Blog

  • الصحة والمجتمع

    وأذا مرضت فهو يشفين | قرآن كريم

    العلم علمان : علم الأديان وعلم الأبدان | حديث شريف

    نعمتان لاتقدران : الصحة والأمان | الإمام علي

    تهتم الدول والشعوب اليوم بالصحة , ويعتبر التأمين الصحي من أولى برامج الآنتخابات في الدول المتقدمة .

    ويأتي هذا ألاهتمام من الحاجة الحقيقية الملازمة لكل المراحل العمرية .

    وهذه الحاجة هي التي تكمن وراء ألانتاجية للآفراد نساء ورجالا وأطفالا .وألانتاجية : هي التعبير عن وفرة العمل وأرتفاع وتيرة الجودة التي أصبحت معيار النظر للتقويم اليومي وألاسبوعي والشهري والسنوي .وجودة العمل ينظر لها ليس في ربحها ونجاحها الدنيوي فقط وأنما ينظر لها من حيث قبولها في ميزان ألاعمال التي تكتب في صحيفة ألافراد بطريقة لايأتيها الباطل من أمامها ولا من خلفها ” وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ” ” وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ” ” من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ألا مثلها ”

    ولو أعطينا العمل الصحي هذا المفهوم لما أحتجنا الى البطاقة الذكية , ولما أزدادت عندنا اللجان التحقيقية , ولما أصبحت أقسام الشكاوى متخمة بالهموم التي تتجاوز طاقتها .أن الحاضنة الحقيقية للعمل الصحي هي المجتمع , ومن علامات رضا الحاضنة ألاجتماعية للعمل الصحي هو ألاكتفاء الذاتي بنسب معقولة وليست مطلقة , والسؤال المطروح علينا هنا هو :-

    هل حققنا الحد ألادنى من ألاكتفاء الذاتي ؟

    وسيأتي الجواب سريعا مباغتا وصاعقا : كلا

    وموضوعية النفي هذا تتضاعف مسؤوليتها عندما نراجع الحقائق التالية :-

    1-  وجود ميزانية ضخمة تقدم من الدولة للعمل الصحي .

    2-  تصاعد وتيرة ألابنية الجديدة على مستوى المراكز الصحية والمستشفيات .

    3-  تصاعد نسبة التجديد في أستيراد ألاجهزة المتطورة لتلبي حاجة المريض والعمل الفني الطبي .

    وحقيقة النفي لعدم تحقق ألاكتفاء الذاتي في العمل الصحي مرده الى الحقائق التالية :-

    1-  فوضى ألاداء نتيجة أنعدام المسؤولية الذاتية للغالبية من العاملين في المجال الصحي .

    2-  أنخفاض المستوى العلمي للبعض يشوه الصورة لدى المريض والمواطن عن الجميع ويعمل على فقدان الثقة .

    3-  ونتيجة لذلك أصبح التذمر من واقع ألافراد العاملين في المجال الصحي بكل قطاعاته العامة والخاصة موضع حديث الناس .

    4-  ولذلك بدأت أفواج المرضى الباحثين عن الشفاء تتجه الى الدول المجاورة وغير المجاورة , وأصبحت لدينا مكاتب سمسرة تصطاد أصحاب الحاجة من المرضى لآغرائهم بالعلاج بالهند مثلا رغم تكاليف السفر وصعوبتها .

    5-  وأصبح بعض أطباء ألاسنان في عياداتهم الخاصة يرسلون طبعات ألاسنان الى مختبرات سورية مثلا .

    6-  وأصبح لدينا بعض ألاطباء من يضطرون مرضاهم لآجراء العمليات في المستشفيات الخاصة تحقيقا للربح على حساب المريض وشرف المهنة .

    7-  وأصبحت لدينا أقطاعيات أنتهازية نهمة تصادر سمعة المسؤولية ألادارية للمؤسسات الصحية من خلال أستغلالها حاجة النساء الحوامل في صالات الولادة تحديدا , فأصبحت الرشا والسمسرة تدار من خلف ظهر تلك المسؤوليات وخصوصا بعد أوقات الدوام الرسمي وفي الخفارات الليليلة .

    8-  وأصبحت لدينا صيدليات ومختبرات تعمل بالسمسرة بعيدا عن أنسانية المهنة .

    9-  وأصبحت لدينا بعض ألاختصاصا ت الهندسية تتواطأ مع بعض المقاولين على حساب ألامانة في العمل .

    10- وأصبح لدينا بعض من تأتمنهم الجهات ألادارية للعمل في لجان الشراء والمتابعة يتواطئون مع بعض التجار .

    لهذه ألاسباب جميعا يأتي النفي بعدم حصول ألاكتفاء الذاتي في المجال الصحي الذي ينتظر منه المجتمع : ألاخلاص وألامانة والمحبة لنبني دولتنا بمستوى حضاري يليق بنا بأعتبارنا نؤمن بخطاب السماء وننتمي الى تيار ألايمان الذي لم نعطه حقه من خلال تقصيرنا في مهمتنا الصحية , بحيث أصبح هذا التقصير عيبا يسجل علينا في الدنيا وألاخرة .

    Alitamimi5@yahoo.com

  • الصحة … وحدة الطبيب

    يمر الطبيب العراقي بأصعب ظروفه واوقاته، وانكسار معنوياته.. خصوصا في المستشفى.. انه لا يطبب المراجعين .. لا يعالجهم.. وتناقل الناس من قبل حكاية الطبيب المعروف والثري الذي شارك ، وربما سبق الحواسم في نهب الأجهزة الطبية الدقيقة والثمينة .. فافرغت المستشفيات من اجهزتها المختلفة ولم تفلح الثروات في تعويضها وتسلم الثوار الفدائيون المضحون دولة مخربة وخاوية من مصانعها العملاقة ومزارعها المترامية الخصبة ومن دوائرها ، ومن مستشفياتها.. ووجد الطبيب نفسه مجردا إلا من صدريته البيضاء وسماعة الفحص وفاحص السكر والضغط .. وأنه مجرد عامل على التطمينات والارشادات والتعاطف المؤلم.. 

    وها هو الدكتور الأستاذ في قاعة المحاضرات .. ينزف قهرا امام طلابه، ويلعن اليوم الذي صار فيه طبيبا، وظلم نفسه وما حسب ما يتوجب حسابه وتوقعه.. وأنه لا يتمنى هذا المصير لأحد… دوام غير  معقول.. تعامل رسمي وشعبي غير معقول.. مرمي لوحده على نحو غير معقول.. وعليه ان يؤجل مباشرة حياته الشخصية وتكوين عائلة لأن أحدا لم يتذكر انه كائن حي ويلزمه العيش وتكوين عائلة… وإذا تولى الوطنيون الفدائيون الاتقياء مكافأة انفسهم على تضحياتهم واخذوا من المال العام.. ولم يبق ما يعوض المستشفيات اجهزتها.. وما يوفرالضمان الصحي ،، أو يقلل تكاليفه الباهظة.. فان العمل بالقاعدة الزوجية لايحتاج الى مال ومخصصات .

    لا يسهل توجيه اللوم لوزير الصحة وهو على ما هو عليه من مثابرة واجتهاد وحرص.. فمخصصات الوزارة بائسة.. وتفكير الدولة بالقطاع الصحي أكثر بؤسا.. إلى ان تعرض الطبيب للاستهانة من قبل المتخلفين ومقاضاتهم اياه … وإذا استمر هذا الوضع تضاعف فرار الإطباء الى دول العالم .. وسيرفض اطباء بنغلادش وكل من ستتعاقد الحكومة معهم من دول الجوار.. وستبقى مستشفيات بريطانيا واميركا وفرنسا مبتهجة وسعيدة بتوافد الاطباء العراقيين المعروفين بتفوقهم ونبوغهم.

