كيف يمكن أن «نستثمر» الحسين..؟

توفي الرسول «صلى الله عليه وعلى آله» في ضحى يوم الاثنين 12 ربيع الأول عام 11 للهجرة في المدينة المنورة .

ووقعت مذبحة الحسين بن فاطمة الزهراء في العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة؛ وهذا يعني ان ظل النبي محمد ومكان النبي وروح النبي لم تزل تملأ الجزيرة العربية؛ فخمسون سنة في عمر البشرية (خصوصا مع دين جديد غيّر الواقع الاجتماعي والسياسي والعسكري والفكري للمنطقة برمتها) ليست بذلك الفاصل الزمني الهائل الذي يجعل القوم يتنكرون للرجل (على الأقل) الذي نقلهم من حالة الفقر والتشرذم والضياع إلى الملوكية والثراء والسبايا؛ ناهيك عن انه (نبي الله) فأيّ نكران جبل عليه أعراب ذلك الزمن.

في هذا العام سيكون قد مضى على تلك الواقعة الأليمة ما يقرب من 1400 سنة؛ وكربلاء هي كربلاء؛ والحسين هو الحسين؛ والشهداء هم الشهداء؛ والسبايا هم السبايا؛ وأبطال الجانب المظلم هم أنفسهم بلا أي إضافة: يزيد وعبيد الله بن زياد والشمر وبقية الكورس التافه؛ إذن لِمَ تستمر الحكاية كل هذه القرون ونحن نعرفها بالحذافير وبالتفاصيل المجهرية وبأزياء الجند وصحائف التموين؛ بل وحتى بعدد السيوف التي طعنت والسهام التي رميت وأوضاع القتلى؛ والنهاية التراجيدية؛ والطرق التي سلكتها قافلة الأسرى وصولا إلى الشام (وبودي أن أتوقف عند هذه الجملة الرهيبة– قافلة الأسرى – فهذه القافلة كانت تضم: بنات رسول الله وأحفاد رسول الله وأنفاس رسول الله وبوسات رسول الله لم تزل تعبق من الثياب ومن الأجساد الطاهرة الشريفة) إذن ما السرّ البعيد عن الروزخونيات والتكسب بالرثاء او التقرب من المغفرة باللطم والتطبير والزنجيل؛ سر ديمومة الحسين؟!!

سر كشفه بطل الفاجعة في اللحظات الاولى من الملحمة حين قال: خرجت للإصلاح؛ والاحتجاج على الظلم؛ واهانة آدمية الإنسان؛ وأمام كل فضائيات التاريخ صرّح: هكذا علمني جدي (رسول الله) وأوصاني به أبي(يعسوب الإسلام) وارضعتنيه أمي (فاطمة- أم رسول الله قبل أن تكون ابنته) ثم مضى البطل الأسطوري مطمئنا إلى طريق الدم؛ وجميع أصحابه كانوا بذات الاطمئنان وراحة الضمير.

ألقى ديّة رسالته بأعناقنا واصطحب رأسه الشريف إلى حيث (فكرة) استشهاده ونام قرير العين؛ يراقب كيف ينتفض المظلومون وكيف يتحولون-مثله– إلى(فكرة) سيحاول الحكام والطغاة والمتجبرين وأدها.. ويفشلون.

 فكرة الحسين؛ هي ما يجب استثمارها لنكون حقا بمستوى طموحه النبوي؛ ما يجب تمثلها في حياتنا المعاصرة وترجمتها إلى واقع ملموس؛ غير مغيّب وغير ملعوب عليه بالادعاء أو التظاهر بالانتماء والبكاء ونصب السرادق وتوزيع الشاي والكعك وتقديم المأكولات والشرابت؛ لتضاف الأموال المنهوبة باسمه إلى قوائم الفساد العام؛ هذه (هوامش)على(المتن) والمتن هنا هو(جوهر) نهضة الحسين والسبب الحقيقي لانتفاضته العاشورائية (مواقفه وتضحياته من اجل الحق والمبدأ والعدالة التي تمكن كل إنسان من حقه وتحفظ له كرامته وحريته).

