بقلم / أبو تراب كرار العاملي
يُطِلُّ علينا شهر شعبان المبارك، فإضافةً الى بركته كشهرمهم ومُحَفِّزٍ عُروجِيّ الى الله تعالى، وكشهر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومحطة تحضيرية ومناسبةتمهيدية قبل الدخول لشهر رمضان المبارك، تتبارك أيامهالأولى بمحطات وَلائية ثلاثية الأبعاد تُضفي بظلالهاالإشعاعية لِتُنير دروب السالكين، وقوافل العابرين الىالساحة القدسية، فثالث أيامه ولادة سيد الشهداء إمامناالحسين (عليه السلام)، صاحب الفضل – بعد فضل ربالعالمين – على بقاء الدين ووصول بركاته إلينا على مرِّالعصور وتوالي الأزمنة.
وفي رابع أيامه، تَشُعُّ ذكرى ولادةقمر بني هاشم أبي الفضل العباس (عليه السلام)، رائدُالوفاء والشجاعة والنخوة – بشقيها الوَلائي والأخَوي – الذيشكَّل لأجيال العالم مدرسةً فاخرةً ينهلُ من معارفها الخالدةكلُّ حُرٍّ وشريف. أما يومه الخامس، فيروي ولادة إمامناعلي ابن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، والذي أثرىالساحة الدعائية والميدان العبادي بكوكبةٍ من المناجياتوالأدعية التي تشكل سلاحنا الإرتقائي الى الله (عز وجل)،مع كل ما عاناه وعايشه من مأساة كربلاء المفجعة، وماتكبَّده بعد واقعة عاشوراء الأليمة. فبعد كل هذه المصائبالمتوالية من مشاهدات القتل والذبح والسبي والظلم والقهر،وما شئتَ فَعَبِّر، وإذ بهذا الإمام العظيم يُنتج لنا هذاالديوان الرائع والرأسمال الكَنْزَوِيّ من صحيفة سجاديةورسالة حقوق وغيرهما من الأدعية والمناجيات التي لا مفرَّ – لأي عابرٍ على طريق السير والسلوك الى الله تعالى – منالمرور عليها، بل والذَّوَبان في مضامينها والغوص فيمعانيها والتدبر في إشعاعاتها للوصول الى مراتب العارفينومَصافِّ الربّانِيِّين الذين تعلقت أرواحهم بعز القدسيةالإلهية.
وفي سياق شَدِّ الهمم ورفع المعنويات المسلكية والتباركبهذه المناسبات النورانية وتهيئة النفوس قبل الوصول الىشهر الضيافة الإلهية (وإن كان على المؤمن أن يعتبر نفسهدائماً – وفي كل لحظة – في ضيافة الله تعالى)، لا بأسبالتأمل بمقطعٍ شديد الروعة، ذي المعاني الراقية، بل قمةالرقي والأناقة الأخلاقية، والمقطع هو من دعاء مكارمالأخلاق للإمام علي ابن الحسين زين العابدين (عليهالسلام):
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَسَدِّدنِي لأن أعَـارِضَ مَن غَشَّنِي بِالنُّصـحِ، وَأَجـزِيَ مَن هَجَرَنِي بِالبِرِّ وَأُثِيبَ مَنحَرَمَنِي بِالبَذلِ وَأُكَافِيَ مَن قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ وأُخَـالِفَ مَنِاغتَابَنِي إلَى حُسنِ الذِّكرِ، وَأَن أَشكرَ الحَسَنَةَ وَاُغضِيَ عَنِالسَّيِّئَـةِ.»
كم هي جميلة هذه المضامين ودقيقة – أشد الدقة – فيتصويباتها وتوجيهاتها، وشامخة في علياء التقرب الإلهيوتهذيب النفوس من كل شوائب الحقد وأدران الضغينةووساوس الشيطان ومكائده وخدعه. فقيامنا بنصح الآخرينكردٍ لجميل، والبِرّ الى مَنْ أحسن إلينا، والبَذْل على مَنْ أنفقعلينا، وَصِلَة مَنْ وصلنا، والذِّكر الحسن الى مَنْ قدَّم لنامعروفاً، كلها تشكل سلوكاً حسناً ومطلوباً ومُرَحَّباً به أشدالترحيب، إلاّ أنها لا تُشَكِّل تألقاً وتميزاً، بل إننا نستطيعاعتبارها من بديهيات التوجه الفطري البشري، وأي إنسانعاقل – مهما كان توجهه الديني – عليه القيام بها كدافعفطري أخلاقي، ورد فعل طبيعي وتلقائي على إحسانٍ وُجِّهَإليه.
