Blog

  • خطيئة نقابة الصحفيين …!

    كانت نقابة الصحفيين العراقيين وستبقى منظمة لها تاريخ طويل لا يستطيع احد ان ينكره بحسناته أو سيئاته ويكفي اقتران تاريخ تأسيسها باسم عملاق الشعر العربي محمد مهدي الجواهري نقيبها الاول ،ومازالت تحتفظ باسماء شخصيات لامعة في تاريخنا الصحفي المعاصر مهما اختلفنا عن توصيفاتهم  وتعاقب أجيالهم وتنوع انتماءاتهم، وتعد الإساءة إليهم خطأ جسيما ولكنه إذا صدر من النقابة نفسها عد خطيئة لا تغتفر…!أقول ذلك بعد ان اطلعت على بيان لجنة الانضباط في النقابة وهو يهاجم بطريقة غير لائقة ولا تتسم بالانضباط والالتزام بالسلوك المهني واحدا من أهم الشخصيات الإعلامية العراقية ومن أعضائها المحترمين وتصفه بكلمات وصفات تتقاطع مع روح النقد البناء وحرية التعبير وتندرج في باب القذف والتشهير والصبيانية في مهاجمة الآخرين ويفترض ان يحال اعضاء لجنة الانضباط أنفسهم للتحقيق لتسرعهم في اقتراح قرار بفصل الدكتور كاظم المقدادي ونعته بصفات يرفضها العرف والقانون والأخلاق المهنية، وإذا كان المبرر ان الزميل المقدادي قد تجاوز حدود النقد المسموح في حوار تلفزيوني، فان الطريقة الأنسب لمعالجة الموقف، الرد إعلاميا وإبداء الرأي والتوضيح، أو طلب الاعتذار وربما اللجوء للقضاء وحكم ذلك عرفيا مثل الطلاق الحلال غير المحبذ، وللأسف هذه اللجنة فشلت بإصدار هكذا أحكام بشأن أشخاص مارسوا الارهاب وتورطوا في قتل العراقيين وتآمروا على وطنهم ومازالوا يحتفظون بعضويتهم، وآخرين أساءوا للمهنة وتاجروا بالسحت الحرام واستجدوا باسمها، وصار من المعيب والمخجل ان تمنح هويات النقابة لأشخاص رفضتهم المهن الأخرى وعزلهم المجتمع لأسباب اجتماعية وأخلاقية معروفة، فلم تعد للهوية من هيبة وسلطة معنوية نتباهى بها ثم تتفاخر اللجنة وتظهر شطارتها بشطب أسماء يجب ان تتفاخر بهم النقابة وتتحمل نقدهم أو حتى شطحاتهم ان حدثت وتتعامل معهم بعين الحكمة وروح التضامن والزمالة وليس بالتنافر والتصادم ونحن في ظرف نريد فيه تضميد الجراح ولم شمل الإعلاميين الشرفاء ونحسن من أوضاعهم ونكرم عوائل شهدائهم ولانفرط بأحد منهم.وكان على هذه اللجنة ان تلاحق مرتزقة الانترنت الذين يحاولون تشويه سمعة إعلاميين كبار باستخدام المقالات الموقعة باسماء وهمية والمتضمنة لأكاذيب واتهامات كيدية، استهدفت آخرها النيل من سمعة كلية الإعلام والتي تخرج منها نقيب الصحفيين العام الماضي وهو محسوب لها وليس عليها، وامتد التشهير لمؤسسة محترمة أخرى هي وكالة أصوات العراق ومؤسسها الصحفي المخضرم زهير الجزائري وإعلاميين آخرين حضروا مؤخرا ورشة في السليمانية وشملهم التراشق السيئ عبر مواقع الكترونية أدمنت التشهير وتبني دعاوى ومقالات وأنشطة مدفوعة الثمن فرسانها جبناء ومخادعون لا يجرؤون الإعلان عن أسمائهم الصريحة تهربا من القانون ومن الجمهور الذي يعرف تاريخهم الملوث بكل ما يخجل منه الإنسان الشريف والإعلامي المحترم.

    كنا نأمل ان تجري انتخابات مجلس النقابة ولجانها في موعده المحدد لإفساح المجال لظهور وجوه جديدة من الإعلاميين الشباب لتجديد دم النقابة وعقلها وقلبها واستبعاد البعض من الذين يتعكزون على تحرك النقيب فقط ومازالوا يفكرون بأن مجلس النقابة مظلة للفاشلين في العمل الصحفي والباحثين عن مكاسب في مجلس توارثوا البقاء فيه لدورات متعددة وورثوا أيضا أساليب العقليات الشمولية في التعامل مع الآخرين وتهميشهم أو التسلق لمواقع النقابة بطرق انتخابية ملتوية، فلا نعرف للبعض منهم موقفا جريئا أو هوية أو منجز إعلامي يؤكد حرفيته المهنية، وادخلوا النقابة في إشكاليات هي في غنى عنها عندما أصغوا لوشايات نفسيات انتهازية مريضة وآخرين لهم أجندات شيطانية،وأشاعوا ان النقابة هي الممثل الشرعي والوحيد للصحفيين وتنكروا لكل المنظمات الأخرى ووصفوها بالوهمية وعلى طريقة المغفور له الراحل ياسر عرفات، ووصفوا التعاون مع كل المنظمات الدولية وفي مقدمتها اليونسكو بأنها عمالة للكيان الصهيوني ولأمريكا وأشاعوا بوجود صفقات وهمية ومؤامرات خفية، وربما هنالك فعلا منظمات مريبة ولكننا لم نسمع شيئا أو لغطا عنها وعن صفقات أخرى تحاك في الكواليس باسم الصحافة وشهدائها وتطوير آفاقها..!ان ما فعلته هذه اللجنة غير المنضبطة يعد سابقة خطيرة ستضلل النقابة وما حققته مؤخرا من مكاسب تحسب لنقيبها والبعض من اعضاء مجلسها فقط سحابة سوداء غير محمودة العواقب، ولابد من انعقاد مجلس النقابة لتقديم اعتذار رسمي ليس للمقدادي بل للصحفيين وتحول لجنة الانضباط ومن دفعها لهذا القرار للتحقيق، وأيضا لها الحق ان تطالب كل عضو يثبت تطاوله وخروجه عن اللائق والمقبول من الكلام اعتذارا مماثلا من ذات المنبر الإعلامي، أما إذا كان موقفها  هذا قد اتخذ بتوجيه من النقيب ومجلسه ولم تتم مراجعته وإعادة النظر في البعض من المواقف، فأن كل الصحفيين ممن مازالت لهم آمال معقودة لإصلاح مسار المهنة وإنقاذها من وضعها الراهن سيكون لهم موقف وقرار حاسمان حينها سيحق القول المأثور إزاء بعض اعضاء المجلس المتحفزين للاستحواذ على مواقع ومناصب من دون مؤهلات حقيقية يقرها الناس وليست الأوراق حتى لو كانت رسمية تحمل عشرات الأختام والمراسيم المقولة الشهيرة وقد جنت على نفسها براقش..!.

