Blog

  • عندما توصد الأبواب!!

    عندما توصد الأبواب لا يبقى إلا باب الله سبحانه وتعالى فبابه باب الرحمة التي وسعت كل شيء. من لهؤلاء الذين قضوا سنيناً من عمرهم يتعلمون كيف عاش الإنسان العراقي القديم  وكيف صنعت  أولى الحضارات في العالم؟ وكيف يحافظون على رموز هذه الحضارات؟ بل كيف يقرأون لغاتهم التي اندثرت؟ وكيف يحللون الطلاسم ويفكون رموز  اللغات المسمارية والاكدية والبابلية والآشورية. من لهم عندما تقطع بهم السبل؟ فلا يجدون فرصة عمل في حقل اختصاصهم ويسعون  فلا يستجاب لهم لأخذ فرصتهم في الحياة لبناء أسرهم. حتى أنهم ندموا لاختيار هذا الاختصاص (الخاص جدا) وهو في العالم من الاختصاصات النادرة، الحكومة غير ناظرة في أمرهم،  ووزارة السياحة والآثار لا حول لها ولا قوة، والهيئة العامة للآثار والتراث تتمنى مد يد العون  لهم لزجهم  مع زملائهم للغور عميقا في ارض العراق بحثا عن كنوزه، ووزارة الثقافة لا تمتلك الدرجات الوظيفية ولا التخصيصات المالية لتعيينهم.

    الأطباء يجدون فرصة العمل في المستشفيات الخاصة عندما لا يجدونها في المستشفيات الحكومية، أو قد يفتحوا عيادات خاصة بعد مضي مدة من الزمن على تخرجهم . والمهندسون مرحب بهم في المعامل والمكاتب الهندسية الاستشارية والشركات الخاصة عندما يقال لهم لا حاجة لكم في دوائرنا ومؤسساتنا الحكومية.

    وهكذا الأمر بالنسبة لخريجي أقسام الإدارة والاقتصاد وكليات التربية وأقسام اللغات، ومن لا يحملون شهادة  أصلاً. إلا هؤلاء “إنهم الآثاريون خريجو قسم الآثار في جامعات بغداد والديوانية والبصرة والموصل.. إنهم  جمهرة  من الشباب يمنحون سنويا شهادة البكالوريوس في علوم الآثار والمتاحف، دون تحديد مصيرهم … فلا متاحف لدى القطاع الخاص لاستيعابهم ولا فرق تنقيب، ولا صيانة للآثار يمارسها هذا القطاع. الدولة هي الوحيدة المسؤولة عن هذا الآثار قانونيا حسب قانون الآثار رقم 55 لسنة 2002 ودستوريا حسب المادة (113) من الدستور العراقي الجديد.. حقهم مضمون في الدستور… وضائع في غياهب التعيينات  ومدلهمات فرص العمل، إنهم مفاتيح كنوزنا … فلا نفرط بهم. هذه القضية مطروحة امام مجلس الوزراء الموقر خاصة وانه سبق ان اصدر أمرا مهما باعتبار النصف الثاني من عام 2009 والنصف الاول من عام 2010 عاما  لحماية ورعاية الآثار العراقية، فهل يعقل ان نرعى ونحمى الآثار، ونترك الآثاريين.

  • المواطن والمنافذ الحدودية

    أصبح المواطن العراقي مضطرا للسفر في الصيف نتيجة استمرار انقطاع التيار الكهربائي مع تصاعد موجات الحر الشديد ، ولكن بهجة السفر تختفي وتتلاشى عند وصوله الى المنافذ الحدودية العراقية حيث يجد ما يلي :- 

    1-  غياب التنظيم ، فكل شيء يدعو للفوضى. 

    2-  غياب التأهيل للمرافق الحدودية بما يجعل المواطن العراقي يشعر بالراحة ولو لوقت قصير. 

    3-  غياب روح الاحترام المتبادل بين المواطن والموظف. 

    4-  عدم اكتراث المسؤولين بالازدحام الشديد للمواطنين الذين بينهم قسم من المرضى. 

    5-  وقوف طوابير المواطنين ساعات طويلة لا مبرر لها بالانتظار. 

    6-  عدم التفات المسؤولين لما يقدم من خدمات وتنظيم على الجانب المجاور من دول الجوار. 

    7-  يلاحظ ظاهرة احترام الأجانب أو رعايا البلد المجاور بشكل ملحوظ في مقابل انعدام ذلك بالنسبة للمواطن العراقي. 

    8-  يحدث كل ما ذكرناه أعلاه بشكل ملفت للنظر في منفذ زرباطية الحدودي. 

    9-  لا يتقيد الموظفون بالدوام المناسب للمنافذ الحدودية والذي يجب أن تستمر الحركة فيه على مدار ساعات النهار والليل ، فبعضهم يتوقف عن العمل تاركا المواطن المسافر يعاني قساوة الانتظار في ظروف غير مناسبة. 

    10- نتيجة كل ذلك يتعرض بعض المرضى للإغماء والانهيارات الصحية من دون وجود ما يسعف حالتهم من منظور طبي. 

    بعد كل هذا الذي ذكرناه وهو مما نقله لنا المسافرون بمرارة موثقة بالكثير من المصاديق والأرقام التي تبلغ حد التواتر، والسؤال هنا لماذا يستمر الحال هكذا في المنافذ الحدودية العراقية والدولة أصبحت ملكا للمواطن بعد عهد التغيير والانتخابات والديمقراطية. 

    ثم أنه مع وجود الإنفاق الحكومي غير المحدود ، ومع أرقام العائدات الحدودية من المال والتي تعلن عنها وزارة المالية بين فترة وأخرى ، لماذا يبقى حال المنافذ الحدودية على ما هو عليه من هذا التأخر وهذه الفوضى واللاأبالية التي تخدش سمعة الوطن وكرامة المواطن العراقي ؟! 

