Blog

  • “الحيف يدعو إلى السيف”.. العراق بين احتلالين.. ثورة العشرين تحدياً

     د. علي التميمي

    من عام 1917 حيث الاحتلال البريطاني للعراق، الى عام 2003 والاحتلال الأمريكي، ما الذي تغير في العراق كدولة؟ وما الذي تغير في العراق كمجتمع؟ أما الذي تغير في العالم فهو كثير وكبير. ولكن يهمنا في مناسبة ذكرى ثورة العشرين ان نتحدث عن العراق الدولة، وعن العراق المجتمع.

    أما الدولة التي ولدت في أحضان الاحتلال البريطاني فبرغم كل ما قيل عنها، ولاسيما ان القائلين عنها قارنوها بما بعدها، وهذا صحيح من جانب، ومن جانب آخر ينطوي على مصادره، لا يمكن سلامة البحث مع وجودها.

    ورغم دهاء وخبرة البريطانيين التي اكتسبوها عبر مدة طويلة من الاستعمار والذي جعل بلادهم تسمى “بريطانيا العظمى”، إلا ان روح الإبداع وصفاء الوطنية لا تنتقل بالواسطة وعبر الآخرين، ولكنها تحتاج الحضور للمكون الوطني، وهذا المكون في حالات الاحتلال والاستعمار، يكون مبعدا، ولذلك يتقدم عليه رموز السمسرة والنفاق، ومن جراء ذلك تأخذ الأمور منحى سطحيا يكتفي بالشكليات، لذلك تكون حركة الدولة متخشبة غير مرنة فتضمر الحيوية، وينمو الخداع والغش ليصنع شكلا ظاهريا لا يثمر إبداعا، ولا تختمر فيه وطنية.

    ولذلك كانت الدولة العراقية في ظل الاحتلال تنشا مشوهة لا تنتمي الى جذورها، ولا تستقي من نبع ينابيعها، فظهرت التربية متلونة بمزاج من يخدم سلطة الاحتلال، وظهرت الصحة متخمة بالتقليد الذي جعل المهنة تركض لاهثة وراء الشكل وتنسى المضمون والمنطلق الذي يتعبد بالنص القرآني: “واذا مرضت فهو يشفين” ويستدل بالنص النبوي: “ما انزل الله من داء إلا وجعل له دواء فتداووا يا عباد الله”.

    وبدل من ان تزرع بذور تناسب التربة العراقية في التربية مثلا: قدموا لها مقولات لم يكن لصاحبها إرثا فكريا او معرفيا، وإنما هو من رعايا الاحتلال الذين دجنهم على خدمة التاج البريطاني، قبل ان يتواصلوا مع القواعد الشعبية بهمومها وحاجاتها، ونتيجة الفراغ الذي تركته السلطنة العثمانية، وجد الطامعون بالألقاب والمناصب فرصة للظهور ولو بالتتويج البريطاني، فكان فيصل بن الشريف حسين ملكا على العراق الذي نقلوا عنه مقولة: “لو لم أكن ملكا لكنت معلما”. وقدمت للمدارس العراقية على أنها تشجيع للعلم، ولكن بعد هذه المقولة المخدرة، لم يشهد العراق مشروعا تربويا وعلميا يعبر عن صدق تلك الشعارات.

    وإذا كانت الصناعة العراقية حالها حال التربية والصحة والثقافة والزراعة، لم تشهد توجها حقيقيا لاكتساب الخبرات وتطوير المهارات وادخال المكننة خصوصا بعد الاكتشاف المبكر للنفط في حقول بابا كركر العراقية، ومن يعتبر مشاريع مجلس الإعمار في العهد الملكي هي من طليعة المشاريع التي نهضت بالعراق، ينسى ان الدولة اية دولة، لابد لها من تقديم الخدمات، والكلام هنا في نوعية الخدمات، وحجم الحاجة الوطنية لها، لا تلك الخدمات التي تقدم على طريقة الشاعر:-

    وقصيدة قد قلتها ليقال من ذا قالها

     تأتي الملوك غريبة ليقال من ذا قالها

    فالبلد كان خاليا من كل المشاريع الخدمية التي كان لابد منها، والبلد الذي اكتشف النفط فيه في العشرينيات من القرن الماضي لم تظهر مشاريع مجلس الاعمار الا في الخمسينيات، وبناء الطرق لم يبدأ إلا في نهاية الخمسينيات “طريق حلة – ديوانية” على سبيل المثال وضع الحجر الأساس في العام 1957 م.

    والمنطقة الوسطى والجنوبية التي كانت تعاني من انتشار مرض التدرن، لم يؤسس فيها مستشفى متخصص لعلاج أمراض السل إلا عندما بادر الحاج عبد الرزاق مرجان لإنشاء مستشفى للأمراض الصدرية على نفقته الخاصة في مدينة الحلة عام 1957.

    والمنطقة الشمالية التي كانت تعاني من أمراض الملاريا، وتضخم الغدة الدرقية بسبب المياه الكبريتية التي تصب في نهر دجلة عند الموصل فتؤدي الى اختزال اليود في الجسم، مما يؤدي الى تضخم الغدة الدرقية، ولم يفكر احد في ايجاد مصحات خاصة للمواطن.

    والأمية ظلت متفشية بين المواطنين…. ومن ملاحظة كل ذلك وغيره يمكن الاستنتاج بان ثورة العشرين التي قام بها الشعب العراقي من خلال طلائع العشائر التي تحمل شعورا وطنيا متاصلا من خلال رصيد ثقافي شعبي يتصل بتاريخ العراق وما وقع فيه من احداث وثورات كانت تتحرك طبقا لبوصلة السماء التي أخذت من مشاعر الناس وهجا لا يرتفع الى مستواه اي رصيد او وهج اخر. ومن الامثلة الحية على ذلك هو ما لثورة الامام الحسين من رصيد تعبوي جماهيري قل نظيره تاريخيا، وبشريا.

    ومن مصاديق الحس الشعبي المعبأ بذلك الرصيد الذي يحتوي على قيمة عليا من الافكار والمفاهيم، حيث وقف احد الشعراء الشعبيين يوما في حفل جماهيري عشائري يمدح احد رؤساء العشائر، فبلغ واخطأ في المعنى والمفهوم، فما كان من الجمهور الحاضر والمستمع الا ان رد عليه غاضبا طالبا منه عدم الاستمرار في الهوسة التي تتضمن خطا. حيث قال: –

    هذا الما جابت حوى من امثاله….. مشيرا الى رئيس العشيرة الممدوح بما لا يتناسب مع وجود الانبياء وفي مقدمتهم النبي محمد “ص” الذي لا يجوز ان يقارن بهم احد من عامة الناس.

    هذا الحس المحمل بثقل التاريخ ومفاهيمه، هو الذي حرك العشائر العراقية للثورة ضد الانجليز وعملائهم، واذا كانت ثورة العشرين قد انطلقت من عشائر الرميثة بقيادة شعلان ابو الجون، وقامت معها بقية عشائر العراق، وهذه الظاهرة لم تدرس بعين التحليل الاجتماعي جيدا، فالعراق في تلك الفترة لم تكن المدن فيه قد وصلت الى حاضنات حضرية تتمثل فيها مكونات سكانية متعددة تنشط فيها مؤسسات او منظمات مهنية وغيرها، وانما كانت مدن عانت من تهميش حكام السلاطين العثمانيين فبقيت بدون حواضر مهمة حتى العاصمة بغداد بالرغم من تغني الأتراك بالمثل التركي عن بغداد والذي يعود الى زمن بغداد ايام العصر العباسي، حيث يقول المثل التركي: “لا مدينة كبغداد”.

    ولذلك كانت مضارب العشائر العراقية تشتمل على حيوية ونشاط يلفت الانتباه اكثر مما هو عليه في المدن التي لازالت في طور النمو البطيء. وكانت مضايف العشائر تشهد اجتماعات ولقاءات تفرضها العادات والطقوس، مما يجعلها محط انظار الناس. ولذلك كانت مظاهر الغطرسة البريطانية منظورا إليها بعين الكبرياء العشائرية التي تستمد من معتقداتها الدينية ما يجعلها تأنف من الرضوخ والاستكانة.

