Blog

  • حقوق سويسري

    فعلها قبل وقت وجيز وشق بطوننا وحرق أعصابنا، وأخرجنا من أطوارنا، عندما عرض على دول الربيع العربي تجربته في إعادة بناء الوطن والمواطن، وفي أداء المهمة الأولى لأية سلطة، وهي لم شمل المجتمع وتمتين أواصره وإحالة الوطن الى عائلة كبيرة.. عرض تجربة العراق في الصفح والتسامح، كما لو لم تصدم العراقي طائفية لم تكن معروفة..  ولقنته قاموسا للفرقة والتفتيت والتمزيق…  وها هو السيد المالكي يكرر شق البطون وحرق الأعصاب ويستفزنا مصرحا بان تطور حقوق الإنسان في العراق هو الأكبر في العالم…  برغم تحول السجون الى عمل تجاري للقيمين على المعتقلات والسجون وعلى نحو مكشوف وعلى الفضائيات.. وان هناك محجوزين ومعتقلين لسنوات بلا تحقيق، وان هناك من يموتون بالسجن جراء التعذيب.. وان المواطن في قبضة أجهزة أمنية مخترقة من المجرمين والقتلة.

    بل ان أقطابا في الحكومة يواصلون شكواهم واستغاثاتهم لإنقاذ كرامة العراقي…  فحقوق المواطن العمل والصحة والسكن والعيش الكريم وحرية الانتماء والتفكير…والقائمة معروفة ..فما الذي تحقق منها حتى يغيض العراقي المواطن الأمريكي والسويسري والألماني بما ناله من حقوق؟ البلد الاثرى  ثلثه جائع وثلثه امي ومشرد  …..والخ، فأي استفزاز إذن؟ 

    بشار الاسد صدم العالم وقدم لخصومه الرصاصة التي تقتله عندما برأ نفسه من دماء شعبه. وانه لم يصدر الأوامر بهذا الشأن..  وقال انه غير مسؤول عن كل ما جرى… فقال ساسة العالم ان الاسد مقطوع عن الواقع ولا صلة له بالعالم، وقد يكون مجنونا، فسارع الأسد مع طاقمه الإعلامي لتكذيب هذه التصريحات، على أنها محرفة ومفبركة، ومصنوعة…  وضمن البرنامج الغربي …ما الذي بوسع السيد المالكي ان يوضحه لعالم يتداول احتلال العراق للأرقام القياسية في الفساد والتزوير ونهب الثروات ..وبات يغلق أبوابه بوجه الفارين واللاجئين .

    لا .. قطعا لا .. السيد المالكي يعيش الواقع ويتحسس العراق، اي عراقي.. ويقال انه يتميز بتعصب ايجابي للعراق ..ويتمنى لو عاد بالكلب العراقي الأجرب خارج الحدود ليداويه ويعطف عليه..  فهو غير مقطوع عن الواقع ..فما السر في تصريحه هذا؟ خلاصة المشكلة هو إلغاء معاناة العراقي وإنكارها، وإشعاره انه وحيد وبشقاء مجاني  ..وبلا أمل.. وانه في دولة راضية عن نفسها  وإنها الأفضل في توفير حقوق الإنسان .. وقد لا تبخل في تقديم تجربتها في هذا المجال للحكومة السويسرية لتوفير المزيد من الحقوق لمواطنها واللحاق بالعراق.

  • العراق بين دكتاتورية الاحتلال وآثارها

    (قالت ان الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة وكذلك يفعلون) – النمل – 24.

    الاحتلال يرحل ولكن آثاره باقية ، وآثار الاحتلال على قسمين :-

    1-  آثار مباشرة 

    2-  آثار غير مباشرة 

    أما المباشرة فهي :-

    ا‌-     سفارة تتسع لـ”15000 ” منتسب من مختلف الاختصاصات ولمختلف الاغراض .

    ب‌-     شركات استثمارية تفرض هيمنتها في النفط والطاقة ومختلف الاستشارات.

    ت‌-      منظمات تسللت للعمل في مفاصل الدولة العراقية على مستوى المركز والحكومات المحلية مثل منظمة” RTI.

    ث – فضائيات واذاعات مثل فضائية ” الحرة عراق “.

    أما غير المباشرة مثل :-

    1-  العلاقات ببعض الكتل والاحزاب بشكل غير منظور.

    2-  قيام علاقات ببعض شيوخ العشائر على شكل صداقات تستثمر المناسبات لتعمق روح التغلغل والتاثير.

    3-  مد جسور خفية مع بعض الشخصيات والوجوه الفنية بعنوان المودة والحداثة.

    والاحتلال الاميركي امعن في احداث روح الهزيمة في نفسية الفرد والمجتمع العراقي من خلال :-

    1-  تبني بعض الافراد المعروفين بميلهم الى حياة الحانات واللهو والمجون وهي حاضنات لا تنتمي لروح الاجتماع العراقي في قواسمه المشتركة تاريخيا.

    2-  السعي لجعل السجون مكانا لتدمير القيم “حوادث سجن ابي غريب مثالا “.

    3-  غض النظر عن فعاليات ونشاط القاعدة الارهابي داخل سجن بوكا وبقية السجون الواقعة تحت سيطرتهم، بحيث اصبحت تلك السجون مكانا لاصطياد الكسب الجديد بالنسبة للمجاميع الارهابية وهي مفارقة حفلت بها مرحلة الاحتلال الاميركي في العراق مع مفارقات اخرى كثيرة.

    4-  العمل الحثيث لبث روح الفرقة بين المذاهب والطوائف بما يفكك لحمة الهوية الوطنية، ومن امثلة ذلك سؤالهم للسجناء عن انتماءاتهم المذهبية والتصرف بغلظة وخشونة مع من لايستجيب لميولهم في التفرقة ، وقد حدث ان ارجع ضابط اميركي احد شيوخ العشائر من ديالى الى السجن بعد ان افرج عنه عندما رفض الاستجابة لسؤال الضابط عن انتمائه المذهبي مكتفيا بالقول : ” اني مسلم عراقي “.

    5-  التراخي وعدم الجدية في تدريب عناصر الجيش والشرطة طيلة ثماني سنوات.

    6-  تعمد عدم تجهيز الجيش بالاجهزة والمعدات المتطورة ومن الامثلة على ذلك ” اجهزة كشف المتفجرات ” التي كانوا يعلمون بعدم فاعليتها.

    7-  ترك المنافذ الحدودية بدون رقابة حقيقية وهم يعلمون ان ذلك يمنح الارهاب فرصة اضافية للتسلل والمرور حتى من المنافذ الحدودية لان السلطات العراقية كانت محدودة.

