Blog

  • شهـــــــامة الهاشمي الزويني

    الشهامة باب مفتوح, وطعام مبذول, وإزار مشدود, وقيام في حوائج الناس, فمن عامل الناس فلم يظلمهم, وحدثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته, ووجبت أخوته.

    قبل بضعة شهور التقيت في البصرة أحد الخبراء البحريين الأوربيين, وكان اسمه (جاوس), جاء من هولندا للتباحث في بعض المشاريع المستقبلية, وكان يلح في البحث عن عنوان مدير الملاحة الأسبق في ميناء أم قصر, في المدة التي تزامنت مع انسحاب شركة (بوسكالس) من العراق, وهي من الشركات, التي تعاقدت مع العراق لتهذيب أعماق الممرات الملاحية في خور عبد الله وخور الزبير, وتعميق واجهات الأرصفة وتأثيث مقتربات الموانئ بالفنارات والعوامات.

    قال (جاوس) انه يبحث عن رجل, اسمه (هاشم), وانه يريد أن ينتهز فرصة تواجده في البصرة, ليرد له الجميل, ويشكره على كرمه ونبله في تعامله الإنساني المتحضر مع العاملين في تشكيلة (بوسكالس), الذين كانوا يرزحون تحت وطأة ظروف عصيبة على خلفية الأجواء المتوترة والمواقف المتأزمة بين العراق والغرب في عقد التسعينيات من القرن الماضي.

    تحدث معنا (جاوس) بحرقة عن ذكرياته في المرحلة الخانقة التي مرت بها البصرة, وعن الظروف القاهرة التي سبقت الانقضاض على العراق جواً وبحراً وبراً, يقول: كنا شبه محتجزين في سفننا المكدسة على أرصفة ميناء أم قصر, وكنا نسمع دوي طبول الحرب من أبواق (فوكس نيوز), و(السي أن أن), وكان البنتاغون يعد العدة لشن غارات جوية كاسحة على العراق, فضاقت بنا الأرض بما رحبت, وجثمت على صدورنا كوابيس الموت والهلاك, وقلنا أنها النهاية المأساوية, فالفرقاطات وحاملات الطائرة والغواصات كانت تزحف بحذر شديد نحو شمال الخليج العربي, وتقترب شيئا فشيئا من خطوط المواجهات الساخنة, فالاتصالات مع أهلنا في هولندا مقطوعة تماماً, باستثناء بعض أجهزة الراديو والتلفاز التقليدية, التي كانت تنقل لنا الصورة البشعة للمشهد المرتقب, وفجأة أطل علينا (هاشم) بابتسامته العربية الدافئة, وملامحه العراقية الودودة, جاء لكي يقف معنا في محنتنا, ويعيد إلينا الأمل بالعودة إلى ديارنا وأطفالنا سالمين غانمين, كان لطيفاً منشرحاً معنا, قوياً في تذليل الصعاب, قادراً على تجاوز التحديدات الإدارية الصارمة, وفر لنا الرعاية والعناية, وتعامل معنا كضيوف معززين مكرمين, وليس كرهائن كما يسوق الإعلام المتصهين, وكان خير مؤازر لنا في تلك الشدة, ولولاه لما استطعنا النجاة من حمم الهجمات المجنونة والغارات الشرسة, ولن ننسى وقفته معنا حينما فتح لنا بوابات الفرج, وقدم لنا التسهيلات لمغادرة أم قصر في اللحظات العسيرة. .

    لم يكن كلام (جاوس) مفاجئا لنا, وكان من السهل علينا الاستدلال على شخصية (هاشم) والتعرف عليه, فقد كان (جاوس) يتحدث عن زميلنا الكابتن (أحمد هاشم عباس الزويني), الذي ترك أثراً ايجابياً عميقاً في نفوس فريق (بوسكالس) و(وايزمولر), بمواقفه النبيلة الدالة على جذور كريمة, وأرومة أصيلة, وليس غريبا أن يصل إلى هذا المستوى من الشهامة بحيث يتحدث عنه الأجانب بلسان فصيح بعد مضي ربع قرن, فالرجل من أبناء العراق البررة, ويرتبط بالسلسلة الذهبية المتألقة بجودها ومواقفها الإنسانية العريقة, فجده هو السيد عباس الزويني, بن عُبيد, بن أحمد زويِّن, بن مهدي, بن محمد, بن عبد علي, بن زين الدين زويِّن, بن رمضان, بن صافي, بن عواد, بن محمد, بن عطيش, بن حبيب الله, بن صفي الدين, بن الاشرف الجلال, بن موسى, بن علي, بن حسين, بن عمران الهاشمي, بن أبي علي الحسن, بن رجب, بن محمد زماخ, بن طالب طريش, بن عمار, بن المفضل, بن محمد الصالح, بن أبي العباس احمد البُن, بن الأمير أبو الحسين محمد الأشتر (نقيب الكوفة), بن عُبيد الله الثالث ,بن علي المُحدِّث, بن عُبيد الله الثاني, بن علي الصالح المعروف بالخيّر (بتشديد الياء), بن عُبيد الله الأعرج, بن الحسين الأصغر, بن علي زين العابدين, بن سبط سيد الثقلين أبو عبد الله الحسين, بن أول القوم إسلاما, وأخلصهم إيمانا, وأشدهم يقينا, فارس المشارق والمغارب, المهر الغالب, أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

    دائما ما كان الهاشمي الزويني يأتي بالجديد في مجال الإدارة العامة عندما كان مديرا عاماً للنقل البحري, ومديراً للموانئ العراقية, ومديراً لشركة الظلال, ومديراً للنقل الخاص, ومديراً لشركة الجسر العربي, وكان يفرض على مخالفيه أن يحترموه ويجلوه, وكان من الرموز المينائية التي نفخر بها, ونعتز بانجازاتها حتى يومنا هذا .