    ومن مظاهر الاستعلاء البريطاني الذي رفضته حاسة الفرز العشائري، ما كانت تتعامل به القنصلية البريطانية مع الشريف حسين والد الملك فيصل الذي نصب ملكا على العراق، ووالده تم نفيه الى قبرص، وكان الملك فيصل يرسل حوالة شهرية الى والده في قبرص مقدارها “مئة دولار”، وكان البريد وإدارة السكك الحديد بيد البريطانيين ويعاونهم في ذلك بعض الموظفين والعمال الهنود، مما سهل عليهم التلاعب بالبريد الذي لم يكن وطنيا وبالسكك الحديد التي كانت تخدم مصالحهم، وهو تماما ما يشبه ما حصل في الإدارة الامريكية للعراق بعد “2003” من ايام كارنر وبريمر ومن اثار تلك المرحلة اختفاء ” 17″ مليار دولار أمريكي”.

    والملك فيصل الاول الذي انعم عليه البريطانيون بالتاج العراقي المنقوص السيادة، واجه نفس المصير الذي واجهته حكومات ما بعد “2003” من انتقاص السيادة.

    فعندما كان الشريف حسين يقيم منفيا في قبرص، أخروا عنه ذات مرة وصول الراتب الذي يرسله له ولده الملك في العراق، مما اضطر الشريف حسين الذي رفض بائع الخضرة تجهيزهم دون تقديم سعر الفاكهة نقدا. ان يذهب الى القنصلية البريطانية في قبرص ليستقرض مبلغا من المال لحين وصول الحوالة. وكان كاتب القنصلية يهوديا فقال للشريف حسين في معرض أهانته ما الضمان. فقدم الشريف حسين خنجره الذهبي، فما كان من الكاتب اليهودي الا ان زاح الخنجر بقلمه زيادة بالاحتقار، وقدم له المائة دولار. وهذا الموقف اثر على نفسية الشريف حسين فعندما رجع الى بيته اصيب بانفجار دماغي، ونقل الى عمان وتوفي هناك متاثرا من ذلك الموقف.

    ولقد حدث في زمن الاحتلال الأمريكي للعراقيين شعبا وحكومة من الإذلال والهوان اكثر مما حدث لهم أيام الاحتلال البريطاني بالرغم من النفي الذي تعرض له البعض من رؤساء العشائر والشخصيات الى الهند، ففي عهد الاحتلال الأمريكي الذي تختلف اسبابه عن الاحتلال البريطاني ولكن تتوحد اهدافهما، فالاحتلال الامريكي حاصر بيت احد اعوانه وادلائه بالدبابات، وقطع عنه وعن حزبه ما كان يعطيه من مساعدات شهرية، وقام بالاعتداء على احد شخصيات الحزب الإسلامي، وهو الامين العام للحزب، وقام بمسلسل الاهانة والإذلال باعتقال احد شخصيات الاحزاب الدينية على الحدود وقاموا باستجوابه لمدة ” 12″ ساعة مع الاعتداء والضرب وتوجيه الإهانات، وبعدها قدم السفير الامريكي زلماي خليل زاده اعتذارا شفويا لا قيمة له تجاه ما قامت به عناصرهم من الاهانة والإذلال.

    والعجيب ان كل هذا حدث مع أطراف تؤيدهم وتسير في مشروعهم دون ان يصدر من تلك الأطراف ما يعبر عن الرفض والتحدي كما صدر عن عشائر العراق في ثورة العشرين.

    صحيح ان الظروف اختلفت وأسباب الاحتلال اختلفت، ولكن الإباء والكرامة لن تختلف في مفاهيمها، ولكن الرجال اختلفوا.

    شعار ثورة العشرين:-

    “الطوب احسن لو مكواري” وهذا الشعار هو التحدي الذي واجه به ثوار ثورة العشرين جحافل الجيش البريطاني ومرتزقته، والطوب يعني = المدفع، والمكوار يعني = قضيب من الخيزران مكسوا رأسه بالقير على شكل كرة دائرية، وكان شائعا عند ابناء العشائر في تلك الايام كسلاح شعبي بسيط، ورغم بساطة سلاحهم إلا ان معنوياتهم كانت كبيرة واصرارهم على الدفاع عن بلدهم وشرفهم كان الاكبر، وهذا الامر هو من مواريث التغذية الدينية التي تقوم على شحن النفوس بالعزيمة التي تضاعف من قوة المقاتلين، وهذا الارث كان المسجد يغذيه باستمرار عبر حضور متناوب بالذكرى التي تمر عبر حياة النبي “ص” وجهاده، وعبر سلسلة الائمة الاطهار وعلى راسهم الامام علي بن ابي طالب عليه السلام مثال الشجاعة الذي قال عنه بن ابي الحديد المعتزلي شعرا:-

    ياقالع الباب التي عن قلعها

     عجزت اكف أربعون وأربع

    ولذلك عرف الامام علي: بانه قالع باب خيبر. وهو الذي قيل له: كيف كنت تصرع ابطال العرب. قال مانازلت رجلا الا واعانني على نفسه. وهو القائل لعمر بن الخطاب “رض” عندما استشاره في الحرب مع الفرس. فقال له: ما كنا نحارب بالكثرة. ولكن بالنصر والعدة. وقبل ذلك كان النص القرآني الذي يتردد على المنابر: ” ان تكونوا مائة تغلبوا مئتين” و ” ان تكونوا الفا تغلبوا الفين “. و ” ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة…” وقوله تعالى: ” اذ تقول للمؤمنين الن يكفكم ان يمدكم ربكم بثلاثة الاف من الملائكة منزلين – ال عمران – 164-

    وكانت الاشعار المدوية تهز مشاعر ابناء العشائر والقرويين وابناء المدن وهم يحضرون احتفالات ثورة الامام الحسين حيث تقول تلك الاشعار:-

     من جانب المحراب يمضي ركبنا

     للنور لامن جانب الماخور

    فكان المسجد مرجعا ثوريا، ومثلما كان في ثورة العشرين يرفع راية الجهاد الذي تقدمه المجتهدون من العلماء، مثلما عاد المسجد اليوم مرجعا للحركات التحررية في عواصم العالم العربي والاسلامي، واذا كان البعض يراهن خاسرا على فصل الدين عن السياسة، وذلك لعدم معرفتهم بطبيعة الدين وقيمومته الكونية، وعدم معرفتهم بالسياسة ومحركاتها الوجدانية المرتبطة بالاحسن والاصلح والاتم، تلك الثلاثية التي لاتطمئن الا بالعدالة ومسوغاتها المرتكزة على تفاصيل الكتاب والميزان، ولا كتاب احصى لحاجات البشرية وتنوعات الكون احسن من كتاب الله الذي اعتبره الله نورا للانسان مثلما اعتبر النبي برهانا للحق قال تعالى: ” ياايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا ” – النساء – 174-.

    ان مرجعية التظاهرات اليوم في العالم العربي والاسلامي تتضح من خلال رفعها لشعار ” الله ” ثم ” الوطن ” وبما ان الوطن صناعة ربانية قال تعالى ” والارض وضعها للانام “، فمن هنا يفهم الاجماع على مرجعية ” المسجد ” بعيدا عن اسماء الافراد باعتباره بيتا من بيوت الله، يظل هو الملاذ عبر كل الازمات التي تعصف بالشعوب، حيث تتهاوى وتتراجع كل المرجعيات الوضعية امام السنة الكونية ونظامها العام قال تعالى:” لمن الملك اليوم لله الواحد القهار” و “كل من عليها فان” هذه الحقيقة هي الجواب النهائي على كل الأسئلة التي لم تجد جوابا شافيا عبر احتدام الصراعات ونشوب الخلافات.

    ان ثورة العشرين كانت ببساطتها قريبة من مفهوم الكون ومرجعية المسجد وقيمومة الدين، استجابة للفطرة التي لا تحتاج الى تعقيدات المطالب الفلسفية بمقدار ما تحتاج الى الشفافية والوضوح والاقتراب من نداء الروح ” ومالي لااعبد الذي فطرني واليه ترجعون ” و ” لكم دينكم ولي دين ” اطروحة سبقت كل الديمقراطيات، وعلمت العفوية التي جعلت ابنة فلاح جنوبي من ميسان تتغلب على حنكة المبشر القادم مع الاحتلال البريطاني عندما سال فلاحا بسيطا: هل الميت احسن ام الحي. فقال الفلاح: الحي احسن. فقال المبشر الانجليزي: فاذن عيسى احسن من محمد. لان عيسى حي ومحمد ميت. فما كان من الفلاح الجنوبي الذي كانت معه ابنته وهي طفلة صغيرة ورثة الملابس: ان قال للمبشر ببساطة الفطرة وبدون تكلف: فاذن سكينة واشار الى طفلته: افضل من مريم. فصعق المبشر ولاذ بالصمت. تلك كانت حيلة الاحتلال ومكره: امام بساطة الفطرة وطيبة فلاح الجنوب وهم جنود ثورة العشرين التي امتازت بالتحدي. فهل لنا اليوم من ذلك النموذج ولو ببراءة سكينة وبساطة والدها الفلاح.

