د. علي التميمي
من عام 1917 حيث الاحتلال البريطاني للعراق، الى عام 2003 والاحتلال الأمريكي، ما الذي تغير في العراق كدولة؟ وما الذي تغير في العراق كمجتمع؟ أما الذي تغير في العالم فهو كثير وكبير. ولكن يهمنا في مناسبة ذكرى ثورة العشرين ان نتحدث عن العراق الدولة، وعن العراق المجتمع.
أما الدولة التي ولدت في أحضان الاحتلال البريطاني فبرغم كل ما قيل عنها، ولاسيما ان القائلين عنها قارنوها بما بعدها، وهذا صحيح من جانب، ومن جانب آخر ينطوي على مصادره، لا يمكن سلامة البحث مع وجودها.
ورغم دهاء وخبرة البريطانيين التي اكتسبوها عبر مدة طويلة من الاستعمار والذي جعل بلادهم تسمى “بريطانيا العظمى”، إلا ان روح الإبداع وصفاء الوطنية لا تنتقل بالواسطة وعبر الآخرين، ولكنها تحتاج الحضور للمكون الوطني، وهذا المكون في حالات الاحتلال والاستعمار، يكون مبعدا، ولذلك يتقدم عليه رموز السمسرة والنفاق، ومن جراء ذلك تأخذ الأمور منحى سطحيا يكتفي بالشكليات، لذلك تكون حركة الدولة متخشبة غير مرنة فتضمر الحيوية، وينمو الخداع والغش ليصنع شكلا ظاهريا لا يثمر إبداعا، ولا تختمر فيه وطنية.
ولذلك كانت الدولة العراقية في ظل الاحتلال تنشا مشوهة لا تنتمي الى جذورها، ولا تستقي من نبع ينابيعها، فظهرت التربية متلونة بمزاج من يخدم سلطة الاحتلال، وظهرت الصحة متخمة بالتقليد الذي جعل المهنة تركض لاهثة وراء الشكل وتنسى المضمون والمنطلق الذي يتعبد بالنص القرآني: “واذا مرضت فهو يشفين” ويستدل بالنص النبوي: “ما انزل الله من داء إلا وجعل له دواء فتداووا يا عباد الله”.
وبدل من ان تزرع بذور تناسب التربة العراقية في التربية مثلا: قدموا لها مقولات لم يكن لصاحبها إرثا فكريا او معرفيا، وإنما هو من رعايا الاحتلال الذين دجنهم على خدمة التاج البريطاني، قبل ان يتواصلوا مع القواعد الشعبية بهمومها وحاجاتها، ونتيجة الفراغ الذي تركته السلطنة العثمانية، وجد الطامعون بالألقاب والمناصب فرصة للظهور ولو بالتتويج البريطاني، فكان فيصل بن الشريف حسين ملكا على العراق الذي نقلوا عنه مقولة: “لو لم أكن ملكا لكنت معلما”. وقدمت للمدارس العراقية على أنها تشجيع للعلم، ولكن بعد هذه المقولة المخدرة، لم يشهد العراق مشروعا تربويا وعلميا يعبر عن صدق تلك الشعارات.
وإذا كانت الصناعة العراقية حالها حال التربية والصحة والثقافة والزراعة، لم تشهد توجها حقيقيا لاكتساب الخبرات وتطوير المهارات وادخال المكننة خصوصا بعد الاكتشاف المبكر للنفط في حقول بابا كركر العراقية، ومن يعتبر مشاريع مجلس الإعمار في العهد الملكي هي من طليعة المشاريع التي نهضت بالعراق، ينسى ان الدولة اية دولة، لابد لها من تقديم الخدمات، والكلام هنا في نوعية الخدمات، وحجم الحاجة الوطنية لها، لا تلك الخدمات التي تقدم على طريقة الشاعر:-
وقصيدة قد قلتها ليقال من ذا قالها
تأتي الملوك غريبة ليقال من ذا قالها
فالبلد كان خاليا من كل المشاريع الخدمية التي كان لابد منها، والبلد الذي اكتشف النفط فيه في العشرينيات من القرن الماضي لم تظهر مشاريع مجلس الاعمار الا في الخمسينيات، وبناء الطرق لم يبدأ إلا في نهاية الخمسينيات “طريق حلة – ديوانية” على سبيل المثال وضع الحجر الأساس في العام 1957 م.
