“شهر رمضان الذي انزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان” سورة البقرة –185. درجت اغلب المسلسلات التي تستثمر مناسبة شهر رمضان استثمارا ربحيا ماديا على تسمية تلك المسلسلات ” بالرمضانية ” وهذا اعتداء جديد يضاف الى الاعتداءات التي تكاثرت نتيجة المنخفض الثقافي الذي تعيشه المنطقة ومنها العراق.وإذا كان اغلب العاملين بتلك المسلسلات هم خريجو حواضن تعليمية في المسرح وفنونه المختلفة لم تكن تلك الحواضن مؤسسة تأسيسا ينسجم مع خميرة الثقافة التي تغذي الجمهور المسلم والعربي غذاء روحيا يمتد على مدار السنة بأشهرها وأسابيعها وأيامها وساعاتها ومناسباتها التي صنعت بوحي السماء، وحشد الملائكة، وجهد الرسل، ومجموعة الرجال والنساء الصالحين الذي طرزوا الحياة بمواقف العز والفخر كما طرزت السماء بزينة الكواكب.
اذا كانت المسلسلات تمثل فنا كما يدعي أصحابها، فالفن عند أهل العلم هو: ” فكر + تجربة ” والفكر هو نشاط فعال للنفس، وحتى يكون النشاط الفكري فعالا للنفس لابد له من ان يكون قادرا على تحريك ” الفطرة ” قال تعالى:” فطرة الله التي فطر الناس عليها”.
والنفس هي صناعة ربانية قال تعالى: ” الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى الى اجل مسمى”.
وفلسفيا تعرف النفس على انها: “جوهر لا يتأثر بالمادة حدوثا ولكن يتأثر بالمادة بقاء “. وعليه فكل مايحدث في الحياة ومسيرتها انما هو ينعكس على شاشة النفس فيؤثر فيها سلبا او إيجابا.
والمسلسلات سواء كانت في رمضان او في غير رمضان، انما هي تتوخى التاثير على النفوس من خلال:-
1- المتعة: وهو مفهوم لم يحسن التعامل معه واتقانه باداء يحترم جغرافية ” العقل، والروح، والنفس ” ولذلك ذهب مفهوم المتعة عند المشتغلين بالمسرح، والتمثيل والغناء والرقص الى معاني غير حقيقية للمتعة مثل:-
ا- اللهو
ب- اللذة
ت- التدليك العاطفي
ث- الفرح غير الحقيقي “الكاذب”.
2- الطرب: وهو خفة تعتري الحواس الداخلية، فتظهر الحركات اللاارادية على اعضاء الانسان، فتشكل لغة جسد مدفوعة بفقدان الارادة، وهذا مايحدث في مهرجانات الغناء الصاخبة والمثيرة، ولقد تخصصت بعض الغانيات بالاثارة تحت غطاء الفن وهو تمويه مخاتل وخادع لا يمتلك من الحقيقة التي تظل ماثلة بالمسؤولية مع الانسان في مراحل الخلق والتكوين التي سميت وحددت عناوينها في كتاب لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ذلك هو كتاب السماء ” القران الكريم ” الذي قال عنه تعالى ” ان هذا القران يدعو للتي هي أقوم”، وقال تعالى: “وبالحق انزلناه وبالحق نزل”.
3- ملء الفراغ: وهو مدعى ينطوي على مزيد من سرقة اغلى واثمن رأسمال في حياة الناس ذلك هو ” الزمن ” وان شئت سمه ” الوقت ” وهو الاطار الذي يحتضن فعاليات الإنسان وأعماله، فيكون شاهدا عليها بلغة الكون التي سخرتها السماء في التعبير عن كل شؤون وشجون الخلق: حجرا قال تعالى: “ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء وان منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون ” سورة البقرة – 74- فاذن للحجر ثلاث خصائص هي:-
1- يتفجر منه الانهار “الينابيع”
2- يخرج منه الماء “العيون”
3- يهبط من خشية الله. اي اعطاه صفة الوعي والإحساس على مستوى الذرة ومكوناتها، والخلية وأجزائها، وهو مفهوم عبادي مشترك بين جميع الكائنات الذي عبرت عنه ست سور في القران الكريم تسمى “بالمسبحات ” قال تعالى: ” يسبح لله ما في السماوات وما في الارض” والتسبيح هنا على مستوى الخلية وهي حقيقة يشترك بها الجميع من البشر، المسلم وغير المسلم، ومن المسلمين: المصلي وغير المصلي، والمؤمن والكافر، كلهم خلاياهم تسبح لله.
وللتأكيد على هذا المعنى قال تعالى: “لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله” وقال تعالى: “وقيل يا ارض ابلعي ماءك وبأسماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين”– سورة هود – 44.
ومثلما رأينا كيف يكون مشهد الحجر وهو مادي في حركة وفعالية الكون ولغته، كذلك سنرى “الحيوان” المكون الآخر لمشهد الخلائق، والذي استعمل القران فيه أصنافا من الحيوانات لإسباغ المداليل الحيوية في المشاركة، حتى سمى بعض السور القرآنية باسماء بعض الحيوانات: مثل “البقرة، الأنعام، النحل، النمل، العنكبوت، العاديات وهي الخيل، الفيل” وذكر الغراب والهدهد، والحوت، والجمل . والجراد، والقمل، والضفادع.