    اعتقد اننا نمتلك الكثير ولكن علينا حسن الاختيار والصدق في النوايا والتوجهات.

  • خان جغان

    في حياتي  الصحفية التي تقرب من خمسة عقود ، لم ألتق رجلا بكفاءة الباحث التراثي العراقي الدكتور عبد الله البغدادي فقد كان الرجل  غزير المادة، دقيق المعلومات، سهل اللغة الى جانب طريقة في العرض شيقة (آمل أن لا يحصل خطأ مطبعي وتظهر شبقة) لعل الطريق الطريف في هذه الشخصية المغتربة منذ عام 1979 التي ترددت على البلد بين الحين والحين الآخر انها كانت شديدة الاهتمام بالاضافات والتعليقات الجانبية وغالبا ما تلجأ إلى لازمة يكثر ترددها وهي الشيء بالشيء يذكر أو أحيانا عبارة (وبهذه المناسبة) .

    آخر محاضرة ألقاها البغدادي كانت في تموز الماضي على قاعة المسرح الو طني  التي غصت بالحضور وكانت تحت عنوان ( الخانات العراقية .. فنادق من طراز خاص) وقد تناول  الرجل ابتداء خان مرجان ومن أين جاءت التسمية؟ وفي أية سنة تم بناؤها؟ وما هي الخصائص الفنية والمعمارية التي إنفرد بها وكم عدد غرفة؟ … الخ

    وتوقف  قليلا وشرب جرعة ماء ثم واصل كلامه (وبهذه المناسبة فقد أدى الخان عدة وظائف في أثناء مسيرته الطويلة) وتحدث بالتفصيل عن طبيعة تلك الوظائف قبل ان يختم حديثه بجملة ظريفة جعلتنا نبتسم بحزن ( أما الآن فتم اجتثاث الخان وأصبح عاطلا عن العمل ) ! هكذا كان المحاضر البغدادي يمتلك أسلوبا ممتعا في التنوع والتقلب بين الجد والهزل ، وبين المعلومة والمزحة ، وبين الماضي والحاضر ، وهو أسلوب يشد المستمع ويدفع عنه الملل ، وربما تعلم هذه الطريقة من (الخارج) لاننا في الداخل لانحسن التنوع ونكره التغيير في كل شيء حتى ان الواحد منا اذا جلس على الكرسي لن يغادره إلا بالعين الحمراء!  

    كانت الساعات معه تمر مرور الدقائق  وهو يتنقل من خان مرجان الى الخانات الاخرى ، النص والاسكندرية والنبكة والمحمودية والضاري .. الخ وهو يأتي على وثائق ومعلومات وأحداث طريفة او مؤلمة لم نسمع بها ، وفي قرارة نفسي  كنت أتمنى على محاضري  الجامعات ، وعلى بعض اعضاء البرلمان والمحللين السياسيين الذين يعشقون الفضائيات لو تعلموا من هذا العراقي المغترب فنون الخطاب والمحاضرة والحديث حتى لانهرب من المسلسلات التركية والأفلام الهندية !

    الوقفة الأخيرة كانت عند (خان جغان) حيث أسهب على عادته في أدق التفاصيل الجغرافية والتاريخية والمعمارية ، وكيف كان هذا الخان مفتوح البوابة  على مصراعيها يدخله منهب ودب بلا حساب ولاسؤال ولا رقيب ولهذا صار مضرب المثل ، فإذا دخل موظف على المدير من غير ! استئذان او موعد سابق صرخ في وجهه (هاي شنو افندي … خان جغان ) ولكن المشكلة على حد تعبيره إن جنود الاحتلال الذين يقتحمون منازل المواطنين ويصرخ أحدهم (شنو هاي .. قابل بيوتنا خان جغان] ، يصعب عليهم فهم العبارة ، وربما يتصورون ان تسمية (خان جغان) شتيمة قاسية تستوجب تقييد اليدين إلى الخلف ووضع الرأس في كيس [وبهذه المناسبة فمهما قيل عن الجنود الاميركيين فإنهم شفافون جدا حتى أكياسهم تتمتع بأعلى مواصفات الشفافية] ، المهم حين انتهى الرجل من حديثه عن آخر الخانات لم ينس ترديد العبارة الأثيرة لديه [أيها السيدات والسادة الأفاضل … الشيء بالشيء يذكر فإن حالة العراق أشبه بحالة خان جغان و ..] وأجهش بالبكاء بحيث لم استطع التعرف على وجه الشبه بينهما ، لان المحاضر غادر المنصة مختنق الصوت ، وقد حاولت الاستعانة بالحضور ، نظرت إلى الصف الذي أمامي ، إلى اليمين واليسار ، الى الصف الذي ورائي ، كان الجميع قد أجهشوا بالبكاء إلا أنا (ثور الله بأرض الله) ، لا ادري ماذا يدور حولي ، ولذلك رحت أبكي بأعلى صوتي ، والشيء بالشيء يذكر ، فإن المثل يقول : الحشر مع الناس عيد !!

     

  • ثقافة الاستحواذ

    عرفت العرب قديما المرادفة الكاملة بين ان يكون العربي رجلا فحلا وان يكون قاطع طريق. وظلت هذه المرادفة متسلطة على العقل العربي منذ العصور التي سميت بعد ظهور الاسلام ب(العصور الجاهلية)، مرورا بالغزوات المتكررة والفتوحات التي حملت (راية العرب) الى اقصى جغرافيا الارض المعروفة آنذاك، الأمر الذي يفخر به حتى اليوم العروبيون على تنوع طروحاتهم، وصولا الى الظاهرة الأنموذج، والتي شهدها عراق مابعد أنعطافة 9/4 ومازلنا نعاني ذيولها حتى الساعة، الظاهرة التي تمثلت بماسموه(الحواسم) تيمنا بأسم آخر معركة خاضها(بطل التحرير) المقبور..

    فبعد ان انفجر غيظ الناس وأخذ بالتمادي، ربما بسبب أمضاء الحاجة الماسة، او طلبا للأقتصاص والثأر من ممتلكات(السلطة)، حسب مستوى وعيهم البسيط، السلطة التي استحوذت على كل شيء ولم تترك للناس أي شيء، وبغض النظر عن كل ماقيل ويقال في تفسير تلك الظاهرة، بعد الانفجار ذاك راحت كل حقوق الدولة، التي هي في المحصلة النهائية، المال العام لاغير، نهبا لكل من يمد يده اليها، وبلغت الشراهة لدى الكثير مبلغا اجراميا متخصصا، اذا ما اخذنا بالحسبان مافعله النظام المدفور من اطلاق سراح كل ارباب السوابق من عتاة المجرمين واللصوص وشذاذ الافاق، قبل اندحاره بزمن وجيز.

    وبالنظر للفوضى التي ضربت اطنابها في طول البلاد وعرضها، والتي جاءت نتيجة لسياسات الحاكم المدني(بريمر) سيء الصيت، وبوحي من نظرية (توماس فريدمان) نظرية (الفوضى الخلاقة) وقد الحقت سلسلة من الكوارث الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية بمعيشة العراقي اليومية، ومازال هذا العراقي، المغلوب على حظه، يكابد أضرارها، بالنظر لتلك الفوضى سيغدو واضحا لدينا حقيقة اننا لن ننتهي من ثقافة الغنيمة التي ماأنفكت تشكل الدافع الاول في سلوك المواطن والمسؤول، إن لم نخضع جميعا الى سلطة قانون، يعضده الدستور وتقيمه وتحميه حكومة قوية بأذرع امنية خالصة الولاء للوطن وحده دون غيره.. والمخيب للامال بتنا نصدم بالاخبار التي تشيرالى ان وزارتي الدفاع والداخلية الوزارتان اللتان تحتلان المرتبة الاولى في التجاوز على الممتلكات العامة !! حسب ماذكر مصدر مسؤول في امانة بغداد قبل ايام …

    حيث قامت الوزارتان المذكورتان بالاستحواذ على عدد من الابنية الخاصة بوزارات وجهات رسمية اخرى، وايضا اقامة منشأآت تابعة لهما على اراض تابعة للدولة وبصورة غير رسمية، الأمر الذي يكرس وبنحو مؤلم احباط المواطن وخيبته من النتائج المعاكسة بالضبط لما كان يتمناه من الحالة العراقية الجديدة التي فتحت امامه افاق احلامه المغيبة والمقتولة طوال ما يقرب الثلاثين سنة، من عمر تسلط الطاغية الاحمق على مصائر العراقيين .