    وإذا تركنا مظاهر الفوضى وعدم النظام والتخلف في كل مرافق المنافذ الحدودية قياسا لما هو موجود لدى دول الجوار ، وهو مما لا يجوز السكوت عنه ، وإن سكت عنه من حصل على الجواز الدبلوماسي الذي يخفف على حامله مظاهر المعاناة ، ولكنه لا يغير من واقع الخدمات المتلاشية والمعدومة. 

    والسؤال هنا : لماذا يظل المواطن العراقي عرضة للتلاعب والاضطهاد من قبل دول الجوار في ظل غياب الرعاية العراقية لحركة المواطن العراقي في السفر ، فمثلا إحدى دول الجوار تفرض على المواطن العراقي المسافر لبلدها أول مرة إيداع مبلغ ” 2000″ دولار في مصرف مجاور لسفارتها ، ثم يستلم هذا المبلغ بعد إعطائه التأشيرة ولكن بعد حسم “50” دولارا  أي أن فيزا ذلك البلد هو ” 50 ” دولارا بالكمال والتمام ولكنه يعلن أنه لا يأخذ فيزا على المواطن العراقي ؟ فلماذا يستغل المواطن العراقي في وضح النهار نتيجة غياب من هو مسؤول من دولته عن طريقة التعامل هذه، وهناك الكثير من صور الالتفاف على المواطن العراقي ماديا عندما يقرر السفر مضطرا لتلك الدولة وهي تركيا، وتركيا اليوم تعتمد على السوق العراقية في كل شيء وشركاتها التجارية تجد في السوق العراقي مستهلكا من الطراز الأول ، وشركاتها في الإعمار والبناء تجد لها فرصا مثالية في العراق فلماذا لا يتحرك المسؤولون العراقيون للاستفادة من هذه الظروف بما ينعكس لصالح المواطن العراقي ولو عند السفر ليحصل على شيء من الاحترام واللياقة والتعامل بالمثل ؟ 

    وما يقال عن تركيا يقال عن الأردن التي تستفيد من العراق نفطيا واقتصاديا وتجاريا ويكاد يكون العراق هو المفتاح الوحيد لها في هذا الصدد ولكن لا يجد المواطن العراقي من الاحترام ما يتناسب مع تلك الفائدة التي تحققها الأردن من العراق ، علما بأن ظاهرة وقواعد الاحترام المتبادل لا يجب أن تتوقف فقط على الجانب المادي وإنما هناك معايير يجب أن تجتهد بها الوزارات المسؤولة مثل الخارجية والداخلية والنقل والسياحة. 

    إن استمرار ظاهرة معاناة المواطن العراقي في المنافذ الحدودية تختصر مقدار الشوط الذي قطعته الحكومة في خدمة المواطن الذي حرم من حزمة الخدمات الداخلية ، وذلك أمر بين المواطن والدولة ، ولكن التقصير الحاصل في المنافذ الحدودية لا يمكن اقتصاره على العلاقة بين المواطن والدولة ، وإنما هو ملف مفتوح للخارج الذي يسجل ولا يهمل جهود الدول لاسيما في الإطار الذي أصبح معروفا عالميا بحقوق الإنسان. 

    إن المنافذ الحدودية هي الوجه الحضاري لكل بلد ، والعراق نتيجة لما تعرض له من تراجع في الماضي يحتاج أن يعوض ذلك والمكان المفضل والسريع هو المنافذ الحدودية. 

  • الفصل العشائري!

    لعل سكان المدن الكبيرة ، وخاصة العاصمة – وانا منهم – يجهلون الكثير من اعراف الفصل العشائري وضوابطه واصوله ، وطالما منيت النفوس لحضور واحد من تلك الفصول ، لانها جزء من التقاليد الشعبية والثقافية المجتمعية التي لا يصح ان تغيب عن معلومات الصحفي ، وقد تحققت امنيتي قبل عامين عندما دعاني صديق لمرافقته مع ممثلي عشيرته (المعتدية) الى المضيف الفلاني كوني من وجهاء الاعلام البارزين على حد تعبيره ، لان كل عشيرة تستدعي اكبر عدد ممكن من السادة والخيرين والوجهاء المناصرين لها ، حيث يؤدي حضورهم الى امتصاص حالات الانفعال المحتملة ، ويخفف من سقف المطالب المبالغ بها احيانا ، وباختصار كما اوضح لي فان وجودهم يمثل (محضر صلح) بين الطرفين ويحول دون وقوع مالا تحمد عقباه !

    ترددت اول الامر ، وقلت له [لاعلاقة لي بالعشيرة المعتدية ، ولا اعرف اصول الحديث في هذه المجالس] ، بحكم الميانة وما يتمتع به صديقي من روح مرح قال لي [انت منو مصخم وجهك وطالب منك حديث ، راح تكون مثل فحل التوث بالبستان هيبة ، تتفرج وتسمع وتسكت] ، ابتلعت اهانة الميانة ورافقته الى المضيف حيث تجري مراسيم الفصل !

    تجنبا للحرج الاجتماعي ، ساستعير اسم قبيلتي (عبس وذبيان) بديلا عن اسم العشيرتين المعاصرتين ، بدأت الجلسة بالصلاة على النبي ، وآل بيته الطاهرين ، ثم تقدم للكلام ممثل قبيلة عبس المعتدى عليها وقال [يا جماعة الخير ، هل يرضيكم ان يقوم (فلان الذبياني) بشتم احد فتيان عبس ويصفه بانه ، كلب ابن كلب ، من دون مراعاة لوالد الفتى الذي هو زعيم قبيلة عبس ، ونحن اكراما لسادة ذبيان ووجهائها نطالب بمبلغ خمسة ملايين دينار] !