  • استقالة نائب !!

    مرت استقالة النائب في البرلمان العراقي السيد جعفر الصدر في وقتها مروراً هادئاً دون إثارة وسائل الإعلام بالشكل المعتاد لحدث مثل هذا في العراق .. ولعل تتابع الأحداث خاصة في تونس ومصر وليبيا والبحرين ، وكذلك الشأن الداخلي ، قلل من أهمية هذا الموضوع الحيوي بالنسبة للإعلاميين وصائدي الأخبار ألا وهو (استقالة نائب) . والسيد الصدر الذي عاش في المهجر بعد استشهاد والده السيد محمد باقر الصدر (قدس) على أيدي الطغمة البعثية في ثمانينيات القرن الماضي عاد إلى العراق ليشارك في الانتخابات النيابية التي ظهرت نتائجها في 732010 ويفوز بمقعد في البرلمان العراقي الجديد .

    جعفر الصدر الذي حمل هالة اسم والده وتلقى حب واحترام العراقيين ، تميز بالهدوء والسكينة.. وقلة الظهور في وسائل الإعلام ، مع انه إحيط بالترحيب عند عودته إلى العراق والاشتراك في العملية السياسية . وكان لانضمامه إلى كتلة دولة القانون دفعاً اعتباريا لهذه الكتلة لما يمثله من رمز مهم في حياة الشعب . الغريب في هذه الاستقالة إنها غير متعارف عليها في العراق بحكم الامتيازات المادية التي يتميز بها البرلماني , بحيث ليس من السهولة ان يفرط بها بعد ان حصل عليها بشتى الطرق . بل ان المتعارف عليه أيضا هو الصراع والسعي واللهفة للحصول على مثل هذا المنصب الرفيع .

    ولعل قضية استقالة رئيس البرلمان السابق محمود المشهداني وما رافقها من امتيازات مادية في ذاكرة العراقيين . إلا ان السيد جعفر الصدر وحسب ما تشير قضية استقالته إلى انه فوق المناصب وفوق المكاسب وقد قالها بصراحة : “إنا لم اسع للوصول إلى مجلس النواب من اجل الحصول على امتيازات مادية أو معنوية” مما قد يعلق به من أدران السلطة .. وهو موقف ليس اقل أهمية من موقف السيد المالكي عندما تنازل عن نصف راتبه ، في خطوة عملية القصد منها تشجيع الآخرين لاتخاذ خطوات مماثلة لوضع حد للامتيازات ومعدلات في الرواتب لا تتناسب ودخل الفرد العراقي بكل المقاييس ..ما جعل هذا الأمر احد أسباب التذمر في الشارع وموضوع نكتة وتندر في إي مكان يحل فيه العراقيون ويتحدثون عن حسنات وسيئات مجلس النواب . مصدر مقرب من السيد جعفر الصدر قال : ان الاستقالة جاءت كمحاولة لمزيد من الاقتراب من تطلعات العراقيين إلى العدالة الاجتماعية ، والحرية السياسية ، ومكافحة الفساد المزمن الذي ينسف أسس الدولة .

    السيد الصدر قال حسب ما نقل عنه ” إني شاركت في العملية السياسية ورشحت للانتخابات البرلمانية في محاولة لخدمة شعبنا وبلدنا , إذ كنت أراقب العمل السياسي من الخارج .. وقررت العمل من داخل العملية السياسية , وكنت آمل ان أقدم شيئاً لشعبنا لكنني لم استطع” يقولها بمرارة , ويضيف ” لقد وجدت تعميقاً للمحاصصات والتكتلات حتى داخل الكتلة الواحدة , والمزايدات, وهناك تهميش وإقصاء داخل الكتلة الواحدة .. وهناك مشكلات كثيرة في ظل وجود تحديات داخلية وإقليمية لم يتم التصدي لها” . إلا ان السؤال الأكثر أهمية في هذه القضية .. هو هل ان تخلي السيد الصدر عن عضويته في البرلمان العراقي ستؤدي إلى نتائج ايجابية ، وهل ستبقى صرخة بوجه كل من حاول تخريب العملية السياسية من الداخل ؟ ..

    وهل ان هذا الانسحاب تخلي عن المسؤولية ؟ ..

    وترك الركب وسط الطريق .. أم انه شرارة ستفتح النار على البرلمان الذي يحاول ان ينأى بنفسه عن كل ما يحصل في العراق ملقياً اللوم على السلطة التنفيذية ؟ ..

    ومع مرور أكثر من أربعة أشهر على الاستقالة ، ولم يحصل شيء مما ذكرنا !!..

    الأيام القادمة ستجيب بوضوح بعد ان تتكشف خفايا وأسرار الاستقالة.