    8-  ترك سماء العراق عرضة للاختراقات ، ولم يكونوا جادين في تسليم حماية الاجواء العراقية للعراقيين حتى قرب رحيلهم.

    9-  تعمدهم تأخير بيع طائرات حربية متطورة من نوع فانتوم الى العراق الى ما بعد الانسحاب وكانوا بذلك يراعون رغبات من لايريدون للعراق ان يمتلك قوة لحماية سمائه وامنه.

    10-  شجعوا على بقاء ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها محلا للخلاف بين الحكومة الفدرالية واقليم كردستان العراق.

    ان الاحتلال الاميركي عمل على شكل الحكومة واجهزتها من خلال مايلي :-

    1-  التعامل بغطرسة وتسلط في المواقف التي تحتاج الى قرار عراقي مما جعل المسؤولين العراقيين على مستوى المركز والمحافظات يقفون عاجزين ويلوذون بالصمت خوفا من العقوبة التي يستحضر وسائلها اصحاب القرار من مسؤولي الاحتلال.

    2-  العمل على تسقيط المسؤولين العراقيين وما تصريحات السفراء الاميركيين في بغداد من بريمر الى يلماز خليل زادة الى آخر سفير كلها تنحو منحى واحدا في التشهير والتسقيط خصوصا مع وسائل الاعلام الاوربي والاميركي.

    3-  تعمد الازدواجية في المواقف فهم ظاهرا مع الحكومة وفي ما خلف الكواليس يسمعونهم تأنيبا وتهديدا مبطنا.

    ومن خلال كل هذه المظاهر وتلك المواقف والاجراءات فإن آثار الاحتلال ستظل تلاحق المناخ السياسي والاجتماعي العراقي لسنوات ، لان الذي زرعوه في جسم منظمات المجتمع المدني من عناصر ترجح مصالحها ومصالح الاجنبي على مصالح الوطن ستظل آثاره ماثلة لمدد مقبلة ، وان الذي اوجدوه من هوى في نفوس البعض لا ينسجم مع هوية وتطلعات الوطن سيظل كذلك ما بقي هذا البعض حيا، لان وجوده اصبح ملكا لرغبات اكبر سفارة في العالم هي السفارة الاميركية في بغداد.

    فالآثار ستكون:-

    1-  نفسية منحرفة 

    2-  وسياسية فاسدة 

    3-  واجتماعية متناقضة مع محيطها 

    4-  وتربوية تختزن عقدا تغريبية لاتنتمي لهوية الوطن 

    5-  وعقائدية مخالفة لروح الاعتقاد السائدة وطنيا 

    هذا هو العراق بين دكتاتورية الاحتلال وآثاره ، يحتاج الى وحدة ابنائه وصفاء فكرهم الذي عمل الاحتلال على تعكيره وتلويثه ، فالمهمة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة.

  • الطائفي طاغية بالضرورة

    تتغلب عوالم واغراءات السلطة على الباذل المعطاء الفدائي الثائر وتحوله الى طاغية، والتأريخ حافل بمثل هذا النموذج.. انما الأكيد والقاطع ان السياسي الطائفي هو مشروع طاغية دائما.. لأنه لا يكون طائفيا ما لم تكن له مدارك وطباع وثقافة ونشأة معينة فهو كائن باتجاه واحد وجواب واحد.. وقد وصفه مفكرون دينيون وفلاسفة بضيق الافق وربما بكثير من البلادة.. ويخشى ان يخرج عن القطيع.. مع ضمير معطل بعد ان حصل على الحصانة والمشروعية من المقدس ذاته.. والمقدس لا يناقش ولا يحاور المقدس للتنفيذ.. بصرف النظر عما منحه المشروعية والقداسة فالعقل البسيط أو الرث غير جدلي .. ولا يستدعي النقيض.. ولا يضع في اعتباره احتمال ، مهما ضؤل ، ان الآخر قد يحمل الحقيقة أو بعضها.. كما لا تمتد نظرته إلى الغد وعواقبه.. وسيكون في السلطة قد ضمن الخلود والبقاء حال جلوسه على الكرسي… وتلك بعض خواص الطاغية.. وسيكون، في هذا الوقت من تطور العالم كارثة كونية.. واذا رأى محيي  الدين بن عربي فيه الغباء، فسيراه اليوم علامة على بدء القيامة… وستتحول حرية اليوم إلى اندلاع جحيم الفوضى.. يقف الطائفي على رأسها سعيدا جذلا متباهيا يرجو للعالم ان يمتثل التجربة، فخواصه لا تتيح له ان يرى إلا ما يريد ان يراه.. وبذلك فهو نموذج يتخطى وصف الفيلسوف لسنغ من ان الطائفي كائن همجي..لأنه ابليس ذاته..

    الطائفي يتحرك ويمشي في طريق تضيق باستمرار (من الوطن اي الطائفة إلى العشيرة إلى العائلة إلى الابناء .. وإلى الذات) ولا يتسع في نهاية المطاف لغير جسده وذاته.. وقد يكشف عن هشاشة ايمانه وتقواه.. وان الطائفة انتماء العاجز للمجتمع.. وان الطائفية عنوان أو بوابة لتصريف الكراهية.. أي كراهية وقد وجدت اسمها المشروع… وكل معارف واصدقاء واقارب الطائفي من الطائفة الأخرى مستثنون وغير مشمولين بكراهيته.. وهل الطاغية غير كائن يشعر بالنبذ وترتفع فيه مناسيب الكراهية ونزوع الانتقام؟؟.

    ويتجلى غباء وانغلاق وعزلة الطائفي، وان ردد مفردات عصر التنوير ومن ثم الحداثة وما بعدها وتواصل الكترونيا ببشر الأرض ورزم في حقائبه ارقى بدلات وموضات اوربا مع فيوض النور، يتجلى الغباء وهو يمضي عكس اتجاه العصر.. ولا يلتفت حتى إلى الافخاخ المنصوبة في طريقه الضيقة.. فهو يرسم الذروة للطغيان.. ويرسم طبيعته.. ويكرر القول انه يتجه إلى مصيره اتجاه الشاقول الى المركز..

