السنة: 2012

  • نحن بالفرن الذري

    لا نيران عظيمة كالتي تستعر في العراق, وكانت أول فرن ذري بحجم بلد..  تلقمه اخطر أنواع وصنوف الطاقة التدميرية , منها الكراهية ..فأيقن العراقي انه لا يفوق أسلحة الدمار الشامل فتكا كالكراهية… وبصيغتها الحرة الطليقة والعاملة تحت العنوان المقدس …هذا فضلا عن تحول البلد ليس فقط مكبا لنفايات العالم من البضائع والسلع, بل ولكل قتلته ولصوصه وشاذيه..  مع الأهم …نفايات وأمراض وأحقاد التاريخ ..فالدين ذاته صار مكبا لمختلف النصوص والإحكام والاجتهادات الباطلة ,ووجدت التزويرات والافتراءات القديمة فرصتها وانبعثت في تربة الحقد والطمع والكراهية ..وهناك من ارتد قرونا ويعيش وقته في ممارسة كراهيته المبشرة بالجنة …

    من دلائل هذا الموقد الذري إن أبطاله لا يشعرون بحرائقه ..وبعواقبه …فقط يعيشون نزواتهم وغرائزهم وينغمرون فيها ..ولا يتوقفون عند حقيقة تصدر العراق دول التزوير والفساد ..ولا يعبأون بملايين الأيتام والأرامل والفقراء ,ولا العجز عن إعادة التيار الكهربائي ,وان صرف عليه ما يكفي لإنارة ربع العالم , وبات التفجير والقتل حدثا يوميا مألوفا.

    في هذا الموقد الذري برهن العراقي عن نوع معدنه.. فتميز النفيس والثمين والأصيل عن الرديء والرخيص والتافه… وتعرفنا على من كانوا أقوى من الموج ومن السنة النيران بين الساسة والمثقفين والناس البسطاء ,وبين رجال الدين ولم تخدعهم الأسماء والاضوية والتصريحات.. وكما انبثق من الطبيب الكائن الجشع,  تجلى من طبيب آخر الكائن الزاهد ,السعيد بالعطاء والتضحية ..وكذا هذا الغول الذي ربما فاجأ حتى صاحبه واعترف لنفسه انه اضعف من ان يقاوم إغراءات المال والسلطة ..وان لا تعود العشائرية فقط في عصر الإنسان الأرضي بل وسيادة قرارات الأوباش والحثالة وعناصر الشر وتجعل  من نزواتها قانونا وتقاضي الأشراف…نقول رغم كل هذا..رغم ان ما يجري كفيل بإبادة اكبر الشعوب والمجتمعات ..إبادتها على نحو بشع وعفن إلا أن العراقيين ما زالوا يعيشون ويتفاءلون ويلمحون تباشير واضوية من جهة المستقبل …وان الكراهية طاقة أيضا ,وان كانت شريرة ,وللطاقة حدود ..ولا بد ان تنفذ وتنتهي …إنما على مراكز البحث وعلماء النفس والاجتماع والإنسان ان يغتنموا الفرصة في العراق ويعاينوا على الواقع بالذي يحل بالإنسان ,وبالألفية الثالثة, عندما يعود منطق العشيرة للسيادة  ,ويتعداه الى قطاع الطرق ..وعندما يتبوأ مزورو الوثائق الدراسية الوظائف والمناصب..وعندما تتبخر المليارات من الدولارات علنا..فهي تجربة لا تتكرر وقد توصل مراكز البحث إلى حقائق وأبعاد للإنسان غير معروفة ..ويقدم العراق بوصفه مهد الحضارة, ومن الدول الثرية درسا للبشرية على مفعول الكراهية على حياة ومصير الإنسان.

  • أطلبوا العلم ولو كان في الطين

    مدارس غارقة في الطين, ومدارس يطوقها الطين, ومدارس مطينة بستين طينة, ومدارس جدرانها من طين, وسقوفها من طين, والتعليم فيها بالرطين والترطين. 

     أنا شخصيا من الذين تعلموا ألف باء القراءة والكتابة في ستينيات القرن الماضي في مدرسة كانت إدارتها مبنية بالطين (مدرسة الخورنق الابتدائية), وصفوفها مبنية بالقصب والبردي, على شكل (صرائف), ومفردها صريفة: وتعني بيت القصب باللغة السومرية, التي تركت رواسبها في لهجتنا الجنوبية منذ اليوم الذي تعلم فيه جلجامس مبادئ الكتابة المسمارية على ألواح الطين وحتى اليوم الذي غرقنا فيه بالطين والأوحال.  

     ربما انحسرت ظاهرة مدارس الطين قليلا من أريافنا في الوقت الراهن, لكن مقاعدها وقاعاتها وممراتها وساحاتها والطرق المؤدية إليها ظلت تعاني من تراكمات كولسترول الأطيان, ولم تتخلص من ارتباطاتها الوثيقة بتراثنا الطيني, حتى ظن التلاميذ الصغار إن الطين هو الصفة المتأصلة في كروموسومات التعليم الابتدائي والثانوي في المناطق الريفية النائية, باستثناء بعض القرى التي شملتها الرعاية (الثورية) المشبعة بروح التحيز القبلي, فظهرت فيها مدارس تضاهي مدارس (ويلز) من حيث التصميم الهندسي المتكامل, ومن حيث الملاعب والمختبرات التخصصية, حيث تجد مختبر للفيزياء, وآخر للكيمياء, ومختبر للأحياء, والحاسبات, وقاعات مغلقة لكرة الطائرة وكرة السلة, بأرضيات مكسوة بالتارتان. 

    من المؤسف له ان الحشرات والديدان والزواحف والقوارض الريفية ظلت عندنا على طبيعتها المتخلفة, ولم يتحسن سلوكها في الألفية الثالثة, فاتخذت من مدارسنا الطينية ملاذا استراتيجيا لها, فتكاثرت وتناسلت وترعرعت في أركان مدارسنا وزواياها وثقوبها, ولن تنفع معها أقوى المبيدات.  

    لم نكن فيما مضى نحس بتطفلها على محرمات مدرستنا, فهي في نظرنا تعيش في بيئتها الطبيعية التي ننتمي نحن إليها, بل كنا بشقاوتنا نلهو معها في فترات الاستراحة, فنطارد (أبو بريص) ونحاصره في شقوق الجدران الطينية, ثم نأتي بكميات من الطين من أقرب بركة من برك المدرسة لنسد عليه الثغور, ونفرض عليه السبات القسري. 

    أحيانا تمزح معنا البراغيث السود, فتتسلل تحت جواربنا القطنية, وتسرق منا متعة دروس النشيد, وأحيانا نتنافس مع الأرانب البرية في سباق الضاحية, فنطاردها عبر بساتين النخيل والحناء, وأحيانا تسرح قطعان الأغنام والأبقار وتمرح في ساحة مدرستنا في ظاهرة لم تحدث حتى في شبه القارة الهندية.  

    لم يكن معلم الأحياء بحاجة إلى الكثير من الجهد والعناء حتى يوضح لنا دورة حياة الكائنات البرمائية, فالضفادع متواجدة دائما معنا في مستنقع المدرسة, أما حيوان (الهيدرا) فكان منتشرا في السواقي الضحلة القريبة من سياج المدرسة, وهو من الحيوانات البدائية (الجوفمعوية), كنا نوخز لوامسه الشعرية البيضاء بأقلام الرصاص فتنكمش وتتكور في قعر الساقية. 