    يعترف طبيب مقيم في أحد الاقضية ان عمله اقرب إلى موظف العلاقات منه الى الطبيب.. فالمستشفى جرداء.. وحشود المراجعين تتزايد .. وان جهازا من اجهزة اي مستشفى في دولة اخرى يمكن  ان يحلل ويشخص حالاتهم بوقت وجيز .. ويقول ان تلاشي المليارات في جيب شبح واحد تكفي لاغراق كل المستشفيات والمراكز الصحية بمختلف الاجهزة الحديثة. يكلف عمل طقم الاسنان مئات الالاف من الدنانير.. بعد ان كانت مجانية  مع كل العلاجات ومع الضمان الصحي.. واليوم لا يستطيع الطبيب الشاب ان يتزوج ..لأنه يكره الزواج بالمراسلة.. وان أحدا لم يتذكر تطبيق القاعدة الزوجية.. فيضطر للعن اليوم الذي صار فيه طبيبا.. وفي بلد يفوق فيه راتب الموظف الامي في الدواوين الحكومية الخاصة راتبه بكثير..

  • عندما تصبح الوشاية هواية

    بات من سوء حظنا أن نتحمل على مضض مرارة الفساد الإداري بنكهاته المقززة, وروائحه الغريبة, التي لم نألفها من قبل, وبات من الصعب علينا التكهن بما ستؤول إليه أحوال الفساد, وما سينتج عنها من ممارسات بشعة لا يصدقها العقل, ولا يقبلها المنطق, فالوشاية (مثلا) صارت عندنا من أخطر الأمراض الاجتماعية الآخذة بالتوسع والانتشار, ولم نكن نتوقع أبدا أنها ستتحول في يوم من الأيام إلى هواية وغواية, ثم إلى تهمة تطارد الشرفاء والمتعففين حيثما عملوا في أروقة المؤسسات الحكومية المترهلة. .

    قبل بضعة أيام كنت أنزوي وحيدا في إحدى المقاهي الساهرة على ضفة النهر, وشاءت الصدف أن يجلس إلى جواري رجلان, بدا أنهما من صنف المقاولين أو من المجهزين, كانا يتجاذبان الحديث بفرح غامر, وبأصوات مرتفعة تتخللها قهقهات هستيرية صاخبة, لا تخلوا من الشماتة بمصير آخر ضحاياهما من الموظفين الأكفاء المعروفين بالعفة والنزاهة, وتبين من خلال حديثهما أنهما كانا يكرهان ذلك الموظف البسيط الملتزم, والذي كان يعيق طريقهما, وكان يتصدى لألاعيبهما ويمنعهما من تمرير صفقات الغش والتزوير عند قيامهما بتجهيز المواد والمعدات المطلوبة, فنصبا له فخا, وتسببا في تجريده من منصبه, بوشاية رخيصة سعيا بها إلى مكتب المدير العام, الذي كان متحزبا لكتلته السياسية, ومعروفا بمحاربته لعناصر الكتل الأخرى المناوئة لكتلته, فانتهزا هذا التنافر, وهرعا إلى المدير المتحيز, وقالا له: أن الموظف الفلاني يميل إلى الكتلة الفلانية, وانه يضمر العداء لكتلة المدير, فصدر القرار في صباح اليوم التالي بتنحية الموظف, وإبعاده عن دفة الإدارة, فخلا لهما الجو بهذه الوشاية, واستمرا بممارسة المزيد من الغش والتحايل, بعد أن نجحا بتدمير مستقبل ذلك الموظف الصالح, وبعد أن تخلصا منه بمكيدة مدبرة. .

    تألمت كثيرا على مصير ذلك الموظف المسكين, فغادرت المقهى على الفور, وانتقلت إلى محل آخر من الكورنيش, جلست هناك أتأمل مراكب الصيد المبعثرة على ضفة (التنومة), فطارت بي الذكريات المؤلمة إلى الفترة, التي كنت فيها مديرا لقسم التفتيش البحري, والتي تصديت فيها لظاهرة تزوير شهادات الزوارق والمراكب الصغيرة, فكنت أول من استعان بملصقات الهولوغرام, التي يتعذر تزويرها, فحققنا بهذه التقنية الجديدة المعقدة قفزات هائلة في ردع المزورين, والانتصار على قدراتهم الحرفية الخطيرة, ولم تمض بضعة شهور, على الاستعانة بملصقات الهولوغرام, حتى انهالت فوق رأسي الاتهامات من كل حدب وصوب, تمحورت كلها حول محور الملصقات الهولوغرامية, وكانت النتيجة التوقف عن استعمالها بعد مغادرتي قسم التفتيش, فعادت الأوضاع بعد ذلك إلى زمن الأساليب البالية الموروثة من عصر (حصرم باشا). .

    الوشاية شجرة فاسدة ظهرت في مستنقعاتنا المتخلفة, التي غاب فيها صوت العدالة الإدارية, ومما يؤسف له أن هذه الشجرة تكاثرت باضطراد في هذه البيئة الملائمة لنموها, حتى صرنا نعيش في ظلال غاباتها الخانقة, وأوراقها الصفراء المتطايرة بأجنحة الكذب والتلفيق والتشويه, بقصد إلحاق الضرر بالقلة القليلة من الذين آثروا السير على النهج القويم, وبقصد تشويه صورتهم بحملات محمومة من الأخبار المزيفة, التي لا أساس لها من الصحة, مع علم الوشاة ببطلانها. . 

    فما أسهل الإطاحة بالشرفاء عن طريق الوشاية بهم في ظل العدالة الغائبة, وتحت تأثيرات الضوابط الإدارية المعطلة في دواوين المحاصصات الوظيفية المتأرجحة, وما أسهلها من أسلحة بيد الذين احترفوا الوصول إلى مآربهم بالطرق الملتوية, فشوهوا بالوشاية سمعة الناس, وأمعنوا في الإساءة إليهم, على الرغم من أن مبادئ الخلق الرفيع تمنعنا من اللجوء للوشاية حتى مع الذين أخطئوا في حقنا, فما بالك بالذين صارت الوشاية هوايتهم المفضلة, وصارت مطيتهم التي ركبوها حصانا جامحا يصولون فوق ظهره اليوم في أروقة التشكيلات الحكومية المتلهفة هي الأخرى للرقص على أنغام الوشاية والنميمة, والمستعدة دائما للاستماع للأخبار الملفقة التي ينقلها الواشي ؟؟. 

    أغلب الظن أن الوشاية التي تحولت من خصلة مذمومة إلى هواية محببة عند البعض, ستتحول بمرور الأيام إلى مهنة رسمية, بل تكاد تكون كذلك بشهادة المخبر السري ووشاياته في السر والعلن. . . 

    والله يستر من الجايات. .

  • ثورة الأمام الحسين (عليه السلام) والمشكل المعرفي

    (وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة ، قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم ما لا تعلمون)  البقرة -30- هذا أول اشكال معرفي واجه خطاب السماء، وكان صادرا من الملائكة لأنهم مخلوقات تحتاج الى الكمال المطلق وهو الله تعالى، ولذلك نراهم اسرعوا بعد اشكالهم ذلك الى الاذعان والتصديق والاعتراف بأنهم لا يعلمون إلا ماعلمهم الله سبحانه وتعالى ” قالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ماعلمتنا انك انت العليم الحكيم ” البقرة -32- 

    لكن المشكلة المعرفية ظلت تواجه الحركة البشرية باتجاه اكتشاف المجهول، ولكن تلك الحركة العقلية عند البشرية كانت تقع احيانا في شراك العاطفة والشهوة ، فيفسد عليها رؤيتها فيتم التراجع ، وهذا ما يفرق بين الملائكة والبشر، فالملائكة موجودات عقلية مجردة من العاطفة والشهوة ومع اختصاصها بالعقل بالفعل الذي هو دون العقل الفعال الذي هو للواجب المطلق وهو ” الله ” لذلك نراهم اخفقوا في معرفة سر الخلافة البشرية للأرض.