والمنطقة الوسطى والجنوبية التي كانت تعاني من انتشار مرض التدرن، لم يؤسس فيها مستشفى متخصص لعلاج أمراض السل إلا عندما بادر الحاج عبد الرزاق مرجان لإنشاء مستشفى للأمراض الصدرية على نفقته الخاصة في مدينة الحلة عام 1957.
والمنطقة الشمالية التي كانت تعاني من أمراض الملاريا، وتضخم الغدة الدرقية بسبب المياه الكبريتية التي تصب في نهر دجلة عند الموصل فتؤدي الى اختزال اليود في الجسم، مما يؤدي الى تضخم الغدة الدرقية، ولم يفكر احد في ايجاد مصحات خاصة للمواطن.
والأمية ظلت متفشية بين المواطنين…. ومن ملاحظة كل ذلك وغيره يمكن الاستنتاج بان ثورة العشرين التي قام بها الشعب العراقي من خلال طلائع العشائر التي تحمل شعورا وطنيا متاصلا من خلال رصيد ثقافي شعبي يتصل بتاريخ العراق وما وقع فيه من احداث وثورات كانت تتحرك طبقا لبوصلة السماء التي أخذت من مشاعر الناس وهجا لا يرتفع الى مستواه اي رصيد او وهج اخر. ومن الامثلة الحية على ذلك هو ما لثورة الامام الحسين من رصيد تعبوي جماهيري قل نظيره تاريخيا، وبشريا.
ومن مصاديق الحس الشعبي المعبأ بذلك الرصيد الذي يحتوي على قيمة عليا من الافكار والمفاهيم، حيث وقف احد الشعراء الشعبيين يوما في حفل جماهيري عشائري يمدح احد رؤساء العشائر، فبلغ واخطأ في المعنى والمفهوم، فما كان من الجمهور الحاضر والمستمع الا ان رد عليه غاضبا طالبا منه عدم الاستمرار في الهوسة التي تتضمن خطا. حيث قال: –
هذا الما جابت حوى من امثاله….. مشيرا الى رئيس العشيرة الممدوح بما لا يتناسب مع وجود الانبياء وفي مقدمتهم النبي محمد “ص” الذي لا يجوز ان يقارن بهم احد من عامة الناس.
هذا الحس المحمل بثقل التاريخ ومفاهيمه، هو الذي حرك العشائر العراقية للثورة ضد الانجليز وعملائهم، واذا كانت ثورة العشرين قد انطلقت من عشائر الرميثة بقيادة شعلان ابو الجون، وقامت معها بقية عشائر العراق، وهذه الظاهرة لم تدرس بعين التحليل الاجتماعي جيدا، فالعراق في تلك الفترة لم تكن المدن فيه قد وصلت الى حاضنات حضرية تتمثل فيها مكونات سكانية متعددة تنشط فيها مؤسسات او منظمات مهنية وغيرها، وانما كانت مدن عانت من تهميش حكام السلاطين العثمانيين فبقيت بدون حواضر مهمة حتى العاصمة بغداد بالرغم من تغني الأتراك بالمثل التركي عن بغداد والذي يعود الى زمن بغداد ايام العصر العباسي، حيث يقول المثل التركي: “لا مدينة كبغداد”.
ولذلك كانت مضارب العشائر العراقية تشتمل على حيوية ونشاط يلفت الانتباه اكثر مما هو عليه في المدن التي لازالت في طور النمو البطيء. وكانت مضايف العشائر تشهد اجتماعات ولقاءات تفرضها العادات والطقوس، مما يجعلها محط انظار الناس. ولذلك كانت مظاهر الغطرسة البريطانية منظورا إليها بعين الكبرياء العشائرية التي تستمد من معتقداتها الدينية ما يجعلها تأنف من الرضوخ والاستكانة.
ومن مظاهر الاستعلاء البريطاني الذي رفضته حاسة الفرز العشائري، ما كانت تتعامل به القنصلية البريطانية مع الشريف حسين والد الملك فيصل الذي نصب ملكا على العراق، ووالده تم نفيه الى قبرص، وكان الملك فيصل يرسل حوالة شهرية الى والده في قبرص مقدارها “مئة دولار”، وكان البريد وإدارة السكك الحديد بيد البريطانيين ويعاونهم في ذلك بعض الموظفين والعمال الهنود، مما سهل عليهم التلاعب بالبريد الذي لم يكن وطنيا وبالسكك الحديد التي كانت تخدم مصالحهم، وهو تماما ما يشبه ما حصل في الإدارة الامريكية للعراق بعد “2003” من ايام كارنر وبريمر ومن اثار تلك المرحلة اختفاء ” 17″ مليار دولار أمريكي”.