    حين انتهى ممثل عبس ، تقدم الناطق الرسمي باسم قبيلة ذبيان المعتدية وقال [يا جماعة الخير ، ان زعيم قبيلة عبس مشهود له بالجود والشجاعة والرجولة والسمعة الطيبة ، وشتيمته لا تعوض بخمسة ملايين ولا خمسين مليونا ، فهو ارفع واكبر من اموال الدنيا كلها] ، ولقي كلامه استحسانا وترحيبا عظيمين من الجميع ، حتى اذا اطمأن الى انه كسب الجولة الاولى ، عاد الى الحديث مجددا [يا جماعة الخير .. ربما لا تعرفون ان الكلام نوعان ، فهنالك كلاب الشارع السائبة ، وهذه تعد شتيمة على الشخص اذا قلنا له انت كلب او ابن كلب ، وهناك كلاب المنطقة الخضراء ، وهذه تعد مديحا لشخص ودعاء له بالموفقية وتعبيرا عن اعلى درجات الحب ، لان الراتب الشهري لكلب الخضراء هو 14 مليون دينار ، اما راتب الجرو فيبلغ 8 ملايين دينار ، وبعد التحقيق مع ولدنا الذبياني اكتشفنا انه يقصد كلب المنطقة الخضراء ،أي انه يدعو لشيخ عبس وولده بالتوفيق والراتب الضخم ولم يقصد الشتيمة فهل يصح ان تطالبوا الفتى الذبياني بخمسة ملايين دينار ام ان تشكروه] !!

    اربكت المعلومات التي ادلى بها الناطق باسم ذبيان اذهن الحاضرين وحساباتهم ، وسرت بينهم احاديث وهمهمات ومشاورات ، قبل ان يرتفع صوت احدهم قائلا [ليتني كنت جروا من جراء الخضراء براتب 8 ملايين دينار] وارتفع صوت اخر واخر ، وبدوري اخذتني الحماسة وغلبني الطمع فقلت [ليتني كنت كلبا براتب 14 مليونا] وما هي الا بضع دقائق حتى تسابق الحاضرون في امنياتهم قبل ان ينهض زعيم عبس ويقول بأعلى صوته [ليتني كنت كلبا ابن كلب براتب 28 مليون دينار] ، ونهض الجميع وتصافحوا وتبادلوا القبل وغادروا المضيف وهم في ذروة المصالحة العشائرية واحلى من السمن على العسل !!

  • الفأس في الرأس

    لم تنبر أية مؤسسة أو مركز دراسات إستراتيجية لا في العراق الجمهوري ولا في زمن الانقلابات العسكرية ولا في صلف وعنجهية النظام الشمولي وصولا عند عتبة باب عهد الديمقراطية الجديدة في العراق على دراسة وتحليل مقولة (ايزنهاور) التي أطلقها في العام 1958 مناديا بعلو صوته:  «سنجعل من العراق الحصن الحصين للنفوذ الأمريكي في المنطقة»! 

    وها قد جاء اليوم الذي نرى فيه ونسمع ونتشمم صدق ما نادى به الرجل قبل أكثر من نصف قرن وبالدقة التي لوح بها، فيما نحن نيام بعز الظهر نطقطق عظم أرجلنا من دون أمل مرتجى يعيد لنا فرصة اللحاق بركب عالم اليوم الذي يتلاهث راكضا لمجرد ان يبقى واقفا على قدميه  وإلا لماذا -الى الآن- لم ندقق ونحلل آثار وجوانب الادعاء الواثق لرئيس الولايات المتحدة آنذاك، لكي نتحوط أو نتلافى أو نتهيأ ونتحسب لما يجب ان نفعل كما تتحسب وتفعل الدول  التي تحترم ما يتعلق بها من معلومات وتصريحات وأخبار وتحليلات بغية تجنب مخاطر أهداف الدول الأخرى في رسم استراتيجياتها قبل عقود وعقود من الزمن،, بالمناسبة (إستراتيجية) هي كلمة يونانية معناها (القائد) ويا مكثر القادة والزعماء عندنا من تفريخ مفقسات الأنظمة بكل أنواعها العسكرية والمدنية بشقيها الشمولي والديمقراطي، بل كل الأنظمة التي لم تتعلم لغة التعامل مع مجريات الأحداث والظروف حتى بعد وقوع الفأس في (اليافوخ) في ظل ربيع القادة الضروريين منهم وغير الضروريين من أولئك الذين يتطلعون ولا يرون غير أصابع لا تؤشر الى أبعد من أنوفهم!!

    تصادف أن أطلعت على تقرير يتعلق بطروحات وأفاق تصورات رئيس جهاز المخابرات الأمريكية السابق (ليون بانيتا) قبل ان يخطف حقيبة البنتاغون بأيام قليلة جدا أوضح فيه لدى استجوابه من قبل لجنة القوات المسلحة في الكونغرس لبحث آليات وتداعيات الانسحاب من أفغانستان والعراق، ان بلاده تمر وتحيا في خضم تحولات تاريخية وبعد تجاوزها الحرب الباردة وأصبحت في مواجهة حرب عاصفة – قاصفة، توهمت أنا المسكين أول الأمر ان قوة أكبر من أمريكا وأبو أمريكا ستطيح بهذه الدولة الغاشمة وتنحدر بها الى أسفل السافلين لكن توقعي جاء مخالفا الى حد كبير قد يشبه ويقترب من تفكير قادتنا بكل أصنافهم الواردة سلفا حين عرفت على لسان السيد (ليون بانيتا) ان تلك القوة أو العواصف – على حد وصفه – هي مقدار تطور التكنولوجيا الهائل ولم ينس ان يحذر من خطورة عمليات القرصنة الالكترونية التي تستهدفهم في الصحو وفي النوم ولم يستبعد وقوع هجوم الكتروني ضخم يعادل في خطورته وتأثيراته الهجوم الياباني – حسب قوله نصا – على ميناء (بيرل هابور) الأمريكي أبان الحرب العالمية الثانية، ولا أدري لماذا تذكرت لحظتها مقولة قرأتها قبل أكثر من خمسة عشر عاما تقريبا تلخص حقيقة ترى في حالة سيطرة الكومبيوتر على العالم – وهذا ما حصل فعلا – فان ذلك يعني بداية أمية جديدة لكل من لا يعرف استخدامه، فقلت من دون تفكير وبالمباشر الى (الهدف) أين نحن من الأعراب مما يحصل في العالم الآن وقبل الآن يا جماعة الخير؟!!!.    