عشرة ملايين زائر لمقام أبي عبد الله الحسين؛ ماذا لو تمثّل (عشرهم) رسالة الحسين وساروا إلى السياسيين؛ والحكام المتاجرين بدمنا.. وحاصروهم في مناطقهم؛ مطالبين بالإصلاح ومحتجين على الظلم الذي يحيق بنا من جميع جوانب حياتنا؛ ورافضين الاهانات التي نواجهها يوميا انّى أدرنا الوجه؛ في حين يرفل أولو الأمر بما رفلت به قصور بني أمية.

الحسين: رسالة إنسانية عظمى انتمى إليها كل المظلومين في التاريخ الإنساني؛ فمتى ننتمي إليها نحن ؟.

حـق الـرد..حـــق الـحـــزن

كنا قد كتبنا عن مثقف ومناضل وله مؤلفات متنوعة.. ولكن لم نسمه.. وقد عرف انه المقصود ووردنا منه هذا التعقيب الحزين.. وبما يفسر انزواؤه وابتعاده عما كان ينتظره وهو من فصيل المعارضة قبل الاحتلال.. وشغل بصمت مواقع  حكومية  مهمة.. وربما ما زال.. وقلنا في مقالنا أن هذا الحالم بوطن قد أوهمه حلمه بان  الساسة سينتقلون مما هم فيه الى النقيض بعد ان استنفذوا ما وضع العراق في صدارة الخراب.. فما تعليقه؟؟ السيد حاتم حسن…. 

التضليل يا سيدي في هذه البقعة من الأرض هو الحياة، جميعنا ضال ومضلل، أنا، أنت، هو، هم والجمع الغفير. يكذب من يدعي غير هذا، سيد قوم كان أو من العبيد. 

الحاكم فينا ضل في دهاليز السلطة أو ضللته مغريات السلطة، فأعتقد أنه المنقذ الوحيد. والمحكوم هو الآخر ضلله وهم التقرب من السلطة فبقيّ جالسا في مكانه عقودا، ينتظر الفرج القريب.    

الحب يا سيدي على هذه الأرض وَهمُ  وضلالة وان كان لوطن عزيز. لأن الوطن الذي أريد له أن يبقى محبوبا يعطي الأبناء، يكبرهم، ويكبر بهم, يغفر خطاياهم، يساوي بينهم، يثيب العاشقين… وطننا الذي غرقنا في حبه، يرمينا في حفرة الرأي الواحد ويهيل علينا التراب، يحرمنا من ابسط معالم الحياة، يحاسبنا عن أخطاء أجدادنا الميتين. 

وطننا لا يخضع لمنطق الحراك ولا لمعطيات علوم النفس والسلوك، فلا تعتب على من ترك تخصصه وسار في درب الحب الموهوم، ولا على من أعطى رأيا أقتبسه من نظريات نجح تطبيقها في كل الأوطان، إلا في وطننا السائر بالمقلوب، فالرجال في الأوطان الأخرى يا سيدي يصنعون السياسة فيبقون ويخلدون بانجازاتهم.. والسياسة في وطننا تشكل الرجال الساعين إلى التدمير بقصد الخلود. نعم تعلمنا أن المنابع يمكن أن تجف، ومسارب العدوان يمكن أن تنضب، والشبع يمكن أن يحدث تخمة، والعيون يمكن أن تمتلئ وتقل من أمامها مثيرات المال، إلا في العراق الوطن الأم لكل معززات التضليل، فكل شي فيه يسير بالمقلوب لإكمال فعل التضليل. وبالتالي سيكون الإنكار الكلي للقناعات والمحو الكلي للمعارف والنظريات، والعودة الى الأمية المعرفية هو الحل الملائم للتعامل مع سير المقلوب، وان كان عرضا من أعراض اليأس والجنون. بل وأكثر من هذا فالانفصال عن الواقع أو الجنون هو الحل الأسلم للبقاء في هذا الواقع المقلوب. 

كيف لك أن تريد من الواحد أن يبقى عاقلا في وطن يُقتل فيه العالِم لعلمه، ويُغتال الضابط لتضحيته، وُتغتصب المرأة لانوثتها، وتعطل الدولة لنصف أيامها، ويطبق الكفرة والفاسدين شرائع الدين، ويحقد الموظف على مديره، والجندي على آمره ويخسر الأب ابناءه في وضح النهار. 