والملك فيصل الاول الذي انعم عليه البريطانيون بالتاج العراقي المنقوص السيادة، واجه نفس المصير الذي واجهته حكومات ما بعد “2003” من انتقاص السيادة.
فعندما كان الشريف حسين يقيم منفيا في قبرص، أخروا عنه ذات مرة وصول الراتب الذي يرسله له ولده الملك في العراق، مما اضطر الشريف حسين الذي رفض بائع الخضرة تجهيزهم دون تقديم سعر الفاكهة نقدا. ان يذهب الى القنصلية البريطانية في قبرص ليستقرض مبلغا من المال لحين وصول الحوالة. وكان كاتب القنصلية يهوديا فقال للشريف حسين في معرض أهانته ما الضمان. فقدم الشريف حسين خنجره الذهبي، فما كان من الكاتب اليهودي الا ان زاح الخنجر بقلمه زيادة بالاحتقار، وقدم له المائة دولار. وهذا الموقف اثر على نفسية الشريف حسين فعندما رجع الى بيته اصيب بانفجار دماغي، ونقل الى عمان وتوفي هناك متاثرا من ذلك الموقف.
ولقد حدث في زمن الاحتلال الأمريكي للعراقيين شعبا وحكومة من الإذلال والهوان اكثر مما حدث لهم أيام الاحتلال البريطاني بالرغم من النفي الذي تعرض له البعض من رؤساء العشائر والشخصيات الى الهند، ففي عهد الاحتلال الأمريكي الذي تختلف اسبابه عن الاحتلال البريطاني ولكن تتوحد اهدافهما، فالاحتلال الامريكي حاصر بيت احد اعوانه وادلائه بالدبابات، وقطع عنه وعن حزبه ما كان يعطيه من مساعدات شهرية، وقام بالاعتداء على احد شخصيات الحزب الإسلامي، وهو الامين العام للحزب، وقام بمسلسل الاهانة والإذلال باعتقال احد شخصيات الاحزاب الدينية على الحدود وقاموا باستجوابه لمدة ” 12″ ساعة مع الاعتداء والضرب وتوجيه الإهانات، وبعدها قدم السفير الامريكي زلماي خليل زاده اعتذارا شفويا لا قيمة له تجاه ما قامت به عناصرهم من الاهانة والإذلال.
والعجيب ان كل هذا حدث مع أطراف تؤيدهم وتسير في مشروعهم دون ان يصدر من تلك الأطراف ما يعبر عن الرفض والتحدي كما صدر عن عشائر العراق في ثورة العشرين.
صحيح ان الظروف اختلفت وأسباب الاحتلال اختلفت، ولكن الإباء والكرامة لن تختلف في مفاهيمها، ولكن الرجال اختلفوا.
شعار ثورة العشرين:-
“الطوب احسن لو مكواري” وهذا الشعار هو التحدي الذي واجه به ثوار ثورة العشرين جحافل الجيش البريطاني ومرتزقته، والطوب يعني = المدفع، والمكوار يعني = قضيب من الخيزران مكسوا رأسه بالقير على شكل كرة دائرية، وكان شائعا عند ابناء العشائر في تلك الايام كسلاح شعبي بسيط، ورغم بساطة سلاحهم إلا ان معنوياتهم كانت كبيرة واصرارهم على الدفاع عن بلدهم وشرفهم كان الاكبر، وهذا الامر هو من مواريث التغذية الدينية التي تقوم على شحن النفوس بالعزيمة التي تضاعف من قوة المقاتلين، وهذا الارث كان المسجد يغذيه باستمرار عبر حضور متناوب بالذكرى التي تمر عبر حياة النبي “ص” وجهاده، وعبر سلسلة الائمة الاطهار وعلى راسهم الامام علي بن ابي طالب عليه السلام مثال الشجاعة الذي قال عنه بن ابي الحديد المعتزلي شعرا:-
ياقالع الباب التي عن قلعها
عجزت اكف أربعون وأربع