  • السفيران الأميركي والفرنسي في حماة

    “من أومأ إلى متفاوت خذلته الحيل” علي بن أبي طالب (ع) كان بيان الخارجية الأميركية، وتصريحات سفيرها في سورية تشير إلى متفاوتات ومتناقضات ومن هنا كانت الحيلة أضعف من أن تجيب على السؤال الدبلوماسي والقانوني : لماذا يذهب السفير الأميركي إلى حماة وفيها مشكلة أوضح أطرافها عصابات إرهابية؟

    والحديث عن سورية ونظامها يحتاج أن نضع النقاط على الحروف في زمن تعيش خريطة السياسة لغة تختلط فيها الحروف وحركات الإعراب ، بحيث يستعصي على القارئ والسامع فهم ما موجود في السطور وهذا هو المنخفض السياسي الذي تمر به المنطقة ، وبسبب هذا المنخفض السياسي أُحتل العراق ، وحوصرت غزة ، وشنت الدعايات على أفضل حزب جماهيري في لبنان ذلك هو حزب الله؟ واليوم تحاصر سورية ، ويقوم السفير الأميركي والفرنسي بزيارة حماة ، تلك الزيارة التي يجب أن تفهم من خلال مخاضات الأمة لا من خلال تصريحات السفير الأميركي التي لا يمكن الاطمئنان لها ولا بيانات وزارة الخارجية الأميركية المسيرة من قبل ” جماعة الإخوة الفيدرالية  العالمية ” التي جعلت من شمال العراق مهيئا للانفصال ، ومن المناطق المتنازع عليها قنبلة في وجه الهوية الوطنية. ربما فات الكثير من الناس معرفة مجيء حزب البعث تمهيدا للاحتلال الصهيوني لفلسطين ، وخطاب عفلق الذي لم يكن خطيبا لمن يعرفه عن قرب:” إذا كان محمد كل العرب فليكن العرب كل محمد ” وهو أول إشكال معرفي يدخل قاموس التأسيس الحزبي الملتبس، ليشكل تآكلا في جسم الأمة. لقد كان تأسيس البعث أمريكيا فرنسيا أيها السادة وعذرا من أبنائنا وإخواننا الذين انخدعوا بشعارات مموهة لا حقيقة لها سوى إلهاء الشباب العربي وقد حصل هذا لقطاع من الشباب.

    ولقد أسقط عبد الكريم قاسم في 8|2|1963 أمريكيا والجاسوس الأميركي ليون كان موجودا مع الذين دخلوا الإذاعة العراقية صبيحة ذلك اليوم وقاموا بإعدام عبد الكريم قاسم ، والطائرة التي قصفت وزارة الدفاع العراقية صبيحة ذلك اليوم كانت آتية من الأردن ؟ وعلي صالح السعدي الذي شغل منصب نائب رئيس الوزراء في حكومة الانقلاب هو من صرح : بأنهم جاؤوا بقطار أميركي.

    فحزب البعث بجناحيه السوري والعراقي هذا هو منشأه وتلك هي حقيقته ، وإذا كان الشعب العراقي قد ذاق ويلات عصابات حزب البعث وأكبرها في تدمير الدولة العراقية وتخريب القيم الاجتماعية للشعب العراقي ، فإن الشعب السوري هو الآخر لم يعد يستحق أن يحكمه حزب البعث ، وإذا كانت عقلية بشار الأسد هي ليست عقلية صدام حسين في العراق سابقا ، وحزب البعث في سورية هو ليس حزب البعث الذي حكم في العراق ، وسلم البلاد على طبق من ذهب للاحتلال الأميركي ، وإذا كان النظام السوري قد قبل المضي بالإصلاح وهناك خطوات عملية تؤشر لذلك وإذا كان الشعب السوري في أغلبيته المعلنة والموثقة قد أيد برنامج الإصلاح الحكومي ، مثلما أعلن التفافه حول قيادة بشار الأسد ، لأنه رأى الشعب السوري ” وأهل مكة أدرى بشعابها ” بأن هناك عصابات إرهابية مارست القتل على الهوية كما حدث في حمص وحماة ودرعا وجسر الشغور ومعرة النعمان ، ولم تكن حريصة على برنامج معارضة سلمي كما يريد الشعب السوري ، من هذه الرؤية التي لا تشوبها شائبة تحرك الشعب السوري لرفض الإرهاب متذكرا التجربة العراقية وويلاتها ، وأعلن تأييده لبرنامج الإصلاح وخطواته العملية في رفع قانون الطوارئ ، وتغيير الحكومة ، والوعد بتغيير الدستور ، وانعقاد اللقاء التشاوري الذي ضم المعارضة بشكل واضح في فندق سميراميس بدمشق ، وعودة قسم من اللاجئين السوريين في تركيا إلى مدينتهم وقراهم في جسر الشغور رغم الدعاية والتشويه الذي مارسته جماعة الإرهاب والطائفيين مع أهالي جسر الشغور بتخويفهم من الاعتقال والقتل على أيدي الجيش السوري ، مثلما مارست فضائيات الجزيرة والعربية ، والبيبي سي فبركة مكشوفة ظهر زيفها من خلال ” شاهد عيان ” الذي كذب أخباره ومشاهداته غير الحقيقية بعض المواطنين السوريين الذين طالت أسماءهم تلك الأخبار المفبركة.

    وإذا كان في حماة احتقان طائفي يرجع إلى التعبئة الطائفية التي مارستها القاعدة والأحزاب السلفية المتطرفة ، وإذا كانت الأحداث قد أظهرت بشكل موثق الدور الإرهابي لعصابات القاعدة ومن يؤيدهم ويدعمهم لاسيما في لبنان وقد اعترف بعض الإرهابيين بذلك على شاشات التلفزة ، وذكروا أسماء بعض اللبنانيين ومنهم من هم في البرلمان اللبناني ، كما ذكروا أسماء بعض السعوديين الذي يدعمون الخلايا الإرهابية في سورية بعد 2003 ماليا وعسكريا ، وقد ظهرت المعدات الحربية التي استلموها على شاشات التلفزة ، مع هواتف محمولة غير موجودة في سورية.

    إذا كان هذا موثقا لما تقوم به القاعدة وعصاباتها الإرهابية الطائفية فلماذا تقف الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب القاعدة ويقوم السفير الأميركي بزيارة تلك العصابات ويحظى باستقبالها

    ولا تقف مع الشعب السوري في غالبيته المطلقة المطالب بالإصلاحات والداعم للإجراءات الحكومية؟ ولماذا لا تساعد الحكومة التي طرحت برنامجا إصلاحيا ، وهي تسعى بخطوات عملية للخروج من سياسة الحزب الواحد إلى التعددية السياسية.