دع مَن وصفته في مقالك هاربا، في أن يبقى كذلك مجنونا، فالجنون في زمننا عين العقل، ودعه في أن يبقى ممتطيا راحلته العرجاء يفتش عن وطن يحبه، أقسم أنه غير موجود، لأن الوطن الذي أحبه قد غاب في خلايا العقل المجنون.       

                                                         سعد العبيدي

                                                          27 /12 /2012

أســــوأ الـــنــاس مـــن ســـرق الــنــاس

انقلبت عندنا المفاهيم والقيم رأساً على عقب في ظل الانحرافات الخطيرة التي شهدها مجتمعنا في السنوات الأخيرة, حتى جاء اليوم الذي سمعنا فيه بمن يتلاعب بمنطوق الحديث الشريف (خير الناس من نفع الناس), فيقلبه على مزاجه الهائم في الفضاءات الفاسدة بعدما تحولت معايير المفاضلة لصالح اللصوص والحرامية, فسطع نجم الذي اختلس المال العام, والذي سرق الناس, وغش الناس, واحتال عليهم, واصطفوا مع وجهاء المجتمع, وكادوا يكونون في الطليعة, بينما أفل نجم الشريف والعفيف والنزيه, وتواروا خلف القافلة.  دعونا نبدأ حديثنا عن علي بابا والمليون حرامي, بحرامية ليلة الجمعة, فنقول: يتفق البصريون (أهل البصرة), وعامة مدن الخليج على إن ليلة الجمعة من الليالي المباركة العظيمة الشأن، والعمل فيها مضاعف، وقد اعتاد الناس في البصرة على مغادرة بيوتهم في هذه الليلة الكريمة، والتوجه إلى المساجد للإكثار من الصلاة وقراءة القرآن، والانصراف كليا إلى إحياء مجالس الذكر والدعاء، وغالبا ما يخصصون هذه الليلة لإقامة الأفراح والولائم والاحتفالات، فيجتمع الناس في مكان واحد تاركين وراءهم بيوتهم مفتوحة الأبواب، ما يعطي فرصة لذوي النفوس الشريرة، من اللصوص والسراق لنهب محتويات البيوت والدكاكين، متسترين بالظلام الدامس، ومستغلين غياب الناس، وانشغالهم بالعبادة، فاستحقوا لقب (حرامية ليلة الجمعة)، وهم من أسوأ أصناف اللصوص والحرامية وأكثرهم خسة ونذالة، ويعكسون أبشع صور الانتهازية المريضة، ثم شاع استخدام هذا الاصطلاح شيئا فشيئا، وتشعبت استخداماته على نطاق واسع، وصار يُطلق هذه الأيام على كل من تسول له نفسه استغلال طيبة الناس من اجل تحقيق غاياته ومآربه الذاتية الدنيئة، ويُطلق على كل من يشغل مكانا أو منصبا خارج النطاق المنطقي لاستحقاقاته المهنية ومؤهلاته الذاتية، ويُطلق على زمر الدجالين والأفاقين الذين تجلببوا بجلباب الورع والتقوي، وتظاهروا بالعفة والنزاهة، ويطلق على كل من يتاجر بهموم الناس وآلامهم، ويجيز سرقة قوتهم اليومي، ويُطلق أيضا على جميع المتفننين باللغف والخمط السري والعلني.  من المفارقات العجيبة إن حرامية ليلة الجمعة كانوا يمارسون السطو الليلي في المجالات الضيقة، وتنحصر نشاطاتهم في هذه الليلة دون غيرها، في حين يمضون بقية أيام الأسبوع في التخفي والتواري عن أنظار الناس. أما جماعتنا من عرب الشيخ (فرهود) فقد برعوا في النهب والسلب والتهريب والقرصنة ومصادرة حقوق الناس، وصاروا عباقرة في تطوير نظريات السطو الليلي والنهاري وتنفيذها بأساليب حنقبازية متقنة، بمعدل سبعة أيام بالأسبوع وبراءة الأطفال في عيونهم,  فصار اصطلاح (حرامية ليلة الجمعة) ينطبق على المسؤول الساكت عن الحق, وينطبق على الذي يرى الفساد ويلوذ بالصمت المطبق، وينطبق مع المتواطئ مع الحرامية، وعلى الذين خانوا الأمانات، وعلى الذين مارسوا أساليب الغش التجاري، وابرموا عقود استيراد المواد الغذائية الفاسدة والمتعفنة، ودسوا السموم في حليب أطفالنا، وعلموا الشركات الصينية أصول ومبادئ العتاكة، ودربوهم على فنون تجار السكراب والخردة. وينطبق على الذين اشتغلوا ببورصة المتجارة بالأسئلة الامتحانية للمراحل الدراسية المنتهية، وباعوها بالجملة لأصحاب الأدمغة المعطلة وذوي العقول المشلولة، وينطبق على الموظف المتعجرف، الذي مارس الابتزاز الوظيفي العلني، واستغل موقعه الإداري لتضييق الخناق على المواطن البسيط بغية الاستحواذ على مدخراته المالية المتواضعة بأسلوب الابتزاز الوضيع. ويعد من حرامية ليلة الجمعة أولئك الذين مارسوا الدعارة السياسية، وشطبوا المصالح الوطنية العليا من أجندتهم، واسترخصوا دماءنا من اجل حفنة من الدولارات قبضوها عربونا من أسيادهم، ثم اشتغلوا في إنتاج وتوزيع الدسائس والفتن، ما ظهر منها وما بطن، وتلاعبوا بعواطف الناس البسطاء، وأشاعوا روح الفرقة والتشرذم بين عناصر المجتمع المتجانس، وأوقدوا نيران الحقد والضغينة بين أبناء الشعب الواحد المتماسك. 