  • أعــــــــراس جامعية

    أوشكت ان أعلن انسحابي وتوقفي عن كتابة هذا العمود في هذه الجريدة الغراء بعد ان تكرر وبإصرار تبديل صورتي الشخصية أكثر من مرة واختيار الأسوأ لنشرها، ومرة أخرى لنشر احد الردود على مقالاتي بطريقة أظهرته بالحجم غير الطبيعي لغرض الإثارة والإساءة لشخصي الذي اعتاد على تلقي الحجارة مثل كل الأشجار التي يعتقد الناس أنها مثمرة وغيرها خاوية يجملونها ويتملقون لها…!

    وكدت أتوقف مع صدور هذا العدد بعد ان شعرت بالاستفزاز، فقد ذهبت للجريدة ووجدت حسن الاستقبال وتبددت الكثير من همومي وهواجسي وقررت الاستمرار في كتابة عمودي برغم الاتهامات الغريبة بوصف كتابة الأعمدة بأنها عملية معيبة وهي وسيلة للمعيشة وليس للمجاهرة بالحقيقة، لم يزعجني هذا الاتهام فقد وصفته الصحف التي اكتب فيها بأنها نكتة الموسم لأنها تعرف ما يكتب ومن هو الكاتب الذي لا يجامل ولا ينافق ويحظى باحترام الناس وغضب أصحاب النفوذ والشأن باستثناء المنصف منهم.

    غضبي من جريدة (المستقبل العراقي) هذه المرة سببه وقوع خطأ في عنوان الزاوية فقد حول المصمم العزيز سامحه الله اسم العمود من (كاتيوشا) الى (نقار الخشب) وشتان بين العنوانين ودلالاتهما، وسر الغضب ليس شخصيا بل حرصا  مني على تقليد يجب ان ترسخه الصحافة مع جمهورها الذي يفترض ان يعتاد على مكان الزوايا وإشكالها وتوجهات كتابها وثبات التبويب والسياسة العامة للجريدة بالشكل والمحتوى وعدم التفريط بذلك مهما كانت ضغوط العمل.

    تراجعت عن قراري وأنا امسح عن عيوني دموع الفرح وأنا أصغي للنشيد الوطني وكانت تقف أمامي عشرات الكراديس التي تضم صفوف الخريجين من جامعة بغداد مع أساتذتهم النجباء الذين نجحوا في اختبار التحدي ومواصلة الدراسة والمواظبة على الدرس برغم قسوة الهجمات الإرهابية التي وصلت لأبواب الجامعة وحصدت أرواحا بريئة مازالت في ريعان الشباب واستشعرت ان أرواحها الطاهرة كانت ترفرف في سماء الحفل البهيج مع حمامات السلام البيض التي حلقت فوق الحضور مع أقواس القزح التي رسمتها الألعاب النارية لترسم في سماء بغداد علامات نصر جديد عنوانه التفوق العلمي واستمرار العطاء المبدع للجامعة الأم.

    شاهدت ابتسامات ودموع لبناتنا وأبنائنا للآباء والأبناء للعراق كله الذي يحاول الوقوف مجددا على قدميه برغم قطعان الذئاب التي تحاصره وبينهم أشقاء وأصدقاء وآخرون يحملون للأسف شهادة الجنسية العراقية وشهادة الدكتوراه….!

    نعم كانت ليلة سعيدة أعادتني للكتابة ومنحتني قوة جبارة لأن أحيا مع أهلي وارصد بأعمدتي حزنهم وفرحهم، أعاد أليّ الحفل الشعور بكرامة الاستاذ الجامعي وصدق مشروع إصلاح التعليم العالي، حين أعلن السيد معالي وزير التعليم العالي بصوت جهوري بأن لا سياسة ولا تسييس في الجامعات بل الكل سواسية والعلم للجميع وغير ذلك حق يجب ان يمارس خارج أسوار الجامعة… لقد صفقنا جميعا لهذا المنهج بل نبضت له وخفقت قلوبنا قبل ان تتحرك اكفنا بالتصفيق وسألنا الله ان يتحول هذا الشعار لواقع نحياه لنقطع الطريق عن المنافقين والمزايدين وبالعلم متاجرين…!

    أمسية سعيدة زرعت الغبطة في قلوب كل الطيبين وأعادت لنا الأمل في بناة المستقبل وهم يرفدون حياتنا العملية بدماء جديدة تسهم في البناء والإعمار بالعلم والعمل الجاد والإيمان برسالة السماء وعمق الانتماء لوطن كان أصل الحضارة ونبعا للإبداع … تحية لجامعة بغداد فقد كان حفلها الناجح صولة علمية أطلقت الآمال ووجهت رسالة معبرة لردع الارهاب وتحطيم أحلامه المريضة بعرقلة المسيرة.

  • “استعلامات الكترونية”