    أسئلة برسم العقل السياسي العربي أينما يكون ، وبرسم النخب الثقافية ، وبرسم الإعلام العربي والمسلم ، أن يأخذ دوره ويقول الحقيقة ، لأن السكوت على مثل هذه المواقف التي لا تنتمي الى الديمقراطية التي ينادي بها إعلام الدول الأوربية وأمريكا وبقية الدول الملتحقة حديثا بالصف الديمقراطي ، ولا تنتمي إلى لائحة حقوق الإنسان التي تعدها الأمم المتحدة من متبنياتها الأساسية.

     ولا تنتمي إلى الحملة التي تشن على الإرهاب ومكافحته كما تدعي أميركا ؟ فكيف سيكون حال العالم بعد أن ظهرت أمريكا تدعم الإرهاب علنا في سورية ، وتحاول محاصرة النظام الذي تخلى عن سياساته السابقة وألتحق بصف العمل بالنهج الديمقراطي ، وعمل بخطوات عملية وواضحة من أجل ذلك.

    كيف تسكت الأحزاب العربية والإسلامية على ما يجري من قتل على الهوية من قبل عصابات الإرهاب القاعدي في سورية؟.

    ولمصلحة من تحرق وتدمر مؤسسات الشعب السوري ويقتل الجنود السوريون والضباط السوريون ؟ هل المعارضة أن تحرق ؟ وهل المعارضة أن تقتل أبناء الشعب ؟ وهل المعارضة أن تدمر الاقتصاد الوطني ؟ لماذا لا تعطى فرصة للمعارضة الوطنية المعتدلة أن تثبت جدارتها في التغيير والانتقال السلمي في السلطة ألم تكن هذه هي خيارات العمل الديمقراطي؟

    وأخيرا ستظل زيارة السفير الأميركي لحماة ناقوس خطر لما ينتظر المنطقة بتخطيط جماعة الإخوة الفيدرالية  العالمية والمستفيد الأول منها : إسرائيل ؟

  • الأفنــدي والأغـــــا

     في عام يعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهو من قرون الظلام التي شهدها العراق، تولى (نامق أغا) مهمة الإشراف على ضرائب (ولاية بغداد)، فكان المسؤول الأول عن كل مبلغ ضريبي، صغيرا أم كبيرا، يدخل الخزينة، ويبدو أن نفسه الأمارة بالسوء قد سولتْ له أمرا وهي ترى الأموال تتدفق آلافا مؤلفة، غير أن تلك الوسوسة الشيطانية كانت تصطدم بموظف من موظفيه يدعى (طلعت أفندي)، مهمته إدخال الأرقام وما يرد إلى الخزينة من ضرائب في سجلات خاصة وكان هذا الرجل معروفا بالفطنة والدهاء.

    طال انتظار الآغا ونفد صبره وقرر المجازفة، وهكذا زار الأفندي زيارة رسمية لا غبار عليها، وعبر التلميح وجسّ النبض، اكتشف الآغا، أن الأفندي أشد وسوسة ورغبة منه للتلاعب بالأرقام والسجلات لولا الخوف منه، وضحك الرجلان من أعماقهما، واتفقا على أن تذهب نسبة 70% من أموال الضرائب إلى الخزينة، و 30% يتقاسمانها مناصفة، وتعاهدا وأقسما بشرفهما على ألّا يخون أحدهما الآخر أو يشي به، وأن يبقى هذا الاتفاق سرا بينهما، لا يطلع عليه أقرب المقربين!

    في أقل من سنة واحدة، جمعا من الأموال الطائلة ما جعلهما أثرى شخصين في بغداد، بيوت وبساتين وخانات ومزارع وحقول دواجن وخراف وأبقار وحمير وخيول، ولا أحد يدري مصدر الثروة، ومن باب التحوط والتقرب إلى الوالي، كانا يقومان بتقديم الهدايا الثمينة؛ مرة عباءة مطرّزة بخيوط الذهب، ومرة خاتم من الماس، ومرة سجادة حرير، ومرة أطباق من الفضة، ومرة… والوالي يتلقاها بعين الاستحسان والسكوت.

    ذات مساء فوجئ الأفندي بزيارة الآغا إلى بيته، وكان يرتعد خوفا وهو يخبر (شريكه)، أن السنة الجديدة أصبحت على الأبواب، واللجنة المكلفة بتدقيق السجلات ستقوم بجولتها التفتيشية بعد عشرين يوماً، ولا بد أن تنتبه إلى التلاعب خاصة، إذا قارنت واردات هذه السنة بواردات السنة الماضية!

    ضحك طلعت أفندي، الرجل الداهية، وردّ على صاحبه “اطمئن مولانا.. لا تشغل بالك ولا تهتم، “آني أعرف باللجنة وموعد زيارتها، وكل شي محسوب على 24 حباية!!”” اطمأن الآغا وعاد إلى عياله مرتاح البال ونام ليلته قرير العين، فقد كان يدرك (مواهب) شريكه، وربما يعمد إلى إسكات اللجنة بالرشوة، إن لم يكن قد رشاها واتفق معها في وقت سابق!

    قبل وصول اللجنة بثمانية أيام تعرض مبنى الضريبة إلى حريق هائل، وقد تعاون الموظفون وفي مقدمتهم طلعت أفندي على إخماده بسرعة، ولم تتعرض البناية إلى أضرار كبيرة باستثناء غرفة السجلات التي أكلتها النيران عن بكرة أبيها، ولهذا قدم الوالي شكره إلى الموظفين وفي مقدمتهم الموظف الذي بذل جهدا متميزا في إخماد الحريق، حتى أن نصف طربوشه قد احترق، ومن يومها والحرائق لم تتوقف في بغداد لأسباب مجهولة!

    ملاحظة: في تلك المرحلة، لم تكن الكهرباء معروفة في العراق، وإلا لكان (التماس الكهربائي) هو المتهم الأول في إشعال الحرائق!.

  • ارحموا المهجرين يرحمكم الله

     تعاني الاسر المهجرة حقا من معاناة كبيرة خاصة تلك العوائل المتعففة التي لاتجيد فن النفاق الاجتماعي والرقص على كل الحبال السياسية والطائفية والاجتماعية…!