    وعندما تعرضوا للامتحان والاختبار من قبل الحكيم المتعال وهو الله الذي يعلم ما في السماوات والارض، تراجعوا عن اشكاليتهم واستسلموا استسلام العقل المحدود للعقل الكامل. والاستثناء كان لإبليس الذي كان من الجن ” واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين”  البقرة -34-

    من هنا تبدأ قصة المعرفة والاشكاليات التي تواجهها.

    لذلك نرى الاشكاليات البشرية ظلت تترى وتتوالى مواجهة انبياء الله عبر كل المراحل، قال تعالى ” ان الذين كفروا سواء عليهم اانذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون”  البقرة -6- . ثم اعطانا القرآن صورة استباقية عن الامراض الاعتقادية التي يقع فيها بعض الناس فقال ” ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين”  البقرة -8-. ثم شرح لنا تفاصيل هذه الصورة الملتوية في السلوك والتي سيكون لها تفرعات واسماء كثيرة سيجد علم النفس حقلا واسعا من الاختبارات كما سيجد علم الاجتماع نفسه معنيا بالتصنيفات التي رافقت التدافع البشري عبر التاريخ ، قال تعالى ” يخادعون الله والذين امنوا وما يخدعون إلا انفسهم وما يشعرون”  البقرة -9- . ثم يبدأ بتشخيص طبيعة ذلك المرض فيقول ” في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون” البقرة

    -10- .

    فإذن تبدأ الاشكالية: بأن بعض الناس يقعون باشكالية ” المخادعة ” وهذه المخادعة في ظنهم هي كما يلي :-

    1-  يخادعون الله اولا

    2-  ثم يخادعون المؤمنين ثانيا

    3-  ولكنهم يخدعون انفسهم كنتيجة لممارسة فعل الخديعة 

    وبعد تحقق هذه النتيجة بحق الذين لم يؤمنوا ايمانا حقيقيا مما يتحقق بحقهم الصفات التالية :-

    1-  هم مرضى القلوب

    2-  هم مفسدون في الأرض

    3- ونتيجة لذلك هم السفهاء لانهم ليسوا ممن يعلمون ، ولاحظنا ان القرآن الكريم استعمل كلمة ” لا يشعرون ” تجاه فعل المخادعة لانها فعل نفسي مريض ، بينما استخدم كلمة ” لا يعلمون تجاه السفاهة لان السفاهة مبنية على حجج واهية لاتستند الى دليل عقلي لذلك من يمارس السفاهة فهو ليس من اهل العلم والدراية ، وسنجد في دراسة ظاهرة ثورة الإمام الحسين والمعترضين عليها انهم ممن وقع في فعل المخادعة لنفسه من حيث لايشعر، وانه ممن وقع في فعل السفاهة من حيث لا يعلم ولهذه الحالة دراسة يطول شرحها قال تعالى ” وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا انما نحن مصلحون”  البقرة -11-” الا انهم هم المفسدون ولكن لايشعرون”  البقرة -12- ونلاحظ هنا ان القرآن الكريم اضاف صفة لايشعرون للمفسدين مثلما اضافها للمخادعين ، وقال تعالى ” وإذا قيل آمنوا كما آمن الناس قالوا انؤمن كما آمن السفهاء الا انهم هم السفهاء ولكن لايعلمون”  البقرة – 13- ثم تظهر لنا صفة جديدة تدخل في قاموس الاشكاليات التي تواجه المعرفة وهي ” الاستهزاء ” وهي من الاشكاليات التي سنجدها تواجه ثورة الإمام الحسين على مستوى مشروع الثورة ايام الإمام الحسين والتي عبر عنها الشاعر الفرزدق عندما قال : قلوبهم معك وسيوفهم عليك ” وتلك الصفة التي تستجمع النفاق والجهل هي صفة الذين يوجهون الانتقادات لثورة الإمام الحسين كما يوجهون الانتقادات لمناسبات احيائها بعيدا عن الملاحظات البناءة التي ذكرناها في دراسة ” ثورة الإمام الحسين بين تطرفين ” حيث وجدنا الذين في قلوبهم مرض ما زالوا على مرضهم فلم يتزحزحوا وينظروا بعين العقل والموضوعية فراحوا يطلبون منا ما هو ليس من صميم الدراسة التي لا نريد تحولها بعيدا عن مسارها الفكري علما بأننا قد بينا رأينا في أكثر من مناسبة ودراستنا عن ” الاخطاء الثقافية الشائعة ” وفي دراسة ” الاحزاب الدينية ” من ضمن مسلسل ” المنخفض الثقافي “.

    ولقد خصصت الآيات القرآنية امثلة مستلة من المشاهد الطبيعية التي تزخر بها الطبيعة والتي تحاصر الناس بالكثير من التحدي ومن امثلة تلك المشاهد وهي ظواهر فيزيائية لها تأثير على المشاعر التي تعتمل في النفس البشرية مثل :-

    1-  الظلمات

    2-  الرعد

    3-  البرق

    4-  الصواعق

    5-  وقد جمعها اصطلاح ” كصيب من السماء ”

    ثم بينت الآية القرآنية العلاقة النفسية فقالت ” يكاد البرق يخطف ابصارهم كلما اضاء لهم مشوا فيه وإذا اظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب الله بسمعهم وابصارهم ان الله على كل شيء قدير” – البقرة – 20-.

    والاشكالية المعرفية التي سنتحدث عنها والتي واجهت ثورة الإمام الحسين وما زالت تواجهها بالمزيد من التخرصات والحجج الباطلة هي نسخة من تلك الاشكاليات التي واجهت نظرية السماء وخاطبها المكرس لرحمة الناس، وسأستعرض قسما منها حتى يتضح مقدار العلاقة بين تلك الاشكاليات التي واجهت خطاب السماء والتي واجهت خطاب ثورة الإمام الحسين باعتبارها التعبير المتجلي عن رؤية العقيدة الاسلامية كما جاء بها رسول الله “ص” قال تعالى :-

    1-  “وقالوا قلوبنا في اكنة مما تدعونا اليه وفي اذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل اننا عاملون” – فصلت – 5- وقد حدث هذا مع رسول الله من قبل كفار قريش الذين لايزال البعض يحتج بهم لعدم قبول ولاية علي بن أبي طالب بحجة قول عرب قريش انه ” قاتل العرب ” من هنا تبدأ الاشكاليات المعرفية ، فهؤلاء فاتهم انه من قتلة علي بن أبي طالب لم يكن برغبة منه وانما كان على الشكل الاتي :-

    ا‌-  بأمر من الله ورسوله

    ب‌- وانهم جميعا كانوا من الكفرة مثل : عمر بن ود العامري في معركة الخندق

    ت‌- والكفرة المحاربون لله ورسوله في : معركة بدر الكبرى ، ومعركة احد

    ث‌- ومن اعترضه من جماعة أبي سفيان عند الهجرة من مكة إلى المدينة بأمر من رسول الله “ص”

    ج‌- وفي فتح حصن خيبر الذي عجزت الكتائب التي ارسلت من المسلمين لفتحه حتى اعطى رسول الله “ص” الراية لعلي بن أبي طالب فتم الفتح . وهذا ليس حديثا طائفيا ولكن تأكيدا لامانة تاريخية تقاعس البعض عنها والسبب يعود للاشكال المعرفي الذي نحن بصدده.