  • بعض أسباب الإفلاس

    ( المفلس يمر سريعا في السوق )  صحت هذه العبارة أم لا,, لكنها تبدو مقبولة ومعقولة في كثير من الأحيان ويمكن تعميمها على الكثير من مشاعل ومشاغل واهتمامات الحياة  فأسباب الإفلاس مثل أسباب العطش كثيرة,, فهنالك إفلاس فكري ومادي وأخلاقي وإفلاس ثقافي وآخر حضاري وقطعا أن كارثة  كوارث أشكال و(وارناك) الإفلاس هو الإفلاس السياسي الذي يمكن أن يعم بشره على أبناء البشر في الوطن الذي يبتلى بسياسيين مفلسين أمام تطلعات وأحلام وغايات شعوبهم وحقهم في الحياة لا العيش مثل الجمل الذي يحمل الذي الذهب وتأكل العاقول فيما هم (أي مفلسي السياسة ) منعمون متخمون مرفهون وعوائلهم وأقاربهم وأحبابهم والمقربين من أهوائهم أولئك (الزناكين) و( المتلتلين) بجميع ما موجود ومتاح من عملات وسبائك ومقتنيات ونفائس محلية وأجنبية الصنع والتداول وغيرها من أشكال الأموال المنقولة وغير المنقولة فضلا عن  مشاريع واستثمارات وأستملاكات إلى آخر قائمة الاستحواذ على الثروات بالحلال والحرام وما بينهما,, فهم – بعد كل ذلك – أغنياء في كل شيء ألا من ثقة الناس والشعب بهم ,, فقراء مفلسين في السياسة أرصدتهم صفر على الشمال في حب الجماهير التي راحت تطاردهم في ساحات الغضب ومسيرات الاحتجاج وثورات التغيير والمطالبة بالرحيل ,, بعد هذا كم تبدو الحكمة الشعبية الرائجة بين عامة الناس من الكسبة والبسطاء (المفلس بالقافلة أمين) أقرب إلى راحة البال والضمير من زيادة الأموال على حساب الآخرين ,, وكم يبدو المثل المتداول عندنا أيام كان الدجاج يعد وجبة ملوكية أو رئاسية يصعب على العامة تناولها ( ناس تأكل دجاج وناس تتلكا العجاج ) متناقضا مع حكمة مفلس القافلة ,, بيد أن  الأمثلة تضرب ولا تقاس وان الناس مرايا الناس ولكل أجل كتاب وغيرها من مهدئات ومخدرات حاجتنا لمثل هذه الأمثلة التي تبعد عنا شبح الحاجة والفقر وعمق الإحساس بالغبن جراء ضريبة الحظ العاثر وتعالي الدعوات والاسترحامات بان نكون من ذوي الحظوظ لا من ذوي العقول,, وكم أصبت بخيبة أمل وسوء ظن بتلك الدعوات بعد أن عرفت وقرأت وتأكدت بان صاحب شركة مايكروسوفت السيد (بيل جيتس) الذي تفوق ملكيته ميزانيات دول والذي يصنع مليون دولار كل ساعة وتزداد ثروته أربعة بلايين دولار كل عام ليصبح أغنى رجل في العالم كان من عامة الناس أبوه مجرد محام بسيط وأمه معلمة جامعية,, وكل ما قام به هذا العبقري بسعة عقله ونباهة فكره تطوير برامج الكومبيوتر وجعلها أداة سهلة في يد الكثير من المستخدمين,, يعني لم يكن أبوه أو أمه نائبا في برلمان أو مسؤولا حكوميا رفيع المستوى في دولة نفطية ناشئة حديثة العهد بالديمقراطية جاءت بـ(زودها) وقوتها لتزيح الغمة عن أمة شعبها وتخليصها من ظلم وحكم أعتى وأدهى قلاع الديكتاتوريات المعمرة في تأريخ الدول النامية الحابية (من الحبو) لكي تعيد هيبتها وسمعتها وتجعل الشعب على مختلف أطيافه ومكوناته وفسيفسائه في عز ونغنغة ونعيم حتى ولو بعد ألف عام ,, كما لم يكن السيد (مايكروسوفت ) من جماعة الحواسم ولا القواسم في عمولة الاستثمارات وما شابه من مشاريع و(تندرات) مرحلة إعادة الأعمار والبناء وغيرها مما زاد الغنى غنى لديهم حتى من دون الحاجة إلى استخدام العقل بل أقدم (بيل)  منذ عام 2008 والى الآن على التبرع بكل أرباح حصته من الشركة إلى جمعيات خيرية وإنسانية بكل ثقة وقناعة وحب دون أدنى منية على أحد.!!!

    hasanhamid2000@yahoo.com

  • يا سيدتي موضع العلم على اليمين وليس على اليسار

    تألمت كثيراً يوم 24/6/2011 عندما ظهرت احدى النساء التي تمثل احد الكيانات السياسية الكبيرة في كركوك على احدى الفضائيات المشهورة وكان علم الجبهة السياسية التي تمثلها على يمين علم الدولة وكان من اللازم على هذه السيدة (الكركوكية) ان تجعل العلم العراقي على اليمين وعلم الجبهة التي تنتسب اليها على اليسار اذ قبل التشريع فأن القيم والتقاليد توجب ان يكون الاعظم والاهم والاعلى والاسمى على اليمين والاقل أهمية وعظمة على اليسار وحيث ان علم الدولة هو العلم الاعظم والاهم فأنه يكون على يمين علم الجبهة الاقل اهمية وعظمة الذي يكون موضعه على اليسار وهذه من المشهورات والواضحات التي تقتضيها الاخلاق السياسية قبل نصوص التشريع وإذا قانون العلم العراقي رقم 32 لسنة 1986 المعدل بالقانون رقم 53 لسنة 1987 والقانون رقم 6 لسنة 1991 والقانون رقم 9 لسنة 2008 الذي الغى النجوم الثلاث الموجودة في العلم العراقي والتي كانت تمثل اهداف حزب البعث بالوحدة والحرية والاشتراكية والقانون رقم 32 لسنة 2009 الذي قضى بأستمرار العمل بقانون العلم دون النجوم الثلاث بأبعاده المعروفة وبأشكاله فان نظام علم العراق رقم 6 لسنة 2008 والذي ما زال نافذاً بحكم المادة 130 من الدستور تضمن تفعيل الاحكام الخاصة برفع العلم وانزاله ومكان وضعه عند وجود أكثر من علم كعلم الاقليم وعلم المحافظات وعلم الاحزاب وعلم العشائر وأحكام رفع العلم عند وجود ضيف اجنبي ومكانه في السيارة والجهات التي يحق لها قانون رفع العلم في المؤسسات الرسمية وحالة رفعه مع علم دولة اخرى والمراسيم العسكرية الخاصة برفعه وانزاله وابعاد السارية التي يتم رفع العلم عليها ورفع العلم في المناسبات والاحتفالات وذلك من الامور الخاصة بالعلم وفي جميع الاحوال فان هذا النظام كان صريحا ومحددا في موضع العلم ومكانه بالنسبة للأعلام الاخرى سواء أكانت اعلام دول اخرى أم إعلام جهات أخرى بماضيها الجبهة التي تمثلها هذه السيدة وهي الجهة اليمنى وليست الجهة اليسرى فان العلم العراقي يتقدم على اية جهة في بالعراق وتقدمه يكون بوضعه في الجهة اليمنى ووضع جميع الاعلام الاخرى في الجهة اليسرى وليس كما ظهر في ذلك المشهد لان علم العراق يمثل الدولة جميعها.