     العديد من هذه الاسر التي تحمل هويات ووثائق هجرة رسمية ومازالت لاتجد الأمان الحقيقي في مناطقها الأصلية خاصة في محافظة ديالى تعاني الأمرين ، مرارة الروتين والفشل الحكومي في تأمين مستلزمات حياة حرة كريمة كما ينص الدستور، أو عودة كريمة إلى ديارها كما يستوجب المنطق، ومرارة مصدرها المجتمع الذي فقد كثيرا من سماته الإنسانية وروحه التضامنية حين اضطرت هذه الاسر لإقامة خرائب اسمها مساكن لإيواء العشرات من أبنائها المشردين في أطراف العاصمة وليس في الأحياء الراقية أو واجهات المناطق كما فعل المتجاوزون من غير المهجرين وشيدوا قصورا فخمة ، لكن الأمانة تركت هؤلاء وشنت حربا على الفقراء من المهجرين ومثلهم الصارح في محلة 964 في الزعفرانية وتركت المتنفذين وهذه لعمري سياسة انتقائية وكيل بمكيالين غير عادلين.

     أما الظلم الثاني فقد ارتكبه المجتمع حيث استغل أصحاب العقارات هذه الأزمة وراحوا يضاعفون من قيمة إيجاراتهم لمبالغ تزيد على النصف مليون معبرين عن حالة تضامن هي الأشبه لما نطالعه ونعلمه للأجيال أيام صدر الرسالة الإسلامية حين تم التآخي بين المهاجرين والأنصار ، فهل نحن حقا مسلمين ننتمي لدين محمد  رغم إننا نمارس الجشع إزاء إخوة لنا في الدين والخلق ونحن نتباهى ونتظاهر بالتدين والسير حفاة لزيارة أحفاد الرسول طمعا بالثواب والأجر….؟

     نعم القانون يطالب بإزاحة التجاوزات لكنها مستويات والمهجر مرغم على التهجير مرة أخرى لكن على وزارتي المهجرين وحقوق الإنسان  بل رئاسة الوزراء ان تجد لهؤلاء البشر مساكن وحتى لو كرفانات تستر اسرهم وتحفظ كرامتهم ،أم إننا نتحدث عن ذلك فقط عبر وسائل الإعلام وعند قرب الانتخابات،ابحثوا عن حلول عادلة لهؤلاء البشر بدلا من تحريك الشفلات والشرطة التي عجزت عن مطاردة الإرهابيين والمجرمين وتشطرت للاعتداء على المهجرين,ارحموهم كي يرحمكم من في السماء ولا يهجم على رؤوسكم ورؤوسنا تجربتنا الديمقراطية..!!

  • أيــــــــــن الطاهر ؟!

    هو طالب من عمرنا، ومن مرحلتنا الدراسية في الجامعة المستنصرية قسم اللغة العربية ولكنه بأقل الأوصاف التي يستحقها عبقري زمانه لم يترك كتابا في الأدب و الفلسفة والفكر والثقافة العامة إلا وقرأه وحفظ الكثير منه عن ظهر قلب، وكنا نعجب من قدراته الهائلة فلا تكاد تذكر بين أيديه اسم شاعر أو فيلسوف أو مفكر من سقوط روما حتى قيام الجمهورية العراقية إلا وتحدث عنه وعن تأليفه وكتبه وخصوصياته !

    كان من حقه التباهي وكان من واجبنا الانبهار في حضرة طالب يمتلك قدرة متفردة على الاسترسال في الكلام وترتيب الأفكار وسعة المعلومات وصياغة الجمل باسلوب مذهل واذكر كيف نقلت له ذات يوم إعجابي برواية ( الدون الهادئ ) وقبل ان افرغ من ملاحظاتي تسلم مقود الكلام  واخبرني ان أجمل ماورد في الرواية ( ضمن نصها الأصلي ) عبارة جاءت على لسان البطل القومي يقول فيها ( العام كله أباطيل وانا الحقيقة الوحيدة ) وقد صف الناقد الروسي كوزموف كله أباطيل وأنا الحقيقة الوحيدة )  وقد وصف الناقد الروسي كوزموف هذه العبارة بأنها أعظم ماقيل في الأدب السوفييتي ثم حدثني عن أعظم روايات المؤلف الموسومة  ( القمر والدب القطبي ) ولكنها مع الأسف لم تترجم إلى العربية !!

    ويتربع على عرش الذاكرة من تلك الأيام أستاذ النقد الفقيد الراحل الدكتور على جواد الطاهر تغمده الله بواسع رحمته كنا في المرحلة  الثالثة من العام الدراسي 1968/1969 وهاهو يدخل قاعتنا لأول مرة ويقدم نفسه بتواضع ويحاول التعرف علينا بطريقة مبتكرة حيث يذكر كل واحد اسمه ثم يتحدث عن أهم قراءته والكتب التي تأثر بها فلما وصل الدور إلى زميلنا عبقري زمانه عرف نفسه ، وراح يتحدث بطلاقة عن الأدب السوفييتي ، وتوقف عند ميخائيل شولوخوف وروايته التي لم تترجم إلى العربية ، وعرج بعدها إلى الدون الهادئ ، والعبارة التي وردت على لسان البطل وكيف وصفها الناقد العملاق كوزوموف بأنها أعظم ما قيل في الأدب العالمي !!.

    كان الطاهر مصغيا إليه ، وابتسامة ناعمة تطوف على وجهه ، فلما انتهى ، شكره وقال له [انا معجب بقدرتك الهائلة على التعبير عن أفكارك ، وإعجابي اكبر بخيالك الخصب ، لان شولوخوف ليست لديه رواية غير مطبوعة لعنوان ، القمر والدب القطبي ، ولا يوجد ناقد اسمه كوزوموف ، ولم ترد على لسان البطل مثل تلك العبارة ، وأنت كما هو واضح لم تقرأ الدون الهادئ ، ولم تقرأ إي شيء بالمرة] ، ثم قدم لنا شرحا موجزا عن حياة الروائي والجوانب الفنية المشرقة في الدون الهادئ وموقعها من الرواية العالمية وانتهى الزمن المقرر للمحاضرة ولم ينته الدكتور من محاضرته ووعدنا بمزيد من التفاصيل في وقت آخر من غير ان يفوته توجيه لنصيحة لنا ولزميلنا على وجه الخصوص بلغة أبوية رقيقة ، ان نقرأ الدون الهادئ فهي عمل يستحق القراءة !.