    يعرف جميع العراقيين الاوضاع المربكة والمعقدة التي عاشتها كل الاجهزة الوليدة للحكومات العراقية، مثلما يعرفون ما أكتنف التشكيل الجديد والهيكلة الجديدة لمفاصل الدولة والحكومة على حد سواء من مشكلات جمة كان لنظام المحاصصة الحظ الاوفر في خلقها، حتى غدا هيكل الحكومة وما يندرج تحت لوائها اشبه ب(شركة مساهمة) مؤسسيها والمساهمين المستفيدين الوحيدين من عوائدها ليس بينهم قطعا اي مواطن عراقي يبات جائعا ومن دون مأوى ويعايش الرعب كل ساعات يومه بفعل الارهاب وغيره.

    ولكن ذات المواطن لم يزل يحتفظ بالامل بذمة الشرفاء والامناء في انجاز المهمة الوطنية العظمى لخلق عراق آمن مستقر مرفه يتنعم بخيراته الفائضة، وكل ذلك، كما يؤمن ذات المواطن ايمانا راسخا، لن يتجسد على ارض الواقع من دون سلطة قانون يعضدها الدستور، بعيدا عن ثقافة الاستحواذ والغنيمة.

  • عقود للتنمية الوهمية…!!

     لا يتسع هذا المقال لعرض جداول طويلة وعريضة تتحدث عن مليارات الدولارات التي خصصتها حكوماتنا الوطنية بكل تسمياتها ومعها الدول المانحة لأغراض التنمية البشرية في العراق وتسميات أخرى، والنتيجة قبل الاستطالة والتعليق هي تنمية وهمية وضحك على الذقون!

     وليس من باب التنكيل والسخرية والتجني على العملية السياسية المقارنة بين تنمية الكيان العام للدولة و من خلال مختلف الحقول العلمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وتنمية جيوب المفسدين والسياسيين بغياب الرقابة الصارمة على المال العام وعدم وجود إستراتيجية حقيقية للتنمية بمجرد خطط ميتة في وزارة التخطيط وأمنيات في خطب وتصريحات كبار المسؤولين، وحين العودة لأرض الميدان الذي يفترض انه تلاقى مليارات الدولارات لتنميته وتطويره سنجد نسب انجاز متواضعة جدا لا تتناسب مع ما رصد من أموال ووضع من خطط على الورق وكل ذلك يؤكد ضعف الإدارات العامة وهزالة الجهات الرقابية  وعدم تفعيل دور هيئة النزاهة لتدقق أولاً في دوائر الرئاسات ولا تكتفي بملفات مجالس المحافظات والهيئات والمفوضيات، وليس مجرد التدقيق بل استرجاع كل سنت مختلس وتقديم كل من يتظاهر بالنزاهة وقدسية العمل الديمقراطي الذي يؤديه وهو مختلس أو مدلس الى قفص العدالة وفضحه، أمام الرأي العام بدون خوف او خجل وليس اقتصار العدالة على فقراء الوطن وترك المسنودين بالكراسي وبالأحزاب او بقوة السلاح والمليشيات والعصابات. أحرارا ينهبون ويختلسون ولشرفاء الناس يلاحقون يهددون ويقتلون..!

     تأملوا الأموال التي أنفقتها المصارف المتخصصة بكل أنواعها ستكتشفون حجم الكذبة فليس هنالك مشاريع كبيرة أو صغيرة في الزراعة والصناعة والتجارة والثقافة إلا ما ندر، بل هنالك نصب واحتيال بدأت في عهد بريمر ولم تنته حتى هذه الساعة، ويفترض على الحكومة والبرلمان البحث عن المليارات المفقودة  ومطالبة المصارف وكل الجهات بمشاهدة تلك المشاريع التي لم توظف أحدا ولم تقدم خدمة سوى أنها أغنت مقربين وحرمت متخصصين وأهلت محتالين نراهم في كل مكان وقد ظهرت على كروشهم ورفاهيتهم علامات التنمية من السحت الحرام وكل ما يجري حرام في حرام سواء كان شعاره الوطن أو الدين..!

  • رأي فكري حول تخويل صلاحيات رئيس الجمهورية ؟

    بل ألانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيرة « |قرأن كريم كثر الحديث حول تخويل صلاحيات رئيس الجمهورية , وتباينت ألاراء , ومن غير المناسب أن تتدخل الحسابات السياسية , والحساسيات الشخصية في تقويم الموقف , ومن المفيد والمناسب أن نقول : من حق رئيس الجمهورية تخويل صلاحياته لنائبه , هذا أولا : ولكن لآن السيد رئيس الجمهورية سبق وأن أعلن مرارا وجهارا : أنه لايوقع على عقوبة ألاعدام , لآنه عضو في ألاشتراكية الدولية ؟

    وهنا يظهر ألاشكال في المبنى والموقف النفسي والعقائدي للموقف , فرئيس الجمهورية من واجبه توقيع المراسيم الخاصة بالدولة العراقية , ورفضه التوع عا لى مرسوم من تك لمرسم خل القضة بعنو ان أخر غير عنوان الصلاحية ,فلو كان الرئيس يتمتع نفس الحالة المتفاعلة مع تحمل المسؤولية , لكان تخويله للصلاحية صحيحا خصوصا ما يخص عقوبة ألاعدام , ولكن لآن الرئيس قد أعلن رفضه التوقيع على عقوبة ألاعدام , هنا حدث ألاشكال الدستوري , وهو عدم قيامه بما أمره به الدستور , والواجبات لايمكن أن تبعض.

     كما لايمكن أن يجتمع القبول والرفض لحالة واحدة في أن واحد , من باب لايجتمع المتناقضان , مثلما لايجتمع المعدوم والموجود , فعليه حالتة التخويل هنا تكون من باب التهرب من واجب , مع عدم وجود مسوغ قانوني , وما ألزم السيد رئيس الجمهورية به نفسه باطل بالبديهة , بعد أن أصبح رئيسا للجمهورية , فلا يمكنه ألالتزام بما لمؤتمر ألاشتراكية ,على حساب ما للعراق وأهله ودستوره من حقوق وواجبات , فعذر رئيس الجمهورية مشمول بحكم ألاية القرأنية , وهو فساد التبريرات في مقابل حقيقة القناعات المستقرة في النفس , ومن هنا فالتخويل هو تهرب من واجب ومسؤولية , وعندما يتحقق ذلك , يكون التخويل فقط في هذه الحالة غير جائز , نرجو أن ينشر هذا التوضيح , تنويرا للرأي العام , وتسليطا للضوء على زوايا لم يتطرق اليها بعض أصحاب الرأي .

  • وسائط نقل

    في بداية عام 1999 قرر مجلس إدارة شركة الطيران الأميركية (s . p . a) وقف رحلاتها الجوية وعرضها للبيع على الرغم من أنها واحدة من أفضل شركات النقل الجوي الحديثة، خدمة ومتانة وخبرة، إلا ان سوء الحظ أو الطالع كان لها بالمرصاد حيث تعرضت 6 رحلات في سنة واحدة الى متاعب بعضها كانت قاسية، وهو الأمر الذي نال من شهرتها، وجعل الركاب يتحولون إلى خطوط بديلة.

    اجتمع المجلس، وأدلى الأعضاء بآرائهم التي كانت متفقة على تصفية الشركة وحين جاء الدور الى الخبير الاقتصادي فاجأهم بقوله: “أيها السادة انتم تفرطون بتاريخ ومستقبل هذه الشركة لأسباب لا أهمية لها، ويمكن تخطيها ببساطة، وبخلاف ذلك فقد هيأت لكم دراسة وافية كنت اعمل عليها منذ شهرين”.

    كان لكلامه وقع مؤثر في النفوس، غير أجواء الاجتماع، ولهذا خاطبه رئيس المجلس (سيدي … أنا مسرور حقا ان استمع الى مثل هذا الرأي الذي يعيد لنا الثقة والأمل بمستقبل زاهر للشركة، أرجو ان تشرح للسادة الحضور ما يجول بخاطرك من أفكار).

    بسط الخبير أمامه مجموعة من الأوراق وتحدث عن رؤيته على مدى ساعتين.