    هي ظاهرة حضارية, ومرفق حديث يُليق ببغداد ودوائرها, وهي منفذ متطور للقضاء على ركام من الروتين المتوارث في دوائرنا الرسمية التي تسبب الملل والضجر والمقت والقهر الشديد للمواطن أثناء مراجعتها. محافظة بغداد هي التي بادرت هذه المرة وأنشأت قبل سنة من الآن مثل هذه الاستعلامات وبدأتها في مقرها إيذاناً بانتشارها كظاهرة إيجابية في بقية دوائر الدولة في العاصمة, مادة يد العون لإنشاء استعلامات مماثلة وبتمويل من المحافظة نفسها في أية دائرة ترغب ذلك بخاصة تلك الدوائر التي تمتاز بكثرة المراجعين كدائرة التقاعد والجنسية والجوازات .. وما أدراك ما الجنسية والجوازات .. المهم أن مميزات هذه الاستعلامات استنادا الى محافظ بغداد الدكتور صلاح عبد الرزاق “أن المراجع لها سيتعامل مع جهاز حديث موجود في الاستعلامات إذ سيضغط على زر القسم الذي يرغب مراجعته” فيخرج له الموظف ليقول له شبيك لبيك، أنا وجميع الموظفين ومدير الدائرة بين يديك. فيسقط المواطن صريعاً مغشياً عليه من شدة الصدمة التي ألمت به والأجواء الغريبة التي يعيشها، حتى يشعر أنه في عالم آخر وفي كوكب آخر، ليس هذا فحسب بل أن محافظ بغداد أكد أن القاعة مزودة بكاميرات لمراقبة عملية المراجعة.. وإنها قد تستخدم ككاميرات خفية تداعب المواطنين عندما يأتي الموظف بعد خمس دقائق فقط ليقول أن معاملتك أنجزت فضلا عن أن في هذه الاستعلامات أشياء كثيرة وحديثة من أهمها تخصيص مكان لألعاب الأطفال. وطبقاً لبعض المواطنين المارين قرب المحافظة فأنهم استمعوا الى زغاريد النسوة من موظفات المحافظة اللواتي تعودن على جلب أطفالهن معهن للدوام الرسمي.. حيث ستوفر هذه الملاعب فرصة للهو أطفالهن ما يتيح الوقت أمامهن للحديث عن أكلة اليوم وآخر المسلسلات وسعر الذهب في أسواق الكاظمية والاعظمية. والتجربة الجديدة التي وصفت بالفريدة وتمنع ابتزاز المواطنين إضافة الى حفظ  كرامتهم وتقلص الروتين الإداري, فأنها تنظم عمل المراجعين وتنجز معاملاتهم بوقت قياسي.. فان البعض أعتبرها نظاماً أوربيا متقدماً. وبغض النظر عن هذا كله.. فهي مبادرة قيمة من محافظة بغداد التي عودتنا على إنجازات متميزة وهمة عالية في بناء بغداد واعمارها وحرصاً منها على توفير مكان يليق بالمواطن ويحفظ  له كرامته التي تهدر غالباً عند مراجعته دوائر الدولة بخاصة وان هذه الاستعلامات تعمل على وفق أنظمة الحاسوب لتكون الأولى في العاصمة. وكم شدني نبأ هذه الاستعلامات العجيبة. وكم تمنيت أن تكون لي معاملة في محافظة بغداد للوقوف على عملها.. بخاصة وأنها تجاوزت السنة الأولى من عمرها المديد، ولا ندري ان كانت المحافظة قد أوقدت شمعة بهذه المناسبة السعيدة .. وتبقى التجربة أكبر برهان.

  • القادسية الثالثــــــة

    للمرة الأولى ألبي دعوة لحضور مناظرة سياسية على إحدى الفضائيات العربية ، لان القضية المطروحة للنقاش حساسة ، وعنوانها (السنة والشيعة الى أين ؟) وكان معي في الأستوديو ضيف من مدمني الظهور على الشاشات ، كما كان معنا من واشنطن مسؤول لجنة التنسيق (سابقا) بين المعارضة العراقية وبين وزارة الخارجية الأميركية … كنا ثلاثة في مواجهة قضية واحدة وكان واضحا من طريقة اختيارنا إننا نمثل 3 وجهات نظر متباينة ، وقد اكتشفت قبل بدء الحوار ، ان مقدم البرنامج منحاز الى الضيف المدمن على الفضائيات .

    كان أول المتحدثين هو مسؤول لجنة التنسيق ، وذلك أمر لا يغضب أحدا ، فهذا الرجل الظريف الذي يحسن الكلام بالعربية الفصحى ، يعد من الناحية الواقعية بمنزلة ولي الأمر لنا جميعا ، وخلاصة ما ذهب إليه ، ان قضية السنة والشيعة ، هي واقع حال من مخلفات النظام الدكتاتوري ، وان هذه القضية قابلة للانفجار في أية لحظة ، ولكن أميركا بذلت جهودا مضنية ومازالت من اجل “تطبيع العلاقة” بينهما ، وقد قطعت شوطا طيبا على هذه الطريق !

    وتحدث المدمن قائلا: [في الحقيقة لا أضيف جديدا الى التحليل الموضوعي والرؤية الصائبة التي ذهب إليها زميلي من واشنطن ، سوى التأكيد على ان قضية السنة والشيعة ستقود الى حرب أهلية لا مفر منها  على الرغم من المساعي الأميركية المشكورة] !

    كنت في اشد حالات امتعاضي عندما جاء دوري للحديث ، ولكنني تمالكت نفسي وخاطبت مقدم البرنامج بهدوء [سيدي … أنا احترم ماقاله الضيفان الكريمان ، ولكنني ابن العراق الذي يعيش هذه القضية عن قرب ، ولهذا …] وقاطعني الرجل متسائلا [هل تعني بانك تؤيد الضيفين وان قضية السنة والشيعة في طريقها الى حرب أهلية ؟!] ، وبالهدوء نفسه أجبته [معذرة … إنما أردت القول ، إنني أكثر احتكاكا ومعايشة بحكم عملي الصحفي ، واستطيع الجزم ، انه لا توجد بين السنة والشيعة قضية] ، استشاط المقدم غضبا وسألني [هل تنكر وجود سنة وشيعة في العراق ؟!] ، قلت له [أبدا … مثلما لا أنكر وجود مسلمين ومسيحيين ، وعرب وكرد … ولكنني اعترض على من يتحدث عن وجود خلاف بين المذاهب والديانات والقوميات] ، وفقد الرجل صوابه وسألني [ولكن يا أستاذ .. يا من تنكر ان الحرب الأهلية قادمة .. هل تستطيع إثبات ذلك ولو بدليل واحد ؟!] ، أجبته [الأمر بسيط .. انظر الى النسيج العراقي ، فانا من أب سني وأم شيعية ، وولدي سني وزوجه شيعية من الانباريين ، وابنة عمي سنية وزوجها شيعي من بابل و..] فقاطعني منفعلا [حالتك استثنائية و..] وقاطعته بدوري [أنت تجهل تركيبة البيت العراقي ، ان صديقي الشاعر تركي كاظم ، شيعي وأزواج بناته الثلاث سنة ، ولا يختلف الأمر مع صديقي الشاعر عيسى الياسري ، فزوج ابنته سني ، وزميلي الصحفي سلام الشماع ، شيعي ، وزوجه سنية ، ولا يختلف الأمر مع زميلي الصحفي واثق صادق .. هل تريد المزيد ؟!] لم يقتنع ، وقال مرتبكا: [سنلجأ الى الاستفتاء] وفيما عدنا الى حوارنا الساخن لمدة 15 دقيقة أخرى ، أعلن الرجل فجأة عن انتهاء الوقت المخصص للبرنامج ، وكانت نتيجة الاستفتاء تفيد على ذمته ، ان 98 % يرون ان الحرب الأهلية قادمة و 2 % فقط لا يرون ذلك ، ولم يبق له إلا ان يشكر ضيوفه على عجل ، تاركا المشاهدين في حيرة من استفتائه الغريب الذي يؤكد ان السنة والشيعة على أبواب قادسية ثالثة ستنطلق من فراش الزوجية !!.