  • 14 تموز إشكالية الثورة وإشكالية القيادة

     مازال الحديث عن التغيير الذي حدث في العراق عام 1958 يجري بلغة العواطف، فمازلنا نجد من يكتفي برفع شعار “المجد لثورة 14 تموز” ناسيا أن ذلك الحدث أصبح من ذكريات الماضي التي انطوت دون أن يدري أحد من العراقيين كيف انطوت؟ ومن كان وراء توقف حركتها، مثلما لا يعرف أصحاب هذا الشعار أنهم امتداد لمن كان سببا في انطفاء وهجها بسرعة مما ساعد أعداءها على أن  يضعوا أيديهم بسرعة وخفاء مع اليد التي تحتل العراق اليوم، فيضربوا وزارة الدفاع العراقية بطائرة قادمة من الأردن ثم يقوموا بقتل الرجل الوطني المخلص عبد الكريم قاسم، بتوجيه جاسوس للاحتلال كان موجودا في مقر الإذاعة العراقية، لم يكن أنجاز 14 تموز عام 1958 قد أخذ وقتا كافيا ليمارس تشريعات الثورة وأطروحتها في بناء المجتمع والدولة على أسس حضارية كان ينتظرها العراق طويلا؟ فبالرغم من خطوات عبد الكريم قاسم الشخصية في محاورة شركات النفط لاستصدار قانون رقم “80” ، وقانون الإصلاح الزراعي، ومشاريع الإسكان في المحافظات ألا أن من كان حول ومع عبد الكريم قاسم لم يكن يحمل ذهنية الثورة في معانيها ألاجتماعية والسياسية، بدليل أنهم انقسموا إلى مجاميع، منهم من تعامل مع الحدث بروح مراهقة ضيعت الفرصة على الجميع لأنها كشفت عن هوية غير وطنية بتعلقها بإيحاءات الخارج ، وتظاهرات ” ماكو مهر وباجر نرمي القاضي بالنهر ” كانت تعبيرا عن تلك المراهقة التي سارعت بوئد وهج الحدث ، وهتافات ” عاش زعيمي عبد الكريم الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي ” أظهرت مدى سطحية من يردد هذا الهتاف مثلما فتحت عيون الآخرين على العمل بعكس هذا ألاتجاه ، والمجموعة الأخرى لم تكن أقل سطحية من المجموعة الأولى فراحت تغني لجمال عبد الناصر وهو لما يزل يعاني من أثار حرب السويس عام 1956 ، ورفعت شعارات القومية العربية التي أدخلت الشارع العربي والعراقي في فراغ فكري كانت نتائجه أن يصبح البلطجية ورواد النوادي الليلية أبطالا لتصنع منهم المخابرات الأجنبية عملاء لتصريف بضاعتها في زراعة الكراهية بين أبناء الأمة الواحدة ، ولم ينتبه أحد الى أن القومية وجود والوجود يحتاج الى رسالة ، ولا يصلح أن يكون الوجود رسالة ، لآن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن رسالة الوجود هي رسالة السماء لمن يدرك الأمور بشكل علمي أو فلسفي يعرف كيف يتحرك البرهان في دائرة الأذهان، ومن أدل الأمور على ذلك والتي جاءت متأخرة أن كل الذين مضوا في طرق الضياع الفكري، شيوعية، أو بعثية، أو قومية غامضة، أو عنصرية، قد وصلوا إلى نهايات الفشل والإفلاس الجماهيري فرجعوا يتسولون رداء ألإيمان المخادع والسطحي، ففي العراق بعد أن تمرد صدام حسين على كل القيم ومنع قراءة القرآن من على سطوح المساجد بعنوان منعا للضوضاء عام 1974 رجع في التسعينيات بعد ألانتفاضة الشعبانية ليطلق ما يسمى بالحملة الإيمانية، وحاولت بقية الأنظمة أن تقلد نفس الشيء ولكن بخطوات ظل المسجد أكبر منها، وفي التحركات للشباب اليوم في البلدان العربية كان شعار “الله ، الوطن ، الحرية” هو الشعار الأكثر ظهورا والأكثر شعبية، وفي العراق أصبحت الحاضنات الحقيقية للتحرك الشعبي هي مسيرات الزيارات الدينية ، العاشورائية والشعبانية، والكاظمية، وحملات الحج والعمرة هي الأكثر على مدار السنة.

    حدث كل هذا مع 14 تموز ومع غيرها وما يحدث اليوم للحكومات والأنظمة لأنها لم تكتشف روح الثورة بإطارها الفكري، ولم تحقق ملاك القيادة بشخص الأفراد ، كان عبد الكريم قاسم يخطب ارتجالا لمدة أربع ساعات في الجمعيات الفلاحية أو في نقابات العمال أو في مهرجان الفيلسوف الكندي ، كان ذلك يحدث للفراغ القيادي الموجود، فعبد الكريم قاسم كما قلنا كان مخلصا ووطنيا وهذا وحده لا يكفي للقيادة على مستوى الدولة الخارجة من حلف السنتو والمحاطة بمحاور الشيوعية ونهمها في ذلك الوقت، والقومية وشعاراتها العاطفية التي لا تصنع فكرا ، والرتل الرجعي المرتبط بحلف بغداد وجيبوبه الموزعة في المنطقة ، ولم ينتبه أحد للاختمار الإسلامي تاريخيا والذي يمتلك جاذبية لا تقاوم تختلط فيها الفطرة مع العاطفة ، مثلما يختلط الموروث بمستجدات الحياة ليصنع منها موقفا هزم حزبا شيوعيا بفتوى واحدة ، ولم يسترع انتباه السياسيين ظهور مجلة “الأضواء” في النجف الاشرف التي كان يكتب افتتاحيتها فيلسوف القرن العشرين محمد باقر الصدر وذلك عام 1958 وكان يعاون السيد محمد باقر الصدر اثنان من ألمع طلبة الحوزة في تلك المرحلة وهما المرحوم أية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي أصبح لاحقا رئيسا للمجلس الإسلامي الشيعي في لبنان والمرحوم أية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله المرجع اللبناني الكبير، وكانت المجلة بإشراف منتدى النشر الذي يشرف عليه مرتضى أل ياسين، وكانت تلك المجلة تنشر بشكل مبكر فكر حزب الدعوة الذي تأسس في 17 ربيع الأول سنة 1377 هجرية الموافق للشهر العاشر من سنة 1957 ميلادية .

    لقد اجتمعت إشكالية الثورة بمعناها المعرفي مع إشكالية القيادة بمعناها القيادي، فأختنق الحدث بدخان ألازمات أحداث الشواف عام 1959 في الموصل وأحداث كركوك، ثم محاولات عبد السلام التي لم تكن تتضمن نضجا سياسيا، ثم أحداث شارع الرشيد عام 1961 والتي انتهت بحادثة انقلاب عام 1963 ذات المردود الكارثي والذي تم بصناعة أجنبية بامتياز، ومن الغريب أن أحدا لم يعتذر للشعب العراقي ممن ساهموا بتلك الأحداث الملوثة بكل معاني التلوث على الصعيد الوطني والأخلاقي والسياسي.

  • المديح بصيغة الشتائم

    لم يعد مستهجنا سماع المعلق الرياضي وهو يردد بانفعال عبارات مقتبسة من قواميس الكوارث والفواجع والشتائم في وصف وقائع مباراة كرة القدم، أو عند تقييمه لمهارات اللاعب الذي أحرز الهدف، أو اللاعب الذي تصدى للكرة، نسمعه دائما يرفع عقيرته بالصياح، مستخدماً سيل من الكلمات المتناقضة مع طبيعة المباراة الودية، من مثل: (لاعب رهيب، حكم كارثة، مدرب فضيع، جمهور مصيبة، لقطات مذهلة، ركلة خارقة).

    انتشرت مفردات الإرهاب على نطاق واسع في عموم البلدان العربية، حتى صار من المألوف سماع وقراءة إعلانات تستخدم المفردات الكارثية على وجه الاعتياد، من مثل: توجد لدينا برامج رهيبة لتحميل الصور، علاجات رهيبة لإزالة حب الشباب، كتاب رهيب في طب الأعشاب، عطور شرقية رهيبة، حقائب جلدية رهيبة، ألعاب رهيبة، مطرب رهيب، أزهار رهيبة.

    يقولون في مدح الأستاذ الموهوب، انه (كارثة)، ويصفون الطبيب الناجح بأنه (طبيب كارثة لا يقف أمامه مرض)، وينعتون الفتاة الحسناء بأنها (فضيعة)، ومذيعة (فضيعة)، ويصفون السيارة الحديثة الباهرة بأنها (مصيبة)، ويقولون عن التلميذ الذكي انه (بلاء أسود في الرياضيات)، وبالعامية (أنهجم بيته أشكد ذكي)، والمرأة الرائعة (بلوى سودة)، و(مقصوفة العمر فائقة الجمال)، و(امرأة مدمرة)، و(فتاة زلزالية)، و(نساء مرعبات)، وقولهم (الله يخرب بيت أهلك يا أخي)، فالرعب والخراب والدمار والزلازل والمصائب والفضائح وغيرها من الألفاظ صارت هي المفردات الشائعة عند عامة الناس.

    كنت أشاهد مباراة لكرة القدم بين البحرين والكويت، كان البحرينيون يلعبون فيها باللون الأحمر، والكويتيون باللون الأزرق، فإذا المعلق يقول: (نشاهد اليوم مواجهة مصيرية بين كتيبة الشياطين الحمر، وكتيبة العفاريت الزرقاء، وسيتفجر الملعب بصواعق محرقة من الأهداف الصاروخية العابرة للقارات من نوع توما هوك، وستكون النتيجة نكسة كبيرة للفريق الخاسر في هذا النزال المميت).  