ربما نعيش اليوم في زمن السنوات الخداعات, التي يُصدق فيها الكاذب، ويُكذب فيها الصادق, ويُخون فيها الأمين، ويُؤتمن فيها الخائن. خصوصا بعد أن مال مجتمعنا المريض إلى الترحيب بأرباب المال الحرام, وإبداء الحفاوة بهم, وإفساح مقاعد الصدارة لهم في المجالس, ومال إلى تبجيل زعماء اللصوص, ومكافئة قادة قطاع الطرق, واحترام كبار الحرامية, وتكريم شراذم الصعاليك, من الذين امتهنوا السلب والنهب والسطو على ممتلكات الدولة, وأوغلوا في اختلاس المال العام بذرائع ومبررات خسيسة, وأساليب تستبطن الكفر والفسوق والعصيان, وتعلن الغش والاحتيال. حتى أباحوا المحرمات, واستسهلوا الموبقات, فتراهم يبحثون, في كل مصر وعصر, عمن يساندونهم ويوفرون لهم النصرة العشائرية, أو القوة الحزبية, لكي يتوسعوا في عمليات الكسب الحرام, والاختلاس المنظم, فاستكبروا في الأرض وطغوا وما كانوا سابقين.  

ومما يثير السخط بين عامة الناس صلافة بعض المسؤولين في تضليل الناس, ووقاحتهم في تبرير السرقات المفضوحة عن طريق التلاعب بالألفاظ والعبارات, وتطوعهم للذود عن حرامية المال العام, ومحاولاتهم المخزية لطمس الحقائق, وإخفاء نور الشمس الساطع بغرابيلهم المثقوبة. وتسابقهم لتوفير الحماية للشراذم الفاسقة التي انغمست في الرذيلة, حتى أصبح من المألوف مشاهدة المسؤول الفلاني وهو يستميت في دفاعه عن اللصوص والنصابين, وينزلهم منازل الزهاد والمتصوفين. ولا أسخف من موقف بعض المسؤولين الذين ما انفكوا يطالبون الناس بوجوب الوقوف مع السراق والحرامية والتضامن معهم. ولا أتفه ولا أقبح من الحجج والتعليلات الغبية, التي تبرر مصادرة الموارد والثروات العامة, وتسريع وتيرة التسابق لكسر الأرقام القياسية في مباريات اللغف. بينما يوصم الموظف النزيه بالغباء والسذاجة, لأنه في رأيهم لم يحسن استغلال الفرص المتاحة, ولم يكن حاذقا في التعامل مع الواقع المعاش واللحاق بقافلة السراق والمختلسين. 