    كانت لحظة تاريخية فصلت بين زمنين غادر فيها عبقري زمانه القاعة وقد تساقط ريشه الملون وذبل عرفه الأحمر وفقد صوته الجميل ، ولم يعد يتحدث إلى غير نفسه ، ومنذ تلك اللحظة التاريخية الفاصلة ، وحتى هذه اللحظة التي تكاثر فيها عباقرة زمانهم حتى امتلأت بهم أروقة الفضائيات والصحف والبرلمان والمعارضة والحكومة ، ولا رادع يردعهم ، ونحن نصرخ بحزن: أين الطاهر ؟!.

  • وفاء الرجال..!!

    لعل من الأمور التي لم ينتبه إليها كثيراً ذلك الوفاء منقطع النظير للرجال، سواء لأهليهم أو أزواجهم او أصدقائهم .. والوفاء كمفردة تعني البقاء على العهد.. والصدق في المودة والاستجابة عند الحاجة .. كما تعني التضحية والإيثار والإخلاص لمن نحب ..

    وهي عكس الخيانة  ، لأن الأخيرة تعني الأنانية ، وحب الذات ، والانصراف الى الملذات ، والابتعاد عن الالتزام بما تم التعاهد عليه مكتوباً أو شفاهة أو عرفاً . والوفاء أنواع ، فمنه وفاء شخصي ، ومنه أيضا وفاء اسري ، وآخر اجتماعي ، والوفاء لله عز وجل أسمى غاية الوفاء ، وكذلك الوفاء للوطن والشعب بعد أداء اليمين الدستوري من قبل من يتولون المسؤولية في السلطات الثلاث . إلا إننا سنتحدث هنا عن نوع واحد من الوفاء ، لما لمسناه عن قرب لدى أشخاص ضحوا وأوفوا لزوجاتهم ، بحيث أصبحوا مثالاً يقتدى به ، وليسجلوا مراتب عالية من الإخلاص ونكران الذات، فالعلاقة الزوجية التي وضع الله “جلت قدرته” أسسها بأنها سكينة مع الآخر ، ورحمة ومودة ، إنما تعني تلك الألفة الأبدية مع الشريك ، متجاوزين كل العثرات والعقبات والاختلافات من أجل استمرارها ومضيها الى الخط النهائي لها بحيث يسجل لها النجاح ..

    وكل الأشياء لها نهاية ، وهذه المودة والرحمة هي عماد الأسرة التي تنشأ بسبب هذا الارتباط ، الذي يتفرع الى جانبين مادي وروحي .. فأما المادي فهو متذبذب ومتحول ومتغير حسب الظروف المعاشية والحياتية العامة .. وأما الروحي فهو ثابت ويتطور ويتعمق متى كان الالتزام عالياً ، والانسجام موجوداً ، والتوافق سارياً .. كما ان هذا الروحي يتجذر بالإخلاص ، والتعبير الدائم عن الاعتزاز ، وتطمين الآخر على الاستمرار على العهد ، مهما تحولت الأزمان ، وتغيرت الطباع ، ودارت الدوائر . فممن عرفتهم عن قرب احد السادة الأجلاء من أسرة نجفية عريقة وقد لبى نداء ربه ، كان رحمه الله أديبا ومفكراً ، وممن يمتلكون مكتبات في بيوتهم تضم أمهات الكتب ، فكان يقرأ ويواصل التواجد في شارع المتنبي أيام الجمع باحثاً عن ضالته ..وليس هذا كله موضوعنا بل انه امتحن بمرض زوجته مرضاً عضالاً ، رقدت على أثره في الفراش (17) عاماً .. فكان لها خير طبيب بعد ان عجز الأطباء عن شفائها ..

    وظل طوال الأعوام السبع عشر الى جانبها ، يطعمها ويقوم على حاجاتها ، ويلبي متطلباتها ، بعد ان هجرها أبناؤها وبناتها .. فلم يفكر ان ينصرف الى نفسه ويترك خليلته تعاني المرض لوحدها ، بل بقي الى جانبها يعاني معها ما تعانيه ، ولم يقترن بأخرى لتقوم بتلبية حاجاته هو ، حتى تلك الفسيولوجية التي فطره الله عليها جل شأنه ..

    بل فضل هذا الرجل وبحكم حجم الوفاء لديه ، أن يجند نفسه لهذه المخلوقة التي ارتضاها زوجاً له ، وارتضته شريكاً لحياتها حتى الرمق الأخير . هذه الحالة وحالات مماثلة ليست غريبة على العراقيين ، وأنا على يقين ان كل قارئ لهذه المقالة يتذكر حالة مشابهة لما ذكرت ، ومهما تكن فكل هذه الحالات هي بعض وفاء الرجال الذي لا حدود له .

  • صرخة مكابرة

    ابي الفلاح بقي فلاحا، منذ ولادته في العام1920 حتى حانت ساعة مغادرته في العام1997، تلميذا نجيبا لما يعلمه غرين الارض من نقاء ووداعة وما يعلمه نبتها من عطاء وشموخ،  لم يكن طوال تلك السنين ذليلا يوما، ولم يكن قد شكا لحظة من مصيبة ألمت به، وما أكثرها وما أقساها من مصائب، هل تصدقون ان اشد مرضا ألم به السخونة والزكام، ولم يكن مرضا على شدة وطأته، يقعده الفراش لحظة او يجعله متقاعسا عن عشقه العظيم للعمل، ولما يحين المساء وبأس المرض قد نال من جسده المرصوص، نلقاه متكئا على وسادة من وسائد امي الريشية، واضعا سبابته اليسرى في اذنه اليسرى، على عادة اهل الريف، مترنما بموال محمدواي يفيض بالتحدي والفتوة. سألته يوما: يقولون اذا طابت النفوس غنت، فكيف تطرب وانت عليل؟