    وكان حديثه مشفوعا بالأرقام والتأكيدات، وقد اقترح عليهم سلفا تغيير اسم الشركة وهو تغيير واقعي تمليه طبيعة مهماتها الجديدة ثم انتقل الى المهمات الجديدة وهي تأسيس أسطول ناقل شامل (جوي ـ بحري ـ بري) بدلا من اقتصار عملا الشركة على الطيران وهذا يستدعي كما أوضح لهم الحصول على قرض من الدولة يصل الى (6 مليارات دولار) بضمانة الشركة وكفالة اعضاء المجلس الشخصية، ثم شرح لهم بالتفصيل حجم الشهرة التي يمكن ان تتمتع بها شركة تمتلك ثلاثة أساطيل للنقل وبإمكانها احتكار المسافرين برا وبحرا وجوا زيادة على ان أية خسارة مفترضة يتعرض لها أي أسطول لن تؤثر على أعمال الشركة، حيث يمكن تعويضها من أرباح الأساطيل الأخرى!

    على مدى أسبوع كامل والمجلس يجتمع صباحا ومساء، ووصل أخيرا الى قناعة بجدوى الأسطول الشامل كما أطلقوا عليه، وبكثير من الهمة والسرعة، توزع الجميع على محاور العمل، ومع نهاية عام 2002 أصبح كل شيء جاهزا، سفن وبواخر ومركبات وطائرات وإعلانات ومكاتب في معظم أرجاء العالم، ومع بداية عام 2003 طلب الخبير اجتماعا طارئا لمجلس الشركة، وابلغهم انه حصل على معلومات مؤكدة مفادها ان الإدارة الأمريكية ستقود تحالفا دوليا لإسقاط النظام العراقي في غضون أشهر قلائل وهذا يستدعي ان تعلن الشركة وعلى وجه السرعة عن تخفيض 25% من الأجور للعراقيين المسافرين على أسطولها وهناك -على حد تعبيره ـ قرابة 3 ملايين عراقي ما بين (معارض للنظام او هارب من الخدمة العسكرية او مطلوب بتهمة سرقة او تزوير او رشوة او باحث عن فرصة عمل) سيعودون الى بلادهم ولا بد انهم جميعا سيتوجهون الى أسطولنا وهذه هي فرصة عمرنا لان الأرباح التي تجنيها الشركة يمكن ان تصل الى 4 مليارات  دولارات!

    وافق الأعضاء بالإجماع وتم الإعلان عن تخفيض وسقط النظام في 9 / 4 / 2003 وبدأ عراقيو الخارج بالعودة الى البلاد وبعد مضي عام كامل على سقوط النظام اكتشفت الشركة ان هناك 12% من العراقيين عادوا سيرا على الأقدام و8% عادوا على متن الأسطول البري او البحري او الجوي ، و 80% فضلوا العودة على ظهور الدبابات الأمريكية لأنها واسطة نقل أمينة ومجانية وتتعهد بإيصال المسافر الى المكان المطلوب!

  • رجل أنصف العراق فأنصفه التاريخ

    لم يكن هذا الرجل عربياً, ولا عراقياً, وإنما كان إنسانا واعياً متحضراً شريفاً عفيفاً نزيهاً صادقاً متجرداً من الشبهات, سخر مواهبه العلمية لمناصرة الحق والعدل والإنصاف, ومقارعة الظلم والباطل والشر, ووقف وقفته الشجاعة عندما فضح ضلالة مجلس الأمن, فقدم استقالته إلى المستشار القانوني للأمم المتحدة, وبيّن فيها أن تخطيط الحدود البحرية العراقية الكويتية ليس من اختصاص اللجنة, ولا من واجباتها, وان الإحداثيات المقترحة في قطاع خور عبد الله لم تجر الإشارة إليها لا في المرتسمات القديمة, ولا في الحديثة, وبالتالي عدم وجود أي تحديد للحدود البحرية يمكن أن تتخذه اللجنة سبيلا, وأوضح هذا الرجل الشجاع موقفه الثابت في رسالتين موجهتين إلى الأمين العام نفسه, عبَّرَ فيهما عن وجهة نظره وتحفظاته على شروط صلاحية اللجنة, وأشار في رسائله إلى مناقشاته العديدة والمضنية مع المستشار القانوني في الأمم المتحدة حول صلاحية اللجنة ومآربها الخفية.

    كان هذا الرجل صريحاً وواضحا في موقفه الرافض لإجراءات اللجنة التي رسمت ملامح القرار الباطل (833), فقال كلمته على رؤوس الأشهاد, ووضع إصبعه في عيون القوى الاستعلائية الغاشمة, من دون ان يرف له جفن, على الرغم من كل المغريات المادية والمعنوية, ومن دون ان يخاف في قول الحق لومة لائم, فتنحى عن رئاسة اللجنة, وغادرها بجبين ناصع, وجبهة مرفوعة, ولم يلوث سمعته في مصادرة حقوق العراق الشرعية.

    إنه العالم الاندونيسي النبيل, والمُشرع القانوني الدولي الكبير, البروفيسور الدكتور مختار كوسوما اتمادجا (Mochtar Kusumo Atmadja), الرجل الذي لم يرضخ لرغبات الطامعين بثروات العراق, ولم ينحاز للكويت على حساب الحقوق العراقية, ولم يفرط بمياه العراق الإقليمية وممراته الملاحية, ولم يشترك في جريمة تضييق الخناق على موانئنا, فاستحق أعلى درجات التكريم والتقدير, ونال أرفع أوسمة الشرف, وكتب اسمه في سجلات الفرسان العظام.

    ولد المختار في مدينة (باتافيا) الاندونيسية, في السابع عشر من نيسان (ابريل) من عام 1929, ومازال محتفظا بنشاطه وحيويته, متمتعاً بلياقته الذهنية والبدنية, وتألقه العلمي والمهني.

    بدأ المختار حياته أستاذاً لمادة القانون في جامعة (باجاجاران Padjadjaran) في (باندونغ), ثم صار عميداً لكلية القانون والسياسة في تلك الجامعة, عرفه تلاميذه بصلابته وجرأته في انتقاد السلوك الاستبدادي للزعيم الاندونيسي (سوكارنو) وزبانيته, فمارسوا ضده أبشع أساليب التنكيل والتعسف, وطردوه من الجامعة, وحرموه من التدريس في المعاهد الاندونيسية, فانتهز ظروف الطرد ليكمل دراساته التخصصية في الولايات المتحدة, فالتحق بجامعة (هارفرد), ثم واصل دراسته في جامعة (شيكاغو), فجامعة (يال), عاد بعدها إلى اندونيسيا بعد زوال حقبة (سوكارنو), وصعود (سوهارتو) إلى سدة الحكم, وكانت جميع الفرص متاحة أمامه في تسلق سلم المجد ليصبح وزيراً للعدل في اندونيسيا (1974 – 1978), فوزيراً لخارجيتها (1978 – 1988), وانتهى مشواره المهني الطويل رئيسا للبرلمان الاندونيسي, وتفرغ بعد التقاعد إلى التحكيم والبحث والتأليف, وعاد للتدريس في الجامعات العالمية والآسيوية ليواصل رسالته التربوية, ويكمل مسيرته العلمية الإبداعية على خطى المفكرين العظام, فكانت له الريادة العلمية والتشريعية في وضع الأسس الدولية للنظام القانوني في المياه الأرخبيلية.

    ويعود إليه الفضل الكبير في صياغة النظرية الفقهية لتقسيمات المياه الأرخبيلية (Archipelagic theory of territorial seas), وصياغة أحكامها الواردة في القانون الدولي,

    كان المختار معروفا بمرونته وخفة دمه, لا تغيب عن وجهه الابتسامة حتى في أحلك الظروف, وكان ظريفاً متسامحا ودوداً, يميل إلى تلطيف الأجواء بعبارته الفكاهية المرحة, خصوصا عندما يُكلف بحل النزاعات العقيمة بين الأطراف المتخاصمة, وكان لشخصيته الظريفة اللطيفة الأثر الكبير في كسر الجليد المتحجر في العلاقات الدولية والإقليمية المتوترة, وساعدته هذه الميزة في التوصل إلى الحلول المرضية من دون مشقة, وعُرف عنه أيضا حبه لرياضة الشطرنج, التي كان بارعاً فيها, إلى المستوى الذي جعله يستحوذ على اهتمام رواد اللعبة في بلاده, فانتخبوه رئيسا فخرياً لاتحاد الشطرنج.