  • أوفر حظا من خور عبد الله

    غاب خور عبد الله عن حلبة المناقشات العلمية والحوارات البحثية في جامعاتنا العراقية, وتراجع عن أولويات مؤسساتنا الرسمية التخصصية, واختفى تماما منذ اليوم الذي تفجرت فيه أزمة (ميناء مبارك), الذي أنشأته الكويت فوق حافة الممر الملاحي الوحيد الذي تسلكه السفن العابرة للمحيطات في طريقها نحو ميناء أم قصر أو خور الزبير. وطوى زعماء قبيلتنا الخرائط التي رَسَمت مقتربات حدودنا البحرية المنكمشة إلى الداخل في خور عبد الله ورأس البيشة, ولم يعد يذكرها أحد, وتعمدوا تجاهل الموضوع حتى لا يتسببوا في زعل القبائل الشقيقة والصديقة, فجنحت بنا دفة الضياع نحو تطبيق سياسة اللامبالاة, ولاذ الجميع بالصمت المطبق, باستثناء فئة قليلة من أصحاب المواقف المنددة, الذين أبحروا وحدهم خارج مسارات الأسراب المؤيدة. .

    أما مؤسساتنا البحثية المتخصصة في المجالات البحرية, (التشريعية والملاحية والجيولوجية والهيدروغرافية), فقد أشاحت بوجهها عن خور عبد الله, وانشغلت بتنفيذ مشاريعها الروتينية, ولم يعد لديها أي اهتمام بأطماع دول الجوار, ولم تكترث بتجاوزاتها المتكررة على مسطحاتنا المائية وممراتنا الملاحية, فسجَّلَ الجغرافيون والجيولوجيون والملاحون والمهندسون الساحليون غيابا ملحوظا, ولم يشتركوا في الندوات والحلقات النقاشية, التي عقدتها المنظمات الجماهيرية في المدن العراقية للذود عن حقوقنا السيادية المسلوبة في خور عبد الله, ومما يبعث على الغرابة ان العاملين في المراكز العلمية العراقية تأثروا كثيرا بما فعلته الموجات المدية التي اجتاحت الجزر اليابانية, وغمرتها بالمياه, فوقفوا يذرفون الدموع على الدمار, الذي خلفته تلك الموجات الكارثية جنوب شرق آسيا, وكانوا يتابعون بشغف تغيرات قيعان البحار المصاحبة لآخر ثورات زحزحة القارات في واجهات الصفيح القاري, لكنهم لم يبدوا أي اهتمام بزحزحة الحدود البحرية الزاحفة نحو سواحلنا في الفاو, ولم يكلفوا أنفسهم مشقة الدفاع عن قنواتنا البحرية, وبحرنا الإقليمي المنكمش على نفسه تحت ضغط الانتهاكات الحدودية المتكررة, ووجد الجغرافيون ضالتهم في التحدث عن جبال الانديز, وتضاريس البحيرات المرة, وهجرات السلالات البشرية من هضبة التبت, وارتفاع مستويات الرطوبة النسبية في غابات الأمازون, لكنهم كانوا يخشون التحدث عن جغرافية خور عبد الله, مفضلين عدم التطرق لظاهرة الاختزال الساحلي عند مقتربات رأس البيشة, فتجاهلوا المواضيع المرتبطة بمياهنا الدولية المتقلصة, وممراتنا الملاحية المتراجعة, والأغرب من ذلك كله أن جامعة البصرة عقدت مؤتمرها العلمي الأخير على قاعة كلية الصيدلة في (كرمة علي), من يوم 12/12/2011 ولغاية 15/12/2011, لمناقشة التنوع الحياتي في المسطحات المائية العراقية والكندية, ومناقشة التجربة الكندية في التحكم بنهر (فريزر), لكنها لم تتطرق في مؤتمرها لمشاكل مياهنا الإقليمية في خور عبد الله, ولم تتناول العوامل السلبية لمشروع ميناء مبارك وآثارها المباشرة على المسالك الملاحية المؤدية إلى موانئنا في أم قصر وخور عبد الله. وهكذا كان نهر (فريزر) الكندي أوفر حظا في العراق من خور عبد الله العراقي, وتقدمت مشكلة الملوحة في شط العرب على أزمة الملاحة في قنوات أم قصر, وشتان بين الملوحة والملاحة, فسلطوا أضواء المؤتمر على نهر (فريزر), وابتعدوا عن مشروع (مبارك), وجاء الابتعاد في توقيتات حرجة ترسم أكثر من علامة استفهام كبيرة على واجهات مؤتمراتنا, التي انشغلت ببعض المهم وتجاهلت الأهم, حتى صارت الأنهار التي تجري في وديان جبال الروكي الضيقة, وتصب في المحيط الهادي عند مدينة (فانكوفر), الواقعة على الوجه الآخر من كوكب الأرض, أوفر حظا عندنا, وأكثر اهتماما من خور عبد الله القابع خلف قضبان الحدود المفروضة علينا بالقرار (833), ودعاماته الحدودية الصفراء المغروسة في ظهر جبل سنام المهدد بالضياع. . في البصرة كرسّ الأكاديميون جهودهم لدراسة تيارات نهر (فريزر) الكندي, وتحمسوا للتعرف على خبايا هذا النهر, الذي يجري في مقاطعة (كولومبيا البريطانية) بقارة أمريكا الشمالية من المنبع إلى المصب, لكنهم فقدوا حماسهم هذه الأيام, ولم يتطرقوا لجفاف أنهارنا, وخفتت أصواتهم في التصريح عن انكماش سواحلنا, وتجاهلوا مناقشة التغيرات الجيولوجية والهيدروغرافية والملاحية التي ستعصف بمسطحاتنا البحرية في خور عبد الله, وخور وربة, وخور شيطانة, وخور السقة, وخور بحرة, وخور الثعالب, وخور الخفقة, وخور العُمَّية. والأخوار العراقية الأخرى التي لم يسمعوا ببعضها من قبل, ولا يعلمون حتى الآن أين تقع قناة (الروكا), التي تمثل العصب الرئيس, والركيزة السيادية لحقوقنا المنسية شمال الخليج العربي, ولا يرفضون حتى الإشارة لانحرافات مدخل شط العرب ولو بالهمس من بعيد. .نحن اليوم في أمس الحاجة إلى تعزيز قوتنا الثقافية التطوعية, وتوظيفها كلها في خدمة العراق لما لهذه القوة من أهمية كبيرة لبناء وطننا, الذي نخشى أن يصبح كما الجبل الذي تدكدك ثم مال بجمعه في البحر فاجتمعت عليه الأبحر, لذا فأن نداء الواجب يحتم علينا أن نندفع جميعا للعمل الوطني العفوي التطوعي , بحيث نكون أول المتصدين للأطماع الخارجية, وأول المتسلحين بمعاني العزة والكرامة والمروءة, في الذود عن مسطحاتنا المائية وممراتنا الملاحية ومنافذنا البحرية ودعاماتنا الحدودية, وأن نقف صفا واحدا في مواجهة كل التحديات والمخاطر من دون خوف أو تردد, ومن دون يأس أو تخاذل.