  • نبل الحياة وثرثرة المكتبات

    (المثقفون جنس قائم بذاته، فهم يعودون على الدوام في أسانيدهم الى المكتبة، وهي على كل حال أعظم نبلا وأقل ثرثرة من الحياة..) اندريه مالرو

    في إعادة النظر بشأن وظيفة الشاعر في الحياة اليومية لدى اعراب الجاهلية بوصفه جهازها الاعلامي والمفاهيمي، سيطفو الى سطح الوعي العنف الطافح في الثيمة المحورية للقصيدة ليتماهى عمودها الشعري مع هيئة السيف الذي ظل يشكل لازمة لا فكاك منها في خطابه الاعلامي ـ الثقافي حتى أسست أغراض الشعر الجاهلي تمظهرات متعددة لذات الثيمة المحورية المشار إليها آنفاً.

    وتأسيساً على جوهر الطبيعة البدوية التي تنسرح في فضاءات بلا شواخص او حدود بشرية والتي انتجت بنحو عميق امضى واشد خطاب لغوي عربي تأويلاً واحتمالية حتى بات الشاعر الجاهلي متمثلاً ببيئته مرآة لغوية ـ معرفية يندرج على سطحها خطاب قيم وأعراف عربية معروفة في سكونيتها إذ لم يجر على محمولات خطابها وكذا وظيفة حاملها ـ المثقف العربي ـ كثير تغير عبر التاريخ العربي الممتد مما قبل زمن الدعوة الاسلامية وحتى يومنا الراهن، وذلك يعود بتقدير مراقب متريث الى تلك الطبيعة السكونية التي اسهمت اولا واحدية المقدس بالاقتران مع سملطة الاستبداد البطرياركي المتمثلة بالمشيخة القبلية ومن ثم تمظهر تلك الواحدية في الدوغمائية الايديولوجية أخيراً، وقد اسهمت كل تلك المعيقات العنيفة في تكريس طبيعة الدعة والسكون في اللاوعي العربي الذي ظل يسعة ـ بحثاً عن الراحة ـ على الدوام الى الركون لاجوبة القديم من دون مواجهة باثارة الاسئلة التي تفترض اقتحام المجهول المثير للقلق غير المرغوب فيه بالنسبة لسكونية الوعي العربي، وهو ما يجرد بنحو مضطرد وظيفة المثقف والثقافة الحقيقية التي ينبغي لها ان تعنى باستشراق المستقبل وجعلت منها منظومة سلفية تامة الاجابة وغير قادرة بالتالي على القيام بقيادة الانسان والمجتمع كما هو متوخى منها. أن هذا التوصيف لا يعني فيما يعنيه مهيمنة شمولية تاريخية مطلقة إذ يمكننا التقاط التماعات عدة مبثوثة هذا وهناك في ثنايا التاريخ العربي الاسلامي وقد شهدت عدداً من لحظات تمرد خاصة حاول التاريخ الرسمي المكتوب باقلام السلطات المتعاقبة تجاهلها ولولا ذلك ذلك كان يمكن لها ان تمسي سياقات وانماط متطورة تدفع في عجلة تقدم السكون الى التغيير المستمر، غير ان التاريخ العربي ظل تاريخا من القطيعة المعرفية يفتقر الى التراكم اللازم لاقامة تقاليد حضارية متطورة ومثلما ان هناك حملا حقيقيا تنبثق عنه ولادة حقيقية فان هناك حملا كاذبا يمكن له ان يغوي بتصديق ولادة حقيقية، كان تغيير التاسع من نيسان 2003 قد اوهم الكثيرين بانه حمل حقيقي يمكنه موازنة المعادلة الازلية المختلفة بين قياد السياسي وقياد الثقافي، وللتو استبشر المثقف المقموع والمقصي خيرا كما يقتضي الحال غير انه ظل يجتر اتكاءه الى اريكة السلب يتصفح ويقرأ الوقائع المتسارعة ليس على الارض ولكن كتابه على صفحات جريدة ظنا منه ـ وهو واهم قطعا ـ ان مال الامور سوف يستقيم من دون مشاركته، وراح يترك مكانه الواقعي شاغراً ليحتله مجددا الادعياء من الساسة وهذه المرة كما في المرات السالفة كان السياسي مستبدا في جوهر ادائه، فالوحدية ذات الواحدية والايديولوجية ذاتها مع فارق كون المستبد السالف واحدا فيما غدا اليوم مجموعة غرماء لا يمكن التمييز والفرز بين يافطاتهم اخذوا يمعنون في الاقصاء والتهميش اكثر فاكثر لكل ما يمت للثقافة والمثقف بصلة، وبفعل ذلك ودواع اخرى أمسى المثقف وبنحو واضح مشوش الرؤيا مضطرب الموقف، يتلبسه العجز فيما يتلقى النتائج مشلولا من دون ان يمد اصبعا سلبا ام ايجابا للمشاركة في مجريات الحال الراهنة المتسارعة الاحتدام. يكاد يكون من قبيل التهويمات المثيرة للهزء والسخرية ان نضع ما قلناه آنفا بطريقة “الكولاج” في الصورة الراهنة الحافلة بدموية المفخخات والعبوات والمشهد المتصل لقتل الغيلة والغدر، إذ مضى غول العنف يقتطف رؤوس عدد المثقفين سواء رأس من ادلى منهم بمجرد رأي او رأس من تابعا اعلاميا حدثا او تفصيلا ما، ما اسهم وبنحو متزايد في دحر المثقف والثقافة نحو الانزواء والاستسلام الى حاضنة التوحد التي كانت ولم تزل تعد الحاضنة الاكثر أمنا، والأوفر راحة لكثير من المثقفين، فيما اللجم والتكميم يستفحلان اكثر فاكثر فما العمل والحال على هذا الوصف من البؤس المحبط؟ ان الاجابة في تقدير مراقب متريث تكمن في فحص عدة الفريقين وآليات اشتغالاتها  فمن المعلوم سلفا ان عدة المثقف خطابه اللغوي المنتج، كما هو مفترض، لرؤيا خاصة ينبغي لها ان تنهج نهج المغايرة على الدوام وان يكون ميدان اشتغالها فضاءات لا تحدها مهيمنات المقدس والايديولوجيا واي تمظهر لأي نوع من الاستبداد… فيما تتشكل عدة السياسي راهنا من منظومة كوابح متسقة مع اشتراطات هدف آني ينبغي له تحقيقه على وفق منهجه خدمة لجماعة من دون اخرى او حتى فرد من دون الآخرين، ويمسي من طبيعة الحال انتاج اصناف مختلفة من اصناف القسر والعنف “مفيداً” في سبيل المثال تحقيق تلك الغايات. وهنا يقف الفريقان على طرفي نقض وتصادم وكيما نخلص الى حل ينقذنا من هكذا مأزق ينبغي اللجوء بدا الى التفريق بين اللبس الحاصل في فهم وظيفة الدولة ووظيفة السلطة، إذ تكون وظيفة الدولة مدينة بنيتها ادائية تخدم الجميع من دون استثناء عبر تنفيذها فقط لمقررات المشرع بغير ما تتأثر  بأية مواجهات عقائدية او مذهبية او شخصية، فيما يكتمل اللبس في فهم وتحديد ماهية وظيفة السلطة التي تمارس قياد الآخرين قسرا من اجل تحقيق غايات خاصة بشرائح محدودة لتمسي من ثم بنية استبدادية منتجة للعنف. ان ازالة هذا اللبس مرهونة بدفع الثقافة والمثقف الى ساحة الصراع نحو فاعل ومؤثر من اجل تصحيح اختلال المعادلة كيما يعي الجميع مدى وحجم الحق العائد له ومدى حجم الواجب المناط به، عبر الاحتكام الى سلطة القانون، ومسؤولية الانجاز تقع على عاتق المثقف، فقط المثقف الذي يعي ان الحياة “أكثر نبلا واقل ثرثرة من المكتبة”.     