     كانت مدارسنا من طين ولم تكن آذاننا من عجين, أما اليوم فقد صارت الفضائيات العربية والأجنبية هي النوافذ التي يطل منها التلاميذ على العالم الخارجي, فينظرون إلى المدارس التركية الحديثة والأمريكية المتطورة والخليجية بجنائنها الجميلة وألعابها المسلية, فيقارنون أوضاعهم البائسة مع مدارس العالم, فتنفطر قلوبهم الصغيرة من القهر, فيحسون بالدونية لافتقارهم إلى ابسط المستلزمات, التي ينبغي توفرها في مدارسهم السومرية الطينية. 

    http://www.youtube.com/watch?v=MjbOG7b5fig

    جربنا الدوام المدرسي الثنائي, ثم جربنا الثلاثي, حتى جاء اليوم الذي سمعنا فيه بالدوام الرباعي, أربع مدارس في بناية متهالكة واحدة, فاكتظت قاعات الدروس بالطلاب, وكادت تنفجر بأعدادهم المتزايدة. 

    يفترشون الأرض كما الهنود الحمر, ويبتهلون إلى الله لإنزال الأمطار على مدرستهم حتى تمتلئ مستنقعاتها بالمياه وتغرق في المحيط الطيني مثلما غرقت التيتانيك في المحيط الأطلسي, فيحصلون على عطلة مجانية طارئة تضاف إلى جدولهم المثقل بالعطل الرسمية والدينية والكيفية والمزاجية، والله يستر من الجايات.

  • تصحيح المسار هو الحل .. من صراع عربي- إسرائيلي… إلى صراع عربي-عربي والذبح على الطريقة الوهابية

    ليس هناك من يملك القدرة الموضوعية على نفي وجود خلافات فقهية بين مذاهب الإسلام ونحله وللإمام القرطبي رحمه الله عبارة سجلها في تفسيره ” الجامع لأحكام القرآن ” تقول : “وما زال الصحابة يختلفون في احكام الحوادث، وهم في ذلك متآلفون” فأصحاب النبي لم يكونوا وجها واحدا، فهناك من يأخذ بالنص واخر يميل الى  الرأي، لكن الجميع كانوا منصهرين في بوتقة واحدة، ونتساءل ولكن هل هناك خلاف يخشى منه ضرر ما على الامة…؟

    علماء الاسلام بكل مذاهبه، يقولون بصوت واحد.. نعم هناك خلاف يخشى منه وقد اعد المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بحثا حول فقه الاختلاف موضحا انه نوعان:

    الأول: اختلاف في المذاهب الفقهية وهذا لا مشكلة فيه أو حوله 

    الثاني: اختلاف في المذاهب الاعتقادية وهذا هو الذي يخشى منه لأنه يتناول أصل العقيدة المتصل بالتوحيد والنبوة والبعث والعدل المعاد وفروعه وهي: الصلاة، الصوم، الزكاة الخمس، الحج، الجهاد، الامر بالمعروف، النهي عن المنكر، الموالاة للنبي واله، والبراءة من اعداء النبي وآله.

    ويقول ابن ابي العز الحنفي في العقيدة الطحاوية ان رسول الله صلى الله عليه واله قال لما سأله جبريل عن الإسلام “الاسلام، ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج بيت الله الحرام ان استطعت إليه سبيلا،قال : صدقت ثم قال : فاخبرني عن الايمان ؟ قال : ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر، وتؤمن بالقضاء شره وخيره، قال صدقت قال فأخبرني عن الاحسان ؟ قال ان تعبد الله كأنك تراه فان تكن تراه فانه يراك قال: فاخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل”.. رواه مسلم.

    واتفق علماء المسلمين في مشارق الارض ومغاربها ان اعظم الامور التي يجب تجنبها والحذر منها، بسبب ما فيها من خروج عن جوهر الاسلام، هو : الشرك بالله سبحانه وتعالى ويروي مسلم: ان الرسول صلى الله عليه وعلى اله وسلم قال يامعاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟، قال معاذ : الله ورسوله  أعلم. قال رسول الله ، حق الله على العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله.. ان لا يعذب من لا يشرك به شيئا” رواه البخاري ومسلم .

    هنا لابد من وقفه.. فنحن نريد ان ندير الخلاف فيما يعيد الامة الى حالة السواء متنبهين إلى ان هناك سيناريو معدا لتفكيك العالم الإسلامي بسكاكين ومدي وخناجر وسموم من داخل المسلمين وباسم الاسلام بإثارة السنة على الشيعة وباثارة الشيعة على السنة والامازيغ في المغرب العربي… والتلاعب بورقة الأقباط واثارة الفتن العنصرية والطائفية في اليمن وسوريا وليبيا وفي مصر أيضا.

    اذن، ان قضايا الامة ومقدساتها، مهددة الآن بالتدمير الشامل نتيجة ضياع او فقدان او طمس فقه التسامح وتجاوز الخلافات البسيطة وتسييس الاجتهادات والتركيز على العنف الديني والدنيوي.

    لقد بنى دعاة الطائفية ومر وجودها دعوتهم على افتراض إمكانية استخدام هذه الاختلافات البسيطة وغير المخلة بجوهر الإيمان بالاسلام وبأصوله وفروعه الاساسية والناجمة عن اجتهادات أباحها الإسلام لإحداث الفرقة تمهيدا لاشعال الفتنة الطائفية وحاولوا ممارسة شتى الأدوار وتقمصوا صفات وكينونات لم يخولهم بها احد، بل الله لم يعطها لأحد من خلقه عندما خاطب رسوله وخاتم انبيائه ” وما انت عليهم بوكيل”.

    ولم يكن في اي وقت من الاوقات من غير الواضح الاهداف الكامنة خلف تلك المساعي المحفوفة بالاختراقات الحادة التي حصلت في دول عديدة في المنطقة، انطلقت في الواقع من اشتداد ازمة التعايش المذهبي او الاثني او القومي او الديني في المنطقة، حيث تمثلت تلك الخروقات بوصول حكومات لا تملك التواصل الصحيح بالشارع، وهي جزء من إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة وفق الرؤية الأميركية والإسرائيلية لتكشف بذلك عمق العلاقة القائمة بينها وبين اميركا واسرائيل وان ما كانت تزعمه من عداء وكراهية لإسرائيل واميركا، كان مجر غطاء أزيح عندما اقتضت الظروف الظهور إلى العلن كما هي ودون رتوش.

    وبالطبع لم يكن من المتوقع ان يترتب على وجود حكومات او حركات كهذه غير المزيد من ألازمات والمزيد من الجروح وغير المزيد من المساعي لكسب ود وتعاطف وتأييد جانب معين من المجتمع ليكون عمقا ستراتيجيا يمكن استخدامه للوقوف بوجه القوى والكيانات والطوائف الاخرى التي تناضل وتكافح وتجاهد من اجل لقمة العيش مع الكرامة والحرية دون ان يكون هذا اللجوء ناجما عن إيمان حقيقي بهذه الطائفة او تلك، فصدام حسين الذي قال انهم جاءوا الى السلطة بمنعطف “اميريكي” يتوافق ويتطابق مع ما قاله علي صالح السعدي امين سر القيادة القطرية لحزب البعث عشية انقلاب 8 شباط 1963: “لقد جئنا بقطار أميركي” وينطبق ذلك تماما على ما حصل في سوريا وفي اليمن وليبيا وغيرها وعلى ما حصل قبل ذلك بكثير في السعودية وفي الكويت وجميع إمارات الخليج العربي وعلى ما يحصل الآن في الربيع العربي وما سيحصل غدا أيضاً.

