ( الرفيع ) على وفق القانون وقواعد الخدمة و … وكل زيارة و المواطنون بألف خير!!.

  • قطوفها دانية

    القيم العظيمة التي تعلمناها ومن ثم تمثلناها سلوكا وسمات شخصية لم يكن مصدرها في معظم الاحوال سوى الكتاب، فشجاعة شيخ همنغواي وبسالة زوربا والحلم العظيم لدون كيخوته وهواجس فيرتر غوتة وقلق راسكولنيكوف وعفة زوجة السيد احمد عبد الجواد في ثلاثية محفوظ و.. و… و..

     ولحظات حفرت تأثيرها عميقا في وجداننا حفلت بها صفحات الكتب واشراقات عقلية تمثلت بمحاولات الاجابة عن اسئلة الوجود الكبرى استحصلناها من بطون كتب من مثل(القرآن) و الكتب السماوية والدينية المختلفة و (رأس المال) و (هكذا تكلم زرادشت) و (نهج البلاغة) و (الوجود والعدم) و (اصل الانواع) و (النزعات المادية لحسين مروة) و(الثابت والمتحول) و .. و ..

     وكم جنحت مخيلتنا في تحليق متعال مع مغامرات واحداث (الف ليلة وليلة) و (الديكا ميرون) و (حول العالم في ثمانين يوماً) واعمال اكزوبري و.. و ..

     ضحكنا كثيرا وتألمنا اكثر وتعاطفنا وكرهنا واحببنا وتعلقنا ودهشنا وانفتحت في مسالك عقولنا مغاليق لم نك نعرف يوما انها ستفتح.. 

    كل ذلك وغيره عشناه وكأننا واقعين تحت غلالة حلم عظيم او تحت سطوة سحر ليس من سحر يشبهه.. وانت تجول في اجنحة المكتبات هنا أو هناك، أمس أو اليوم عبر اروقة طويلة تقتضي منك ان تعيش عمرا” اخر كيما تمعن النظر فقط في اغلفة الكتب، اما اذا اردت ان تقرأها كلها حقا” ينبغي لك ان تكون قد حزت على عشبة الخلود التي افنى كلكامش عمره كله من اجل العثور عليها .. 

    وحينئذ، إن تحقق لك ذلك، فلن تكون سوى انسان مكتمل القدرة يمد جسده باسترخاء وبهجة عظيمين كأي أله كلي السطوة في جنة قطوفها دانية.

  • جاسم الطويرجاوي.. هكذا تحدث عنه الأخرس

    تعقيب على المقالة التي نشرتها (الصباح) في 5/12/2011 ، بقلم الأستاذ محمد غازي الأخرس، تحت عمود (إشارات) وكانت بعنوان (جاسم الطويرجاوي)