    ختاما نقول إذا كان رئيس لجنة تخطيط الحدود العراقية الكويتية, هو المشرع القانوني الأكفأ والأعلم في عموم دول كوكب الأرض, وهو الذي قال لا للقوى الاستعلائية المنحازة للكويت, وهو الذي رفض حرمان العراق من حقوقه البحرية المشروعة, فألا يفترض ببعض العراقيين المتحذلقين من أصحاب المواقف الوطنية المتأرجحة والتصريحات المتذبذبة أن يخجلوا من أنفسهم ويحذو حذو هذا الرجل الذي لا تربطنا به أية رابطة قومية أو وطنية, فيصححوا مواقفهم ويقولوا كلمة الحق قبل فوات الأوان؟ وألا يفترض بالعراقيين الذين آثروا الصمت والسكوت أن يخرجوا من سباتهم ويرفعوا أصواتهم بوجه الباطل ؟ ألا يفترض بالحكومة العراقية أن تستأنس برأي هذا الرجل وتستعين به في مساعيها الشرعية لتثبت حدودنا البحرية وتدافع عن ممراتنا الملاحية على أسس العدل والحق والإنصاف ؟ ألا يفترض بها أن تبعث وفودها إلى اندونيسيا لتوثيق شهادة هذا الرجل العملاق قبل أن يتوفاه الله وينتقل إلى العالم الآخر لاسيما أنه قد تجاوز العقد الثامن من العمر.

  • الاغتصاب في بيوت الله ..!!

    أية قيم بقيت إذن؟ وبماذا يمكن ان يتحدث المتحدثون؟  وبأي الدفاعات يتقدمون  .. هذا هو مسرح الجريمة .. قرية في بغداد  تطل على دجلة اقتيد إليها (70)  سبعون عراقيا  كانوا يشتركون بموكب زفاف متوجه من الدجيل الى بغداد. في قرية الفلاحات  تمت الجريمة  .. ومن الطبيعي ان نتساءل أليس في هذه القرية رجل شهم؟..  أليس فيها رجل صاحب دين وأخلاق ؟.. أليس فيها رجل صاحب غيرة ؟  يقف ضد تنفيذ هذه الجريمة .. وجرائم أخرى وقعت منذ عام 2005 وحتى الآن ..  الله وحده عارف مدى بشاعتها نحن اليوم أمام  حالة غريبة .. كيف يمكن  ان يحصل هذا في قرية عراقية فيها مضيف وجامع وشيخ ومصلون ؟  . ثم أليس في هذه القرية نساء ينتصرن  لمجموعة النساء اللواتي  اغتصبن في مضيف الشيخ ؟ أليس في جامع بلال الحبشي مصلون يخشون الله .. ثم أية طهارة بقيت لهذا الجامع ..؟ أما زال أهل القرية يصلّون فيه ويقرأون القران ؟ ..  أما زالوا يدعون الله خمس مرات في اليوم  ؟  أليس في هذه القرية أطفال  ينتصرون لأطفال بعمر الورد  ربطوا بحجر والقوا في النهر ؟ وأية جناية ارتكبها هؤلاء الصغار ؟..  كل هذا خارج حدود المعقول .. وخارج القدرة على التصديق من قبل البشر الأسوياء .. سبعون عراقيا قضوا في يوم واحد .. رجال ونساء وأطفال  لا لشيء  إلا أنهم ينتمون إلى فئة معينة  .. فأي حقد يحمل هؤلاء  الجناة .. وأية أخلاق يتسمون بها .. لقد قتلوهم جميعا بدم بارد  .. وذلك الشيخ القذر  الذي يدعي  “محجوبا “  هل هو شيخ  الجامع يصلي  بأهل القرية جماعة ؟.. أم هو شيخ العشيرة ؟وأي جامع ؛ وأية عشيرة ؛تلك التي مثل مححوب شيخها ؟.. وبماذا فسر فعلته  وزمرته  لأهل القرية .. هل هو جهاد ؟ إنها واحدة من جرائم الإبادة البشرية  الكبرى تحدث في العراق  على مرأى العالم  كله.. وبعض السياسيين  الذين يحاولون  ان يشرعنوا  للإرهاب ويجعلوا  منه شكلا  من أشكال المعارضة .. ولو افترضنا  أنهم اعتبروا  هؤلاء الضحايا من الأعداء  .. أو الكفار وقاموا بقتل الرجال .. فماذا عن  اغتصاب النساء وقتلهن؟ هل فعل المسلمون  الأولون مثل هذه الأفعال ..  وهل يبيح لهم فكرهم  اغتصاب المرأة الكافرة وقتلها ؟.. ألم يمنعهم الدين الحنيف بالابتعاد عن إيذاء النساء والأطفال أثناء الحروب ؟ .. ولنفرض أنهم أسرى فهل يجوز عمل هذه الجرائم مع أسرى ؟ .. جميع هؤلاء المجرمين يعملون في الجيش الإسلامي .. تصوروا ؟ أي جيش هذا وللجيوش  قيم ومبادئ ؟ وأي إسلام هذا الذين يسمون أنفسهم به ؟..  الأسئلة حائرة والجريمة تمت ..  والمجرمون ينامون على أسرة وفيرة في سجون (7نجوم)  الكهرباء لا تنطفئ  ليل نهار  وأجهزة التكييف تعمل 24 ساعة  وطعامهم من أرقى الأطعمة ثم إنهم لا يمسون بكلمة .. أو تجرح مشاعرهم ان كانت لهم مشاعر .. ولم تمتد يد إليهم للطم وجوههم القبيحة  او رؤوسهم الخاوية  إلا من الفكر الفاسد والضال .. قد تكون هذه الجريمة  وغيرها  واحدة من الشواهد الكبرى  على هذا العالم  الغافي  على آذانه ومنظمات لا تدافع إلا عن حقوق المعتقلين ؛ والمجرمين ؛ وأرباب السجون ؛ اما بقية البشر الأسوياء فلا قيمة لهم .. فعليهم واجبات  وليس لهم حقوق  فأما واجباتهم .. فهي احترام حقوق الإنسان المجرم  .. وأما حقوقهم  التي يجب ان لا يطالبوا بها .. فهي (حق الحياة) المغتصب من قبل أولئك  الذين ندافع عن حقوقهم ليل نهار . .!!

  • ثقافة الانترنيت وظاهرة الفيسبوك

    اصبح الانترنيت الذي يسمونه بالشبكة ” العنكبوتية ” داخلا بقوة في حياة الناس، وان لا يزال محصورا بطبقات محدودة من المتعلمين، لكنه ينتظر له ان يتسع باضطراد، لانه اصبح من عناوين التباهي بالتحضر، ومواكبة العصر، وهذا ما يعطيه فرصة لاتتوفر لغيره من مستجدات العصر.

    ومما يرتبط بهذه الظاهرة، وهو من بواعث اهتمام هذه الدراسة بالاضافة الى سعينا الجاد لمواكبة روح العصر على هدي السماء المرجعية التي لابد منها، وذلك عندما نواجه كل مفردات الحياة.

    ان ظاهرة الانترنيت : ولدت في احضان الحضارة الاوربية، وتحديدا في امريكا، ولان المناخ الاقتصادي الامريكي، متجذر فيه الحضور اليهودي المتصل باللوبي الصهيوني، فان استثمار وتشغيل الانترنيت مسيطر عليه تماما من قبل هذه الجهة ذات التطلع المغموس بالسياسة التي تخطط للهيمنة، والبقاء على قمة صناعة القرار عالميا من خلال مجموعة ” الاخوة العالمية الفدرالية؟

    ومن هنا فان هيئات او منظمات ” غوغل ” و ” ياهو ” هي يهودية؟ وهي منظمات مسيطرة على حركة الانترنيت ذات الريع الاقتصادي الخيالي ولكنه غير منظور الا من قبل الذين يعرفون خصوصيات هذا الانتشار الجديد الذي تطور من خلال هندسة الاتصالات، وتركزت له البحوث، واصبحت له المصادر العلمية ذات الغور الكبير في دقائق هذه العلوم التي يعرف شيئا منها من يتخصص بدراسة هندسة الاتصالات، فعلم الهوائيات، وعلم الرادار، والعلم باجيال الموبايلات، والاستشعار عن بعد، تعتبر كلها من علوم الفضاء وان ارتبطت تقنيا ببعض المحطات الارضية؟

     وعلوم الفضاء ستبقى تمثل طموحا للبشرية التي تتطلع الى السماء واسرارها المغرية بحب الاستطلاع والاكتشاف قال تعالى :” يامعشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من اقطار السماوات والارض، فانفذوا، لاتنفذون الا بسلطان – الرحمن – 32-

    وكان الامام علي بن ابي طالب هو اول من قال : سلوني قبل ان تفقدوني، فاني اعلم بطرق السماء من طرق الارض ”

    وهو اول من وصف وتكلم عن ” سكائك الريح ” و ” طرائق الهواء ” وهو بذلك كان يريد فتح باب الثقافة الفضائية للناس على هدي الاية القرانية رقم ” 32″ من سورة الرحمن المباركة في القران الكريم، كما انه كان يريد في نفس الوقت اقامة الحجة على الناس حتى يعرفوا مقام الرسالة الاسلامية وما جاءت به من مفاهيم الامامة ودورها في تعزيز مكانة النبوة التي هي بعث رباني معزز بالوحي، والامامة جعل رباني مستمر بالصالحين الاوصياء لخلافة النبوة في الارض. ولذلك كان عليه السلام يقول : ايها الناس خذوها من خاتم الانبياء والمرسلين : انه يموت الميت منا يعني اهل البيت ” وهو ليس بميت.، ويبلي البال منا وهو ليس ببال. وفي هذا الكلام حجة على العقول سواء في عصر التنقل بالجمال، او عصر التواصل بالانترنيت.