ربما لا يعلم هؤلاء أن الجاه والسلطة والدعم الحزبي والعشائري لا يعفيهم من عقاب الله, يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً, ويسحبون في النار على وجوههم ليذوقوا مس سقر. ولا تعترف الأحكام السماوية إلا بالاستقامة والعدل والإحسان. فالمال العام ملك مشترك للجميع, ولا يجوز الاستحواذ عليه وحيازته على حساب الاستحقاقات العامة. 

إنّ طغيان اللصوص والحرامية, واستهتارهم قد ينمو بنمو المال الحرام, وقد يتكاثر بغياب الرقابة المالية الصارمة, بيد أن بوصلتهم ستنحرف بهم انحرافا مهينا نحو مستنقعات الخزي والعار والذل في الدنيا والآخرة. 

فما أحوجنا اليوم إلى البرامج الإصلاحية الشاملة, والتي ينبغي أن تكون بمثابة فزعة وطنية صادقة, لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أمولنا وثرواتنا العامة المبعثرة المستباحة, وما أحوجنا اليوم إلى التسلح بالإيمان, وردع السراق الذين انتهكوا التشريعات السماوية, وأساءوا إلى القيم الأخلاقية النبيلة, وما أحوجنا اليوم إلى وعي وطني يتفجر وينمو ويترعرع في النفوس الطيبة لينبع منها حسا جميلا افتقدناه منذ زمن بعيد. .

ختاما نقول: إننا لسنا في المدينة الفاضلة الخالية من الفساد والرذيلة، لكننا نأمل أن نشدد الرقابة في المرحلة القادمة، ونتربص بالتصرفات والسلوكيات المرفوضة، التي لا تخدم الناس، وهذه أمنية سيسعي المخلصون إلي تحقيقها على قدر ما تجود به شهامتهم الوطنية الصادقة اتجاه ثرواتهم المسروقة منذ تريليون ليلة وليلة، والله يستر من الجايات.

كيف يمكن أن «نستثمر» الحسين..؟

توفي الرسول «صلى الله عليه وعلى آله» في ضحى يوم الاثنين 12 ربيع الأول عام 11 للهجرة في المدينة المنورة .

ووقعت مذبحة الحسين بن فاطمة الزهراء في العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة؛ وهذا يعني ان ظل النبي محمد ومكان النبي وروح النبي لم تزل تملأ الجزيرة العربية؛ فخمسون سنة في عمر البشرية (خصوصا مع دين جديد غيّر الواقع الاجتماعي والسياسي والعسكري والفكري للمنطقة برمتها) ليست بذلك الفاصل الزمني الهائل الذي يجعل القوم يتنكرون للرجل (على الأقل) الذي نقلهم من حالة الفقر والتشرذم والضياع إلى الملوكية والثراء والسبايا؛ ناهيك عن انه (نبي الله) فأيّ نكران جبل عليه أعراب ذلك الزمن.

في هذا العام سيكون قد مضى على تلك الواقعة الأليمة ما يقرب من 1400 سنة؛ وكربلاء هي كربلاء؛ والحسين هو الحسين؛ والشهداء هم الشهداء؛ والسبايا هم السبايا؛ وأبطال الجانب المظلم هم أنفسهم بلا أي إضافة: يزيد وعبيد الله بن زياد والشمر وبقية الكورس التافه؛ إذن لِمَ تستمر الحكاية كل هذه القرون ونحن نعرفها بالحذافير وبالتفاصيل المجهرية وبأزياء الجند وصحائف التموين؛ بل وحتى بعدد السيوف التي طعنت والسهام التي رميت وأوضاع القتلى؛ والنهاية التراجيدية؛ والطرق التي سلكتها قافلة الأسرى وصولا إلى الشام (وبودي أن أتوقف عند هذه الجملة الرهيبة– قافلة الأسرى – فهذه القافلة كانت تضم: بنات رسول الله وأحفاد رسول الله وأنفاس رسول الله وبوسات رسول الله لم تزل تعبق من الثياب ومن الأجساد الطاهرة الشريفة) إذن ما السرّ البعيد عن الروزخونيات والتكسب بالرثاء او التقرب من المغفرة باللطم والتطبير والزنجيل؛ سر ديمومة الحسين؟!!