    لن تصدقوا بماذا اجاب، بعد ان جرني بقبضته المتينة وضمني اليه ليبوح لي بسر عظيم، هامسا باذني : ابني اذا لم تكبر على مصيبتك تكبر عليك…

    مناسبة هذا الكلام مابتنا نلمسه لمس اليد من مكابرة اسطورية لايمتلك شبيه لها شعب في العالم كله، غير هذا الشعب العظيم حقا، والذي مازال يسبح بحمامات الدم الطاهر الزكي لشهدائه رجالا ونساء واطفال، يقوم من فوره ولحظته، بعد كل حمام قتل يتعرض له، بأزالة مخلفات الدمار الهمجي، يغسل المكان ويعيد له رونقه، ليمارس تفاصيله اليومية وكأن لامصيبة اصابته للتو أوان امرا لم يكن، فأية مكابرة لاتكبر بل تسمق على المصائب، هازئة بها وبفاعليها من امعات الشر والرذيلة، واية روح تتطاول حتى عنان السماء تطوي بين جنحيها كوارث متتالية، لو ان مشهدا يسيرا منها شهده شعب من شعوب الارض لتهاوى وانتكس في براثن اليأس و شرانق القنوط، الا هذا الشعب الذي لايمكن ان تنال منه اشد الحرائق فتكا وقسوة، كأية عنقاء اسطورية تظل بالحيوية ذاتها على الدوام، نافضة ما يعلق بأذيالها من رماد الحرائق، مقبلة بعشق لانظير له على ان تحيا لحظتها بأحتفاء مهيب بالحياة.

    وحتى اللحظة في الصفحة الاخرى من بانوراما حياة هذا الشعب، لم تزل  (منذ قالو وبلى) سعالي القبح والظلام وغيلان الجريمة النتنة تنشب خناجرها المسمومة في البدن الواهن لهذا الشعب المبتلى، وتطعن في الصميم من روحه وجدانه النقي الشريف المحب للحياة، والانكى من ذلك هذه الندرة البالغة الغرابة فيمن يستشعر هول الكارثة وعظمها من رهط الساسة الساعين، يجمعهم لهاث رخيص بل ومسعور، للقبض على مقاليد الامور، حتى باتت صرخة انسانية مدوية يطلقها جور المأساة تخرق اسماع الضمير الانساني من دون ان تهز شعرة واحدة في اذان اللاهثين العديمي الاحساس والشعور.

  • في ضيافة الوحش…!

    يحدث لي في مرات متعددة ان أصادف شخصا ما، فأشعر بحرج شديد حين يطلب مني بعد ترحاب حار أن أحزر المكان الأول الذي تعارفنا فيه، فتخونني الذاكرة وحين تتقد فجأة أقول له مازحا ألم نلتق في النمسا، فيضحك ويقول: نعم في فينا صدام حسين…!.

    هذه هي كلمة السر التي كنا نحل من خلالها شفرة الذاكرة، وكنا نرمز فيها لحاكمية المخابرات واسمها الرسمي مديرية التحقيق والتحري في جهاز المخابرات والتي أطلق عليها مراسل السي ان ان الشهير بيتر أرنت بالسفينة البيضاء لان شكلها الخارجي يشبه السفينة الغارقة تايتانك والتي طالما استقبلت في جوفها عشرات الآلاف من الأبرياء الذين حاولوا التفوه بكلمة أو ممارسة نقد عابر لسياسة النظام أو ربما لسرد وقائع لحلم وجد النظام بأنه يمس أمنه وسلامة قائده الضرورة فتركوك تنام من دون سلام في هذا المكان الذي يحول الأحلام إلى كوابيس والأحياء إلى أموات والصاحين إلى مرضى بالشلل والفقرات والسكر والشرايين وضغط القلب والخوف المزمن من كل المدن والحارات والزنقات فيصبح الإنسان ملاحقا غريبا في وطنه بل وسط أسرته وهو في عزلته مع نفسه، ومحظوظا من لا يصاب بعد ذلك  بالكآبة والجنون وهو يتذكر أيام الإنس في فينا الحاكمية سيئة الصيت وكل الهول البشري الذي كان يحدث فيها…!

    ولعل خير من يروي حكايتها هو زميلي في المعتقل والذي كما يحب ان يسميها بدلا من فينا ستار أكاديمي صدام حسين، انه طارق صالح الربيعي الذي يمثل لوحده قصة متكاملة تعد نموذجا صارخا لتعذيب الإنسان وسقوطه في فخ المعتقل مع زميله وصديق عمره المهندس عريم نتيجة وشاية من شخص حقير وحاقد وجد له الآن برغم فعلته السوداء موطئ قدم في وزارة الصناعة من دون حياء أو خجل  وقدر قليل من الندم…!

     عن ستار أكاديمي العذاب كتب الربيعي مذكرات مثيرة تستحق القراءة أطلق على الجزء الأول منها في (ضيافة الوحش)، ووضع للجزء الثاني الذي لا يقل إثارة عنوانا من (باب البيت إلى بوابات الجحيم) وهذه تسميات صريحة لمشاهد الموت والتعذيب في جهاز المخابرات والمذكرات مليئة بالقصص والحكايات يرويها الرجل ليخلدها في ذاكرة الناس وهو لا يبغي مكافأة من احد مهما كان، ولا ينشد مجدا أو عضوية في برلمان وكرسيا لوزير برغم انه يستحق وأمثاله كل هذه المواقع بامتياز وشرف لما تحمله من فصول مرعبة في مدينة الجحيم، بل الهدف الأسمى الذي يسعى إليه ان يتذكر الناس هذه الغمة كي لا تتكرر المأساة وتنتهك مجددا حقوق وحرية وكرامة الإنسان العراقي، لأن الربيعي وأمثاله مازالوا يعيشون فقط من اجل رؤية عراق حر عزيز قوي موحد كامل السيادة يفتخر الآباء والأبناء بهذه الولادة ويقدسون هذا الانتماء لتحول بوابات الجحيم لبوابات سعادة واستقرار وتحول أموال النفط مدن العراق إلى فينا حقيقية مليئة بالمحبة والمسرات والليالي الملاح. فهل سينجح قادة العراق الجدد ونخبه السياسية بتحقيق هذا الحلم أم ان فشلهم سيفتح لنا مجددا بوابات الجحيم ويعيد إلينا ليالي الإنس في فينا مكافحة الإرهاب لنعيد تصوير حلقات جديدة من ستار أكاديمي العذاب بطبعته الديمقراطية الجديدة والتي تشرف على إخراجها أحزابنا الوطنية وتنتجها هذه المرة شركات هوليوود بالاشتراك مع الشركات الأمنية والميليشيات الوطنية….. تحية للربيعي الذي خصص وقتا طويلا من عمره لتدوين مذكراته وانفق عليها من ماله الخاص كي لا ننسى أيام العذاب، والأهم كما يقول ان لا ننسى العراق وحلم إعادة تأهيله وطنيا لنفاخر فيه كل الدنيا ولا نخيب أمل الشهداء والذين قدموا التضحيات من اجل صورة جديدة لعراق يمتد فعلا لماضيه العريق ويحيا حرا في حاضره السعيد.