    فالانترنيت، شبكة تتحرك عبر الاثير، والاثير صناعة ربانية وهو جزء من الفضاء، وفي القران الكريم ما يقرب من ” 500″ اية قرانية مباركة تتحدث بشكل مباشر وغير مباشر عن الفضاء وذلك كله من اجل تركيز ثقافة الفضاء التي تاخرنا فيها كثيرا.

    فنحن ليس من باب التفاخر، ولكن من باب تقرير موضوعية الاشياء نمتلك ” رحلة الاسراء والمعراج ” وهي من المحطات التي تصنع فرصا ثمينة للتفكير بثقافة الفضاء وعلومه.

    قال تعالى : ” سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصا الذي باركنا حوله لنريه من اياتنا انه هو السميع البصير – سورة الاسراء – 1-

    ومما يرتبط باخبار تلك الرحلة الفضائية التي خص بها خاتم الانبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله وسلم ان النبي “ص” عندما ارتفع الى السماء بقدرة الله تعالى : لامس رداءه ابريقا كان بجوار رسول الله، فوقع الابريق على الارض وانسكب ماءه، وظل الماء ينسكب حتى رجع الرسول الى الارض، ولما سمع انشتاين بهذه القصة، عكف على دراستها بذهن العالم الذي وضع فيزياء الكم، فوضع نظرية جديدة سماها ” انبساط الوقت ” التي اصبحت متلازمة مع نظرية ” السفر في الزمان ” التي سبقتها الاية القرانية : ” واذ اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم، الست بربكم قالوا بلى شهدنا ان تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين ” وفيزياء الكم هي التي الغت فيزياء نيوتن القائمة على البعد المادي ” الميكانيك ” بينما فيزياء الكم ادخلت ” المراقب ” وهو الانسان بعدا ثالثا مع الزمان والمكان والانسان ببعده الروحي، ينتمي لعالم الجوهر، وينتمي للمادة ببعده الجسدي، والبعد الروحي هو من عالم الجوهر الذي له قوانين خاصة، لذلك لايمكن الغاء هذه الحقيقة، ولان الاثير هو الاخر جوهر، وهو جزء من الفضاء، والانترنيت يتحرك عبر الاثير فهو جزء من الفضاء، ولاننا تخلفنا كثيرا في معرفة ثقافة الفضاء التي خصص لها القران كما قلنا ما يقرب من “500” اية قرانية : قال تعالى : ”

    1- او كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون اصابعهم في اذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين – البقرة – 19-

    2- وظللنا عليكم الغمام وانزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات مارزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا انفسهم يظلمون – البقرة – 57-

    3- ان الله لايخفى عليه شيئ في الارض ولا في السماء – ال عمران – 5-

    4- الحمد للله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون – الانعام – 1-

    5- اولم ينظروا في ملكوت السماوات والارض وما خلق الله من شيئ وان عسى ان يكون قد اقترب اجلهم فباي حديث بعده يؤمنون – الاعراف – 185-

    6- الم تر ان الله خلق السماوات والارض بالحق ان يشا يذهبكم ويات بخلق جديد – ابراهيم – 19-

    7- رب السماوات والارض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا – مريم – 65-

    8- قال بل ربكم رب السماوات والارض الذي فطرهن وانا على ذلكم من الشاهدين – الانبياء – 56-

    9- ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا – الفرقان – 25-

    10- قال الذي عنده علم من الكتاب انا اتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فلما راه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني ااشكر ام اكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم – النمل – 40-

    هذه نماذج مباركة من الايات القرانية التي تتحدث عن الفضاء، مما يسمح بتشكيل ثقافة فضائية على هدى تلك الايات المباركة ولكن بعد بذل الجهد في العمل والاختبار حتى نكتشف عوالما جديدة كما اخبرتنا الاية ” 32″ من سورة الرحمن، وكما اخبرتنا الاية ” 40 ” من سورة النمل والتي تعطينا صورة عن الحركة عبر الاثير التي نفذها رجل صالح من جماعة سليمان عليه السلام هو اصف بن برخيا الذي عنده علم من الكتاب وليس كل علم الكتاب، وبواسطة ذلك العلم استطاع ان يجلب عرش بلقيس ملكة سبا من سبا في اقصى جنوب الجزيرة العربية الى مملكة النبي سليمان الذي كان في ارض فلسطين اليوم المحتلة من قبل اسرائيل؟

    فعندما ننتقل نحن اليوم عبر الانترنيت من اقصى بقاع الارض الى بقاع اخرى بلمحة بصر، علينا ان نتذكر قدرة الله تعالى الذي هيا لنا كل هذه الوسائل، فلولا قدرة الله، لما تمكنا من الاستفادة من الشبكة العنكبوتية التي تتحرك بالقوانين التي وضعها خالق السماوات والارض، وعلينا ان نتذكر مقولة الامام علي عليه السلام حول علمه بطرق السماء وعلمه بسكائك الريح وطرائق الهواء، وهي دعوة مبكرة للعمل باكتشاف هذه الطرق التي سبقنا غيرنا اليها.

    ومع ذلك ومع تحقق هذا السبق فاننا غير انانيين في هذا المسعى، بل علينا ان نتمتع بكل الموضوعية والاعتراف باحقية من اكتشف وعمل، وثابر، من باب الانصاف على طريق الاية المباركة ” ولا تبخسوا الناس اشيائهم “.

    ولكن علينا استحضار اصالتنا وهويتنا ونحن نمارس العمل بالانترنيت، فالانترنيت اليوم عالم واسع فيه مايلي :-

    1- كتابة الرسائل والابحاث ونقلها الى اي مكان نريده.

    2- متابعة اخبار العالم، من احداث سياسية واجتماعية.

    3- معرفة حالة المناخ، ودرجات الحرارة والامطار.

    4- المراسلات مع من نريد من الاصدقاء والمعارف.

    5- الاحتفاظ بالبحوث والرسائل مخزونة كما نشاء.

    6- انجاز المعاملات الخاصة بالدوائر والمؤسسات والحكومات ولذلك شاعت اليوم تسمية الحكومة الالكترونية.

    7- وقد عملت الهيئات التي تسيطر على الانترنيت على احتكار خدمة وامتيازات الانترنيت بحيث لايشعر الناس بذلك، ومن الادلة على ذلك قيامهم بتعريض صاحب شبكة ” الويكليكس ” الذي خرج قليلا عما يريدون، فعرضوه للمحاكمة. ومن المشاريع السرية التي حرصت على انشائها تلك الهيئات هو:-

    ا‌- الياهو

    ب‌- الغوغل

    ت‌- خدمة تويتر

    ث‌- خدمة الفيسبوك، وهناك مشاريع مستقبلية كثيرة سعيا منهم للابقاء السيطرة على جفرات العمل بهذا البرنامج الكوني ” الانترنيت “، وما يهمنا في تسليط الضوء على ثقافة ” الانترنيت ” ان نركز الانتباه الى مستجدات هذه الخدمة التي اندفع اليها الناس لاسيما الشباب، فاصبح التواصل عبر الفيسبوك ظاهرة شبابية، من دون الاحاطة بخلفياتها ومعرفة اثارها النفسية والاجتماعية، والاقتصادية، ثم السياسية.

    ونريد ان نركز البحث على الجوانب الاجتماعية النفسية، فنقول انه شاع اصطلاح صداقة الفيسبوك. دون معرفة الكثير من الفتيات والشباب بمعنى اصطلاح الصداقة وحدودها، دون الوقوع في مفهوم التزمت او ظاهرة الانفلات غير المحدودة في العلاقات، ونلاحظ على ظاهرة التصفح او التواصل عبر الفيسبوك مايلي :-

    1- انه يطغى عليها جانب التسلية اولا.

    2- انها تستهلك وقتا من الشباب لايعرف مقدار الانتاجية فيه.