    الفرق بين الخور والهور

    الخور: منخفض مائي في البحر

    والهور: منخفض مائي في البر

  • جواز”A” ومعاناة المواطنين

    زارتني مجموعة من المهندسين الموفدين الى الدول الأوربية ومنهم من يحمل جواز سفر “G” وبعضهم يحمل جواز سفر “A” وهو الإصدار الجديد الذي فوجئ به جميع المواطنين، مثلما فوجئ به جميع المراقبين والمتابعين للتجربة العراقية في الحكم ولاسيما لونها الديمقراطي التعددي، والذي يبدو ان البعض منا لم يفهم الفدرالية والمركزية إلا انتصارا لخصوصيته وان اصطدمت بالحيثية القانونية للدولة ولهيبتها وحضورها السيادي المرتبط بالمواطن من جهة وبالمحيط الدولي من جهة أخرى.

    وجواز السفر وثيقة قانونية دستورية شديدة الحساسية تجاه السمعة الوطنية، والمواطن الذي يحمل جواز السفر العراقي، إنما يعتبر ممثلا للعراق الدولة والوطن بغض النظر عن الحيثيات القومية وهي محترمة وبغض النظر عن الحيثية المذهبية وهي كذلك محترمة، واحترام هذه الحيثيات لدى كل امة متحضرة لا يشترط وضعها في جواز السفر سواء لغة مكتوبة أم عبارة مرموزة.

    ان المواطن الذي يسافر اليوم لأغراض السياحة او التجارة او العمل او الإيفاد والذي أصبح يهم شريحة كبيرة من الأطباء والمهندسين وبقية الاختصاصات من أكاديميين وغيرهم أصبحوا اليوم عرضة للمنع من الدخول الى البلدان الأوربية ولاسيما الدول الاسكندينافية، فحملة جواز سفر A من العراقيين أصبحوا يعانون مشكلة تهدد مستقبلهم العلمي والمهني وهم يواجهون رفض تلك الدول الملتزمة بميثاق الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو والتي تشترط وجود لغتين في وثيقة السفر وهي:

    1- اللغة الأم للبلد.

    2- واللغة العالمية وهي اليوم الانجليزية وفي بعض البلدان مثل إفريقيا تكون اللغة الفرنسية هي اللغة السائدة.

    أما عندما تضاف لغة ثالثة آلة وثيقة السفر فان الدول تتحفظ على تلك الوثيقة ولا تتعامل معها.

    واليوم وبعد ان أصبحت هذه المعاناة تهم العراقيين جميعا هل لنا ان نسأل: 

    1- كيف أنزلت اللغة الكردية التي نحترمها ونعتز بها في جواز السفر كلغة ثالثة خلافا للأعراف الدولية.

    2- وهل نوقش هذا الأمر في مجلس النواب واتخذ قرارا به والشعب لا يعلم ذلك.

    3- أم ان اتفاقا بين الكتل صاحبة المصلحة هو من كان وراء ذلك.

    4- واليوم وبعد ان أصبح هذا الأمر مصدرا لمعاناة المواطن الذي يستعين بوثيقة السفر لتسهيل أموره في تنقله والحفاظ على كرامته وحقوقه من ان تنتهك وتصادر وهذا ما حدث للكثير من حملة جواز السفر “A”.

    5-هل ستبقى الجهات التشريعية والتنفيذية تلوذ بالصمت والقضية أصبحت مشكلة لا تتحمل التأويل والتأجيل في الحل والمعالجة.

    إننا نعتقد ان هناك تفسيرات خاطئة تعرض البلد للتراجع في المكانة الدولية والوزن السياسي.

    وهذا الأمر يصبح قضية من قضايا الوطن الكبرى التي لا يجوز السكوت عنها او التغاضي معها كما جرى لبعض القضايا.

    ان البرلمان العراقي مدعو لمناقشة هذه القضية ووضعها على جدول أعماله التي تكتسب أهمية خاصة من اجل رفع معاناة المواطنين أولا ومن اجل إرجاع هيبة الدولة العراقية التي أغرقتها المحاصصة بالكثير من التشوهات الثقافية والسياسية ومنها هذه القضية التي أضحكت علينا الأصدقاء قبل المناوئين والاعداء، فارحموا العراق وأهله، ولتكن مشاريعنا واقتراحاتنا لاتبتعد عن هوية الوطن الواحد الذي يضمن ويحتضن كل أبنائه من كل اللغات ومن كل الاجناس ومن كل الديانات فهذه هي الفسيفساء العراقية الجميلة التي تتناغم مع غيرها من فسيفساء الدول والشعوب التي تحتضن من القوميات اكثر مما نحتضن وتحتضن من اللغات والأديان اكثر مما نحتضن.

    أعيدوا النظر في موضوع كتابة لغتنا الكردية الجميلة في جواز السفر حتى نحافظ على جمالها في القلوب والعقول، فتلك هي الوطنية التي تحتضن الفدرالية والتعددية بلونها الحضاري.

  • الربيع العربي

    السياسة تاجر مصلحي نسيم ومراوغ، يطمح ان يكون كل شيء.. ويستأثر بكل شيء، لا يقيم علاقة مع احد، ولا يعترف بأية حقيقة، إلا بقدر ما تدر عليه تلك الحقائق والعلاقات من منافع، فإذا ما توقفت تلك المنافع كشر عن أنيابه وكشف عن وجهه المستور، وما بين ليلة وضحاها أبدل قناعه القديم بقناع جديد، ووقف من دون حياء او حرج الى جانب خصومه، وقلب ظهر المجن لحلفائه انه وهو يقدم على شراء البضاعة من الآخر، لا يتوانى عن التقليل من شأنها ونعتها بالكاسدة والرديئة، فإذا ما أصبحت بين يديه وأراد عرضها للبيع، رفعها الى السماء وتفنن وفي مدحها بما يعجز الشعراء المداحون عن الإتيان به! 