    لا اقول ذلك جزافا او افتراضا، بل هي الحقيقة التي ليس في وسع اي احد انكارها او تجاهلها هذه الحقيقة هي التي كانت ولا تزال تقف خلف الطائفية بكل طروحاتها وشعاراتها وحيثياتها واستعاراتها ولذلك فقد تنبه الكثير  من المخلصين لدينهم ولأوطانهم فتنادوا باتجاه الدعوة الى تحكيم العقل ورفض منطق الفرقة والحاجة الى فقه وفكر يدفع باتجاه مقاومة الافكار المفرقة والمكفرة بعيدا عن التعصب الاعمى الذي يضرب في قلب الامة بلا هوادة ويهدد وجودها ذاته وليس مقدساتها وحسب.

    الواقع الذي لا يمكن إنكاره يؤكد ان الامة العربية والإسلامية يواجهان هجمة أميركية إسرائيلية غربية شرسة بوسائل غير تقليدية وأخرى تقليدية تعتمد على اختراق العرب والمسلمين من خلال حركات تطرف في كل المذاهب الإسلامية بلا استثناء فكلما توجد الوهابية توجد حركات أخرى لا تقل خطورة في مذاهب أخرى تحاول ان تكون الجدار الذي يرجع صدى الوهابيين وغيرهم.. ولعل الهجوم على “الصحابة” وخصوصا الخلفاء الراشدين والتعرض للسيدة عائشة بلسان ظاهره “شيعي” هو احد ابرز معالم هذا الجدار السيئ.

     ان التعددية سنة من سنن الله في كونه، والتسامح سمة العلماء الكبار،، فمثلا عندما طلب من الامام مالك ان يضع للناس كتابا سهلا يتجنب فيه المشددات والتعقيدات، وضع كتابه “الموطأ” والذي نال إعجاب العلماء في عصره، ولكن عندما اراد المنصور ان يفرض العمل بهذا الكتاب في جميع الامصار، رفض مالك، رعاية لأحوال المخالفين له في الاجتهاد وفي الرأي.

    وهذا الرسول العظيم محمد صلى الله عليه واله وسلم يبيح الرؤية المتعددة والفهم المتنوع فسمح بان يكون هناك تاويل وعمل بالنص في الحديث المشهور الذي أخرجه “البخاري” في صحيحه الخاص بصلاة العصر في بني قريظة فهناك من الصحابة من اخذ بنص الحديث ولم يصل العصر الا في بني قريظة برغم مرور وقتها بينما فهم البعض الآخر ان المقصود هو الإسراع، ولهذا صلوا العصر قبل أن يصلوا بني قريظة وعندما اختلف الفريقان وذهبوا للرسول اقر تصرف كليهما فهو بهذا سمح بأكثر من رأي وفهم وللإمام النووي في شرحه القيم لصحيح مسلم يقول: 

    ” اجتمعت كلمة اهل العلم ان المختلف فيه لا إنكار فيه”.

    هكذا هي الامة الاسلامية… لا احد في وسعه… ان ينكر حقيقة ان تنوع الاراء وتعدد اطياف البنية الفقهية هي سمة الامة الاسلامية يوم كانت لها شوكة ولنتأمل ما قاله الدكتور محمد عمارة في كتابه “الطريق الى اليقظة الاسلامية ” : ” يوم كانت للامة الاسلامية مكانة يعتد بها كان السني يجادل ويناقش “ويناضل” الشيعي، وكان ” الشيعي”  يناضل يناقش ويحاور ويجادل “السني” ولا يمنعها ذلك من ان يشتركا في محل تجاري واحد.. او يأكلا من صحن واحد فما صنعته الامة الاسلامية في قرون عديدة.. يطيح به نفر يعمل لحساب أجندات صهيونية وأميركية وغربية، نفر ضال باطل منافق مجند في خدمة اعداء العراق “ينبح ” عبر عشرات “الفضائيات” المأجورة من اجل دق الاسافين بين اخوة الدين خدمة للمشروع الصهيوني الاميركي في تحطيم الاسلام كهدف اساسي ورئيسي من اهداف الحرب على الاسلام وفي هذا الصدد نشير الى ما ذكره جورج بوش الابن بعد احداث 11 ايلول ” سبتمبر ” المصنعة اميريكيا بأيدي من يدعون الاسلام كذبا حول الحرب الصليبية وتوالي الاساءات المعتمدة للاسلام وللرسول العظيم محمد ” ص”. 

    تنقل المؤلفات المحايدة والتحقيقات الصحفية والتقارير الاعلامية امورا واوضاعا لا يمكن ان تدخل العقل وتصدق يجري العمل فيها الان في المنطقة الشرقية من السعودية الاحساء والقطيف، حيث تمارس هناك اقذر واحط اساليب التفرقة والتعدي الذي يتجاوز حدود المعقول كمنع “الشيعي”  من ان يكون ” قصابا ” او صاحب ” مطعما ” باعتبار ان اكل “الشيعي” حرام !!! هل يعقل ذلك..؟ نعم يعقل عندما يكون خلف ذلك فكر صهيوني واجندات صهيونية اميركية تستهدف اغراق المسلمين بوابل من الصراعات الجانبية المدمرة، وهكذا نجد الآن كيف ان شرارة هذه الاجندات قد احرقت الاخضر واليابس، حتى تحول الصراع، من صراع “عربي إسرائيلي” الى صراع “عربي عربي”. 

    بعناوين طائفية مدمرة وتجسيدا لهذا، نرى نيران الصراع في اليمن وسوريا ومصر والسعودية والبحرين والعراق وليبيا والمغرب العربي ولبنان وصارت  السيوف تقطر دما عربيا خالصا يدفعها الى المزيد ليس “الصراع” الشيعي السني وحسب، بل صراع آخر مكمل وموسع لدائرة الذبح على الطريقة الوهابية وانه صراع السلفية الجهادية مع السلفية الوهابية وصراع الاخوان مع الوهابية وصراع الوهابية المحافظة والوهابية الجديدة التي يمثلها نظام قطر..

    ينقل من خليفة بن حمد امير قطر في جلسة ضمته مع عدد من اليهود والاميركيين حضرها عدد من الصحافيين الأميركيين والغربيين :

    “اننا لا نتمكن من جعل التطبيع الاسرائيلي العربي ممكنا الا في ظل قناعة عربية كاملة من ان إسرائيل وجدت من اجل ان تبقى وان لا سبيل لزوالها!! وان السعي الى اقامة إسرائيل الكبرى حق تاريخي ينبغي ان لا يقاوم”.

    وعندما سئل بن حمد عن مصير ” سوريا ” و ” العراق ” و ” سيناء وقناة السويس والجانب الشرقي من نهر النيل ” عندما تقوم اسرائيل الكبرى وما يترتب على ذلك من تغيير خرائط المنطقة رد قائلا :

    “خرائط المنطقة ليست اشياء ثابتة، فالشرق الاوسط خلقته اتفاقيات ومعاهدات دولية تم التوصل اليها بين الحلفاء في الحرب العالمية الاولى وجرى تكريسها في الحرب العالمية الثانية.. فمن اوجد الشيء قادر على تغييره “.