ولذلك عرف الامام علي: بانه قالع باب خيبر. وهو الذي قيل له: كيف كنت تصرع ابطال العرب. قال مانازلت رجلا الا واعانني على نفسه. وهو القائل لعمر بن الخطاب “رض” عندما استشاره في الحرب مع الفرس. فقال له: ما كنا نحارب بالكثرة. ولكن بالنصر والعدة. وقبل ذلك كان النص القرآني الذي يتردد على المنابر: ” ان تكونوا مائة تغلبوا مئتين” و ” ان تكونوا الفا تغلبوا الفين “. و ” ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة…” وقوله تعالى: ” اذ تقول للمؤمنين الن يكفكم ان يمدكم ربكم بثلاثة الاف من الملائكة منزلين – ال عمران – 164-
وكانت الاشعار المدوية تهز مشاعر ابناء العشائر والقرويين وابناء المدن وهم يحضرون احتفالات ثورة الامام الحسين حيث تقول تلك الاشعار:-
من جانب المحراب يمضي ركبنا
للنور لامن جانب الماخور
فكان المسجد مرجعا ثوريا، ومثلما كان في ثورة العشرين يرفع راية الجهاد الذي تقدمه المجتهدون من العلماء، مثلما عاد المسجد اليوم مرجعا للحركات التحررية في عواصم العالم العربي والاسلامي، واذا كان البعض يراهن خاسرا على فصل الدين عن السياسة، وذلك لعدم معرفتهم بطبيعة الدين وقيمومته الكونية، وعدم معرفتهم بالسياسة ومحركاتها الوجدانية المرتبطة بالاحسن والاصلح والاتم، تلك الثلاثية التي لاتطمئن الا بالعدالة ومسوغاتها المرتكزة على تفاصيل الكتاب والميزان، ولا كتاب احصى لحاجات البشرية وتنوعات الكون احسن من كتاب الله الذي اعتبره الله نورا للانسان مثلما اعتبر النبي برهانا للحق قال تعالى: ” ياايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا ” – النساء – 174-.
ان مرجعية التظاهرات اليوم في العالم العربي والاسلامي تتضح من خلال رفعها لشعار ” الله ” ثم ” الوطن ” وبما ان الوطن صناعة ربانية قال تعالى ” والارض وضعها للانام “، فمن هنا يفهم الاجماع على مرجعية ” المسجد ” بعيدا عن اسماء الافراد باعتباره بيتا من بيوت الله، يظل هو الملاذ عبر كل الازمات التي تعصف بالشعوب، حيث تتهاوى وتتراجع كل المرجعيات الوضعية امام السنة الكونية ونظامها العام قال تعالى:” لمن الملك اليوم لله الواحد القهار” و “كل من عليها فان” هذه الحقيقة هي الجواب النهائي على كل الأسئلة التي لم تجد جوابا شافيا عبر احتدام الصراعات ونشوب الخلافات.
ان ثورة العشرين كانت ببساطتها قريبة من مفهوم الكون ومرجعية المسجد وقيمومة الدين، استجابة للفطرة التي لا تحتاج الى تعقيدات المطالب الفلسفية بمقدار ما تحتاج الى الشفافية والوضوح والاقتراب من نداء الروح ” ومالي لااعبد الذي فطرني واليه ترجعون ” و ” لكم دينكم ولي دين ” اطروحة سبقت كل الديمقراطيات، وعلمت العفوية التي جعلت ابنة فلاح جنوبي من ميسان تتغلب على حنكة المبشر القادم مع الاحتلال البريطاني عندما سال فلاحا بسيطا: هل الميت احسن ام الحي. فقال الفلاح: الحي احسن. فقال المبشر الانجليزي: فاذن عيسى احسن من محمد. لان عيسى حي ومحمد ميت. فما كان من الفلاح الجنوبي الذي كانت معه ابنته وهي طفلة صغيرة ورثة الملابس: ان قال للمبشر ببساطة الفطرة وبدون تكلف: فاذن سكينة واشار الى طفلته: افضل من مريم. فصعق المبشر ولاذ بالصمت. تلك كانت حيلة الاحتلال ومكره: امام بساطة الفطرة وطيبة فلاح الجنوب وهم جنود ثورة العشرين التي امتازت بالتحدي. فهل لنا اليوم من ذلك النموذج ولو ببراءة سكينة وبساطة والدها الفلاح.
اعتقد اننا نمتلك الكثير ولكن علينا حسن الاختيار والصدق في النوايا والتوجهات.