    هؤلاء هم السياسيون – إلا من رحم ربي وتمسك بالعروة الوثقى – أفرادا كانوا ام أحزابا ام حكومات، صغارا او كبارا، لاتعرف لهم حقا من باطل ولا باطلا من حق، شتاؤهم غير صيفهم، وليلهم يختلف عن نهارهم، ونبقى نحن البسطاء، ذلك القطيع الكبير من المغفلين، أفرادا وجماعات وشعوبا نسير وراء تجارنا مغمضي العيون وجزءا من قافلتهم التجارية، نجلس حيث يجلسون ونسير وراء بوصلتهم، تأخذنا شرقا او غربا الى اليمين او اليسار وليس لنا إلا الطاعة، وليس لنا في البضاعة نصيب، هؤلاء هم نحن البسطاء المغفلين، نستخرج ثروات الارض ونحمل الذهب ونأكل العقول ولكن دوام الحال من المحال، وها هي بشرى الربيع العربي تهز غفلتنا من الأعماق وتبشرنا ان الأرض لمن يزرعها، وان زمن العاقول ولى من غير رجعة، وأولى بشائر الربيع المبكر انطلقت من العراق وانتشر أريجها الى تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين والأردن والكويت والسعودية، وكان ربيعنا من القوة والقدرة على التأثير بحيث وصل الى إيران والجزائر والمغرب، ولم تسلم منه بلدان أوربية لا تحمل شعوبها الذهب على ظهورها ولا تأكل العاقول، وكان كل ذلك من دواعي سعادتنا فما كان حلما نخشى البوح به بات حقيقة تصدح بها عاليا أصواتنا المخنوقة، الا ان فرحتنا لم تكتمل، فقد اطل علينا الساسة التجار – إلا من رحم بي – من جهات العالم الأربع وافسدوا حلمنا المتواضع، وكل يقودنا الى بوصلته وكأن مصالحهم تعارضت، فمن قائل ان ما يجري ان هو إلا خريف عربي، ومن قائل ان هو الا ربيع اميركي لا دور فيه ولا فضل للعرب الا بقوافل المساكين الذين قدموا حياتهم ثمنا للحلم الموعود، أما الثمرة حين تنفع فلن تقطفها الا سيدة العالم ذات القوة والهيمنة، ومن قائل ان البيع ما مر بغير العراق، ومن قائل ان التغيير العظيم الذي أنجزته الشعوب المتهورة في بلدان الرافدين والنيل وتونس وليبيا هو الحق العائد الى اهله، وان التغيير الذي تنتظر اليمن والبحرين والمغرب انجازه، هو كذلك حق مقبل في الطريق، اما ربيع سوريا المنتظر فهو فعل من تدمير الشيطان الأكبر، والشيطان مرحبٌ به في صنعاء، مرفوض في دمشق، ومن قائل ان شهداء القذافي في الجنة وشهداء الأسد في النار، ومن قائل ان نظام مبارك نقمة، ونظام بشار رحمة، ومن قائل الربيع حتمية التاريخ، وانه آت على الجميع طال الزمن أم قصر، ومن قائل احذروا الربيع فهو خديعة الغرب الى الشرق وموسم الحساسية والطفح الجلدي، اما نحن البسطاء أهل الغفلة من المحيط الى الخليج ممن أضاعوا البوصلة واختلطت عليهم الريح، فكنا ومازلنا في الشتاء والصيف والخريف والربيع، نزرع القمح ونأكل العوسج، وكأننا خارج المواسم والفصول وحتميات التاريخ والطبيعة والمنطق!. 

  • المتطرفـــــــــون وصلــــــــوا

    من الأسئلة المطروحة بقوة الآن في عموم العواصم العربية, السؤال الذي يقول: هل استسلمت الثورات العربية للتيارات الإسلامية المتطرفة في مصر وليبيا وتونس ؟؟. الجواب القطعي هو: نعم . لكنهم لا يثقون بجسور الديمقراطية التي سمحت لهم بالتسلق الى القمة, ولا يؤمنون بها, لأنها في نظرهم تشكل مخالفة صريحة لعقيدتهم المتشددة, فالديمقراطية تعني حكم الشعب نفسه بنفسه, ويقول المتطرفون: (ان الأنظمة الديمقراطية لا تصلح لنا, ولا تنسجم مع تطلعاتنا), ومن لا يصدق هذه التوجهات الجديدة, يتعين عليه مراجعة تصريحاتهم, ويستمع لخطابات قادتهم الجدد, وينظر إلى تصرفاتهم التي لا تخلو من التطرف. . 

    ظهر المتطرفون إلى السطح بعد زوال الأنظمة السابقة, فأخذوا يتصرفون وكأنهم هم الذين حرروا تونس والقاهرة وطرابلس من ثالوث (بن علي, ومبارك والقذافي), وتجاهلوا الجهد التعبوي واللوجستي والإعلامي الفعال الذي نهضت به الأطراف الداعمة لهم, والساعية لتجزئة وتفكيك البلاد العربية والإسلامية, والمتمثلة بأمريكا, وحلف الناتو, والمنظمات العالمية الخفية, وزعماء مجلس الدوما الخليجي, وفي مقدمتهم قطر, التي كانت أول من دق خوازيق الخطر في نعش العواصم العربية. .

    في ليبيا (مثلا) تصاعدت حدة النزاع على السلطة بين الليبراليين وقادة الأجنحة العسكرية المتطرفة, وعلى رأسهم (عبد الحكيم بلحاج), خصوصا بعد تسلمه شحنات الأسلحة القطرية, وتشكيله لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, التي نزلت إلى شوارع المدن المبعثرة لتطبق أحكام الشريعة في الهواء الطلق, ما ينذر بدخول البلاد في صراع مسلح لفرض واقع سياسي جديد تتحكم به المليشيات المسلحة المتطرفة. .

    وعلى الصعيد المصري, وقّع السلفيون والأخوان وجماعة التبليغ والدعوة, وجماعة الجهاد الإسلامي على ميثاق شرف لتنسيق المواقف السياسية بينهم, واتفقوا على صيغة موحدة لإدارة البلاد, ظهرت ملامحها المستقبلية في التصريحات التي أطلقتها بعض القيادات المتأسلمة, وجاء فيها: (أن شباب مصر لم يقوموا بالثورة لتطبيق شرع الله, ولم يقولوا أن نظام مبارك لا يحكم بشريعة الله), وقال بعضهم: (أن جميع الحكام العرب ليسوا مسلمين, وإنما هم كفار مرتدون, وليسوا كفارا أصليين كحكام الغرب), وتوعد بعضهم بإلزام النصارى الأقباط بدفع الجزية, والعمل على استيفاء مبالغ الزكاة من المسلمين بالقوة, والمسلم الذي لا يدفع الزكاة يقتل, أما النصراني إذا لم يدفع الجزية لا يقتل, وإنما يخرج من مصر, والأغرب من ذلك كله أنهم شرعوا منذ الآن بالتحضير لحملات الفتوحات الإسلامية, التي سيجتاحون فيها البلدان القريبة, أما إسرائيل فلا تعد في حساباتهم من البلدان الخاضعة للفتوحات المزعومة, فهي معفاة بأمر القيادات العليا في البنتاغون والناتو. .