    لقد نطق الأخرس (محمد غازي) في (الصباح) بلسان تصويري فصيح عندما تحدث عن مؤهلات الطويرجاوي جاسم، وقدراته الفطرية الواسعة في تصوير المشاهد المقتبسة من واقعة الطف، وتجسيدها للناس بكل مؤثراتها الخطابية والإيقاعية والإيمائية والشعرية والسردية، فاستطاع (الأخرس) تشخيص مواطن القوة في العوامل التي توفرت للطويرجاوي، لكي يرتقي سلم الاستقطاب الخطابي، ويستحوذ على الجمهور الحسيني، المتلهف لسماع محاضراته الزاخرة بالمقامات الصوتية المفتوحة على طبقات الأداء المتنوع لكل الأطوار العراقية والخليجية، المشحونة بلوعات المواقف المأساوية المتجددة، حتى عرفه الناس بتميزه في إجادة حرفة التصوير الصوتي لتلك المشاهد، وتألقه في التعبير عنها بمقامات (الركباني، والسويحلي، والعاشوري، والنويني، والبحراني، والقطيفي)، وصعوده إلى قمة التعبير الواقعي في ساحات العزاء الحسيني. مستعينا بالأدوات الموروثة من الأدب الشعبي، وهي الأدوات التي منحته القدرة للاستحواذ على اهتمامات الناس في البصرة وغيرها، على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، حتى نجح في توحيد كلمتهم بمحاضراته الإيمانية، التي تسلح فيها بالنور في مواجهة الظلام، وتدرع بالحق في مواجهة الباطل، فرفع راية المحبة والتسامح في مواجهة الضغائن والأحقاد، التي خلفتها النعرات الطائفية المقيتة. واستطاع هذا الرجل النحيف المتقشف المتواضع أن يجمع تحت خيمة الحسين كبار علماء أهل السنة والجماعة في البصرة، وكبار قساوسة ورهبان الطوائف المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية والارثذوكسية، ومشاركتهم الجموع المليونية التي شغلت شوارع مدينة (المعقل)، وهم يرددون عبر مكبرات الصوت شعاراتهم البريئة الداعية للوحدة والتلاحم والوقوف بوجه المد الفكري الأوربي التخريبي: (نعم نعم للإسلام)، (نعم نعم للقرآن)، واستطاع هذا الخطيب المخضرم أن يُعبّر عن حرصه على الاهتداء بنور الإسلام في نشر القيم الإنسانية اللازمة لبناء مستقبل مشرق يسوده الضياء والأمل والتلاحم والتآخي من خلال نشر الكلمة الواعية والفكر الحي، وتوعية القلوب والعقول بأهمية العمل من اجل إسلام يوحد الأمة، ويدعو بالكلمة الطيبة إلى رص الصفوف، ويضفي السعادة والوئام على العراق وأهله باستقرارهم وتقدمهم، وهذا ما نرى أهميته من خلال المنبر الحسيني. سار الطويرجاوي على هذه المبادئ التي أسهمت في تحقيق أهداف الحسين العليا، وعرفناه بتجرده من النزعات الشخصية، وذوبانه في مبادئ سيد الشهداء، صاحب الثورة الخالدة، وتميزه بمهاراته الواسعة في الخطابة وأساليبها الحديثة المشوقة، فنأى بمستمعيه عن حالات الملل والسأم، التي غالباً ما تصاحب الأسلوب التقليدي الرتيب، وتسلح بالمعرفة الرصينة المتحررة من السرد القصصي التاريخي القريب من أساليب الحكواتية، والذي قد يتناسب مع فئة قليلة على حساب الكم الأكبر من المستمعين ليستطيع أن يغزو تفكيرهم ويجعلهم يتفاعلوا معه في التساؤل والتحليل للقضايا التي يطرحها على المنبر، ويجعلهم يستكملون بعد مجلسه الرغبة في البحث والتنقيب وإيجاد الحلول. تنوع الطويرجاوي في موضوعاته وطروحاته النابعة من مشاكل الناس وهمومهم. فهو يميل إلى الابتعاد عن الفئوية، ويكره الولوج في الدوائر المذهبية الضيقة، فالهدف الأسمى عنده هو إحياء أمر آل محمد صلى الله عليه وآله، وإحياء فكرهم، وعطاؤهم، وسيرتهم، وعظمتهم، فهي المظلة التي يستظل بها الناس، والمنهل العذب للجميع، ويضفي هذه الروح الإيمانية الخالصة لله وحده، مبينا محاسنها الجميلة لإزالة أي إحساس سلبي يخلق توتراً أو منفراً لدى المستمع. يكمن سر نجاحه في معايشته لاهتمامات الناس واحتياجاتهم الروحية والفكرية والأخلاقية والاجتماعية، وما يمس حياتهم اليومية، وسعيه المتواصل لامتلاك الوعي الكافي بشئونهم وتطلعاتهم، ولا يعد قيامه بهذا الدور وسيلة لكسب الرزق وذياع الصيت ومنافسة الأقران، بل يعدُّه رسالة مقدسة أوكلت إليه، فالطويرجاوي صاحب طرح مميز، ويحظى منبره بحضور النخبة المثقفة، ويأنس عامة الناس بطريقته المميزة والرائعة في تصوير المشاهد العزائية، وتعميق الأصالة الدينية التي تعني تقوية الارتباط بأهل البيت، والارتقاء بالفكر الإسلامي، واحترام الاختلاف، ونشر الفضيلة، والتذكير بأخلاقيات النهضة الحسينية التي اتسمت بالمعاني السامية والمفردات السلوكية الزاخرة بالمعاني والمثل والقيم والمبادئ العالية وهي كفيلة بتوحيد الأمة جمعاء، فلم تنفك رسالة الحسين لحظة من اللحظات عن هدف البعثة النبوية الشريفة في رسالتها للأمة وهو (إتمام مكارم الأخلاق ) فقد سعى الإمام الحسين وخطط لهذه الثورة بوعي متكامل، وصنع بشهادته نهضة شامخة ضد الظلم والتجبر، فمبادئ الحسين، وتضحياته العظيمة في واقعة الطف توجب علينا أن نكون في أعلى القمة من التعالي على الصغائر والأطر الضيقة والشخصية، لنسمو مع أهدافه السامية التي أعزت الإسلام وأذلت النفاق. من هذا المنطلق يحاول الطويرجاوي جاهدا إيصال رسالة الحسين للناس، وربط المجتمع بالقرآن ربطاً عميقاً وحقيقياً، والمساهمة في إصلاح واقع الأمة. فتعلمنا منه إن عاشوراء مدرسة كبرى لتصحيح المسارات الخاطئة في تفكيرنا وسلوكنا، ومنارة مضيئة تمنحنا الفرصة لأن نؤوب إلى الله، ونسير على نهج أهل البيت الأطهار، فنرتقي بأخلاقنا نحو الكمال المطلق، في الفضاءات الكربلائية الرحبة، التي ستستوعب كل تنوعاتنا وتوجهاتنا، لتنصهر على صعيد الأرض المقدسة، فتصفو القلوب وتطمئن النفوس، فتحلق أرواحنا مع مبادئ الحسين  وأصحابه الغر الميامين .