    هكذا اذن.. هذا ما يريدون الوصول اليه، عبر الصراع القائم الان، صراع الطوائف المذهبية.. ويعبر ذلك عن ان ما يحصل لا يمت  بأدنى صلة بالدين الإسلامي وان الصراع مطلوب لذاته تحت واجهات طائفية بدليل أن هذا الصراع يكون بلون وغطاء آخر عندما لا يكون الطرف الاخر “شيعيا” لعدم وجود الشيعة بالعدد الكافي وبالحجم المؤثر كما هو الحال مثلا  في فلسطين حيث يجري الصراع بين ” حماس وفتح ” وفي مصر بين ” المسلمين والمسيحيين ” ثم بين ” الاخوان والعلمانيين ” وفي تونس بين السلفيين انفسهم وفي سوريا بين “السنة والعلويين” وفي لبنان بين “المسلمين والمسيحيين وبين السنة والشيعة” وهكذا تعددت المسميات وظل الجوهر واحدا، هو الذبح على الطريقة الوهابية!! 

  • الحقائب السيادية !

    في ثمانين سنة من عمر الدولة العراقية , أي ابتداء من تأسيسها لغاية 2003 تعلمنا أقل من (116) مفردة سياسية , و  في مدة لا تزيد على عشر سنوات , أي منذ عام 2003 حتى عامنا المبارك هذا , تعلمنا اكثر من (611) مفردة سياسية , بحيث لا نكاد نهضم الواحدة بطلعان الروح , و إذا بنا امام عشرة غيرها , و الأدهى من ذلك إنها شاعت على لسان الحكومة و المعارضة و وسائل الاعلام الوطنية منها و العميلة , و بات الجاهل و بائع الفرارات و الحفّافة و البروليتاري الرث و ابن السبيل , يرطن بها نكاية بشعوب المنطقة المحرومة من حرية التعبير عن الرأي , و التداول السلمي للسلطة!

     ليس من باب الحصر , و إنما من باب الأشارة , أذكر بعضا ً من هذه المفردات , على غرار : الكوتا , الشفافية , 1+3 , المجندات , الفوضى الخلاقة , ثورة البنفسج , المثلث السني , الشيعة العرب , المقابر الجماعية , الأجتثاث , الفدرالية , الاضراب المدني , الحكومة المحلية , المنطقة الخضراء , المقاومة بفرعيها الشريفة و غير الشريفة , المحاصصة , المناطق المتنازع عليها , رجال الصحوة , مجالس الأسناد , صلاحيات المركز , المادة 4 , المادة 140 , اجندة إقليمية , و غير ذلك من المفردات و المصطلحات حمل بعير!

     أقسم برأس الرجاء الصالح إن معظم هذه الكلمات و التعابير الغريبة على ذاكرتي و قاموسي اللغوي , ظلت عصية الأستيعاب على فهمي , أو إنني فهمتها بصورة مشوشة , و أحيانا ً سطحية , و لكن أكثر ما أربكني هو مصطلح (الوزارات السيادية) , فأنا إجهل حقا ً أصل هذه التسمية و فصلها و إشتقاقها , و لذلك أثارت في رأسي الكثير من الأسئلة , على غرار : هل الوزارات العراقية مقسمة الى نوعين ؟ و هل هذا التقسيم قائم على أساس طبقي أو وظيفي ؟ أم على أساس الجنس الذكوري و الأنوثي ؟ على فصيلة الدم أم على أساس اللون و البشرة و تسريحة الشعر ؟ على وفق الأنتماء العشائري أم على وفق الدرجة الحزبية ؟ و إذا كانت بعض الوزارات سيادية , فما هو الأسم المناسب للوزارات الأخرى , هل نسميها من غير سيادة أم ناقصة الأهلية ؟!

     بحكم خبرتي الحياتية , أعرف جيدا ً إن المواطنين ينظرون بعين الأهتمام و الأحترام و المحبة الى الوزارات التي توفر لهم لقمة العيش و العمل و الكهرباء و الماء , و تعبّدُ لهم الطرق و ترفع الأنقاض و تمد المجاري و تبني المؤسسات التربوية و الصحية و المساكن و المتنزهات و أماكن الترفيه , و بحكم خبرتي الصحافية أعرف إن وزارة الثقافة في أي بلد من بلدان العالم جميعها , هي الوزارة الأهم , لأنها المسؤول الأول عن بناء القاعدة الفكرية و الثقافية للأمة , فهذه القاعدة هي التي تؤسس لمعاني الأبداع و النهوض و المواطنة الحقيقية و إحترام القيم و السلوك الحضاري , و مع ذلك فأن هذه الوزارة في العراق منقوصة السيادة  , و لا أحد يريدها أو (يقلّبها) أو يسأل عنها! 

     و ما زلت حتى هذه اللحظة – برغم خبرتي الحياتية و الصحافية – أجهل لماذا تتسابق أطراف العملية السياسية سباقا ً محموما ً على (الحقائب) السيادية , و تتعالى على (حقائب) الخبز و الحقول و المسارح و الجسور , هل لأنها حقائب الناس , و كل حقيبة تهم الناس معبأة بالعقارب , و منقوصة الأهلية , و تعاني من فقر الدم , أم لكون الحقائب السيادية تهم السلطة , لأنها طافحة بالدولارات و النفط و القوة , و تعاني من تخمة الشبع , و بذلك فأن كل وزارة تابعة للسلطة , متعافية و سيادية و .. كاملة الأوصاف !! إفتوني مأجورين !

  • نحن بالفرن الذري

    لا نيران عظيمة كالتي تستعر في العراق, وكانت أول فرن ذري بحجم بلد..  تلقمه اخطر أنواع وصنوف الطاقة التدميرية , منها الكراهية ..فأيقن العراقي انه لا يفوق أسلحة الدمار الشامل فتكا كالكراهية… وبصيغتها الحرة الطليقة والعاملة تحت العنوان المقدس …هذا فضلا عن تحول البلد ليس فقط مكبا لنفايات العالم من البضائع والسلع, بل ولكل قتلته ولصوصه وشاذيه..  مع الأهم …نفايات وأمراض وأحقاد التاريخ ..فالدين ذاته صار مكبا لمختلف النصوص والإحكام والاجتهادات الباطلة ,ووجدت التزويرات والافتراءات القديمة فرصتها وانبعثت في تربة الحقد والطمع والكراهية ..وهناك من ارتد قرونا ويعيش وقته في ممارسة كراهيته المبشرة بالجنة …

    من دلائل هذا الموقد الذري إن أبطاله لا يشعرون بحرائقه ..وبعواقبه …فقط يعيشون نزواتهم وغرائزهم وينغمرون فيها ..ولا يتوقفون عند حقيقة تصدر العراق دول التزوير والفساد ..ولا يعبأون بملايين الأيتام والأرامل والفقراء ,ولا العجز عن إعادة التيار الكهربائي ,وان صرف عليه ما يكفي لإنارة ربع العالم , وبات التفجير والقتل حدثا يوميا مألوفا.