كما ذكر النبات كمشارك في المشهد الكوني بفعالية حيوية، فسمى سورة باسم ” التين ” وهو من الفاكهة، وشجرتها من الاشجار التي ذكرت في القران الكريم قال تعالى: ” والنجم والشجر يسجدان ” – سورة الرحمن – 6- وذكر في القران: الزيتون، والنخل، والعنب، والرمان، قال تعالى: “وهو الذي انزل من السماء ماء فاخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا الى ثمره اذا اثمر وينعه ان في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون – سورة الانعام – 99- كما ذكر الله في القران: البقول، والقثاء وهو الخيار، والثوم، والبصل، والعدس،قال تعالى:” واذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال اتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فان لكم ما سالتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباء وبغضب من الله ذلك بانهم كانوا يكفرون بايات الله ويقتلون النبيين بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ” – سورة البقرة – 61.
ومع هذه المشاهد لمكونات الخلق، كان الزمن وعاء لتسجيل الحدث،قال تعالى:” ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم”.
وشهر رمضان من تلك الشهور التي ذكرت في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والارض، وهذا تذكير على اهمية الزمن “الوقت” الذي لم يعد له حساب في حياة اغلب الناس لاسيما في العراق نتيجة المنخفض الثقافي، وهذا من عوامل واسباب تاخرنا، والمسلسلات التي تكتب في رمضان او بالاحرى التي تستغل هذه المناسبة التي لازالت تشكل جزءا من عقيدة الانسان المسلم، ولكن هذه العقيدة اصبحت عند البعض تراثا تاريخيا لا يحرك عنده الرغبة في مراجعة مواقفه ومفاهيمه عن الكون والحياة والعلاقات، والاستثناء موجود ولكنه قليل تغلب عليه الكثرة المخدرة بفعل ماتراكم عليها من هموم ومشاغل، لعل منها ما تميعه هذه المسلسلات بحشد من الصور والمواقف التي لاتؤخذ فيها نواميس العقيدة، ومناقب الاخلاق، بل تظل تظارد الشباب بالتدليك العاطفي لموقف عاطفي مصطنع، ولنظرة تستفز الغرائز بتحفيز هرمونات ذكورية، وهرمونات انثوية باستحضار السجية الحيوانية بعيدا عن خفارة العقل ومدركاته المنظمة لمثل هذه التقنية الفسلجية لتنتقل بها من طور السفاد الحيواني الى طور المودة الانسانية وامتدادها في حنايا النفس وفضاء الروح التي تنبض وتخفق حبا لخالقها الذي اذا انعقد بتلك المواصفات لم يعد ينافسها حب اخر قال تعالى:”وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الابواب وقالت هيت لك، قال معاذ الله انه ربي احسن مثواي انه لا يفلح الظالمون”، يوسف – 23- ولقد أحسن وأجاد مسلسل “يوزر سيف” الذي قدم حياة النبي يوسف “ع” تقديما يحترم سياقات العقل والروح، ولا يعتبر الزلة او الخطأ في شوط من حياة الشباب والفتيات نهاية المطاف وانما هناك إمكانية لاستحضار الوعي والتوبة، حيث تكون مسيرة التكامل متوحدة على معرفة “الله” و “اليوم الآخر” و الموت والحياة ” و “الحساب” و “الجزاء”.
بينما نرى ان مجرد الخطأ في مقطع من الحياة في مجتمعنا يؤدي الى السقوط والحرمان والعزلة الابدية والعار الذي لاتمحوه التوبة والندامة واعادة الحساب، وتلك جناية وذلك ارهاب يمارسه المجتمع من حيث يدري او لايدري.
والمسلسلات التي تنتج في رمضان وتتخذ من اسمه عنوانا ومن مناسبته ميدانا للتسلل الى البيوت ومن ثم الى افتراش وقت الناس، وهو من اثمن الاوقات، قال تعالى: اياما معدودات فمن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر ..” سورة البقرة – 144- وقال تعالى:” وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام الى الليل …” – سورة البقرة – 147- وقال تعالى:” قم الليل الا قليلا ” –سورة المزمل -2- نصفه او انقص منه قليلا * او زد عليه ورتل القران ترتيلا * انا سنلقي عليك قولا ثقيلا * ان ناشئة الليل هي اشد وطئا واقوم قيلا * ان لك في النهار سبحا طويلا * -7-
فنحن في شهر رمضان امام مشروع إيماني ومحطة روحية حافلة بموائد المعرفة، نحن مع نبي مرسل هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهذا يعني اننا سنكون على موعد مع اكتمال الدروس والتمارين الجسدية والروحية والعقلية قال تعالى: ” اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ” وعن الرسول قال تعالى: ” وما أرسلناك الا رحمة للعالمين ” وعن الرسول والقران قال تعالى: ” يا ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وانزلنا اليكم نورا مبينا – النساء -174- وعن القران قال تعالى: ” نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القران وان كنت من قبله لمن الغافلين ” – سورة يوسف -3-
ففي رمضان يجتمع مايلي:-
1- الزمن قال تعالى:” شهر رمضان الذي انزل فيه القران ..