  • الأطفال الشهداء ..!!

    لعل أطفال العراق أكثر الأطفال في العالم تعرضوا إلى العنف وعانوا الحروب والإرهاب  والأوضاع غير المستقرة .. وهؤلاء الأطفال وعلى مدى أربعين عاما ً لم يتنفسوا أجواء السلام  حتى نشأت منهم أربعة أجيال كلها عاشت في عنف مستمر  سواء من قبل القوات الأمنية في النظام الدكتاتوري .. أو من قبل القوات المحتلة.. أو قوى الإرهاب؛ وهؤلاء تعرضوا إلى إبادة جماعية خلال الحرب  العراقية الإيرانية عندما سقط صاروخ على احد مدارس الدورة جنوب بغداد  أو أولئك الأطفال الذين انفجرت عليهم سيارة مفخخة وهم يلعبون كرة القدم  في ساحة مجاورة لمنطقة سكناهم .. أو الأطفال الذين تعرضوا إلى الخطف لمساومة ذويهم  من قبل تنظيمات مسلحة إجرامية ، أو عصابات  منظمة أو تلك الشريحة الكبيرة الذين فقدوا احد ذويهم أو كليهما  نتيجة الحروب أو قصف المدن  أو أثناء دخول القوات الأجنبية  والعمليات الحربية أو نتيجة العمليات الإرهابية التي طالت  العراق من أقصاه إلى أقصاه ..

    فقد كان نصيبهم من كل هذا كبيراً .. فقد قتلوا وعوقوا ويتموا وشردوا وفقدوا أهليهم وبيئتهم  والحضن الدافئ الذي يأويهم .. ولعل ما حصل لـ(15) طفلا عراقيا في عرس الدجيل لم يقع في أي مكان في العالم .. فهؤلاء الأطفال ربطت أيديهم وأرجلهم وشدوا إلى حجر والقوا في النهر  ليغرقوا وهم أحياء .. وما شفعت صرخاتهم ولا بكائهم ولا سحنات  وجوههم  ولا براءتهم ولا توسلاتهم  لإعفائهم من هذه العقوبة القاسية التي عوقبوا بها  دون ان يقترفوا أي ذنب .. وأي ذنب  يقترفه طفل برئ .. هؤلاء الأطفال لابد من توثيق حياتهم  والحصول على صورهم جميعا  وإرسالها إلى المنظمة العالمية للطفولة  “اليونيسف” لتدلوا بدولها وتقول كلمتها ..

    فهؤلاء الأطفال لم يقتلوا صدفة  في حرب نشبت .. أو نتيجة سقوط قذائف أو انفجار مفخخات وعبوات ناسفة .. وإنما حملوا في زوارق  ليتم إلقاءهم في منتصف النهر في منطقة الفلاحات في التاجي  حتى يغرقوا .. لا لشيء إلا لأنهم من فئة معينة  من طوائف العراق .. فهم قتلوا لأسباب طائفية بحتة .. لذلك لابد لهذا الملف ان يأخذ دوره  في أروقة الأمم المتحدة وان تتبناه المنظمات العالمية الناشطة  في مجال الطفولة  والمنظمات المناهضة  للعنف الموجه ضد الأطفال .. فقد آن الأوان لصرخات  هؤلاء الأطفال  وتوسلاتهم  ودموعهم ووجوههم الخائفة ان تصل إلى كل العالم .. بأن في العراق وحوشا بشرية  مستعدون لعمل أي شيء .. وارتكاب  الجرائم تجاه الآخر لأنهم لا يقبلونه .. وإن الأمان والسلام  ليس من منهجهم  ولا في رؤاهم .. هذه الرسالة باتت مهمة ، وإيصالها مطلوب ، وجهات عديدة مسؤولة عن إيصالها.. الأدباء والشعراء والفنانون.. السياسيون والعاملون في السلك الدبلوماسي.. ورسل السلام  منظمات المجتمع المدني  والمؤسسات الحكومية .. ووزارة التربية ووزارة الدولة  لشؤون المرأة ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني  ووزارة حقوق الإنسان .. لا بد ان يُنتصر لهؤلاء الأطفال  الشهداء بدءا من رئيس الجمهورية ونوابه ورئيس الوزراء ونوابه  ورئيس البرلمان  ونوابه وكل الفعاليات الأخرى  لابد لوسائل الإعلام العراقية  ان تأخذ دورها  في إيضاح ملابسات  هذه القضية ومعالجة  هذا الموضوع  برسائلهم الإعلامية  التي تصل إلى كل مكان .. لا بد لكل عراقي أب وأم وأخ وأخت  ان ينتصروا للأطفال شهداء عرس التاجي  فهؤلاء الأبرياء  من سلالة طفل الحسين عليه السلام .. هم من سلالة ذلك الطفل الرضيع  الذي ذبحوه من الوريد إلى الوريد بسهم أجداد هؤلاء الذباحين الذين يملأون الأرض  دماءً وفساداً.. ألا تبا ً لمن لا ينتصر لدماء  أطفال العراق الشهداء وألف تب..!!