    في هذا الموقد الذري برهن العراقي عن نوع معدنه.. فتميز النفيس والثمين والأصيل عن الرديء والرخيص والتافه… وتعرفنا على من كانوا أقوى من الموج ومن السنة النيران بين الساسة والمثقفين والناس البسطاء ,وبين رجال الدين ولم تخدعهم الأسماء والاضوية والتصريحات.. وكما انبثق من الطبيب الكائن الجشع,  تجلى من طبيب آخر الكائن الزاهد ,السعيد بالعطاء والتضحية ..وكذا هذا الغول الذي ربما فاجأ حتى صاحبه واعترف لنفسه انه اضعف من ان يقاوم إغراءات المال والسلطة ..وان لا تعود العشائرية فقط في عصر الإنسان الأرضي بل وسيادة قرارات الأوباش والحثالة وعناصر الشر وتجعل  من نزواتها قانونا وتقاضي الأشراف…نقول رغم كل هذا..رغم ان ما يجري كفيل بإبادة اكبر الشعوب والمجتمعات ..إبادتها على نحو بشع وعفن إلا أن العراقيين ما زالوا يعيشون ويتفاءلون ويلمحون تباشير واضوية من جهة المستقبل …وان الكراهية طاقة أيضا ,وان كانت شريرة ,وللطاقة حدود ..ولا بد ان تنفذ وتنتهي …إنما على مراكز البحث وعلماء النفس والاجتماع والإنسان ان يغتنموا الفرصة في العراق ويعاينوا على الواقع بالذي يحل بالإنسان ,وبالألفية الثالثة, عندما يعود منطق العشيرة للسيادة  ,ويتعداه الى قطاع الطرق ..وعندما يتبوأ مزورو الوثائق الدراسية الوظائف والمناصب..وعندما تتبخر المليارات من الدولارات علنا..فهي تجربة لا تتكرر وقد توصل مراكز البحث إلى حقائق وأبعاد للإنسان غير معروفة ..ويقدم العراق بوصفه مهد الحضارة, ومن الدول الثرية درسا للبشرية على مفعول الكراهية على حياة ومصير الإنسان.

  • أطلبوا العلم ولو كان في الطين

    مدارس غارقة في الطين, ومدارس يطوقها الطين, ومدارس مطينة بستين طينة, ومدارس جدرانها من طين, وسقوفها من طين, والتعليم فيها بالرطين والترطين. 

     أنا شخصيا من الذين تعلموا ألف باء القراءة والكتابة في ستينيات القرن الماضي في مدرسة كانت إدارتها مبنية بالطين (مدرسة الخورنق الابتدائية), وصفوفها مبنية بالقصب والبردي, على شكل (صرائف), ومفردها صريفة: وتعني بيت القصب باللغة السومرية, التي تركت رواسبها في لهجتنا الجنوبية منذ اليوم الذي تعلم فيه جلجامس مبادئ الكتابة المسمارية على ألواح الطين وحتى اليوم الذي غرقنا فيه بالطين والأوحال.  

     ربما انحسرت ظاهرة مدارس الطين قليلا من أريافنا في الوقت الراهن, لكن مقاعدها وقاعاتها وممراتها وساحاتها والطرق المؤدية إليها ظلت تعاني من تراكمات كولسترول الأطيان, ولم تتخلص من ارتباطاتها الوثيقة بتراثنا الطيني, حتى ظن التلاميذ الصغار إن الطين هو الصفة المتأصلة في كروموسومات التعليم الابتدائي والثانوي في المناطق الريفية النائية, باستثناء بعض القرى التي شملتها الرعاية (الثورية) المشبعة بروح التحيز القبلي, فظهرت فيها مدارس تضاهي مدارس (ويلز) من حيث التصميم الهندسي المتكامل, ومن حيث الملاعب والمختبرات التخصصية, حيث تجد مختبر للفيزياء, وآخر للكيمياء, ومختبر للأحياء, والحاسبات, وقاعات مغلقة لكرة الطائرة وكرة السلة, بأرضيات مكسوة بالتارتان. 

    من المؤسف له ان الحشرات والديدان والزواحف والقوارض الريفية ظلت عندنا على طبيعتها المتخلفة, ولم يتحسن سلوكها في الألفية الثالثة, فاتخذت من مدارسنا الطينية ملاذا استراتيجيا لها, فتكاثرت وتناسلت وترعرعت في أركان مدارسنا وزواياها وثقوبها, ولن تنفع معها أقوى المبيدات.  

    لم نكن فيما مضى نحس بتطفلها على محرمات مدرستنا, فهي في نظرنا تعيش في بيئتها الطبيعية التي ننتمي نحن إليها, بل كنا بشقاوتنا نلهو معها في فترات الاستراحة, فنطارد (أبو بريص) ونحاصره في شقوق الجدران الطينية, ثم نأتي بكميات من الطين من أقرب بركة من برك المدرسة لنسد عليه الثغور, ونفرض عليه السبات القسري. 

    أحيانا تمزح معنا البراغيث السود, فتتسلل تحت جواربنا القطنية, وتسرق منا متعة دروس النشيد, وأحيانا نتنافس مع الأرانب البرية في سباق الضاحية, فنطاردها عبر بساتين النخيل والحناء, وأحيانا تسرح قطعان الأغنام والأبقار وتمرح في ساحة مدرستنا في ظاهرة لم تحدث حتى في شبه القارة الهندية.  

    لم يكن معلم الأحياء بحاجة إلى الكثير من الجهد والعناء حتى يوضح لنا دورة حياة الكائنات البرمائية, فالضفادع متواجدة دائما معنا في مستنقع المدرسة, أما حيوان (الهيدرا) فكان منتشرا في السواقي الضحلة القريبة من سياج المدرسة, وهو من الحيوانات البدائية (الجوفمعوية), كنا نوخز لوامسه الشعرية البيضاء بأقلام الرصاص فتنكمش وتتكور في قعر الساقية. 

     كانت مدارسنا من طين ولم تكن آذاننا من عجين, أما اليوم فقد صارت الفضائيات العربية والأجنبية هي النوافذ التي يطل منها التلاميذ على العالم الخارجي, فينظرون إلى المدارس التركية الحديثة والأمريكية المتطورة والخليجية بجنائنها الجميلة وألعابها المسلية, فيقارنون أوضاعهم البائسة مع مدارس العالم, فتنفطر قلوبهم الصغيرة من القهر, فيحسون بالدونية لافتقارهم إلى ابسط المستلزمات, التي ينبغي توفرها في مدارسهم السومرية الطينية. 

    http://www.youtube.com/watch?v=MjbOG7b5fig

    جربنا الدوام المدرسي الثنائي, ثم جربنا الثلاثي, حتى جاء اليوم الذي سمعنا فيه بالدوام الرباعي, أربع مدارس في بناية متهالكة واحدة, فاكتظت قاعات الدروس بالطلاب, وكادت تنفجر بأعدادهم المتزايدة. 

    يفترشون الأرض كما الهنود الحمر, ويبتهلون إلى الله لإنزال الأمطار على مدرستهم حتى تمتلئ مستنقعاتها بالمياه وتغرق في المحيط الطيني مثلما غرقت التيتانيك في المحيط الأطلسي, فيحصلون على عطلة مجانية طارئة تضاف إلى جدولهم المثقل بالعطل الرسمية والدينية والكيفية والمزاجية، والله يستر من الجايات.

  • اوباما في رهانه الجديد .. مأزق الوعود العائمة قد يضيع الفرصة في الاحتفاظ بمفتاح البيت الأبيض

    هل ينجح اوباما “في اجتياز الحاجز الجمهوري هذه المرة أيضا؟   سؤال يتكرر هنا وهناك، وتتناسل منه أسئلة عديدة متباينة في الشكل والمضمون.. وفي مجملها يفصح عن اهتمام حدي يتركز وتتسع دائرته ويتصاعد في حدته وسخونته كلما اقتربنا من ساعات الحسم التي لم يبق للوصول إليها غير أيام معدودة .