    فاللغة من الناحية الشعورية والوجدانية تمثل روح الأمة، وتمثل الوعاء والوسيلة الناقلة للمشاعر السائدة في المجتمع، فالأفراد عادة لا يستسيغون، ولا يستعملون من الألفاظ إلا ما يعكس أمزجتهم، ويلاءم روحهم، وخصوصا إذا كانت هذه الألفاظ من رواسب الظروف القاسية التي مرت بهم، وزعزعت استقرارهم، فقلبت كيانهم رأسا على عقب، حتى صار عندهم النقص كمالاً، والخلة مجداً، والذم مدحاً، وهذه عادة لغوية قديمة عند العرب.

    يقول صاحب الأغاني أن أحدهم أنشد شعراً فأعجب به الحاضرون، فصاحوا: (أحسنت قاتلك الله)، وقال بعضهم: (قاتلك الله ما أظرفك)، فالمدح في صيغة الذم باب من أبواب البلاغة، كقول الشاعر في مدح قومه:

    ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفهُم

    بهنَّ فُلولٌ منْ قِراعِ الكتائِبِ

    فرب منقصة تعد فخراً، ورب عيباً يعد فضلاً، كقولهم:

    وجوه كأزهار الرياض نضارة

    ولكنها يوم الهياج صخور

    لكننا نقف اليوم على أعتاب مرحة مؤلمة، صارت فيها الشتائم والألفاظ النابية أمراً طبيعياً، ومنهاجاَ لا غبار عليه، وصار السب والشتم من الطرق المألوفة في التحاور بين الشباب، يستخدمونها بشكل دائم وكأنها لغة مكملة لتواصلهم.ختاما نقول: ربما أسهبت كتب اللغة، وأطالت في شرح الأبواب الغريبة والدخيلة، وتعمقت في مجالات المبالغة في التعبير، وحلقت بعيداً في الفضاءات التي صار فيها الذم مدحاً، لكنها مازالت بحاجة إلى تسليط المزيد من الأضواء على هذه الظاهرة الشعبية، التي تنطوي على أساليب لغوية مقتبسة من حالات الضياع والقلق والتفكك، وما رافقها من اضطرابات وكوارث متعاقبة، ومواجهات عسكرية ساخنة، ومواقف سياسية متأرجحة في عموم الوطن العربي. 

  • الشرقية ونجوم الظهر !

    أن توزع مالا على طريقة ” وزنك فلوس ” أو على طريقة ” ألام المثالية ” أو توزع ” قلائد ألإبداع ” فتلك مسائل يمكن أن تجد لها تبريرا ، علما بأن باب المنافسة لا يخلو من إشكالية يقف ورائها المال السياسي .

    أن تكثر من ألانتقادات السياسية للدولة والحكومة ، فتلك ظاهرة يشترك فيها أكثر من طرف ، وربما تكون تظاهرات ساحة التحرير ، وساحات المدن العراقية من السليمانية الى الموصل فالبصرة يجمعها قاسم مشترك هو المطالبة بالخدمات ، والكرامة .

    وربما يتخذ البعض من التمثيل بابا للترويح واستجلاب المتعة ولو بشكل مؤقت من أجل شعب ضغطت عليه ألأحداث حتى لم تترك له فرصة للابتسامة ، حتى قيل عنهم أن الحزن فيهم طغى على حنجرتهم وحبال صوتهم فأصبحت قراءة القرآن لديهم حزينة وأصبح صوت ألآذان عند العراقيين مميزا بالنبرة الحزينة .

    لكن أن يتحول التمثيل الى خليط من الهرج ، فيصطنع أدوارا ليس لها وجود ، ولا تنتمي إلى حاضنة اجتماعية ، ألا في مخيلة من أراد ذلك ، فجاءت رغبته فجة ، ولباسه غريب ، وصوته متكلف خارج أطار المقامات ، والأطوار ، على طريقة : ” باتو باتو ” المستهجنة! التي يصدق عليها قوله تعالى ” أن أنكر ألأصوات لصوت الحمير ”

    والذين ارتدوا القمصان البراقة غير المتناسقة في ألوانها وراحوا يزعقون بأصوات مبحوحة تبعث على الضجر ، وهؤلاء نسوا أن ريش الطاووس الجميل لم يشفع له بشاعة صوته الذي يبدو لمن يسمعه كأنه يستغيث مقهورا من مصيبة .

    ولو فرضنا أن صاحب الفكرة والمخرج اقترحا هذا الأسلوب التعبيري على ما فيه من ثغرات فنية تجعله مرفوضا كوسيلة للترفيه أو الترويح، وسمه ما شئت ؟ ألا أنه كان المفروض منه ألانتباه الى بدائية الأدوار وسطحيتها التي لا تعبر عن حنكة في التأليف أو قوة في الإخراج .

    ولو أخذنا هذا العمل على مجازية التعبير متوسلا أسلوبا لإدخال البهجة والفرح على المشاهد ، فيظل لنا وللكثيرين من المشاهدين الملاحظات التالية :-

    1-  لماذا استعمال اللهجات التي لا تنتسب للهجة عراقية معروفة ، والعمل موجه الى المشاهد العراقي بالذات ؟

    2-  لماذا استعمال خليط من اللباس الذي لا ينتمي إلى الألبسة الشعبية العراقية ؟

    3-  لماذا يصر الممثلون في مشاهد معينة على المخاطبة باللهجة المصرية ، وهم في مناخ عراقي ، وفي عمل موجه للمشاهد العراقي ؟

    4-  لماذا الإصرار على إدخال ما هو ليس بالغناء غناء ؟ مثل العبارات والكلمات المهرجة : ” أذا ما عدكم غدا عشونه ” ؟ وأذا ماعدكم عشا ريكونه ” الخالية من كل صياغة فنية أدبية سوى ضجيج الموسيقى ونشاز الأصوات ؟ ألا يعبر ذلك عن إفلاس فني وثقافي معا ؟

    5- وما دمنا في عصر الفضائيات الذي جعل العالم قرية صغيرة ، لماذا يصار الى التساهل والبدائية في مثل هذه الإعمال التي تصبح مشاهدة في أكثر من مكان في العالم والتي تعطي انطباعا عن ضحالة ومحدودية التمثيل والغناء العراقي ؟

    6-  و أذا كانت كل تلك الملاحظات على ما فيها من مؤاخذات لايمكن قبولها ، ألا أن ماهو مؤذي ومخدش للشخصية العراقية ، ومشوه لهوية الفن الوطني العراقي ، ما يقدم في “نجوم الظهر ” من رقص جماعي غجري وكأنه هو العمود الفقري لما يسمى بنجوم الظهر ، مما يعني أن القائمين على هذا البرنامج الملتبس يريدون القول : أنهم يريدون أن يجعلوا المشاهد العراقي يشاهد :” نجوم الظهر ” وهو مثل شعبي عراقي يقال في حالة الغضب والتبرم من الحياة ، أي أنه مثل يضرب للعقاب ؟

    وهل يريد معدو هذا البرنامج الملتبس فكرة وإخراجا أن يقولوا للشعب أو للحكومة نريد أن نراويكم نجوم الظهر ؟

    و أذا كان هذا قصدهم ، وهو محتمل ؟ لكن ألم يجدر بهم استعمال الأساليب والوسائل الفنية التعبيرية وهي كثيرة أهتدت أليها التمثيليات العراقية في الخمسينيات والستينيات دون هذا الإسفاف المعيب والمخل بهوية الشعب العراقي الثقافية والفنية وذلك من خلال الإصرار على جمع فتيات غجريات لا يعرفن سوى هز الإرداف والخصور والشعور بطريقة بدائية تستحضر الحركات الجنسية مع لباس فاضح وتعري مقصود ؟

    أن عملا من هذا النوع ومن هذا المستوى لا ينتمي لشعب يحتضن المشاعر الدينية على مدار السنة ، يمشي الملايين منه الى العتبات المقدسة صيفا وشتاءً ، ورحلات الحجاج والمعتمرين العراقيين الى بيت الله الحرام تشكل ظاهرة لا يمكن تجاهلها .