    ترى ما الذي ستكون عليه أحوال الناس لو كانت هذه الحركات المتطرفة, هي التي اقتحمت حصون الأنظمة الاستبدادية الفولاذية في مصر وتونس وليبيا, وهي التي أسقطتها ؟, وكيف سيكون مصير الشمال الأفريقي إذا أصبحت السلطات الثلاث بيد المليشيات الراديكالية المسلحة ؟. أغلب الظن أن عقارب الزمن ستنقلب بنا, وتتراجع إلى الوراء لتعود بنا إلى العصور الهمجية الغابرة الممعنة بالتخلف. . والله يستر من الجايات. . 

  • من أرث الديمقراطية

    يرى أحد الفلاسفة انه بمجرد نطق كلمة (طبعا) هونوع من القمع، والقمع -طبعا- هو واحد من أبشع ممارسات وسمات الديكتاتورية وجماعة مصادرة رأي الآخرين.! فيما يرى آخرون ممن يعملون في مضمار النحو وقواعد اللغة والانصياع الصارم بشأنها واصول القرابة اللغوية بين الكلمات والجمل بأن الكثير منه (أي النحو) يأتي بمثابة   قمع – ايضا – كون اللغة في استعمالاتها اليومية هي اتفاق اجتماعي في نهاية الامر وليس انضباطا لغويا صارما.

     هنالك من يقول من حكماء العرب بان (كل لسان بإنسان) اختصارا لأهمية تعلم واتقان لغة اخرى ،، واذا ما قبلنا بمجرد سماعنا كلمة (طبعا) على انها قمع ، هنا يجب علينا ان نلغي الكثير من الكلمات والمعاني وتداول الالفاظ من محيط قاموس الديمقراطية خاصة ونحن – لم نزل – في عراق لا يزال يحبو نحو تحقيق ذلك الحلم الذي طال امده أيام كنا نقرأ ونسمع كلمات من معجم طاغية (لغوة) ذلك النظام المقبور وهو يردد وبلا انقطاع وملل قاتل ؛(الديمقراطية مركز قوة للفرد والمجتمع)!! بيد ان ما جرى وحصل هو انتحار الأمل على تربة ارض الواقع بحكم مجريات الاحداث وخواتمها المأساوية على منوال ما تلا ان الفرد أضحى ضعيفا والمجتمع برمته مخذولا .. حائرا.. مترهلا في ضياع درب الوصول إلى سراب الديمقراطية التي تحولت الى مثل برنامج تعرضه أدى القنوات العربية تحت أسم ( دمى- قراطية) نكاية وشماتة بل سخرية لاذعة قاذعة أسرت تسري في عموم مفاصل الجسد العربي،، ليس حصرا بالعراق الآبي أمس واليوم – ايضا رغم تجشم ماما أمريكا الولايات عناء جلب وحلب أثداء الديمقراطية لنا بكل حرص وثقة وبسالة ودفعت اثمانها باهظة جدا من أجل سواد عيوننا وحمرة خدودنا الطافحة بالشكر والعرفان لمن من علينا بهذا الامتحان.

     تحضرني هنا الآن حكمة تناولتها حادثة – ليست عابرة- تسنى لي فحصها في بطون قديم تأريخنا الديمقراطي العتيد !! ،،  وكان بطلها احد شعراء المعلقات هو( طرفة بن العبد) بعد ان وجدتها تناسب عدم قناعاتنا بالديمقراطية منذ ازمنة وعصور غابرة تقول : القصة إن الشاعر عبد المسيح بن جرير الملقب بالمتلمس كان قد أنشد بيتا من الشعر امام حشد كبير من الناس وصف فيه (الجمل) بإحدى صفات (الناقة) دون إن يلحظ أو ينتبه الشاعر الى ذلك فأنبرى له  طرفة بن العبد – وهو لم يزل صبيا-قائلا:( انه استنوق الجمل) إي جعل الجمل مؤنثا وليس مذكرا، كما كان يجب في سياق لغتنا العربية المتبع قديما وحديثا منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، فقال المتلمس عبد المسيح بن جرير مخاطبا ومستاء وناهرا الصبي الوديع طرفة بن العبد الذي لم يكن بعد قد كتب معلقته الشهيرة : اخرج لسانك ياهذا، فأخرجه فأشار إلى لسان طرفة ورأسه وقال موبخا: ويل لهذا من هذا (اي ويل لرأسك من لسانك) بدلا من انه يشكره لأنه نبهه إلى ذلك  الخطأ اللغوي الواضح..

     بتعليق بسيط نقول لكي نختتم حزن تلك الحكاية : هل هي ديمقراطية جاهلية ؟ أم هي أمتداد طبيعي لديمقراطيتنا اليوم؟ مجرد سؤال!!.

  • الحكومة والمواقف الصعبة.. زيارة واشنطن مثالا

    لقد كتبنا منذ شهر عن المعاني السياسية للزيارات الدبلوماسية وقصدنا بها زيارة السيد المالكي لأمريكا، واليوم حدثت الزيارة وتم المؤتمر الصحفي الذي شاهده المتابعون وكل له رأيه واستنتاجاته.

    والملفات التي كانت تنتظر هذه الزيارة كبيرة وحساسة وخطيرة. وبغض النظر عن الاتفاقيات المنتظر عقدها مع الجانب الأمريكي المحتل للعراق والطامع بحصانة المدربين الأمريكيين، ولكن هذا الطمع وتلك الشهية ستقلل من حدتها ملاكات السفارة الأمريكية في العراق والتي سيكون لها “15000” منتسب وهو رقم يخفي بين طياته احتضان المشاريع الأمريكية للهيمنة والاشراف والتغلغل في ثنايا المجتمع العراقي ومؤسسات الحكومة التي كانت منظمة rti “قد اطلعت على كل مفاصل هيئات الحكم المحلي في المحافظات وعرفت كيف تتعامل مع اعضاء مجالس المحافظات من عديمي الخبرة ورؤساء الدوائر الحكومية المسيرين من قبل اعضاء مجالس المحافظات ومن قبل أحزاب السلطة ومنتسبيها الذين يجهلون فن السياسة مثلما يجهلون فن إدارة الدولة.