  • أنقـــــذوا نهـــر الــــوند

    لم تجد الجماهير الغاضبة في مدينة خانقين وسيلة للتعبير عن الاحتجاج على الحكومة الايرانية التي تسببت في ايقاف تدفق المياه لنهر الوند العريق الا غلق الحدود بوجه الزوار والبضائع والمطالبة باعادة الحياة لهذا المجرى المائي الحيوي، وإيقاف كارثة بيئية دمرت كل الحقول والبساتين، وجريمة يرفضها القانون الدولي.

     ان هذا التحرك الجماهيري والذي يجب ان يتزامن مع تحرك اخر لاستنكار عمليات قصف مدفعي ايراني  لقرى عراقية كردية والتسبب بقتل  وتهجير الأبرياء وانتهاك السيادة العراقية، فضلا عن الاستمرار بإطلاق مياه المبازل الملوثة باتجاه الاراضي والحقول الزراعية العراقية في العمارة والبصرة ومحاولات اغتيال متعمد لشط العرب وتصرفات أخرى لم تعد مخفية كلها وللاسف اجراءات مستغربة من جار مسلم يفترض انه السند والمدد لمؤازرة العراق الذي يعاني من عزلة عربية بسبب اتهامات وولاءات مفترضة لإيران ومخاوف لا صحة لها، ان هذه المواقف الناتجة لسوء تصرف اطراف ايرانية معينة يجب ان تواجه بحزم وقوة ولا نقصد بذلك على طريقة صدام ونظامه المقبور بشن الحروب، بل بوسائل دبلوماسية واعلامية فعالة تحرك حتى الرأي العام الإيراني للدفاع عن المصالح المشتركة للبلدين وتسهم بايقاف الاذى والاعتداء، ولعل مناقشة الوضع الدبلوسي العراقي مؤخرا كان يجب ان يتضمن مناقشة آليات واقعية تعتمدها الدبلوماسية العراقية لايقاف اعتداء الجيران والاشقاء على سيادة العراق وأمنه وفي المقدمة منهم الكويت ودول خليجية اخرى تخطط ليلا ونهارا لابقاء العراق محمية امريكية فاقدة للقوة والارادة تعبيرا عن مخاوفها من الحرية ومن اوهامها التاريخية التي تغذيها شخصيات متطرفة تجيز حتى ذبح العراقيين وتدمير وطنهم، ونحن وللأسف مازلنا نتفرج ونقبّل اللحى المتعفنة لتمنّ علينا بالأمن والتأييد برغم أننا نستطيع نمسكهم باليد التي توجعهم ولكننا لكي نفعل ذلك نحتاج لارادة وقيادة موحدتين في الحكومة والبرلمان، والأحزاب يتصارعون حول كل شيء ويختلفون لكنهم لا يتقاتلون بل يتوحدون وهم يواجهون الخطر الخارجي والارهاب والفساد الداخلي فهل سيعقلون ولإرادة الشعب ومتطلبات السيادة سينتخون ويتحركون ولمياه نهر الوند يسترجعون وللاعتداءات يوقفون…؟.