    2- “إذ جاءتهم الرسل من بين ايديهم ومن خلفهم الا تعبدوا الا الله قالوا لوشاء ربنا لأنزل ملائكة فانا بما ارسلتم به كافرون” – فصلت – 14- ومن هذه الآية الكريمة تبدأ قصة الامم والشعوب التي وقعت ضحية الاشكالات المعرفية التي سبقت كل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يتذرع بها البعض وعلى صحة بعضها إلا ان العامل المعرفي يسبق الجميع.

    3- “فاما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا نحن أشد قوة ولم يروا ان الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون” – قصلت – 15- وهنا يظهر مفهوم الاستكبار كحالة ملازمة للاشكالية المعرفية حيث تصبح القوة محلا للاشكال والفهم وتقود الى التجبر ومصادرة حقوق الآخرين وقد رأينا هذه الحالة تجسدت في كل الحكام والملوك والسلاطين الذين لم يحكموا بما أنزل الله سواء من كان منهم مسلما أم غير مسلم . فإشكالية القوة هي اشكالية معرفية وهذا المفهوم الخاطئ هو الذي طغى على من حارب الحسين معتمدا على قوة العصابة الاموية مثل عمر بن سعد وزياد أبن ابيه وشمر بن ذي  الجوشن . ومن لم يؤازر الحسين رغم احترامه له مثل عبد الله بن عباس ومجموعة من ابناء الطالبيين .

    4-  “فأرسل عليهم ريحا صرصرا في ايام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الاخرة اخزى وهم لاينصرون” – فصلت – 16- وهذه الآية تظهر اشكالية معرفية لم يستوعبها البعض ترتبط بقدرة الله التي تربط الظواهر الطبيعية بمجريات التدافع الاجتماعي ، وهذه الاشكالية هي التي جعلت البعض لايستوعب خطابات مثل – امطرت السماء دما عبيطا- وهو تشبيه مجازي يراد منه بيان غضب السماء من حالات الارتداد والعمل الباطل والقول الفاحش الذي عبرت عنه الآيات في مقام قول الذين كانوا يقولون ولد الله او ان عيسى أبن الله ، فقال تكاد “السماوات يتفطرن من فوقهن ” .

    5- ” وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ” – فصلت – 17-.

    6- ثم تتحدث الآيات القرآنية عن نهاية من يقعوا فريسة الاشكال المعرفي في الحياة الدنيا فتكون عاقبتهم النار وتشهد عليهم كل من :-

    ا‌-  سمعهم

    ب‌- ابصارهم

    ت‌-  جلودهم

    وهذه الشهادة في اليوم الآخر هي تحقيق واثبات للمعرفة التي غابت عن الذين كفروا بالله وبرسله وملائكته وبما انزله الله من كتب ومنها القرآن الكريم قال تعالى ” حتى إذا جاؤها شهد عليهم سمعهم وابصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون” – فصلت -20- وقال تعالى ” وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم مابين ايديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والأنس انهم كانوا خاسرين” – فصلت – 25- ومن خسارة اصحاب الاشكال المعرفي ما يحدثنا عنه القرآن الكريم حيث يقول ” وقال الذين كفروا لاتسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون” – فصلت – 26- ونحن اليوم نجد البعض البائس ممن يقول لقد تجاوز الزمن هذا القرآن فهم بهذه الحجة الواهية الساقطة معرفيا يغرون من هم على هواهم بالاعراض عن القرآن وبالتالي بالاعراض عن ثورة الإمام الحسين باعتبارها تنطلق من حقائق القرآن وتدعو اليه متمسكين ببعض المظاهر الباطلة والشوائب التي ادخلها البعض على ثورة الإمام الحسين وهي ليست منها وقد شرحناها في دراسة ” ثورة الإمام الحسين بين تطرفين “.

    والاشكاليات المعرفية التي تواجه ثورة الإمام الحسين اليوم هي الاشكاليات المعرفية ذاتها التي واجهتها في مهدها ولكن طرأ عليها غسيل دماغ كبير راح ضحيته من اخذ الحديث والرواية من غير اهلها ، ومن تفقه قبل آوانه فكان مثله كمثل الحصرم عندما تقطعه يظل حصرما ولا يصبح عنبا وقد عبر عن هذه الاشكالية ابو العلاء المعري عندما قال :-

    اجاز الشافعي فعال شيء

                   وقال ابو حنيفة: لايجوز 

    فضاع الشيب والشبان منا

                   وما اهتدت الفتاة ولا العجوز 

    وخير من عبر عن الاشكالية المعرفية في القرن السادس الهجري هو العلامة الزمخشري صاحب تفسير الكشاف وهو من علماء أهل السنة والجماعة حيث اختصر تلك الاشكالية المعرفية شعرا حيث قال :

    إذا سألوني عن مذهبي لا ابح به

                  واكتمه كتمانه لي اسلم 

    فإن حنفيا قلت قالوا بأنني

                    ابيح الطلا وهو الشراب المحرم 

    وإن مالكيا قلت قالوا بأنني

                   ابيح أكل الكلاب والكلاب هم هم 

    وإن شافعيا قلت قالوا بانني

                      ابيح نكاح البنت والبنت تحرم 

     وغن حنبليا قلت قالوا بأنني

                              ثقيل …… مجسم 

    وإن من أهل الحديث وحزبه

                  يقولون تيس ليس يدري ويفهم 

    تحيرت من هذا الزمان وأهله

                     فما احد من السن الناس يسلم 

    فاقصاني زماني وقدم معشرا

                       هم لا يعلمون ….. وأعلم 

    وهذه الابيات الشعرية اهديها لكل الذين علقوا على ماكتبناه في ثورة الإمام الحسين بدون علم وكالوا لنا تهم الطائفية وهم غرقى فيها وتورطوا في الادعاء على الآيات القرآنية التي ستكون خصما لهم يوم القيامة.

    ويمكن ايجاز الاشكالات المعرفية التي واجهت ثورة الإمام الحسين وهي كما قلت تمثل الاشكالات المعرفية التي واجهت خطاب السماء ولكن بلون جديد وأساليب جديدة ولكن الخلفية واحدة من حيث :-

    1-  ظاهرة النفاق

    2-  ظاهرة الازدواجية الشخصية

    3-  ظاهرة الجهل المعرفي

    4-  ظاهرة الاستهزاء

    5-  ظاهرة الاستكبار والتعالي التي مثلها في قديم الزمان نمرود وفرعون وقارون ، ومثلها في العصر الحاضر كل الانظمة الطاغوتية المستبدة التي سحقت المستضعفين وحاولت دون جدوى منع زيارة الإمام الحسين ومنع احياء ذكرى ثورته العالمية التي دوت اصداؤها في ارجاع العالم حتى أصبح عشاقها من كل الديانات  ومن كل الاجناس والاعراق .

    ومن أهم الاشكاليات المعرفية التي واجهت ثورة الإمام الحسين هي:-

    1- إنكار مفهوم العصمة كما ارادته السماء 

    2- إنكار مفهوم الخلافة كما ارادته السماء واخبر به رسول الله “ص” وكتب الصحاح والمسانيد مليئة به وان حرفت في بعض كتب المتأخرين .