سر كشفه بطل الفاجعة في اللحظات الاولى من الملحمة حين قال: خرجت للإصلاح؛ والاحتجاج على الظلم؛ واهانة آدمية الإنسان؛ وأمام كل فضائيات التاريخ صرّح: هكذا علمني جدي (رسول الله) وأوصاني به أبي(يعسوب الإسلام) وارضعتنيه أمي (فاطمة- أم رسول الله قبل أن تكون ابنته) ثم مضى البطل الأسطوري مطمئنا إلى طريق الدم؛ وجميع أصحابه كانوا بذات الاطمئنان وراحة الضمير.

ألقى ديّة رسالته بأعناقنا واصطحب رأسه الشريف إلى حيث (فكرة) استشهاده ونام قرير العين؛ يراقب كيف ينتفض المظلومون وكيف يتحولون-مثله– إلى(فكرة) سيحاول الحكام والطغاة والمتجبرين وأدها.. ويفشلون.

 فكرة الحسين؛ هي ما يجب استثمارها لنكون حقا بمستوى طموحه النبوي؛ ما يجب تمثلها في حياتنا المعاصرة وترجمتها إلى واقع ملموس؛ غير مغيّب وغير ملعوب عليه بالادعاء أو التظاهر بالانتماء والبكاء ونصب السرادق وتوزيع الشاي والكعك وتقديم المأكولات والشرابت؛ لتضاف الأموال المنهوبة باسمه إلى قوائم الفساد العام؛ هذه (هوامش)على(المتن) والمتن هنا هو(جوهر) نهضة الحسين والسبب الحقيقي لانتفاضته العاشورائية (مواقفه وتضحياته من اجل الحق والمبدأ والعدالة التي تمكن كل إنسان من حقه وتحفظ له كرامته وحريته).

عشرة ملايين زائر لمقام أبي عبد الله الحسين؛ ماذا لو تمثّل (عشرهم) رسالة الحسين وساروا إلى السياسيين؛ والحكام المتاجرين بدمنا.. وحاصروهم في مناطقهم؛ مطالبين بالإصلاح ومحتجين على الظلم الذي يحيق بنا من جميع جوانب حياتنا؛ ورافضين الاهانات التي نواجهها يوميا انّى أدرنا الوجه؛ في حين يرفل أولو الأمر بما رفلت به قصور بني أمية.

الحسين: رسالة إنسانية عظمى انتمى إليها كل المظلومين في التاريخ الإنساني؛ فمتى ننتمي إليها نحن ؟.

حـق الـرد..حـــق الـحـــزن

كنا قد كتبنا عن مثقف ومناضل وله مؤلفات متنوعة.. ولكن لم نسمه.. وقد عرف انه المقصود ووردنا منه هذا التعقيب الحزين.. وبما يفسر انزواؤه وابتعاده عما كان ينتظره وهو من فصيل المعارضة قبل الاحتلال.. وشغل بصمت مواقع  حكومية  مهمة.. وربما ما زال.. وقلنا في مقالنا أن هذا الحالم بوطن قد أوهمه حلمه بان  الساسة سينتقلون مما هم فيه الى النقيض بعد ان استنفذوا ما وضع العراق في صدارة الخراب.. فما تعليقه؟؟ السيد حاتم حسن…. 

التضليل يا سيدي في هذه البقعة من الأرض هو الحياة، جميعنا ضال ومضلل، أنا، أنت، هو، هم والجمع الغفير. يكذب من يدعي غير هذا، سيد قوم كان أو من العبيد. 

الحاكم فينا ضل في دهاليز السلطة أو ضللته مغريات السلطة، فأعتقد أنه المنقذ الوحيد. والمحكوم هو الآخر ضلله وهم التقرب من السلطة فبقيّ جالسا في مكانه عقودا، ينتظر الفرج القريب.    

الحب يا سيدي على هذه الأرض وَهمُ  وضلالة وان كان لوطن عزيز. لأن الوطن الذي أريد له أن يبقى محبوبا يعطي الأبناء، يكبرهم، ويكبر بهم, يغفر خطاياهم، يساوي بينهم، يثيب العاشقين… وطننا الذي غرقنا في حبه، يرمينا في حفرة الرأي الواحد ويهيل علينا التراب، يحرمنا من ابسط معالم الحياة، يحاسبنا عن أخطاء أجدادنا الميتين. 