وقال تعالى:” يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج” – البقرة – 189- وقال تعالى:” ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها اربعة حرم “، وقال تعالى:” ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون”.
2- القران: قال تعالى:” وانزلنا اليكم نورا مبينا …وقال تعالى:” ولقد انزلنا اليك ايات بينات وما يكفر بها الا الفاسقون – البقرة – 99- وقال تعالى:” ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين ” – البقرة – 2- وقال تعالى: ” افلا يتدبرون القران ام على قلوب اقفالها ” – محمد – 24- وقال تعالى:” تنزيل الكتاب لاريب فيه من رب العالمين ” – السجدة – 2-
3- الرسول: قال تعالى: “يا ايها الناس قد جاءكم برهان من ربكم”، وقال تعالى:” كما ارسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم اياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون” – البقرة – 151- وقال تعالى:” والذين امنوا وعملوا الصالحات وامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم واصلح بالهم – محمد – 2- وقال تعالى:” قل اوحي الي انه استمع نفر من الجن فقالوا انا سمعنا قرانا عجبا” – الجن – 1- وقال تعالى:” يا ايها الذين امنوا لاترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط اعمالكم وانتم لاتشعرون ” الحجرات – 2- وقال تعالى:” انا فتحنا لك فتحا مبينا ” – الفتح – 1- وقال تعالى:” ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرا عظيما ” الفتح – 10- وقال تعالى:” قل يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا الذي له ملك السماوات والارض لا اله الا هو يحي ويميت فامنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ” – الاعراف – 158- وقال تعالى:” ان الذي فرض عليك القران لرادك الى معاد قل ربي اعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين” – القصص – 85-
فنحن امام زمن هو صناعة ربانية، وسمي لنا من ذلك الزمن ” شهر ” هو رمضان، وحددت لنا عبادة في هذا الشهر هي ” الصيام ” قال تعالى:” فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر …” البقرة – 185- وامام كتاب منزل في هذا الشهر هو ” القران الكريم ” شهر رمضان الذي انزل فيه القران ” ومع نبي رسول هو خاتم الانبياء والمرسلين الذي ارسل رحمة للناس الذي قال “ص”:- ايها الناس: بعثت للاسود والابيض والاصفر، واعطيت الشفاعة، ونصرت بالرعب، وجعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا ” وقال “ص”: “أحسنكم أحسنكم لعياله، وأنا أحسنكم لعيالي”. وكان “ص” يقول:-
1- لافقر اشد من الجهل، ولا مال اعود من العقل – تحف العقول – ص13- لابن شعبة الحراني
2- احب العمل الى الله ثلاث خصال: من اتى الله بما افترض عليه فهو من اعبد الله، ومن ورع عن محارم الله، فهو من اورع الناس، ومن قنع بما رزقه الله فهو من اغنى الناس.
3- وقال “ص”: العقل هو عقال من الجهل ومن العقل تشعب مايلي:-
ا- الحلم .
ب- الرشد .
ت- العفاف .
ث- الصيانة
ج- الحياء
ح- الرزانة
خ- المداومة على الخير .
د- كراهية الشر .
ذ- طاعة الناصح .
فهذه العشرة اصناف هي عماد المعرفة وعلم السلوك والاخلاق، والدراما الرمضانية الجادة يجب ان تنطلق من هذه الابعاد ومن تلك المحطات، حتى تسهم في بناء ثقافة متحضرة تجعل من الانسانية تعتمد المسلسلات التي لاتظل حصرا على هوليود وحكرا عليها والتي اصبحت تتحكم باجازة الافلام، والمسلسلات، وما حدث من منع لفيلم ” السيد المسيح ” واخيرا تم منع الفليم الضخم عن النبي سليمان، والذي قال عنه الناقدون والمتابعون انه فيلم هوليودي بامتياز. ولكن المشرفين على هوليود منعوا فيلم ” النبي سليمان ” لا لشيئ الا لانه يختلف عن السياقات التي تعتمدها الهيئات اليهودية في التوراة، بينما فيلم سليمان يعتمد على النص القراني، قال تعالى:” واتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من احد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما مايفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من احد الا باذن الله ويتعلمون مايضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الاخرة من خلاق ولبئس ماشروا به انفسهم ولو كانوا يعلمون ” – البقرة – 103- وقال تعالى:” ولقد اتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد للله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين ” – النمل – 15- وقال تعالى: ” وورث سليمان داود وقال يا ايها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شيئ ان هذا لهو الفضل المبين ” – النمل – 16- وقال تعالى:” وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يوزعون ” – النمل – 17- وقال تعالى:” قيل لها ادخلي الصرح فلماراته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال انه صرح ممرد من قوارير قالت ربي اني ظلمت نفسي واسلمت مع سليمان للله رب العالمين ” – النمل – 44.