    لقد اعتقد العالم في عالم 2009 ، انه ابتدأ العام برؤية مثالية متكاملة جديدة للسياسة الخارجية الأميركية فيها تأكيد محتمل على حق الشعوب في تقرير مصيرها ، وفيها دعوة للتعامل بين الدول على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة ، وفيها كذلك الامتناع عن الاستمرار في سياسة الكل بمكيالين أو ثلاثة في التعامل والتعاطي مع الأحداث والحوادث العالمية.. وكل ذلك ترافق مع رؤية مباشرة وغير مباشرة اتسعت بالموقف النقدي الواضح والمحدد.. لما كانت عليه السياسة الأميركية في ظل الإرادات وبشكل خاص تلك التي اتسمت بالمواقف الأميركية   المنفردة عن الإجماع الدولي في مجال معالجة الأزمات وما رافق هذا الأسلوب من حروب ومعارك في معالجة الأزمات، وما رافق هذا الأسلوب من أساليب وتعذيب واختراق لحقوق الإنسان وتضييق للحريات العامة والخاصة .

    ثمة من يقول الآن وبعد مضي أربع سنوات بالتمام والكمال . أن “الجبل” وبعد مخاض صعب ومعقد وخطير ، وقد ولد فئرا صغيرا لا يصلح لأي شيء مهم فالوعود اصطدمت بواقع لم تتم رؤيته بشكل جيد او ربما لم  يكن هناك من لديه استعداد لأن يفعل ذلك فالرؤية المثالية لـ “اوباما” اصطدمت بواقع أميركي وبظروف خارجية دولية أعاقت تنفيذ الكثير مما طمحت اليه رؤية الأكثرية من الشعب الأميركي .

    بالتأكيد ليس غائبا عن الوعي ، حقيقة أن الشعب الأميركي كان يأمل من حكومة اوباما ، أن تفعل ما في وسعها لإحداث تغييرات أساسية في السياسة الخارجية الأميركية عموما، وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصا ، بيد أن ما حصل من تغيير حتى الآن لم يتجاوز حدود الشعارات والتصريحات وفي الخطوط العامة المعلنة للسياسة الخارجية الأميركية وليس في جوهرها أو حتى في أساليبها المعهودة.

    صحيح أن إدارة اوباما لم تكن هي التي انتهجت الحروب والأزمات المتورطة فيها الآن الولايات المتحدة الأميركية حاليا ، وصحيح أيضا أن هذه الإدارة لم تحاول على الأقل إلى الان توفير المناخ المناسب لقيام حروب وأزمات جديدة لكن من المؤكد أن هذه الإدارة لم تفعل سوى بعض التحركات والجهود التي لم تسفر عن تحولات هامة في مجرى الحروب والأزمات القائمة بل نجد أن القواسم المشتركة مع الإدارات السابقة تظهر بجلاء مؤكدة حقيقة أن صنع السياسة الأميركية وطبخ قراراتها لا يتأثران كثيرا بمن يستلم مفتاح البيت الأبيض.

    بالطبع ليس هناك من نسى أو لم يعد يتذكر تلك الخطابات ” الرنانة ” التي اطل بها ومن خلالها اوباما ” خلال العام الأول لاستلامه مفاتيح البيت الأبيض وخصوصا تلك التي بعث من خلالها برسائل مطمئنة حول مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والعالمين العربي والإسلامي، مؤكدا فيها من على منبر جامعة القاهرة، أن مرحلة جديدة من العلاقات الايجابية البناءة بين الولايات المتحدة الأميركية والعالم الإسلامي والعربي سيتم المضي في إرساء دعائمها وأسسها الثابتة على ارض صلبة إلى نهاية الانجاز الكامل والشامل وقد سادت أجواء التفاؤل العالمين العربي والإسلامي إلى ان صدم الرأي العام العربي والإسلامي باستشراء عوامل التهديم والتأزيم والتخريب في عموم الوطن العربي والإسلامي تحت شعارات وفبركات وتدخلات ومحاور قادت وتقود المنطقة إلى المزيد من حمامات الدم في ظاهرة لم تشهد لها مثيلا، حتى باتت المعارك تدور رحاها بين المسلمين أنفسهم ، كما هو حاصل الآن في سوريا ومصر والسودان واليمن وتونس، وليس بعيدا أن يحصل في بقاع ومناطق ودول أخرى من العالمين الإسلامي والعربي، وكل ذلك يحصل بعيدا عن الأسباب والدوافع التي كان ينبغي أن تكون بسببها ومن اجلها لا من اجل دوافع وأسباب طائفية أو عنصرية او عشائرية او نخبوية او مناطقية او دينية او اثنية .

    لقد كانت إدارة بوش الابن كابوسا مرعبا تجسد في سياسة الغزو والحروب والأزمات، بيد أن ذلك لا يجعل حياة “أحلام اليقظة ” اقل وطأة على النفوس المتعبة ، عندما تجد نفسها أمام شلالات من الدم وسط أجواء مشبعة بالضباب الكثيف الذي يمنع رؤية نهاية الأنف أو موضع القدم فالانقلاب الثقافي الذي حصل في مركز صنع القرار الأميركي بالسماح بوصول مواطن أميركي اسود ، ابن مهاجر أفريقي يحمل اسم ” حسين ” إلى سدة ” البيت الأبيض” كان ينبغي أن يحمل دلالة الأخذ بيد العالمين العربي والإسلامي في مدارج القدرة على معالجة المشكلات والأزمات التي يعاني منها، على نحو ينسي الجميع ما حصل من تجاوزات وتتناقض مع قيم تبنتها الولايات المتحدة الأميركية منذ وقت مبكر، حيث نادت بحقوق الإنسان وحق تقرير المصير وبالديمقراطية والحرية للشعوب المغلوب على أمرها والشعب الأميركي هو الشعب الوحيد الذي استطاع التخلص من الاستعمار البريطاني منذ وقت مبكر لينبه البشرية الى أهمية وضرورة التخلص من ظاهرة الهيمنة والاحتواء والاستعباد وتجريد الآخرين من حق تقرير المصير.  لقد كانت فرصة ثمينة ضيعتها حسابات وترتيبات غير واقعية وغير بناءة تلك التي جاء فيها اوباما محمولا على أجنحة الرغبة الأميركية الشعبية في بناء عالم خال من الغبن والتجاوز والتوسع وغمط الحقوق وفرض الإرادات بالقوة والهيمنة المسلحة أو المرتبة عبر مواثيق ومعاهدات وقرارات دولية جائرة . ن الشعب الاميركي، يدرك ويعي مسؤوليته في إدارة دوره القيادي في عالم غارق حتى إذنيه في آثام ومساوئ ومظالم ويدرك أيضا حقيقة أولئك الذين حاولوا ويحاولون حرمانه من رفع الحيف والظلم والآثام عن البشرية لتنطلق في عالم رحب يتسع لكل الخيرين الساعين لبناء عالم خال من كل الظلم والجور والاضطهاد والتعسف فاللوبيات المسيطرة والمتنفذة، التي تخدم أجندات خارجية لن تطل عقبة في طريق الشعب الأميركي الساعي إلى جعل صناديق الاقتراع الطريق الاصوب والانجح والأسهل في الوصول إلى الاختيار السليم والصحيح المفضي الى ان يكون حامل مفاتيح البيت الأبيض هو المعبر الحقيقي والواقعي عما يريده في الداخل والخارج ولعل مرة أخرى لاوباما في البيت الأبيض تفسح الطريق لمزيد من العطاء الأفضل المصوب لما وقع من أخطاء هنا أو هناك.. أنها أمنية.. لعل أوانها قد شارف على أن يكون حقيقة !! أو ان خيبة الأمل تصبح هي القاسم المشترك لكل  أحلام اليقظة!!.