    ولعل الهاجس الأمريكي الأول من حيث التوقيت والمناسبة في مباحثات – اوباما – المالكي – هو الملف السوري وموقف العراق منه لاسيما بعد زيارة نبيل العربي امين عام الجامعة العربية الى بغداد والتي لم يستطع من خلالها ان يثني الموقف الحكومي العراقي الذي كان متميزا في طريقة إخراجه يوم صوت وزراء الخارجية العرب على تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية وكان تصويتا فاقدا للنصاب القانوني كما تنص عليه أنظمة الجامعة العربية، وعرف يومها ان الضغط الأمريكي ومن ورائه اللوبي الأوربي الشريك المصيري للصهيونية ودويلتها ” اسرائيل ” مع الجهود التركية ذات النزعة العثمانية صاحبة الإرث السيئ في المنطقة العربية والعراق هي المناور الجديد والصديق الذي يدعو نفسه لحضور اجتماعات وزراء الخارجية العرب معتمدا على رصيد العلاقة مع الاحزاب السلفية التي عبر عنها علي بلحاج الليبي المنتسب للقاعدة في استعداده لنقل المقاتلين الإرهابيين الى سورية عبر تركيا.

    هذا التجمع المكون من – الطورانية العثمانية الجديدة – ومن انظمة التبعية العربية – ومن الأحزاب السلفية الموعودة بكراسي الحكم بسخاء مال التبعية العربية وأنظمتها التي تحتمي بالوجود الامريكي وقواعده في المنطقة العربية لقاء التخلي عن رفض الوجود الاسرائيلي والشروع بالتطبيع بعد تفكيك محور الممانعة ومقاومتها للوجود الصهيوني ومشاريع الهيمنة الأمريكية التي ثبت تحيزها المطلق للوجود الاسرائيلي وقبولها التعاون مع الفصائل الإرهابية لتحقيق الامن الاسرائيلي.

    لذلك اصبح الضغط على الشعب السوري وتعريضه للحصار الاقتصادي هو الشعار المرفوع رغم مخالفته كل أعراف العمل الدبلوماسي وميثاق الامم المتحدة والتي عبرت عنها المواقف الامريكية التالية :-

    1- الطلب من حملة السلاح من العصابات الإرهابية التي تقتل على الهوية في سورية لزعزعة النظام بعدم تسليم سلاحهم للحكومة السورية وذلك ردا على بيان العفو العام الذي اصدرته وزارة الداخلية السورية في سبيل وقف العنف، وهذا الموقف لايمكن فهمه الا بالإصرار على الانحياز لصالح الارهاب ضد مصالح الشعب السوري في الأمن والأمان.

    2- تصريحات المسؤولين الأمريكيين من الرئيس الى وزيرة الخارجية بطلب التنحي للرئيس السوري بشار الاسد وذلك برغم قيام الأخير بتفعيل الإصلاحات وإلغاء قانون الطوارئ والمباشرة بالحوار الوطني والشروع بانتخابات المجالس المحلية والتحضير للانتخابات النيابية والرئاسية في مطلع عام 2012 وهذه التصريحات تعبر عن توجه جديد يخالف ميثاق الأمم المتحدة وسيادة الدول والاعتداء على كرامة الشعوب لاسيما وقد ظهر جليا نزول الشعب السوري بالملايين الى الشوارع والساحات مؤيدا للنظام ورافضا للتدخل الأجنبي.

    والموقف العراقي من خلال الحكومة كان مبررا في عدم موافقتها على تجميد عضوية سورية في عضوية الجامعة العربية، وفي عدم قبولها المقاطعة الاقتصادية مع سورية لان ذلك يحمل ضررا للشعب السوري الشقيق والوفي مع الشعب العراقي وكذلك يحمل ضررا للشعب العراقي لتداخل شرايين التجارة والسياحة والانتقال المتبادل للمواطنين لأسباب كثيرة.

    وقد اتضح موقف الحكومة المعبر عن مشاعر العراقيين من خلال تصريحات السيد رئيس الحكومة في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع الرئيس الامريكي اوباما وذلك في رفض القبول بالمقاطعة الاقتصادية وكذلك رفض طلب التنحي للرئيس بشار الأسد، وهو موقف عقلائي يعود على العراق وشعب العراق بجملة خصائص منها:

    1- احتفاظ الحكومة العراقية بموقف متوازن بعيدا عن الضغوطات الدولية غير المقبولة.

    2- انتصارها لشعب شقيق هو الشعب السوري نحن مدانين له بالوفاء بعد ان خذله اغلب العرب.

    3- احتفاظها بموقف هو اقرب للحق والقانون مما يعزز دورها في العلاقات العربية والإقليمية والدولية وهو دور يحتاجه العراق بعد ان غيب عن صناعة الموقف المستقل طيلة فترة الاحتلال وما قبلها.

    وهذه الخصائص تساعد على بناء أرضية جديدة للحوار الوطني الداخلي في قضايا المصالحة الوطنية وحسم قضايا دعوات الأقاليم المتسرعة وإعادة كتابة الدستور لعراق ما بعد الاحتلال وتشريع نظام انتخابي جديد وانجاز قانون الأحزاب وانجاز ترشيح اعضاء المفوضية ومفوضية حقوق الإنسان وبناء الجهاز القضائي بما يتناسب وتطلعات المواطن العراقي في العدل، وإعادة النظر بقانون وانظمة مجالس المحافظات وقانون النفط والغاز وقوانين أخرى كثيرة تهم المواطن العراقي المحروم

    لتكن المواقف الجديدة تمثل انطلاقة جديدة للبناء وتبادل الثقة وطوي صفحة المنازعات التي لم تجلب لنا سوى توقف عجلة الإنتاج على مستوى الحكومة ومؤسساتها وعلى مستوى القاعدة الشعبية التي ضاقت ذرعا بتلك التناحرات.

  • حول عادات الأحزاب وتقاليدها …بإنتظار التجديد

    لايغير الله مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم | قرآن كريم

    التغيير سنة من سنن الحياة , ففي علم الحياة ” البيولوجيا ” هناك الكثير من الحقائق التي نغفل عنها : مثل :-

    1-  نمو الشعر وحاجته للقص , ومن هذه الحاجة حلت المظاهر الجمالية , وأصبحت ” المودة ” تفرض نفسها مع تضائل الحضور الفكري الذي يحاكم الأشياء من الداخل وهذا معنى التغيير المنطلق باتجاهات فضاء النفس.

    2-  نمو الأظفار وحاجتنا لقصها , ودخلت مع هذه الحاجة جمالية مفتعلة لآن التطلع ” للمودة ” أصبح أكثر من التطلع لضرورات الحياة وآفاق المستقبل.

    3-  ترهل الجلد واسترخاء العضلات : حيث أصبح للجراحة التجميلية وظيفة غير وظيفتها الأصلية فدخلت عالم ” المودة” مدفوعة بنهم حب الحياة ومظاهرها دون التوقف عند قوانينها التي تعلمنا : أن من وهب الحياة قدر الموت , ولكل منهما استحقاقات ومن هذا الفهم تبدأ رحلة التغيير , ولا تغيير بدون تغيير فضاءات النفوس.