    3- إنكار مفهوم الإمامة كما نصت عليها الآيات القرآنية ولكن غسيل الدماغ سبق افهام الذين غرروا بمن لا يستحق الفتوى وليس جديرا بها في مقابل من هو الجدير وسجل الامة حافل بذلك ولكن البعض لايريد ان يقرأ وقد عبر عن ذلك الشاعر أبو العلاء المعري والعلامة الزمخشري وهم ليسوا من الشيعة ، وقد رأينا من ينكر وجود الاشهر واسمائها بالعربية ناسيا ان النص قرآني وقد اخبرنا بان عدة الشهور عند الله هو هذا العدد ومنها اربعة حرم من يوم خلق الله السماوات والأرض ومرد هذا التخلف هو الأخذ ممن لايجوز الأخذ عنهم مع وجود النص ومع وجود الأعلم الذين حددهما القرآن ” الراسخون في العلم ” ولا يستطيع احد ان يدعي بعد رسول الله من غير ائمة أهل البيت بانه من الراسخين في العلم والتجارب والحوادث التي مرت على المسلمين مع غيرهم كشفت ذلك لأهل العلم أما الذين مازالوا في سبات فسباتهم لا يعفيهم من المسؤولية قال رسول الله “ص” : لله على الناس حجتان : حجة ظاهرة وهي ارسال الرسل وانزال الكتب وحجة باطنة وهي العقل .

    4- رأينا البعض يقع في اشكالية فهم الغيب ومعناه وهذا من أكبر الاشكاليات المعوقة للمعرفية في مختلف الابواب المعرفية ، ولا أحد يناقش في الواضحات لان النقاش يتحول الى سفسطة ، فالغيب وعلمه مطلق لله تعالى ولكن العقل يقول وقد اخبرنا قبل ذلك القرآن وما بينه رسول الله من ان بعض الغيب قد يكشف للنبي والنبي يخبر به من باب قيام الحجة كما فعل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حجة الوداع .

    حيث نقل لنا سلمان الفارسي الصحابي الجليل ما اخبر به النبي صحابته من مغيبات تأتي في آخر الزمان ومنها وقوع كثرة العقوق ، وكيف يكون حج التجار وحج الفقراء وكيف تكون العلاقات بين الدول وكيف تنزل الامطار في غير وقتها وكيف تكون النساء وكيف يكون الحكم واصحابه كانوا يتعجبون ويقولون او يحدث هذا يا رسول الله .

     ثم من منا ينكر ما اخبر به رسول الله يوم ضرب الصخرة في الخندق وكيف اخبرهم بسقوط ملك الفرس والروم وقد استهزا اليهود بذلك ، ثم من ينكر ما كان عليه عيسى “عليه السلام” من اخباره لبني اسرائيل عما يخبئون ويدخرون في منازلهم وهو سر وغيب لا يعلمه إلا الله وصاحب المنزل ولكن الله كشف ذلك لنبيه عيسى حتى يكون قوي الحجة بين قومه من بني اسرائيل ، فعلى الذين ينكرون فتح بعض ابواب الغيب لرسول الله والائمة الاطهار ان يعيدوا حساباتهم وان لايظلوا متحجرين على اقوال ومزاعم بعيدة عن فهم القرآن وعلومه وقد عرف أهل البحث والعلم ان احدهم لم يكن يعرف معنى ” ابا” والبعض الآخر لم يكن يعرف هل الخمر محرم في كتاب الله أم لا ؟.  

    حتى اجابه الإمام الرضا من أهل البيت .

    5- هذه اهم المحطات المعرفية التي شكلت حاجزا واشكالا معرفيا في مواجهة ثورة الإمام الحسين عند الذين لم يتخلصوا من المنخفض الفكري الذي وقعوا فيه والذي لخصه العلامة الزمخشري..  

  • التكريمات!!

    يبدو من الصعب، التمييز بين مفردتي ( الهدية والتكريم)، على الرغم من ان كل واحدة منهما تنتمي الى جذر لغوي خاص بها، فالهدية كما هو معلوم، إذا جاءت ضمن سياقها الاجتماعي والأخلاقي، تكون مقبولة بل هي فعل حضاري وايجابي من شأنه تمتين الروابط بين الناس وتعزيز علاقاتهم الإنسانية، وبخلاف ذلك فأنها مرفوضة، وقد ترقى الى السلوك الشائن، ومن ذلك الهدية التي يقدمها الرجل لزوجته، (مضطرا) بمناسبة عيد ميلادها الثلاثين أو الذكرى الخامسة والثلاثين لزواجهما، ومن ذلك كارتات الموبايلات والساعات وقطع الذهب التي تعطى للموظفين، أو ملايين الدولارات التي تقدم للمسؤولين على انها هدايا وهي جميعها في الحقيقة رشاوى مغلفة بورق ملون، ولا تختلف التكريمات في شيء عن الهدايا، فنمها ما هو شرعي ومطلوب حين تكرم إنسانا أدى عملا متميزا أو استثنائيا، ومنها ما يفتقر الى المسوغات ولا يبتغي وجه الله، حين تدفع (عشرين ورقة) مثلا للحصول على وظيفة، أو لكي تأخذ فرصة غيرك!!

     وإذا كانت العرب قد عرفت اول أنواع التكريم وخصت به الشعراء طمعا في مدائحهم او قطعا لألسنتهم، فان صدام حسين اول من خرج على القاعدة العربية حين وضع للتكريم (قواعد) خاصة به، وراح ينفق أموال الدولة على هواه وكأنه ورثها عن أسرته، وبذلك سن سنة سيئة له، ولبعض من تبعه من بعده!! إلا أن للتكريم أنواعا غريبة يصعب تصديقها ومن ذلك ان يتكرم احدهم بابنته أو أخته، زوجةً الى ضيفه، بل تأخذ نوبة الكرم بعضهم الى خلع زوجه، والتبرع بها كما لو انه يخلع ثوبا أو خاتما، ومن ذلك ما يقوم به بعض الرؤساء، من اقتطاع مساحات واسعة من أراضي شعوبهم وتقديمها هدية أو تكريما الى دولة جارة، ومنهم من يتبرع بثروات البلاد الى حلفائه خارج الحدود وشعبه يئن من الجوع! 

    على المستوى الشخصي وقفت على صيغة طريفة من صيغ التكريم فقد كنت في مهمة صحفية مع الصديق الدكتور حميد عبد الله الى محافظة ذي قار للكتابة عن مدن المحافظة لصالح مجلة “ألف باء” ضمن زاوية (مدن عراقية)، وبعد ان أنجزنا تحقيقا عن الناصرية وآخر عن سوق الشيوخ، توجهنا الى إحدى النواحي، وكان مدير الناحية رجلا عشائريا كريما، يحسن الحديث عن المضايف والأنساب ودلال القهوة، أكثر مما يجيد الكلام عن الخدمات والقوانين، وحين انتهت مهمتنا الصحفية في الناحية وعزمنا العودة الى بغداد، قرر الرجل تكريمنا، وكان التكريم بعيرا، متعافيا من خيرة الإبل (والله العظيم لا امزح)، واقسم برب العزة ثلاثا ان نأخذه معنا، ولم تنفع معه، اعتذاراتنا، وان منظرنا سيبدو مضحكا ونحن، (أفندية) بأربطة عنق أنيقة، ونحمل حقائب دبلوماسية حديثة، ونقود بعيرا في شوارع العاصمة، ولذلك انتهزنا اول فرصة سانحة وهربنا من الناحية وتركنا الرجل يدفع كفارة اليمين!!يجب ألا تذهب بنا الدهشة بعيدا ونتوهم ان حكاية البعير، ومدير الناحية، هي أطرف حكايات التكريم وأغربها، فهناك ما هو أكثر طرافة واشد غرابة، ليس ابتداء بالعفو عن مزوري الشهادات وتكريم المتجاوزين على أراضي الدولة، وليس انتهاء بمنح أصوات الناخبين لنواب لم تنتخبهم الناس!! 

  • بايدن والزيارات المتكررة !

    نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن هو صاحب فكرة المشروع التقسيمي للعراق،

    وزياراته المتكررة للعراق تخفي ورائها أشياء كثيرة تسرب بعضها وظل البعض الأخر طي الكتمان ولاسيما تلك التي تتم مع القيادات الكردية في الإقليم المتوج بالرغبة الأمريكية ذات الاتجاهات المتعددة والتي بدأت تتكشف عبر الأزمة السورية التي وضع الجميع أوراقه فيها على الشكل التالي :-

    1-  سقوط أقنعة من يدعم الإرهاب الذي ذقنا مرارته في العراق ومازلنا، والآن يدفع الشعب السوري ضريبة الرفض التي عرف بها الموقف السوري عبر محطات أصبحت جزءا من تاريخ المنطقة .

    2-  وضوح الخيار الأمريكي المضحي من أجل الأمن الاسرائيلي بتبني فصيل القاعدة المتغلغل في أوساط التنظيمات المتشعبة عن حركة الإخوان المسلمين والسلفية عبر المحطات التالية :-

    أ‌- المحطة المصرية : أعطاء الضوء الأخضر للمؤسسة العسكرية بالتصدي وإمتصاص احتجاجات الشعب المصري بطريقة تفرغها من أغلب توجهاتها ثم أعطاء الضوء الأخضر لوصول التنظيمات التي كانت محظورة أيام حسني مبارك بتوجيه أمريكي لرغبة إسرائيلية , علما بأن بعض تلك التنظيمات أصبح للقاعدة حضور فيها .

    ب‌- المحطة الليبية : أعطاء الضوء الأخضر للمجلس الليبي بأقامة علاقة مع مجلس اسطنبول لبعض المعارضة السورية في الخارج في الوقت الذي لم ينهي المجلس الليبي تنظيم وترتيب الوضع الداخلي الليبي بعد مقتل القذافي ؟ ثم قيام وزيرة الخارجية الأمريكية بإعطاء التوجيهات للمجلس الليبي التي كان منها قتل القذافي.

    ت‌- المحطة التونسية : تكرار المشهد المصري بتصدي الجيش وإعطاء الضوء الأخضر لوصول التنظيمات التي أصبح للقاعدة حضور فيها بعد أن كانت محظورة عليها المشاركة في الحياة السياسية التونسية .

    ث‌-  المحطة التركية : من خلال التغيير السريع لبوصلة العلاقة التركية السورية من الصداقة والتعاون والانفتاح الى العداء العلني الذي حرق كل مراحل العمل الدبلوماسي الى نصب الدرع الصاروخي في الأراضي التركية الى التهديد بإيجاد منطقة عازلة على الحدود التركية السورية تمهيدا للتدخل العسكري بعد أن فشل المخيم التركي من خلال ملف النساء المغتصبات وعودة بعض المعارضين الذين اكتشفوا على الأرض زيف ألادعاءات من قبل المعارضة السورية في الخارج ومن قبل الحكومة التركية ومن أهم الأسماء والوجوه التي ظهرت على الفضائية السورية تعلن ندمها هي:-

    1- المقدم حسين الهرموش

    2-  الرسام صيطوف

    3-  الشيخ أحمد أمام مسجد في درعا

    4-  المهندس يحيى العكش

    5-  مجموعة عائلة آل الحلاق من حمص

     ج‌-المحطة اللبنانية : من خلال توجيه تيار المستقبل التابع للحريري بنقل إمدادات السلاح والمال عبر وادي خالد والقرى المتداخلة على الحدود السورية اللبنانية والذي توج الحشد الإعلامي له عبر ما سمي بمهرجان طرابلس وهذا الخط هو الذي يتلقى التوجيه المباشر من السعودية , مع العلم أن الحكومة اللبنانية لم توقع على عقوبات الجامعة العربية للشعب السوري .

    وهكذا تتضح صورة المشهد الذي تحركه الولايات المتحدة الأمريكية وإذا أضفنا الى هذا المشهد تحرك بعض بوارجها الى البحر المتوسط قبالة الساحل السوري.

    ومن خلال هذه الصورة يمكن قراءة الزيارة المفاجئة لجو بايدن نائب الرئيس الأمريكي للعراق عشية انسحاب القوات الأمريكية الذي لم يكتمل بعد.

    فدولة تحرك أساطيلها وتنظم خارطة الطريق للتابعين لها وهم كل من :-

    1-  تركيا أوردغان  

    2-  دول مجلس التعاون الخليجي والملتحقين الجدد بها مثل : الأردن والمغرب

    3-  الجامعة العربية

    4-  المجلس الليبي الجديد

    هذا التسارع المستفز أفرز مواقفا جديدة لكل من :-

    1-  إيران التي هددت بضرب الدرع الصاروخي في تركيا أذا ضربت منشآتها وقد كانت قد أعلنت قبل هذا ضربها لدويلة اسرائيل أذا تعرضت لآي اعتداء .

    2-  روسيا التي حركت سفنها العسكرية باتجاه ميناء طرطوس السوري ثم هددت بمنع أي تعرض لسورية .

    3-  تعاطف كل من البرازيل والهند والصين وكوريا مع الموقف السوري.

    4-  إمكانية الاستفادة من حيوية الخط الجغرافي الممتد من الصين، روسيا، إيران مرورا بالعراق الذي رفض المقاطعة العربية لسورية وصولا الى لبنان الذي رفض المقاطعة العربية لسورية .

    ومع وضوح وبلورة الصورة على ضوء الفرز الدولي الذي صاحب الأزمة السورية فأن زيارة السيد جو بايدن تصبح في المربع الأخير تتحرك في غير محيطها بعد وضوح أدواتها في الأزمة السورية التي لا يمكن أن يكون العراق طرفا وخصما فيها لسورية الجارة الوفية للشعب العراقي .

  • ربطة عنق !!

    هاتفني زميل إعلامي يشرف على القسم السياسي في إحدى الفضائيات ، وهو في الحقيقة صديق قديم تمتد علاقتي به الى ثلاثين سنة،ولعله من باب الوفاء لتلك العلاقة الطيبة ، أو من باب الوهم بكفاءتي السياسية ،  اتصل بي ، وطلب مني بإلحاح ، الظهور في برنامج استحدثته الفضائية التي يعمل فيها ، تحت عنوان (السياسي والشارع) ، ويقوم على إستضافة شخصية مشهود لها بسعة الأفق والثقافة الموسوعية والقدرة العالية على التحليل ، تتولى الرد على أسئلة المشاهدين الذين يتصلون عبر الهاتف أو الانترنت ، ويكون البث مباشرا على الهواء.

    اعتذرت طبعا بكل ما أوتيت من قوة، فانا اعرف إمكانياتي الهزيلة وليست المتواضعة ، ولكن الرجل كان مصرا ، ورفض الإصغاء الى أعذاري ، وحاول تذليل المصاعب أمامي ، وفي المقدمة منها ان الأسئلة ستكون مخصصة حول قضية يتم تحديدها للضيف والمشاهدين معا ، ولكي أتخلص من هذه الورطة ، فقد وضعت شرطا قاسيا أمام الفضائية ، هو ان تدفع لي مبلغ ( 150) دولارا ، غير انه فاجأني بان المبلغ الذي سأتقاضاه هو ( 300) دولار ، وقد افقدني هذا الرقم توازني ووافقت في الحال !!.