  • أنبكيك أم نبكي الوطن يا حاتم الصكر؟

    لا اعتقد أن قلباً بشرياً احتمل وجعا كذاك الذي احتمله قلب العراق؛ واذا قدّر للبعض ان يعبّر بالكلام او اللطم او شق الجيوب؛ فثمة من (أكلت لسانه المآسي) فوقف مذهولا حائرا لا يعرف ما الذي يفعله..

    الناقد الكبير الدكتور حاتم الصكَر امتلك ناصية الكلام وشقّت دموعه جيوب لطمها على فلذّة كبده (عدي) الذي كانت جريمته الوحيدة هي: اسمه في زمن غيّب الأسماء والهويات والملامح وترك للشوارع ملامح القتلة.

    حاتم يتذكر كل ما حدث؛ وفي الوقت الذي من المفروض فيه ان نواسيه؛ نطالبه بان يواسينا هو؛ فقد اكلت فجيعته لساننا ووقفت محبتنا له حائرة مذهولة.

    يتذكر حاتم ولده عدي (كانت الرسالة الأخيرة التي وصلتني من هاتفه النقال عند التاسعة صباحا من يوم السبت 2-10-2006مختصرة جدا (صباح الخير . هسه تحركنا) إذن فقد بدأ خروجهم من جحيم بغداد التي اشتعلت فيها أعتى نيران الكراهية والطائفية والقتل على الهوية في تلك الأيام. بعد قرابة ساعتين ونصف لم يكن الهاتف يرد. مقفل أو في منطقة غير مغطاة. بدأ القلق يساورني.هو وأمه وزوجته وطفلاه زيد وريمه في حافلة عامة في الطريق إلى عمّان ليسكنوا هناك. إنهم الآن قرب الأنبار. بين الفلوجة والثرثار.عند حدود الصقلاوية تحديدا، ومجرمو القاعدة الذين تفرغوا لقتل العراقيين بديلا لمحاربة المحتل يصولون هناك بلا رادع ويقطعون الطريق الدولي مفتشين هويات الركاب لينتقوا ضحاياهم.

    كان اليوم خريفيا من أكثر الأيام التي تثير الشجن في النفس، وهو أول أيام الأسبوع، حتى الرب اختاره ليرتاح من الخلق، ولكنهم جاءوا الآن ملثمين بدشاديشهم القصيرة، خرجوا من خمس سيارات أجرة –مسروقة غالبا- وبعد أن ابتعدت سيارة همر تحمل دورية أمريكية على الطريق، تجنبوا الهمر ورصدوا الحافلة الملأى بالفارين من الجحيم والتهجير والقتل من العراقيين، وبالأسلحة أجبروا الحافلة على التوقف، وبدأت غزوتهم! بتفتيش جوازات الركاب.كان عدي قد ولد في الكوت -واسط يوم كنت مدرسا في إعداديتها عام 1972. واسط كانت كافية ليشير كبيرهم برأسه أن انزل. توسلات زوجته وأمه وصراخ طفليه لم تجدِ نفعا. فقط أسمعوهم أن الأمير؟ سيقرر مصيره وثلاثة شبان من الركاب أيضا.

    توزع المخطوفون في صناديق السيارات الخلفية. لماذا قبل التحقيق معهم وإدانتهم يعذبون هكذا:لا يجيب كبيرهم بل يدعو النسوة للصمت وكذلك الاحتشام لأنهن بحجاب الرأس ووجوههن مكشوفة.

    يأخذ (المجاهدون) الحافلة فيداً وغنيمة ويتركون الركاب في العراء لدموعهم ورعبهم. هكذا تختفي التاكسيات وتختفي حيوات ثلاث، بينها: ابني عدي الذي لم نعلم عنه منذ تلك اللحظة شيئا.

    سيفر الجناة من المنطقة كلها من بعد. يكتشف الناس المدنيون أن هؤلاء جاءوا ليقتلوا أخوتهم فلفظوهم من بينهم. الخيط الوحيد الذي بقي لنا هو هاتفه لان غبيا من خاطفيه ترك الشريحة فيه، لكنه اختفى منذ علم بمعرفتنا له.

    صور سيناريو الخطف المرعب لم أرها بنفسي، ولكن ظل منها وجود عدي في صندوق سيارة، وصرت كلما أعاين صندوقا أحس بالألم يعتصرني وأتخيله في ظلام الصندوق مندهشا مما جرى له وهو البريء من أية تهمة أو شبهة،وأفكر:ماذا كان يمر في باله ساعتها: ولداه وزوجته؟ أبواه؟ طفله الثالث الذي سيأتي بعد شهر؟ السلام الذي حلم به، ودراسته التي كان يحلم باستكمالها؟ أخواه المغتربان في المنافي؟

    الآن كلما كبر أحمد صغيره المولود بعد خطفه بخمسة وثلاثين يوما تهزمني نظراته وأسئلته الحائرة وسط وجود آباء زملاء الروضة أو المبنى).

    من يخبر حاتم الصكر إنني الآن اقبّل أطراف حروفه وابكي على وطني.

  • ثقـافـة…«بس بـالاسـم»

       لم يأتي ولعي باستثمار استخدام أسماء بعض الأغاني العراقية- ذات الشهرة الرائجة كما يحصل اللآن حين اتكأت على عنوان أغنية للمطرب مهند محسن (عزيز… بس بالأسم)- الا ترويجا لعناوين بعض من أعمدتي الصحفية،لما فيها (أي تلك الأغاني) من لوعة وشجن وحيف وأثار حزن و صدق تعبير و مرارة سخط، ساعة(تسود الدنيا) بعين هذا العاشق أوذاك، حين يجافي هو أو يجافيه محبوبه…و لاني لم أزل عاشقا مدمنا للثقافة العراقية- وهذا ليس ادعاء- تلك الثقافة التي وصفها- يوما- لناقد الكبير(محمد الجزائري) ب(البلدوزر) في حوار جمعني به برنامج (الثقافة في الصحافة)الذي كنت اعده و أقدمه لشاشة تلفزيون بغداد الثقافي بداية التسعينات،لقد تفجر ذلك الوصف حماسا وتثمينا لاختصار قوة ورصانة وأهمية وتنوع مسارات جوانبها وثقلها ونبض حيويتها وتأثيرها الحضاري و الانساني  لما تحمله من سعة وحجم وأثر راسخ بجذور عميقة في الأرض.