    وسنن التغيير مثلما تشمل المظاهر ” البيولوجية ” فأنها تشمل كذلك المظاهر ” الاجتماعية ” ومن أنواع المظاهر الاجتماعية:-

    1-  الأخلاق : التي شملها فساد الرأي , فأصبح البعض يسميها نسبية ناسيا أن مقولة ” قبح الظلم وحسن العدل ” هي من بنات الأخلاق وموروثاتها , وأن مفهوم نسبية الأخلاق إفراز للمظاهر التي تباينت عند الشعوب وألامم , وليست تعبيرا عن المحتوى الذي يلامس الفطرة ويستجمع العقل ليتصل ببوصلة السماء المرجعية التي ينتهي إليها كل شيء.

    2-  العادات والتقاليد : وهي تراكم لما يلي :-

    أ‌- موقف يحتمل الصح والخطأ

    ب‌- فهم يحتمل الصح والخطأ

    ت‌- سلوك يستجمع الصح والخطأ

    وهكذا نجد العادات والتقاليد تشكل المظاهر الاجتماعية للأمم والشعوب , ومن هنا ولدت الحاجة لدراسة المظاهر الاجتماعية وإعادة النظر في الكثير منها وأًصبحت هذه من مهمات :-

    1-  الدين : بوصفه نظاما للحياة ” شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا اليك وما وصينا به أبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ” والذين تصوروا الدين هو ” المقدس ” فقط ” وهو الثابت ” فقط ” أخطأوا , لآن الدين كنظام للحياة ” وأتاكم من كل ماسألتموه ” فيه الثابت وفيه المتحول ” المتحرك ” ” يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ” ولأن السياسة متحولة ” متحركة ” فهي من مفردات الدين لا لأنها متحولة , بل لأنها مشروع أصلاح ومن هنا أستبعدت السياسة الفاسدة من الدين , وهذا مايسقط حجة من يقول : ” أن الدين مقدس , والسياسة فاسدة , وعليه لايجتمع المقدس مع الفاسد. وبهذه الطريقة الخاطئة في الفهم عن الدين وعن السياسة أرادوا فصل الدين عن السياسة، والأحزاب الدينية التي وقعت في الفساد السياسي هي من أعطت الفرصة لأصحاب تلك المقولة الخاطئة , فأصبحنا بين خطأين أحدهما يمثله من يدعي بالدين والآخر يمثله من لايلتزم بالدين.

    2-  الفلسفة : بوصفها تعرف على أنها ” نظم العالم نظما عقليا” ومن هنا أصبح للفلسفة حضورا في تحليل الأخلاق والقيم ونقد مقولات الحكم وبيان منطقية المنهج باجمال يختصر روح التماثل مع النظام العام على هدي الحركة الكونية .

    وحديثا ظهر لدينا نتيجة الحاجة وتطور الحياة في معناها المتحرك , وأعمال الفكر فيما يستجد من سلوك الأفراد والجماعات , والأمم والشعوب , وأعمال الفكر الذي أتخذ طريقة البحث بسماته المعاصرة حيث حصلنا على :-

    1-  دراسات علم الاجتماع التي كان للقرآن فيها أشارات لايمكن أستثنائها من موائد البحث المعرفي الجاد ” تلك أمة قد خلت لها ماكسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون ” – البقرة – 141 – وكان للأنبياء فيها مساهمة قيمة يقول عيسى عليه السلام :” أني شفيت المرضى بأذن الله , وأحييت الموتى بأذن الله , ولكني عجزت عن معالجة ” الأحمق ” ويقول الإمام علي عليه السلام : ربوا أبناءكم الى زمان غير زمانكم فأنهم مخلوقون لجيل غير جيلكم ”

    2-  دراسات علم النفس : التي تقدمت كثيرا ونظمت منهجيا , ولكن التقدم الحقيقي والتنظيم المنهجي يجعل الحضور القرآني طريقا للنور المعرفي بالنفس التي هي صناعة ربانية يقول تعالى :” يا أيتها النفس المطمئنة -27- أرجعي الى ربك راضية مرضية -28- سورة الفجر- وحالة ألاطمئنان هذه هي التي غابت عن دراسات علم النفس الوضعي فأصبحت اصطلاحات مثل ” أجهاد العمل , ولهيب العمل ” طريقة لقبول حالة ” الكآبة ” وتفسيرها بعيدا عن استحضار مفهوم ” النفس الراضية , والمرضية , والمطمئنة , والنفس اللوامة ” التي تمتلك مصاديق النجاح في الحياة الدنيا والحياة الآخرة , وهذا هو النجاح الحقيقي للمجتمع الإنساني .

    ولأن عادات الأحزاب بقسميها الديني والعلماني , أصبحت خاضعة لتقاليدها في الحياة السياسية التي شابها الكثير من الفساد والمتمثلة فيما يلي :-

    1-  المحاصصة التي عرفت أنانيتها وفئويتها .

    2-  الحرص على الامتيازات الحزبية والشخصية والعائلية .

    3-  تعمد الإساءة للنظام العام والتمرد على القانون مثل : حماية المزورين , والمرتشين , والسراق للمال العام .

    4-  تجميع المحدودين والسذج والمتملقين والمتزلفين بإصرار واضح , وبتبريرات مجافية للعقل والمنطق .

    ومن هنا نحن اليوم بحاجة لولادة الجديد الذي لايأتي بالتمني والاحلام , ولكنه ينبثق بعد التشخيص العلمي لحالتنا المرضية على مستوى : الأحزاب , والعشائر , والمنظمات , والنقابات , وعلى مستوى الحكم الذي لم يعد قادرا على مواجهة تحديات ما بعد الانسحاب المنفتحة على متبنيات المحور الأمريكي الأوربي – الصهيوني – وشهيته الجديدة في دعم التطرف المتمثل في المنطقة العربية بالقاعدة التي أصبحت متغلغلة في هيكلية ألاحزاب التقليدية التي تنتمي للدين , وهذا الدعم يحظى بوفرة المال العربي وتواطأ عنصر الخيانة المتلبس بالحالة الطائفية بصورة انتهازية وهي البوابة الحقيقية لفتح الجحيم على المنطقة ومنها العراق , وانتظار الجديد لايتحقق ألا بعد فهم وتشخيص هذه الحالة , وهذا ألانتظار هو برسم : النخب المثقفة سياسيا وأجتماعيا ومن كل الحواضن .