    فمن يريد أن يشتغل بالدراما عليه أن يعرف لمن يقدم هذه الدراما ، ومن يعمل في المسلسلات بمختلف مواضيعها عليه أن يعرف لمن يقدم هذه المسلسلات ، ومن يبشر المواطنين باللقاء بهم في رمضان عليه أن يعرف من هو رمضان ؟

     وماذا يعني وشعار :” انتظرونا في رمضان ” لا يجب أن يتحول الى انتهازية عبر التمثيل ولا قرصنة عبر الفن الذي هو عند أهل العلم :” فكر + تجربة ” .

    هل تريدون اللقاء بالمواطن في أقدس مناسبة عبادية روحية على طريقة ” نجوم الظهر ” وخلاعية راقصاتهم الغجريات بلباس الميني جوب ؟ أم على طريقة فيلمكم المنزوع الهوية المبتذل الأداء ” فيلم هندي ” ؟ أم على طريقة برنامجكم ” فري”الحر” الذي يغامر بالشباب العراقي في جنوب شرقي أسيا في محاولة مشبوهة لخروجها على المألوف ، ولعدم وضوح حداثة الخطوة ، سوى خلق مناخ مغري للشباب بما يفتح عليهم شهية العمل الجنسي ويدعهم أسرى تلك الرغبة كمن يقول : ” ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء” !؟

    أن برنامج ” نجوم الظهر ” و ” فلم هندي ” و ” فري ” “الحر ” لا تنتمي لروح وثقافة الشعب العراقي ، ولا يرقى الى مستوى الفن الذي يهدف الى بناء الإنسان وفهم الحياة ، بمقدار ما يعبر عن استثارة النزوات ، وتضييع الوقت فيما لا فائدة من ورائه ؟ أنه عمل يقترب الى مستوى الإرهاب الجنسي بكل بدائيته وحيوانيته الغرائزية ، مما يجعله من أعمال التخريب الفني والثقافي بكل معنى الكلمة ، لأنه ينفرد بنزعات ومزاج العاملين فيه ، ولا ينتمي إلى المشاهد العراقي بكل أرثه وتراثه ومعتقداته التي يحرص عليها ؟ أن اختصار دور المرأة بالغنج والإثارة الجنسية كما تفعل الشرقية في إصرارها المستمر على تقديم تلك الصورة عن المرأة في مقدمة كل نشراتها الإخبارية ، وفترات الفواصل بين برامجها يدل دلالة لا تقبل الشك على أن هناك من يعمل في الخفاء لنشر ثقافة الدعارة ، وهوس الجنس الذي تبرع فيه جماعات يهودية متخصصة في هذا المجال ،وقد وصلت الى أغلب فضائيات الخليج والكثير من الدول العربية من خلال برنامج ” ستار أكاديمي ” الذي تحدثنا عنه في عمود إضاءات تنبيها وتحذيرا مما يخطط في الخفاء لتدمير ثقافة وهوية الأمة .

  • الجريمة المنظمة في العراق ..!!

    استفحلت ظاهرة  الجريمة المنظمة في العراق مؤخرا بشكل خطير ، وبدأت تأخذ  أبعادا مأساوية  تؤثر بشكل مباشر  على امن المواطن ، وتكاد تأخذ دور الإرهاب الذي انحسر بشكل واضح  في السنتين أو الثلاث الأخيرة .

    والجرائم المنظمة  تأخذ أشكالا  متعددة ، لعل أخطرها  استهداف محلات الصيرفة  والصاغة  وقتل اصحابها ، وسرقة المصوغات  والأموال  واستهداف المسؤولين الحكوميين بمسدسات كاتمة للصوت ، وخطف وقتل المواطنين ، أو ابتزاز ذويهم بدفع الفدية ، ولسنا هنا بصدد ذكر التفاصيل ، فما حدث في البياع والطوبجي  وحي البنوك  وحي القاهرة والبلديات والشعب ومناطق أخرى من بغداد والمحافظات ، شاهد على أن هذا النوع من الجرائم  منتشر بشكل واسع وخطير ، وان منفذي هذه الجرائم بعيدين عن قبضة السلطات  الأمنية وسلطات القضاء .. 

    المسؤولية في هذه الخروقات  الأمنية  تقع على ثلاث  جهات : الجهة الأولى هي قوات الجيش والشرطة الوطنية التي تنصب سيطراتها الأمنية  في كل مكان ، وتتسبب  في غلق كثير من الشوارع ، ألا أنها تعجز أمام هكذا عصابات  بتقديم رد فعل سريع  ومدروس  لمنع وقوع الجرائم ، وإجهاضها ، أو إلقاء القبض على مرتكبيها  وتقديمهم  للقضاء ، إلا بعد فوات الأوان .. 

    أما الجهة الثانية  فهي القضاء الذي لم يحسم  كثيرا من القضايا  رغم توفر الأدلة الجنائية ، وتأخير الحسم في قضايا مجرمين  خطيرين يتحينون الفرص  للهروب من السجون .

    كما حصل هذا وفي مرات  عدة ، سواء  في الموصل أو بغداد  أو البصرة  أو صلاح الدين  .. كما أن تأخر حسم  قضايا المجرمين  يفسح المجال أمام التدخلات  من قبل من يوفرون  لهم  الغطاء لتنفيذ  جرائمهم بإتباع شتى السبل  ليوقفوا التحقيق  بشأنهم ، وإطلاق  سراحهم برشى مالية ، ما يفسح المجال واسعا أمام الفساد المالي والإداري .. أما الجهة المسؤولة الثالثة فهم اؤلئك المسؤولون  الحكوميون والبرلمانيون  الذين يصرخون ليل نهار بإطلاق سراح السجناء ، والذين يطلقون عليهم أنهم أبرياء .. 

    وكأن الحكومة والسلطات  الأمنية  لا شغل شاغل لها  سوى القبض  على المواطنين الأبرياء ، وإيداعهم في السجون فتثور ثورة هؤلاء المسؤولون ، وتشب فيهم الغيرة  للدفاع عنهم .. دون تحديد  من هم وكيف  تم إلقاء القبض عليهم  أو تحديد أسمائهم .. وكل ما لديهم أنهم يخرجون إلى وسائل الإعلام  ليعلنوا للملأ  إن اعتقالات  عشوائية تمت  هنا وهناك .. ولا شيء يمكن تفسيره  أمام تلك التصرفات ، سوى أن جمهور أولئك المسؤولين هم من السجناء والمجرمين لذلك يدافعون عنهم لإخراجهم  من السجون ،  ولا أهمية لدى هؤلاء  للدماء العراقية  التي تسيل  نتيجة جرائم جمهورهم .

     الصرخة اليوم يجب أن تدوي عاليا  أنقذوا الشعب  من هؤلاء .. واعملوا  فيهم القصاص  الذي جاء  به الشرع والقانون  لتطهير المجتمع منهم  .. فإذا كان مئات المواطنين الأبرياء الصالحين  يذهبون ضحايا لأعمال هذه الثلة المجرمة .. فما الذي يجعلنا  نسكت على بقاء  هؤلاء الأشرار على قيد الحياة  يتحينون فرصة التحرر  من السجن للعودة  إلى جرائمهم . واليوم  غضب الشعب يجب أن يتوجه إلى أولئك المسؤولين  ((غير المسؤولين )) الذين يطالبون باطلاع سراح السجناء الأبرياء  دون ان يقدموا دليل واحدا على براءتهم . 