  • الترشيـــــق والتنسيـــــق

    الترشيق مصطلح طبي له مبرراته الصحية والجمالية ، والترشيق ظاهرة جمالية وحاجة نفسية لأصحابها ، ولم يكن الترشيق عملا سياسيا ، وإنما من باب المجاز ، والمجاز في اللغة باب واسع .

    وإذا كان الترشيق في المجال الطبي أكتسب خبرة ، وأصبح علم التجميل جراحة رائدة ، إلا إن الترشيق سياسيا لم يكتسب خبرة بعد وليس له تاريخ يعتمد عليه ، وإنما هناك : التعديل الوزاري أو التغيير الحكومي ، وكلاهما له مبرراته التشريعية والدستورية وتظل الاستقالة هي الأخرى لها مبرراتها الدستورية رغم ما تسببه أحيانا من فراغ وإن كانت حكومات تصريف الاعتمال هي الأخرى تعبر عن غطاء دستوري لكنه غير فاعل وغير حيوي .

    والترشيق الوزاري الذي تنشغل به الأوساط السياسية والبرلمانية في العراق اليوم لا يبدو أن المعنيين به مؤهلون لإخراجه إخراجا ينسجم وتطلعات المواطنين وحاجة الدولة ، يتضح ذلك من خلال مناقشات أعضاء مجلس النواب ، مثلما يتضح من انعكاساته على الكتل السياسية المعنية بحصص الترشيق والاستعمال مجازي مرة أخرى .

    ومن خلال ما انعكس من تجاذبات ، ومن طريقة تفكير كشفت إرتهان البعض لسايكولوجية المحاصصة ، بينما كشفت من جهة أخرى تعلق البعض برصيد الامتيازات أكثر من تعلقه برصيد الدولة وتقدمها .

    لقد ظهر أن المال والمنافع والحصص والمواقع عند البعض هي الهاجس الأول ، وتلك ظاهرة مخيفة لأنها تكشف بوضوح ضآلة المنسوب الوطني في مقابل مناسيب الفردية ، والأمنيات الشخصية والمصالح الحزبية التي كانت غلتها في السنوات السابقة من عمر التغيير الجديد هي الأوفر حظا ؟

    أن الجسم الوزاري الذي ظهر مترهلا ، وأصبح مصدر شكوى من هم داخل الحكومة قبل غيرهم ، مع العلم أن التشخيص الفني الاداري كان حاضرا عند من يعلم بلا مقدمات أو مبررات أن هذا العدد من الوزراء يرفضه الذوق المهني ، والفني ، والسياسي ، فلماذا لم يتم الانتباه الى عدم معقوليته إلا بعد أكثر من سنة ؟ ماذا يكشف ذلك ؟ إن ذلك يكشف خللا في ما يلي :-

    1-  التخطيط. 

    2- التنظيم.

    3-  في المفهوم. 

    4-  في التجربة.

    5-  في الإنتاج.

    6-  في الحاجة والضرورة.

    7-  في التقويم والجودة.

    وهذا الخلل يطال الجميع ومنهم :-

    1-  رئيس الحكومة .

    2-  رؤساء الكتل السياسية والحزبية .

    3-  الوزراء أنفسهم .

    4-  أعضاء مجلس النواب .

    5-  أجهزة الإعلام والصحافة بوصفها السلطة الرابعة.

    6-  النخب السياسية والنخب الثقافية ، ويستثنى من ذلك الذين وضحوا مواقفهم وأشاروا الى عدم صلاحية ذلك الحجم والعدد من الوزراء والعناوين.

    ولقد ظهرت أمام الترشيق عقبات منها :-

    1-  قضايا الدمج بين الوزارات التي لم تكن بحاجة أن تنفرد بملاك وزارة.

    2-  ومن هي الوزارات التي تحتاج الى الدمج دون غيرها.

    3-  وإن هذا الأمر يحتاج الى تشريع.

    وعلى ضوء ذلك ، سيظهر أن هناك هيئات ومؤسسات بدرجة وزارة ، هي الأخرى سببت ترهلا وهدرا للمال وانتفاخا في الملاكات والعناوين مثل :-

    1-  مؤسسة الشهداء : ومع حق الشهداء وعوائلهم الكريمة ألا أن غياب التخطيط ، جعل هذه المؤسسة وغيرها مما سنذكر تعيش حالة من الإرباك الوظيفي والإداري والسياسي ، وكان بالإمكان جعل هذه المؤسسة تابعة لوزارة حقوق الإنسان ، لآنتا مادمنا عندنا وزارة لحقوق الإنسان وهو أمر جيد وهذه المؤسسة هي تعبير عن أداء الحقوق الإنسانية فلماذا لم نجعلها تابعة لوزارة حقوق الإنسان ؟

    2-  مؤسسة السجناء السياسيين : وما يقال عن مؤسسة الشهداء يقال عن مؤسسة السجناء السياسيين ، وتابعيتها لوزارة حقوق الإنسان يخفف كثير من أعباء الإدارة وتداخل الصلاحيات ؟ فهذه المؤسسة يديرها بالوكالة السيد وزير الرياضة والشباب بالإضافة الى مسؤولياته الكثيرة ؟

    إن التنسيق مشروع عمل سياسي بالدرجة الأولى بين الكتل والأحزاب الداخلة في السلطة ، وهو مشروع عمل إداري على درجة عالية من فهم موضوع التقويم والجودة الذي قطعت به الدول المتقدمة شوطا كبيرا ، ومازلنا نحن في العراق نعتمد على منظمات أجنبية لا يعرف عن تركيبتها شيء وهي تعرف عنا كل شيء وتتدخل في كل شؤوننا الإدارية بطريقة فوقية ، ولم تناقش هذه الطريقة لا في الحكومة ولا في مجلس النواب!ولذلك سيظل أمر التنسيق غامضا ، مثلما سيظل الترشيق غير منجز بشكل يحقق حيوية الحكومة ، مثلما يحقق الوئام والانسجام بين الأطراف المشتركة في الحكومة ، ونرجو أن لا تخلق لنا تمحلا جديدا كما خلقه مقترح مجلس السياسات الوطنية الذي مازال الجميع يراوح في مكانه.