وطننا لا يخضع لمنطق الحراك ولا لمعطيات علوم النفس والسلوك، فلا تعتب على من ترك تخصصه وسار في درب الحب الموهوم، ولا على من أعطى رأيا أقتبسه من نظريات نجح تطبيقها في كل الأوطان، إلا في وطننا السائر بالمقلوب، فالرجال في الأوطان الأخرى يا سيدي يصنعون السياسة فيبقون ويخلدون بانجازاتهم.. والسياسة في وطننا تشكل الرجال الساعين إلى التدمير بقصد الخلود. نعم تعلمنا أن المنابع يمكن أن تجف، ومسارب العدوان يمكن أن تنضب، والشبع يمكن أن يحدث تخمة، والعيون يمكن أن تمتلئ وتقل من أمامها مثيرات المال، إلا في العراق الوطن الأم لكل معززات التضليل، فكل شي فيه يسير بالمقلوب لإكمال فعل التضليل. وبالتالي سيكون الإنكار الكلي للقناعات والمحو الكلي للمعارف والنظريات، والعودة الى الأمية المعرفية هو الحل الملائم للتعامل مع سير المقلوب، وان كان عرضا من أعراض اليأس والجنون. بل وأكثر من هذا فالانفصال عن الواقع أو الجنون هو الحل الأسلم للبقاء في هذا الواقع المقلوب. 

كيف لك أن تريد من الواحد أن يبقى عاقلا في وطن يُقتل فيه العالِم لعلمه، ويُغتال الضابط لتضحيته، وُتغتصب المرأة لانوثتها، وتعطل الدولة لنصف أيامها، ويطبق الكفرة والفاسدين شرائع الدين، ويحقد الموظف على مديره، والجندي على آمره ويخسر الأب ابناءه في وضح النهار. 

دع مَن وصفته في مقالك هاربا، في أن يبقى كذلك مجنونا، فالجنون في زمننا عين العقل، ودعه في أن يبقى ممتطيا راحلته العرجاء يفتش عن وطن يحبه، أقسم أنه غير موجود، لأن الوطن الذي أحبه قد غاب في خلايا العقل المجنون.       