  • العقل والاجتماع … والعقل والوطن

    الاجتماع ظاهرة اجتماعية ، وعندما يعطي ثمارا يكون ظاهرة حضارية ، وعندما ينتج عصبيات وأزمات يبتعد عن الفعل الحضاري ويدخل في حاضنة التخلف والجهل. 

    السماء انتدبت العقل ، ورشحته للقيادة ، فقالت: “العلم رائد والعقل قائد” والدول التي عرفت سر النجاح والتقدم ، هي التي اكتشفت مكانة العقل وأهميته وأعطته الفرصة للعمل وللتأمل وللإنتاج ، فانتظم أمرها ، وحسن اجتماعها ، وازدهر اقتصادها، واستقر أمنها. 

    ونحن في العراق نحتاج الى :- 

    1-  الأمن أولا. 

    2-  الاستقرار الاجتماعي ثانيا ” أي المصالحة ” 

    3-  السلامة الاجتماعية والثقة ” أي النزاهة ومحاربة الفساد. 

    4-  التنظيم الإداري ، والتنظيم القانوني. 

    5-  الاستقرار الاقتصادي.

    6-  النضج الثقافي والفهم السياسي.

    وهذه المحاور جميعها تحتاج ” العقل ” بمعناه الذي تتحقق فيه الريادة والقيادة ، والقيادة : ترد إلى ما يلي :- 

    1-  تدبير الشؤون الفردية. 

    2-  تدبير شؤون الأسرة. 

    3-  تدبير شؤون القبيلة ، في المجتمع القبلي ، وتدبير شؤون المجتمع المدني ، في المجتمعات المدنية . 

    4-  تدبير شؤون الدولة والحكومة. 

    وهذه الميزة التي أمتاز بها العقل لأنه يتفرع عنه مايلي :- 

    1-  الحلم ، فيقال فلان حليم للمدح والافتخار أي حكيم ” ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وقال تعالى :” وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب ” . 

    2-  العلم : وقد أعطيت الريادة في الحياة للعلم ، والدولة من المؤسسات التي لاتنهض إلا بالعلم ، وقد كان الاسكندر المقدوني يستشير ” أرسطو ” الذي كان المعلم الأول للمعرفة البشرية من خلال ” نظرية التوالد الموضوعي ” الى أن جاء محمد باقر الصدر واكتشف ” نظرية التوالد الذاتي ” في تفسير المعرفة البشرية ، فأصبح هو المعلم الأول لنظرية المعرفة البشرية ، وذلك بالعلم لابشيء آخر ، وبالعلم حمل عرش بلقيس ملكة سبأ الى أرض فلسطين حيث مملكة النبي سليمان بلحظة ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده ، قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) – النمل – 40- 

    3-  الرشد : وهو درجة عالية من الكياسة والتوازن في اتخاذ القرارات  . 

    4-  العفاف : وهو درجة عالية من التربية النفسية التي تجعل صاحبها رجلا كان أو امرأة يترفع عن جميع الشهوات والشبهات ، قال تعالى 🙁 يا أخت هارون ما كان أبوك امرئ سوء وما كانت أمك بغيا ) – مريم – 28- 

    5-  الصيانة : وهي قدرة نفسية وعقلية تجعل صاحبها يتفادى المطبات والهفوات ، فيصون عرضه وعرض الناس ومن يتمتع بهذه الصفة يكون أمينا على أملاك الدولة ، وهذا ما نفتقده اليوم في الدولة والحكومة مع وجود الاستثناء وهو نادر وقليل. 

    6-  الحياء : وهو الرداء الحقيقي للروح والعقل والنفس ” ولباس التقوى ذلك خير ” وحياء المرأة دليل عقلها وعلمها وحلمها وعفافها وصيانتها ” جاءت إحداهن تمشي على استحياء ” 

    7-  الرزانة : وهي قوة الشخصية بكل أبعادها. 

    8-  المداومة : وهي الاستمرار على العمل الجيد المنتج قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام : وعلمت أن عملي لايقوم به أحد غيري فاجتهدت ” وهذا ما تحتاجه حكومتنا ، وما يحتاجه مجتمعنا ، فقوانين الدولة مازالت تحتاج المزيد من التشريع والتنظيم والتطبيق ، والعمل يحتاج منا المزيد من الجدية والاستمرارية ، وعدم جدية بعض عمالنا هو الذي جعل بعض الشركات تجلب العمالة من الخارج وهذا خطأ فادح. 

    9-  كراهية الشر : قال رسول الله “ص” : حب لآخيك ماتحب لنفسك ” وكراهية الشر هي تربية مستمرة على حب الخير . 

    10-     طاعة الناصح : ولا ناصح إلا الله ثم رسول الله “ص” ثم الأئمة الأطهار من آل البيت عليهم السلام ، قال علي بن أبي طالب عليه السلام : ” نحن أنصح وأفصح وأصبح ” والنصيحة هي من مواصفات القيادة التي تبسط العدل ، وكان رسول الله ” ص” يوصي بالنصيحة : قالوا لمن يارسول الله ؟ قال : لله ورسوله ولعامة المسلمين. 

    والإنسان اليوم ينتمي الى مجتمع ، والمجتمع كما رأينا لا يصلح إلا بالعقل وما ينتج عن العقل من عشرة مراتب وخصائص هي للنفس والروح والعقل ، فالمجتمع يحتاج التعاون ، والألفة والمحبة ، والتنظيم ، والعمل ، والثقافة ، والسياسة ، والأمن ، وهذه جميعها لا تتحقق بدون العقل بمعناه المعرفي. 

    والإنسان يحتاج الوطن : كحاضنة استقرار وهوية تمنحه : الجنسية وشهادة الجنسية ووثيقة السفر ( والأرض وضعها للآنام) والوطن بقعة جغرافية من الأرض التي نسميها اليوم بالكوكب الأزرق ، فهي بيتنا الكبير والوطن هو بيتنا الصغير  ،والمنزل هو بيتنا الأصغر. 

    والوطن يحتاج العقول مثلما يحتاجها الاجتماع ، فالوطن يبنى بالعلم والعلم فرع من العقل ، والوطن يحتاج أهل الحلم والحكمة لاسيما عندما يمر بالأزمات ، ووطننا العراقي اليوم يمر بأزمة بل أزمات ، فيجب أن تنتدب العقول لذلك ، والعقول لا يشترط وجودها في الأقارب والأحزاب ، ولا في العشيرة والحزب ، ولكنها موجودة على كل حال ، فيجب البحث عنها ومنحها الفرص لتقول كلمتها التي سوف لن تكون فئوية ولا عنصرية ولا طائفية ، ولا حزبية ، لأن العقل وعلومه تتحرك بأفق السماء ومعطياته ، وبأفق الحقائق وسماتها ، وبأفق المنطق وهندسته العقلية وتنظيمه الفكري ، فعندما نكون مع العقل يسهل علينا حل مشكلاتنا ، وعندما نكون مع العقل نختصر الوقت والجهد ، وتكون اجتماعاتنا عندئذ مثمرة ومباركة ، وكل مبارك نافع ، وكل نافع هو إنساني وحضاري. 

    فلنعرف كيف نجتمع ومع من نجتمع ، قبل أن نفكر أين نجتمع ؟ ومتى نأكل؟ وكيف نجلس؟ وكيف نستقبل؟ فمع العقل يتم تجاوز كل ذلك بفهم يريح الجميع. 