       كما لم تأتي هذه المقدمة الا استثارة، بل تكاد ان تكون استغاثة صارخة بوجه كل الجهات والمؤسسات والمنظمات الرسمية وغير الرسمية،بدأ من أسفل هرم المسؤولية ثم صعودا الى أعلى…أعلى تلك المستويات،بان يوقفوا محاولات استغلال أسم (الثقافة)  لصالح أغراض و نوايا تجارية رخيصة جدا،راحت تحط من قيمتها وتهدر كرامتها،من خلال غايات و(زواغير) أخذت تسلكها بعض الجهات والاتحادات المتسترة والمستترة ببراقع أسماء ثقافية واعلامية،تحمل يافطات تعلو واجهات تلك المباني والمحلات،كي تشير بالوهم والغاية المبيتة الى هذا المركز (الفلاني) الثقافي الترفيهي للاعلام الديمقراطي ،وذلك الاتحاد (العلاني) أو تلك الجمعية (العلانية) الثقافية الترفيهية في مناطق مهمة وحيوية من العاصمة الحبيبة بغداد،وغيرها من توالي اختيار اسماء وعناوين بارزة تدعي صلتها الجائرة والمتطاولة على شرف وضمير مهنة الاعلام،وتأريخ وسمعة ثقافتنا الوطنية لكي تهدر و تهان تحت لافتات ومسميات وهمية لنوادي ليلية وبارات ومواخير … لسنا- قطعا – ممن يضيق  على انفاس الحرية الشخصية والميول والاهواء الخاصة بالأفراد  عبر الفتنة والتحريض،وصب الزيت على نيران الازمة التي عادة ما تشتعل بخصوص غلق النوادي ومحال بيع الخمور،ثم سرعان ما تخمد بذرائع ومسببات منها مقنعة، ومنها لم تزل غامضة ومحيرة لحد الآن … لكنا – قطعا- بصدد الدفاع عن جوهر وقيمة الثقافة واعلامنا الوطني الذي قدم الكثير من فرسانه وأقلام ابطاله الشجعان قرابين للحقيقة التي نسعى نحن جميعا على اعلاء شأنها في عراق الحاضر والمستقبل-الحلم الذي ننشده ونتوق اليه،وما الثقافة والمعرفة الا عناوين بارزة و كبيرة ودعامات راكزة،متماسكة في حياة الشعوب التي تعي معنى أهمية وجودها في مجهر الثقافة،حتى لتقف بكل ثبات وضراوة في وجه كل من يتجاسر عليها،فالثقافة بحد ذاتها حياة، من هنا نخشى على ثقافتنا ان تفارق الحياة،لو بقينا نتساهل مع من يستغل أسم الثقافة هكذا… ياجماعة الخير.

  • نحن نصدر النفط ثم نستورده .. منطق اقتصادي مرفوض لكنه مفروض

    الفرق بيننا وبين العالم الخارجي أننا نلهو يومياً بإحراق الغاز الطبيعي في حقولنا وضواحي مدننا, ونمارس هذه الملهاة بدم بارد حتى يومنا هذا, في الوقت الذي تحرص فيه الأقطار الأخرى على استثماره في مشاريعها التنموية, ولا تفكر بإحراقه إلا عندما يحين موعد إشعال الشعلة الأولمبية في ملاعبها ومدرجاتها الرياضية. 

     والفرق بيننا وبينهم إنهم يشترون نفطنا ثم يبيعونه إلينا بأضعاف أضعاف سعر الشراء, فنستورده منهم على شكل منتجات ومشتقات وزيوت محركات وزيوت تزييت. 

    قبل عقد من الزمان كان العراق من الأقطار المصدرة للمشتقات النفطية بكل أنواعها, وعندنا من النفط الخام ما يكفي لملئ حوض الخليج العربي كله بنفط كركوك ونفط خانقين وباباكركر وجمبور ومجنون والرميلة وعين زالة وبزركان, ناهيك عما تحويه حقولنا المكتشفة حديثا من ثروات نفطية منحها رب العباد لهذه البلاد, لكننا لا نريد البوح بها خوفا من عيون الحاسدين والطامعين والمتربصين والمهربين. كنا قبل عام واحد من انطلاق دورة الألعاب الأولمبية في أثينا نصدرها بكميات هائلة, وكان عندنا أسطول كبير من الناقلات البحرية المتخصصة بنقل المشتقات والمنتجات النفطية من أرصفة المفتية بالبصرة إلى موانئ العالم, ثم جاء الحصار الاقتصادي المفروض علينا, فكانت المنتجات النفطية هي السلاح البحري الذي لجئنا إليه لخرق الأطواق التي فرضتها الأساطيل الغربية على منافذنا الملاحية, فتحول ميناء (أبو الفلوس) بين ليلة وضحاها من ميناء تجاري إلى ميناء نفطي متخصص بتصدير المشتقات النفطية, بمعدل (24) ساعة باليوم, وبكميات فلكية لا يصدقها العقل, فأقبلت عليه الناقلات الجريئة من كل حدب وصوب, تراوحت طاقاتها بين (2000) طن و(5000) طن, بمعدل عشر ناقلات باليوم, وفجأة استعادت الممرات الملاحية في شط العرب حيويتها التي فقدتها عام 1980. وانبرى المرشدون البحريون لنوبات الإرشاد المكوكية المرهقة المتكررة من أبي الفلوس إلى البحر, ومن البحر إلى أبي الفلوس.   وما أن بدأت الاستعدادات لافتتاح دورة الألعاب الأولمبية في أثينا حتى تحول العراق فجأة من دولة مصدرة للمشتقات النفطية إلى دولة مستوردة لها, على أمل أن تباشر الأطراف المعنية بإصلاح الأضرار التي تعرضت لها المصافي في الشمال والجنوب والوسط. وانتهت دورة أثينا (2004), ثم جاءت دورة بكين (2008) وانتهت هي الأخرى من دون تغيير, وانتهت بعدها دورة لندن (2012), لكن سياقات الاستيراد ظلت على ما هي عليه حتى يومنا هذا, على أمل أن تتحسن أوضاعنا قبل حلول دورة الألعاب الأولمبية المزمع إقامتها في ريو دي جانيرو عام (2016). . 

    لقد توسعنا الآن في تصدير النفط الخام عبر كل المنافذ البحرية, المحلية والبديلة, لكننا توسعنا أيضا في استيراد المشتقات النفطية (زيت الغاز والبنزين والكيروسين), ومازلنا نصدر النفط ونستورد مشتقاته, ونصدره لنستورد مشتقاته, وجرت العادة على هذا المنوال في متوالية مرفوضة لكنها مفروضة, فرضتها علينا الظروف التي لا علم لنا بها على الرغم من انقضاء ثلاث دورات أولمبية تكررت كل أربعة أعوام على مدى عشر سنوات تقريباً.   يقولون أن مبالغ استيراد المشتقات النفطية تجاوزت المليارات لسد النقص في الطلب المحلي, لكننا لا ندري بالضبط ما هي تكاليفها وكمياتها, ويقولون إننا نستوردها من دول الجوار لتشغيل المحطات الكهربائية, لكننا لا ندري بالضبط ما الذي يمنعهم من استعمال الغاز الطبيعي, الذي ينتحر عندنا في الهواء الطلق منذ عقود وعقود, ويقولون أن كميات الغاز المنتحرة يومياً في أجواء العراق تقدر بحوالي (34) مليون متر مكعب, فنقول لا ندري متى تحترق قلوبنا من القهر حزناً وكمداً على هذه الثروات الوطنية المهدورة, ويقولون ان وزارة الكهرباء تعاقدت مع إيران على مد أنبوب لتجهيز الغاز إلى محطتي الكهرباء في مدينة الصدر والراشدية في الوقت الذي تضع فيه وزارة النفط خططا لتصدير الغاز إلى تركيا والأردن وأوربا, والحقيقة إننا لا نعرف شيئا عن مبررات ومسوغات هذا التناقض والتداخل والتقاطع والتخبط, ولا نعرف من هو المستفيد ؟, ومن هو المقصر ؟, ومن هو العاجز ؟, ومن هو الفاشل ؟, ومن هو المهمل ؟, بانتظار أن ترصد وزارة التخطيط هذه الفجوات والثغرات والهفوات, وتعلن عن الكلفة الحقيقية للمشتقات المستوردة من ذلك اليوم وحتى هذا اليوم, وتحدد بالضبط حجم الغاز الطبيعي المهدور, ونعرف منها الأسرار المرتبطة بعدم إنشاء مصافي نفطية وطنية في كل محافظة, أو أسباب عدم منح القطاع الخاص التراخيص اللازمة لإنشاء المصافي الأهلية على وفق السياقات الاستثمارية المثمرة.