    قبل موعد البرنامج بخمسة أيام هيأت نفسي ، واستعرت ربطة صديقي الدكتور حسن كامل التي يرتديها في المناسبات المهمة فقط ، ولان تجربته معي مرة ، فانا لا أعيد الأشياء التي أستعيرها،لذلك دفعت له (30 دولارا ) من باب  (التأمينات) على ان أعيدها سالمة ، وفي الساعة المحددة دخلت الأستوديو بعد ان أجرى المخرج تعديلا طفيفا على ( هندامي ) حيث غير ربطة عنقي الأنيقة ، لان لونها لا يتواءم مع بدلتي ، وألبسني ربطة عتيقة يعتقد أنها تناسب بشرتي الغامقة !!.

    على مدى 5 دقائق تحدث مقدم البرنامج عن سيرتي الذاتية (المذهلة) بحيث انتشيت وصدقت الهالة الكاذبة التي أضفاها علي ووصفني في معرض نفاقه الإعلامي ، إنني واحد من اكبر العلامات الفارقة في مجال السياسة الإقليمية والدولية ثم بدا يستقبل أسئلة المشاهدين ، وكان اول اتصال من سيدة تكرهني بالتأكيد ، لعلمها على ما يبدو ان ابغض شيء على روحي هو أسئلة النسوان فقد قالت:تحياتي لضيفكم المحترم … وأود ان استوضح من جنابه عن قضيتين متداخلتين ، الأولى : هل حزب البعث الحاكم في سوريا هو غير حزب البعث المحظور في العراق أو الذي تتهمه الدولة بالتآمر والأعمال الإرهابية القذرة ؟

    والثانية : لماذا كان الموقف الرسمي للعراق في الجامعة العربية مناصرا للنظام السوري الذي كان الى وقت قريب متهما بالعديد من التفجيرات وتسهيل دخول الإرهابيين وإيواء الحاقدين على التجربة الديمقراطية في بلادنا ؟.استفزني السؤال فأجبتها منفعلا: ( أنا هنا بصفتي محللا سياسيا ولست قارئ كف أو غيب ، ومثل هذا السؤال يمكن التوجه به الى القنوات الرسمية للدولة لأنه من أسرارها الخاصة التي لا يحق لأحد إفشاءها أو الاقتراب منها )  ، ولا ادري ما الذي حصل فجأة ، فقد ظهر تشويش على الشاشة التي أمامي وغادرنا أنا والمقدم غرفة الأستوديو ، وتلقيت تأنيبا عنيفا من رئيس القسم السياسي ، لأنني أحرجتهم  ، واضطروا الى قطع البث بحجة حدوث خلل فني ، وقال لي من دون حياء: (ان ردك يتم عن جهل ، ويفتقر الى التهذيب ) ولم يدفعوا إلي دولارا واحدا ، كما لم يعيدوا لي ربطة العنق ، وخسرت مبلغ التأمينات ، وبذلك كنت اكبر المتضررين فيما كان زميلي حسن كامل الرابح الأكبر،لأنه أشترى تلك الربطة أمامي بستة دولارات فقط .. ولكن الدنيا حظوظ !! 

  • إنفلونزا المناصب وهيستريا المكاسب…!

     فتحت الفوضى (الخلاقة) التي احدثها الأميركان بعد انهيار النظام السابق شهية الآلاف من الاشخاص لإلتهام المناصب الشاغرة وانتزاع المكاسب بكل الطرق والسبل وفي مقدمتها الدجل والنفاق والوشاية وممارسة الحوسمة بكل أشكالها وابعادها وأهمها الاكتساح بالكيديات أو بالكواتم الكاتمة للأرواح…..!

     وشهدنا من هذه الفعاليات ما لم تشهده كل شعوب الأرض، وما زالت هذه الفعاليات قائمة على قدم وساق، فهنالك شخصيات تنتظم في لوبيات وتخطط ليل نهار وتنفذ مؤامرات وتكتب خطابات وتصدر منشورات وتحرض وتهدد وأصبحت ساحة نشاطها كل وزارات الحكومة. وايضا داخل البرلمان والأحزاب والمنظمات وقوى الارهاب. إنهم لايترددون من التعامل حتى مع الشيطان الرجيم وربما تتعب الشياطين وتخمد إلى حين لكن شهوة هؤلاء البشر للسلطة لا تتوقف عند حدود ولا تعترف بالقيود الأخلاقية  في المنافسة ، ولا تعترف بأسس  الكفاءة والنزاهة في تحقيق الطموح الشخصي، بل العكس إنهم يصورون الآخرين مختلسين ولصوصا واغبياء وإن ثبت العكس قالوا أنهم ينتمون للبعث المقبور. وللإجتماعات يعقدون وإن بطلت هذه التهمة روجوا افكارا خبيثة ومسمومة تمس شرف الآخرين وسمعتهم ولهم اساليب من المكر والافتراء لا يقرها القانون والاعراف والقيم السماوية السمحة ومنها الاستمالات العاطفية المذهبية. انهم يحملون المصاحف معهم ويقسمون كذبا لتعزيز ادعاءاتهم أمام الآخرين وحين يلامون أو يعاتبون يكررون القسم باتجاه معاكس وهم بذلك كذبوا مرتين في قضية واحدة فيالهم من ملاعين حتى للدين يشوهون ولكتاب الله يسيئون…!

     والأكثر غرابة في هذا المشهد الغرائبي ان هنالك من يصغي لهؤلاء ويتعاطف معهم ويوفر لهم حتى الغطاء القانوني للتنكيل بالابرياء والشرفاء لعزلهم وفتح الأبواب لهذه النفوس المريضة لتتولى سلطة تستخدمها كآداة للتزلف والمجاملة وتحقيق مكاسب على حساب سقوط الاستحقاقات ومعايير المفاضلة في التعامل مع المواطنين على اسس العدالة والانصاف. والعجيب ان هذا السلوك الشيطاني يتسع ودائرة ضحاياه تكبر من خلال التهميش أو التحريض على عزلهم أو قتلهم، وهذه الانفلونزا الجديدة تصيب النخب والاكاديميين أكثر من اصابتها للناس الاعتياديين مما يصعد من درجة الخطورة وتفاقمها خاصة حين تصاحبها هيستيريا تحركها العقد الشخصية الدفينة.

     إننا بحاجة ماسة لعقاقير فعالة ودواء سريع يفرز هذه الظاهرة ويعزل اصحابها ويحطم احلامها المريضة لأنها تنخر في دوائرنا الحكومية والمدنية من الداخل وتحتاج لأن نطوقها ونبحث عن الرؤوس العفنة التي تغذي احقادها لنكافحها بذات الطريقة التي نكافح فيها حشرة الارضة التي تدمر كل شيء لامتلاكها ادوات القرض، ولأصحابنا ادوات ممائلة في حرق الآخرين و(علسهم) ليخلو لهم وجه كبار المسؤولين واسيادهم من الشياطين ليحصلوا على المناصب وينالوا ما يحلمون به من مكاسب غير مشروعة….!

  • مرارة الحقيقة !!

    مساء الأحد الموافق 13 / 11 / 2011 ، ضمتني جلسة ظريفة مع مجموعة من الأصدقاء، تبادلنا في أثنائها شتى الاحاديث، بحيث يمكن أن أسميها بلا تردد جلسة ثقافية عامة، سادتها روح العلم والجدية والديمقراطية، فقد كان الأستماع الى الرأي والرأي الآخر، وإحترام ما يطرح من أفكار وقناعات هو سيد الموقف.لا أستطيع بالطبع إستذكار الموضوعات جميعها في جلسة إمتدت إلى قرابة أربع ساعات، ولكن واحدة من أهم القضايا العلمية التي استحوذت على نصيب وافر من النقاش، هي قضية (الأنقراض) التي تعرضت لها مئات الأنواع من الحيوانات والنباتات على مر التاريخ ، وما زالت تتعرض لها في عصرنا الراهن.