بَيْدَ أنَّ إمامنا (سلام الله عليه) يُرَقّي المطالب ويرفعالمستوى السلوكي، ويُقَدِّم لنا ذخيرةً أخروية لا تخلو منحصادٍ دنيوي، والعامل المشترك العام فيما طرحه الإمام هومقابلة الإساءة بالإحسان، وهذا النوع من الفخر التعامليليس من الهَيِّن الوصول إليه، فهي ميزات يختص بهاالإنسان المؤمن المَسْلَكِيّ، الذي شقَّ طريقه باتجاه ربِّه،وأعلن حرباً شعواء على نفسه الأمارة. فهنا تكمن البطولةوتظهر الشجاعة المُعامَلَتِيَّة، بأن تخالف تيارَك النفسي،وتقمع توجهاته الدنيوية واتباعه مبدأ «كما تُعامَل عامِل»،هذا المبدأ الدنيوي المرفوض والمنبوذ في قاموس المؤمن. فالعبد المؤمن والموالي المتقي، عليه أن يتميَّز في سلوكهويتألق في عروجه، ويخالف هذا الهوى الإبليسي لِتَبرُزَشجاعته ويفوح عنفوانه ويُقَدِّم نماذج خلاّبة في حسنالسلوك ويُعطي دروساً نادرة التدريس. فيقوم بتقديمالإحسان الى مَنْ أساءَ إليه لِيُثبِتَ أنه ذو قلبٍ نوّار بمصباحالبصيرة الإلهية، وأنه عبدٌ لله تعالى متميزٌ في عبوديته،ومتألقٌ في وَلائه للنبي المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الأطهار (عليهم السلام)، وأنه – فعلاً – إنسانٌ إلهيٌّ،يعامل عبادَ الله كما يعاملهم الله نفسُه، فنحن مع ما نرتكبمن معاصي وما نقع به من زلاتٍ، نجد أن الله تعالى لايقطع إحسانه عنا، ولا يحرمنا من خيراته ولا يسلبنا بركاتعطاءاته.
فَلْنُهَيِّئ أنفسنا أيها العزيز، وَلْنَتَحَيَّن الفرص ونغتنمها، ونُحَوِّل مواضع إساءة الآخرين لنا الى جوائز أخروية ومقامات سامية ومراتب عَليائية بجوار مليك مقتدر وغفور رحيم، من خلال رَدِّ الإساءات (بمختلف أشكالها) بإحسانات (بشتى أنواعها)، ولِكي نُكتَب في ديوان الشجعان ونُدرَج على لائحة المتألقين ونُحتسَب في زمرة المتميِّزين، ونُسَجَّل في دوّامة المتفوقين في التقرب الى الله تعالى، والإقتداء بالعترة الطاهرة (عليهم السلام).
وَلْنرتقي بهذه القلوب الى مستوى قابلية استقبال الفيضالإلهي واستشراف الهبات الربانية، ونحن على مشارفالمأدبة الرحمانية السنوية، وَلْنَجْهَد لنكون موالين عملياًللعترة الطاهرة (عليهم السلام)، مُلتزمين بتوصياتهمالأخلاقية وإرشاداتهم المسلكية، والتي تُشَكِّل زادَنا لسفرٍطويل ينتظرنا ومَمَرٍّ مَديد يستقبلنا. ولضمان النجاة والعبورالسليم والهبوط الآمن، علينا باتخاذ سفينة الحسين (عليهالسلام) مَركباً، ووَلاء العباس (عليه السلام) قدوةً، وومضاتالسجاد (عليه السلام) مسلكاً. وَلْنحاول أن نكون علىلائحة ذوي الأفئدة البيضاء والقلوب السليمة، لِنلقى اللهَ فيشهره بقلبٍ سليم، كمقدمة لِلِّقاء الأكبر واليوم الموعود، يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم.
«ﻗﻞ اﻋﻤﻠﻮا ﻓﺴﻴــــﺮا اﻟﻠﻪُ ﻋَـــﻤﻠَﻜُــﻢ ورﺳﻮﻟُﻪُ واﻟﻤﺆﻣﻨﻮن».