      Dr_tamimi5@yahoo.com 

  • تعساء حتى في أوطاننا

    أتعس ما نمر به اليوم هو هذا الشعور بالغربة ونحن في بيوتنا وأوطاننا، وهذا الشعور بالخذلان بين أهلنا وذوينا، أما كيف تكون الغربة في الوطن ؟، وكيف يعيش الإنسان غريبا في بلده ؟، فتلك مسألة لا يفهمها، ولا يحس بها إلا الذين يعيشون في البلدان التي اهتزت فيها معايير المبادئ والقيم الوطنية، وانقلبت فيها معاني الإيثار والإخلاص رأسا على عقب.

    في العراق نعيش تعساء في نومنا، تعساء في يقظتنا، وكأننا خلقنا تعساء، وكتب علينا أن نعيش غرباء، ونموت غرباء. رافقتنا التعاسة والغربة منذ زمن بعيد، والتصقت بنا حتى صارت اكبر كوابيسنا الثقيلة المزعجة.

    تتقاذفنا اليوم تقلبات السنوات الخداعات، التي يؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها الأمين، ويُصدّق فيها الكاذب، ويُكذّب فيها الصادق، وظهرت علينا تماسيح بشرية خبيثة من ذوات الوجوه الزئبقية، الذين طعنوا العراق في ظهره، وباعوا تربته بثمن بخس في أسواق النذالة السياسية، وانحرفوا عن المسارات الوطنية الثابتة، فكانوا أول من وقف مع الكويت في زحفها الحدودي التوسعي، وأول من تطوع للدفاع عن مشاريعها المينائية الاستفزازية في جزيرة (بوبيان)، ومشاريعها النووية المستقبلية في جزيرة (وربة)، فالتحقوا بصفوف الذين سبقوهم في تقديم فروض الخنوع والخضوع والتواطؤ، وسبقوهم في السقوط في بورصة الولاءات الرخيصة المعلنة لصالح أعداء العراق والطامعين بثرواته، وظهر علينا في الوقت نفسه طابور آخر من المتخاذلين الذين فقدوا مروءتهم، وفضلوا الصمت والسكوت، واختاروا الهروب من المواجهات والتحديات الخطيرة المحيطة بالعراق، ولم يكترثوا بتجاوزات دول الجوار على مسطحاتنا المائية وممراتنا الملاحية، ولم يقفوا معنا في المطالبة باسترداد حقوقنا السيادية الضائعة في شط العرب وخور عبد الله، أحياناً نرى بعض الأكاديميين وهم يتحدثون بحزن في الفضائيات، ويذرفون الدموع على الدمار، الذي خلفته موجات المد البحري التي اجتاحت اليابان، وضربت جنوب شرقي آسيا، وكانت بعض المراكز العلمية العراقية تتابع بشغف تغيرات قيعان البحار المصاحبة لزحزحة القارات، وتسجل تصدعات الصفيح القاري في المحيطين الهادي والهندي، لكن العاملين فيها لم يعيروا اهتماماً لزحزحة الحدود البحرية الزاحفة نحو سواحلنا في الفاو، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة الدفاع عن قنواتنا البحرية، وبحرنا الإقليمي المنكمش تحت ضغط الانتهاكات الحدودية المتكررة.

     يتحذلق بعضهم كثيراً في دراساته المعمقة عن جغرافية جبال الأنديز، وتضاريس البحيرات المرة في كندا، وهجرات السلالات البشرية من هضبة التبت، وارتفاع مستويات الرطوبة النسبية في غابات الأمازون، لكنهم كانوا يخشون كتابة سطراً واحداً عن جغرافية شط العرب، يفضلون عدم التطرق لظاهرة الاختزال الساحلي عند مقتربات رأس البيشة، يتجاهلون المواضيع المرتبطة بمياهنا الدولية المتقلصة، وممراتنا الملاحية المنكمشة، والأغرب من ذلك كله أنهم يعرفون أدق تفاصيل البحار والمحيطات والمضايق والممرات الملاحية الدولية، لكنهم لا يعلمون أين تقع قناة (الروكا)، ولا يعرفون أسماء الجزر العراقية الكثيرة المتناثرة عند منعطفات شط العرب، ولا شأن لهم بما آلت إليه ظروف المسالك الملاحية الضيقة المؤدية إلى موانئنا النفطية في عرض البحر، ولا يريدون التحدث عن أزمات العراق الحدودية والبحرية والسياسية مع الكويت، حتى لا تغضب عليهم وتحرمهم من تأشيرة التسكع في أسواقها، وتحرمهم من تأشيرة السفر لدول مجلس التعاون كلها.

    أما نحن الفقراء الذين نذرنا أعمارنا لخدمة قضايانا الوطنية العادلة، فكانت حصتنا التهميش والتسفيه والتكميم والتعتيم والتخويف والترويع بالأدوات التي يمتلكها أصحاب الوجوه الزئبقية في هذا السيرك التنكري الكبير، الذي فقدت فيه القيم، وضاعت فيه المبادئ، وانتهكت فيه القواعد، فلم نعد نشعر إلا بالغربة في وطن تكاثرت في جسده الخلايا السرطانية الخبيثة، وشوهت صورته بؤر الفساد ، فتعمق شعورنا بالغربة، حتى صارت غربتنا حقيقية، وتعددت مواقف الخذلان لتعتري أنماطا جديدة من حياتنا اليومية البائسة، لكننا وعلى الرغم من غربتنا وضعفنا لن نخذل العراق أبدا، وسيبقى العراق أقوم البلدان قبلة، وأطهرها دجلة، وأقدمها تفصيلا وجملة. .  

     