    كان من الطبيعي ان تتعدد الطروحات وتتباين المواقف ويدلي كل بدلوه ، فقد أشار أحد الحضور إلى أن بعض التغيرات الحادة التي شهدتها الطبيعة في هذا العصر أو ذاك من العصور التي مرت بها الكرة الأرضية، هي التي أدت الى هلاك أو إنقراض فصيلة بكاملها من عالم المملكة النباتية أو الحيوانية، بحيث لم يعد لها وجود ، إلا في المتاحف والكتب … وعلق صديق ثان في الاطار نفسه مؤكدا على دور المناخ كالانحباس المطري والجفاف، وكذلك الموجات العنيفة من الحر أو البرد أو الجليد في إنقراض بعض الكائنات الحية التي لم تستطع التكيف أو الاحتمال أو المواجهة… وفيما ذهب صديق ثالث إلى ربط عملية الانقراض بأنواع معينة من الامراض والفايروسات القاتلة ، ذهب صديق رابع الى الحديث التفصيلي عن الصيد الجائر، وإن الحاجة المادية أحيانا، أو هواية الصيد العبثي كان لها أكبر الأثر في انقراض فصائل نادرة من الحيوانات مؤكدة في الوقت نفسه على إن تهديدات الانسان منذ اختراع البارود كانت أشد خطرا من الطبيعة … وثمة كلام كثير عن مخاطر الانقراض وعن إمكانية استنساخ الكائنات المنقرضة …الخ. 

    في الحقيقة لم تبق زيادة لمستزيد ، وكنت في اثناء ذلك اتابع النقاش بشغف من دون ان اشارك فيه ، فأنا لا أحشر نفسي فيما لا علم لي به.

    إلا ان احد الاصدقاء ، على ما يبدو فطن الى صمتي وأراد دعوتي إلى المشاركة بصورة غير مباشرة ، ولهذا سألني سؤالا غريبا جعل الحاضرين يلتفتون اليه  (من هو سلمان الصالح الذي طالما كان بطلا لمقالاتك الصحفية… هل هو اسم حقيقي أم مستعار؟!).

    كان أمرا مفاجئا لي وللحضور الذين اشرأبت أعناقهم نحوي ، ولهذا تريثت قليلا كي استجمع افكاري قبل أن أرد عليه: سلمان الصالح يا عزيزي شخصية حقيقية وليس اسما مستعارا ، وهو مواطن بسيط وطيب ونزيه ، لم يسرق درهما ، ولم يقبل رشوة ، ولم يفكر بمنصب أو زعامة أو بما ليس له ، يحب وطنه أكثر من حبه لأبنائه ، ويتألم الى حد البكاء حين يسمع كائنا من يكون يفكر بإيذاء العراق او تقسيمه ، او يتحدث بلغة السنة والشيعة والمحاصصة… وما كدت انتهي من كلامي حتى علق أحدهم ساخرا: ان رجلا بهذه المواصفات انقرض أو في طريقه الى الانقراض، وتساءل الاخر بالسخرية نفسها: ما رأيكم لو طالبنا الحكومة بأستنساخ سلمان الصالح؟!

    وغصت الجلسة بضحكات عالية حتى إن البعض سقط على الأرض من فرط الضحك والسعادة ، بينما كنت وحدي أتمزق حزنا وأنا أتذوق مرارة الحقيقة!!

  • سقوط (شريف) وتنحي (شرف)

    قال الشعب المصري كلمته بعد واقعة الجمل، فسقط (الشريف) غير الشريف، وسحقته الجموع الثائرة الغاضبة في قلب ميدان التحرير.  تسلق رجال الجيش سلم السلطة مرة أخرى في حوض النيل، وتربعوا على منصة الحكم، وكادوا أن ينفردوا بها، فزحف الشعب ثانية نحو ميدان التحرير، ليكمل مسيرة الحرية والانعتاق، ويقف بوجه الجور والظلم والاستبداد، فانهارت حكومة (شريف)، في خطوة جاءت رداً على الدماء، التي سالت بميدان التحرير، وعادت السلطة مؤقتا إلى ثكنات المشير (طنطاوي).

    شتان بين صفوت الشريف، وعصام عبد العزيز شريف، فالأول لم يكن شريفا في يوم من الأيام، ولم يكن عفيفا بالمرة، والثاني هو الذي قال: (لا) في وجه من يقولون: (نعم، وحاضر يا فندم، وأمرك يا سيدي على راسي)، وقدّم استقالته قبل ثلاث سنوات، تاركاً مكتبه الفخم في وزارة النقل، بعد فاجعة قطار (قليوب)، وهو الرجل نفسه الذي أطلق مفاجأته الثانية هذا الأسبوع، عندما قرر مغادرة منصب رئيس الوزراء من غير شوشرة.   

    شتان بين صفوت الشريف الذي كان الصندوق الأسود لأسرار مبارك، وبين الدكتور عصام وزير النقل الأسبق ورئيس الوزراء مصر منذ 3/5/2011. 

    لم يكن صفوت الشريف شريفا في حياته، ولم يكن مجرد قيادي في حزب مبارك، بل كان هو القواد، الذي تمرس بسلسلة لا حصر لها من العمليات القذرة.  

    بدأ حياته في ممارسة الدعارة السياسية منذ اليوم الذي عمل فيه ضمن وحدات الاستخبارات، تحت اسم حركي (موافي)، فانحصرت مهمته في تجنيد الساقطات في العمليات الاستخباراتية، وهي المهنة التي أجادها، واستعان بها في نشر الرذيلة في الأوساط السياسية، للمدة التي أمضاها وزيرا للإعلام (23) عاماً، منذ بداية حكم مبارك، نال بعدها عدة ألقاب، نذكر منها: الشيطان، ومسؤول الدعارة في القصر الجمهوري، واخطر رجل في مصر، والقواد موافي. .

    في حين نال الدكتور عصام شرف مرتبة الشرف في العلوم الهندسية من جامعة بوردو الامريكية في هندسة النقل عام 1984، عمل بعدها أستاذا في جامعة القاهرة، وجامعة الملك سعود، ثم نال شرف منصب أمين عام مجلس الأشغال بجامعة القاهرة، حتى صار وزيرا للنقل والمواصلات في أول حكومة شكّلها أحمد نظيف، لكنه ترك الوزارة احتجاجا على إهمال حكومته وتقاعسها عن أداء واجباتها على الوجه الأكمل، وعاد إلى الظهور على الساحة السياسية ليتبوأ منصب رئيس وزراء مصر، وما أن شعر باتساع سلطات الجيش، وأدرك الانحراف في مسار الثورة التحررية حتى بادر لتقديم استقالته مرات ومرات، لينجح في نهاية المطاف في التنحي عن السلطة ليسحب البساط من تحت أقدام العم طنطاوي ومعسكره القلق، الذي فقد شرعيته في شهادة وفاة رسمية، كتبها ووقعها الثوار بأصواتهم الهادرة، المنددة بعودة العسكر إلى سدة الحكم. (الشعب يريد إسقاط المشير).

    لقد استشعر المصريون الخطر، وبدوا وكأنهم تعلموا الدرس من الشعوب المجاورة، التي مرت بالأزمات الانتقالية نفسها، فقرءوا المقررات الدراسية المستقبلية قراءات معمقة ومستفيضة، وقرروا التصدي لكل الانحرافات التي قد تودي بحريتهم، والتي ربما تعيدهم إلى الخنادق العسكرية الفولاذية. .

    فهل سيصمد المشير طنطاوي لوحده في مواجهة الجموع الغفيرة المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة والإنسانية في إطار حكومة مدنية منتخبة، قادرة على انتشال مصر من محنتها القديمة المعاصرة ؟؟.

    الجواب سنسمعه قريبا من ميدان التحرير.