    3- انها مرشحة لخلق علاقات بين الرجال والنساء من دون وجود صمامات امان، كما وقع قبل ذلك بين الفتيات والشباب وحصلت من جراء اتصالات وتعارف عبر الكومبيوتر انتهت بالزواج الذي انتهى بالفشل، والامثلة كثيرة، ونخشى ن يكون التواصل عبر الفيسبوك لايؤدي الى النتائج المرجوة من التواصل النافع الذي يحرص على المعرفة والاستفادة من خبرة الاخرين، ولكن ذلك غير مضمون للاسباب التالية :-

    ا‌- ان غالبية المتصلين عبر الفيسبوك لايمتلكون خبرة يعتد بها.

    ب‌- ان الغالبية يبحثون عن التسلية فقط.

    ت‌- ان البعض يتصيد الفتياة من خلال هذا التواصل. ولهذا نحن نرشد الفتيات الى ان تكون تواصلاتهن مع فتيات وليس مع الشبان تلافيا لما قد يحصل ويسبب احراجا للفتاة لاطائلة من ورائه.، ثم ان معنى الصداقة بمفهومها الاصطلاحي : هو كما عرفها الامام علي عليه السلام : الصديق نسيب الروح ” وهذا المستوى من العلاقة من الناحية العلمية لاتتحملها صداقة الرجال للنساء، وانما تتحملها علاقة الزوجين حيث قال تعالى : ” وجعلنا بينكم مودة ورحمة ” فالصداقة بمعناها الروحي هي ماتناسب الازواج، او ما تناسب العلاقة بين الرجال فقط، وذلك من خلال التفسير العلمي والروحي للصداقة، والعلاقة بين النساء والرجال في المجالات الاجتماعية تاخذ طابع : –

    ا‌- الزمالة.

    ب‌- والمعارف

    وهذه العلاقات تناسب المراة وتجعلها في المكان المناسب من الهرم الاجتماعي، اما الصداقة مع الرجال فانها باب مفتوح على المجهول الذي يخبئ مالاينفع المراة، ويجعل مستقبلها محفوفا بالمخاطر، وهو مافيه من الضرر اكثر مما فيه من نفع يحصل لها من خلال صداقات الفيسبوك مع الرجال، على ان التواصل المحدود والمنضبط بحدود المعرفة، وضوابط الاخلاق وقوة الشخصية فهو مما لاباس به، لنجعل من الانترنيت وسيلة من وسائل المعرفة، ولنحذر اهداف المشرفين عليه من المنظمات اليهودية التي همها اشاعة الرذيلة، وفوضى الجنس وذلك هو الارهاب الحقيقي القاتل.

  • هموم بن همام وأوهامه

    يقول الفيزيائيون: أن العناصر التي تكتسب الحرارة بسرعة تفقدها بسرعة, والعناصر التي تكتسبها ببطء تفقدها ببطء, وهذا ما ينطبق تماماً على القطري (محمد بن همام), الذين قادته أوهامه لتسلق سلم الاتحاد الآسيوي بسرعة (سبيدي كنزالس), فسطع اسمه في يوم وليلة في سماء دنيا الأوهام الكروية, وتوهم بأنه صار رمزا مهماً من رموز (الفيفا), فزجت به أوهامه مرة أخرى في عالم الوهم, وقادته إلى بريق الشهرة والتألق,  فحقق سلسلة من القفزات الفورية الخاطفة, ونط كما القرود فوق مهمة الحواجز العلوية, وطار بأجنحته العنابية نحو الأنوار الساطعة, فسحره الإبهار والانبهار, وشبهته الصحافة بعراب الكرة العربية, ورفعته إلى مراتب القادة والعظماء, فضاع في سراب الشهرة, وفقد بصره وبصيرته, وتخطى حدوده الطبيعية والمنطقية, حتى بلغ قمة الوهم والأوهام, فأختل توازنه, وتكررت عثراته, وتعاقبت كبواته, وصار مرشحاً للسقوط والانزلاق نحو الهاوية أكثر من أي وقتٍ مضى, ومن المرجح انه سيهوى من شاهق متأثرا بتعجيل الجاذبية الأرضية الحتمية, التي ستعيده إلى الدوحة, وتضعه في حدوده القطرية, وترجعه إلى حجمه الطبيعي, ولله در سيد البُلغاء عندما قال:

    اذكر مقالاً محكماً من قاله حقاً برعْ

    لا يحصد الإنسان إلا مثلما كان زرعْ

    ما طار طيرٌ وأرتفع إلا كما طارَ وقعْ

    دخل بن همّام عالم الوهم والأوهام, وكان أول من جلب الغم والهم لأهلنا في المغرب, عندما تحيز للملف الألماني, وفضله على ملفهم المرشح لاستضافة كأس العالم لسنة 2006, وباع صوته للألمان, وحشد الأصوات الآسيوية كلها ضد المغرب, ثم شحذ همته لمساعدة الساعدي القذافي, الذي يمتلك حصة الأسد في شركة (أديداس), الشركة المدللة لدى (الفيفا).

    يرى بن همام ان الحل الوحيد لاصطحاب المنتخب القطري نحو القمم الشاهقة في عالم الأوهام, يكمن في تجنيس (80%) من المنتخب, وها نحن نسمع أعضاء المنتخب القطري يرطنون بلغات ولهجات نيجيرية وأمازونية وسنغالية وسنسكريتية, فتشابكت ألسنتهم, وشاعت بينهم لغة الإشارة, وفقدت اللعبة روحها ومبادئها ونكهتها ولسانها, ولم تمض بضعة شهور على تدخل بن همام في قوانين (الفيفا) لتغيير أحكام المواد المتعلقة بتجنيس اللاعبين الأجانب, حتى تفجرت براكين (الفيفا) بسلسة من الفضائح المخجلة, اهتزت لها العروش الكروية في كل القارات, وطفحت أخبارها فوق سطح النزاع المحتدم على صولجان الحكم في مملكة (الفيفا), وتكشفت للقاصي والداني خبايا الصفقات المشبوهة, التي عقدها بن همام في السر والخفاء, وظهر (جاك وارنر) أمام الناس, ليعلن عن قيام الحكومة القطرية بشراء حق تنظيم بطولة كأس العالم لعام 2022, وقال (جيروم فالك): أن بن همام يريد أن يوهمنا بأنه الفارس الهمام, وعنده القدرة على شراء (الفيفا) بدراهمه النفطية, فتدخلت لجنة الأخلاقيات في (الفيفا) لإيقاف بن همام بتهمة دفع الرشاوى المالية, فسحب ترشيحه لرئاسة (الفيفا), وكانت رئاسة مجلس الإدارة قررت تعليق عضويته, وتراكمت عليه الهموم والأوهام, خصوصا بعد تفشي الأنباء, التي تناقلتها الصحف الاسترالية حول احتمال حرمان قطر من حلمها بتنظيم المونديال على أرضها, وحلمها بصعود منتخبها المؤلف من الأعراق والأجناس والأصناف كافة, والذي ستنتقيه وتشتريه من أسواق بيع اللاعبين في البرازيل وأوربا,  ثم عادت الصحافة العالمية لتروي لنا من جديد قصة رئيس الاتحاد الصومالي (فرح أدّو), الذي ادعى أن بن همام عرض عليه مائة ألف جنيه إسترليني مقابل التصويت ضد مرشح رئاسة الفيفا (عيسى حياتو) في انتخابات 2002, والتي ظلت آثارها تلاحق بن همام في المحاكم الدولية حتى يومنا هذا.

    ويبدو أن فضائح بن همام لم تتوقف عند هذا الحد, فقد قفزت إلى السطح الفضيحة القديمة, التي أثارتها اليابان عام 2002, على خلفية المقاعد الفارغة, برغم نفاد البطاقات, إلى جانب سوق التذاكر السوداء التي كانت تحمل أرقام التذاكر, التي حصل عليها بن همام بالمجان بصفته عضوا في اللجنة المنظمة للبطولة. اغلب الظن ان هذه الاتهامات لن تتوقف ولن تهدأ, وربما هي التي أودت بمستقبل بن همام, الذي هام على وجهه كما هام البطل الوهمي (هاري بوتر) في عالم الأوهام والأحلام, وسيندم على كرة القدم التي جلبت لنا وله الحسرة والألم, وليس هنالك تفسير لهمومه وأوهامه سوى انه تأثر بالانبهار, الذي سيطر على عقول أمثاله, فدفعهم لتأليه أنفسهم في عالم الزيف الكروي, وما أن يستفيقوا من أوهامهم, حتى تنقشع الضبابية عن عيونهم, لتظهر أمامهم الصورة الواقعية على حقيقتها, ولا يصح إلا الصحيح.