    أما والذي أعطاك أسمى هِباتِهِ

    وأرسى علَيكَ الفُلْكَ والماءُ يَزخَرُ

    لو الأرضُ كلُّ الأرضِ شاهَتْ وجوهُها

    فبالماءِ في نهرَيْكَ يَوماً تُطهَّرُ

  • حقيقـــة السلطـــــان الطـــيب اردوغـــــــان

        كاظم فنجان الحمامي

    لم تكن القفزات النوعية, التي حققها اردوغان عائدة إلى طيبته التي اقتبسها من اسمه, وإنما تعزى إلى ذكائه المفرط في الضحك على ذقون قبائل آخر الزمان من بقايا العرب العاربة والعرب المستعربة, وتعزى أيضاً إلى دهائه وحنكته في استرداد نفوذ الإمبراطورية العثمانية, التي بسطت سلطانها على مدى ستة قرون على الأرض العربية الممتدة من البصرة الفيحاء إلى البصرة الكتان, ومن طرابلس اللبنانية إلى طرابلس الليبية, والتي نهبت ثرواتنا وصادرت حقوقنا باسم الخلافة الإسلامية. فجاء السلطان اردوغان ليستعيد أمجاد الباب العالي وغزوات الجيش الانكشاري وراياته الحمر, ويباشر بتنفيذ سلسلة من المشاريع الأناضولية الواسعة في معظم العواصم العربية, وينطلق من جديد في مغامرات التتريك, بأساليب مبتكرة لم تكن تخطر على بال مصطفى أتاتورك, ولا على بال السلطان سليمان القانوني, فتجلبب بجلباب التدين, وتظاهر بالورع والتقوى, ففتح له عرب الألفية الجديدة قلوبهم المفعمة بالبراءة, ومنحوه صلاحيات مطلقة لمراقبتهم, وفوضوه في البت بأمورها, وتصحيح مساراتها, حتى صار في يوم وليلة يتعامل مع الملوك والأمراء والرؤساء العرب بروح استعلائية, وكأنه هو الوصي عليهم, والمسؤول عن تصرفاتهم, فهو الذي يرسم خارطة الطريق لإحلال السلام في ليبيا, ويعطي الضمانات لمغادرة القذافي وعائلته خارج حدودها, وتصدرت أخباره العناوين الرئيسة للصحف العربية في اليمن وتونس والجزائر والكويت وجزر القمر, وانجرفت بعض التيارات المتأسلمة مع الظاهرة العثمانية الأردوغانية, وصار اردوغان هو المثل الأعلى في التطلعات السياسة المستقبلية لبعض الكيانات العربية, فقال المصريون: أن مرشحهم (عبد المنعم أبو الفتوح) هو اردوغان مصر, وقال فريق آخر: ان الداعية (عمرو خالد) هو اردوغان العصر, وقال اليمنيون: ان الشيخ (حميد الأحمر) هو اردوغان اليمن من دون منازع, ثم سمعنا بالتظاهرات العربية التي انطلقت في الساحات العامة للتعبير عن فرحتهم الغامرة بفوز المرشح الأسطوري المتدين اردوغان, وهي تنادي: (فاز فاز اردوغان موتي قهر يا إيران), وكأنهم عادوا من جديد للانبطاح, واقتنعوا بالرضوخ والإذعان لسلطان الأستانة بمحض إرادتهم, بعد أن يأسوا من عودة أحفاد (سيف بن ذي يزن), وأبناء (معد بن يكرب الزبيدي) من عالم الأموات. ومضى اردوغان في طريقه نحو ترميم أركان دولة (الرجل المريض) على حساب الأقطار العربية, وبدعم مطلق منها,  ولم يعترض عليه احد, حتى عندما وصل به الغرور إلى قطع شرايين دجلة والفرات, وتنفيذ المشاريع الكارثية الجبارة, التي ستؤدي إلى زوال هذين النهرين العظيمين من خارطة العراق, فالمصلحة الإمبراطورية العثمانية العليا تقضي بوجوب إعطاء الأولوية الأولى للمشاريع الاروائية التركية, التي يجري تنفيذها الآن بتقنيات ومهارات إسرائيلية, وبتمويل سخي من بنوك (تل أبيب), مقابل تحويل مجرى الفرات إلى صحراء النقب عن طريق البحر, الأمر الذي دفع الشركات الأوربية إلى إبداء رأيها المعارض لتلك المشاريع, التي تستهدف إيذاء العراق, فرفضت الاشتراك في هذه الكارثة البيئية, وأعلنت انسحابها تحت ضغط المؤسسات الإنسانية العالمية, في حين لم تعترض الأقطار العربية على برامج السلطان اردوغان, الذي تمادى في غيّه, ولم يرع حقوق الجوار مع العراق, بل أن العراق نفسه لم يعترض رسميا, ولم يحتج على الأتراك في المحافل الدولية, وبات من المؤكد أن تركيا ستواصل تنفيذ مشاريع (الغاب), وستشيد (22) سدا عملاقا على نهري دجلة والفرات بدعم إسرائيلي وتأييد عربي, ثم راح اردوغان يصعّد من لهجته الإعلامية المتشنجة ضد سوريا, التي فتحت له بوابات التعاون العربي, والتي ابتسمت له عندما عبس بوجهه الاتحاد الأوربي المسيحي, ثم عاد ليتخذ المواقف نفسها في التعامل الجاف مع زعماء الأقطار العربية الآيلة للزوال, فاختار يوم الخميس موعداً أسبوعيا ثابتا لإطلاق خطاباته التحريضية الموجهة حصريا للشعوب العربية الهائجة, التي ستخرج في اليوم التالي في الساحات العامة, مع الأخذ بعين الاعتبار ان خطاباته الرنانة لا تشمل دول مجلس التعاون الخليجي المعصومة من الخلل والزلل, والتي ماانفكت فضائياتها توحي للناس بسمو الخصال الإنسانية الرائعة, التي يتمتع بها السلطان المسلم المؤيد بالنصر المؤزر, وتوحي لهم بحرصه الشديد على مساندة الشعوب الثائرة في البلدان العربية, وهو الذي قاد اعنف الحملات العسكرية في مطاردة الثوار الأكراد في الجبال والوديان, ووصل به العنف إلى وأد انتفاضتهم, وملاحقتهم في عمق الأراضي العراقية بدباباته وطائراته وترسانته الثقيلة, واستمر التغلغل الاقتصادي التركي في المدن العربية على هذه الإيقاعات المتأسلمة, التي أوحت للعرب بوجود خلافات عقيمة بين تركيا وتل أبيب, وعلاقات متوترة مع البيت الأبيض, وكانت في حقيقتها مجرد إيحاءات لا صحة لها, يراد منها كسب ثقة العرب, وإبهارهم بالقدرات الاستثنائية, التي يتمتع بها السلطان الجديد, فحضي بالدعم المطلق من الأتراك والعرب في هذه السنوات الخداعات, التي انقلبت فيها في الموازين, وغاب عنها الحس الوطني الصادق, وعاد فيها الناس إلى إبداء الولاءات المطلقة للأصنام البديلة المبتكرة, وتراجعت عقارب التاريخ إلى الوراء لتقف عند أعتاب الباب العالي, وتسمح للسلطان الجديد بقيادة الشرق الأوسط سياسياً, في الزمن الذي تحولت فيه الجيوش العربية إلى وحدات رمزية يستعرضها القادة العرب في المناسبات, ويستخدمونها حصريا للتبختر في مواكبهم الرئاسية والأميرية, ويلجأون إليها عند الضرورة في المناوشات بين بعضهم البعض. 

    أردنا من خلال هذا الموضوع أن نزيل الغشاوة الضبابية, التي تخفي الحقيقة عن عامة الناس, ونسلط الأضواء على المخططات السياسية الخبيثة, ونكشف الملابسات التي رافقت التطلعات الأناضولية الأردوغانية, والتي يمكن إدراكها واكتشافها من دون عناء, بمجرد طرح الأسئلة الآتية, من مثل: هل يستطيع اردوغان اعتماد سياسات معادية لإسرائيل ويبقى في الوقت نفسه عضواً في حلف شمال الأطلسي وحليفاً حميماً للبيت الأبيض؟, وهل يستطيع اردوغان أن يطرد القوات الأمريكية من قاعدة أنجرلك التركية؟, وهل يستطيع أن يعمم مبادئه الداعية إلى تحرر الشعوب من قيود الظلم والاستبداد, فيشمل أكراد تركيا بهذه الحقوق, التي يزعم انه آمن بها وناضل من اجلها؟, وهل يستطيع أن يكف عن خططه الرامية إلى تجفيف دجلة والفرات؟, ويأمر الشركات الإسرائيلية المنفذة بالتوقف عن بناء سلسلة السدود الكثيرة (22 سداً) جنوب شرق هضبة الأناضول؟. 

    ختاما نقول للسلطان اردوغان أن التاريخ لن ينسى عنجهية أجدادك في الأستانة, ولن ينسى جرائمهم التي ارتكبوها باسم الإسلام في المدة المظلمة, التي أطفأ نورها رجال الجيش الانكشاري, عندما أشاعوا الطائفية والعشائرية والمذهبية, وقتلوا أهلنا في غزواتهم التوسعية المجنونة, فكانت مرحلة حكمهم من أقبح المراحل, وأكثرها انحطاطا في تاريخ العرب, فلا تتعب نفسك في استعادة عهد الإمبراطورية التركية السادسة بعد العثمانيين والسلاجقة وسلاطين دولة الخروف الأبيض والخروف الأسود والمماليك, الذين اشتركوا جميعهم في تهديم صروح الحضارة العربية في بغداد والشام والقاهرة ومراكش, وحرموا العرب من فرص التطور والنمو والارتقاء, وضربوا أمثلة سيئة في العصبية القومية المنحازة للعرق الآري والطوراني والمغولي. فلا مكان لك بيننا أيها السلطان المتدين المتحذلق, ولن تنطلي علينا الحيل والأكاذيب القديمة الملفقة والمواقف المفبركة, فنحن ننتمي إلى الأمة التي لا تلدغ من الجحر التركي الأناضولي مرتين.