                                                         سعد العبيدي

                                                          27 /12 /2012

أســــوأ الـــنــاس مـــن ســـرق الــنــاس

انقلبت عندنا المفاهيم والقيم رأساً على عقب في ظل الانحرافات الخطيرة التي شهدها مجتمعنا في السنوات الأخيرة, حتى جاء اليوم الذي سمعنا فيه بمن يتلاعب بمنطوق الحديث الشريف (خير الناس من نفع الناس), فيقلبه على مزاجه الهائم في الفضاءات الفاسدة بعدما تحولت معايير المفاضلة لصالح اللصوص والحرامية, فسطع نجم الذي اختلس المال العام, والذي سرق الناس, وغش الناس, واحتال عليهم, واصطفوا مع وجهاء المجتمع, وكادوا يكونون في الطليعة, بينما أفل نجم الشريف والعفيف والنزيه, وتواروا خلف القافلة.  دعونا نبدأ حديثنا عن علي بابا والمليون حرامي, بحرامية ليلة الجمعة, فنقول: يتفق البصريون (أهل البصرة), وعامة مدن الخليج على إن ليلة الجمعة من الليالي المباركة العظيمة الشأن، والعمل فيها مضاعف، وقد اعتاد الناس في البصرة على مغادرة بيوتهم في هذه الليلة الكريمة، والتوجه إلى المساجد للإكثار من الصلاة وقراءة القرآن، والانصراف كليا إلى إحياء مجالس الذكر والدعاء، وغالبا ما يخصصون هذه الليلة لإقامة الأفراح والولائم والاحتفالات، فيجتمع الناس في مكان واحد تاركين وراءهم بيوتهم مفتوحة الأبواب، ما يعطي فرصة لذوي النفوس الشريرة، من اللصوص والسراق لنهب محتويات البيوت والدكاكين، متسترين بالظلام الدامس، ومستغلين غياب الناس، وانشغالهم بالعبادة، فاستحقوا لقب (حرامية ليلة الجمعة)، وهم من أسوأ أصناف اللصوص والحرامية وأكثرهم خسة ونذالة، ويعكسون أبشع صور الانتهازية المريضة، ثم شاع استخدام هذا الاصطلاح شيئا فشيئا، وتشعبت استخداماته على نطاق واسع، وصار يُطلق هذه الأيام على كل من تسول له نفسه استغلال طيبة الناس من اجل تحقيق غاياته ومآربه الذاتية الدنيئة، ويُطلق على كل من يشغل مكانا أو منصبا خارج النطاق المنطقي لاستحقاقاته المهنية ومؤهلاته الذاتية، ويُطلق على زمر الدجالين والأفاقين الذين تجلببوا بجلباب الورع والتقوي، وتظاهروا بالعفة والنزاهة، ويطلق على كل من يتاجر بهموم الناس وآلامهم، ويجيز سرقة قوتهم اليومي، ويُطلق أيضا على جميع المتفننين باللغف والخمط السري والعلني.  من المفارقات العجيبة إن حرامية ليلة الجمعة كانوا يمارسون السطو الليلي في المجالات الضيقة، وتنحصر نشاطاتهم في هذه الليلة دون غيرها، في حين يمضون بقية أيام الأسبوع في التخفي والتواري عن أنظار الناس. أما جماعتنا من عرب الشيخ (فرهود) فقد برعوا في النهب والسلب والتهريب والقرصنة ومصادرة حقوق الناس، وصاروا عباقرة في تطوير نظريات السطو الليلي والنهاري وتنفيذها بأساليب حنقبازية متقنة، بمعدل سبعة أيام بالأسبوع وبراءة الأطفال في عيونهم,  فصار اصطلاح (حرامية ليلة الجمعة) ينطبق على المسؤول الساكت عن الحق, وينطبق على الذي يرى الفساد ويلوذ بالصمت المطبق، وينطبق مع المتواطئ مع الحرامية، وعلى الذين خانوا الأمانات، وعلى الذين مارسوا أساليب الغش التجاري، وابرموا عقود استيراد المواد الغذائية الفاسدة والمتعفنة، ودسوا السموم في حليب أطفالنا، وعلموا الشركات الصينية أصول ومبادئ العتاكة، ودربوهم على فنون تجار السكراب والخردة. وينطبق على الذين اشتغلوا ببورصة المتجارة بالأسئلة الامتحانية للمراحل الدراسية المنتهية، وباعوها بالجملة لأصحاب الأدمغة المعطلة وذوي العقول المشلولة، وينطبق على الموظف المتعجرف، الذي مارس الابتزاز الوظيفي العلني، واستغل موقعه الإداري لتضييق الخناق على المواطن البسيط بغية الاستحواذ على مدخراته المالية المتواضعة بأسلوب الابتزاز الوضيع. ويعد من حرامية ليلة الجمعة أولئك الذين مارسوا الدعارة السياسية، وشطبوا المصالح الوطنية العليا من أجندتهم، واسترخصوا دماءنا من اجل حفنة من الدولارات قبضوها عربونا من أسيادهم، ثم اشتغلوا في إنتاج وتوزيع الدسائس والفتن، ما ظهر منها وما بطن، وتلاعبوا بعواطف الناس البسطاء، وأشاعوا روح الفرقة والتشرذم بين عناصر المجتمع المتجانس، وأوقدوا نيران الحقد والضغينة بين أبناء الشعب الواحد المتماسك. 

ربما نعيش اليوم في زمن السنوات الخداعات, التي يُصدق فيها الكاذب، ويُكذب فيها الصادق, ويُخون فيها الأمين، ويُؤتمن فيها الخائن. خصوصا بعد أن مال مجتمعنا المريض إلى الترحيب بأرباب المال الحرام, وإبداء الحفاوة بهم, وإفساح مقاعد الصدارة لهم في المجالس, ومال إلى تبجيل زعماء اللصوص, ومكافئة قادة قطاع الطرق, واحترام كبار الحرامية, وتكريم شراذم الصعاليك, من الذين امتهنوا السلب والنهب والسطو على ممتلكات الدولة, وأوغلوا في اختلاس المال العام بذرائع ومبررات خسيسة, وأساليب تستبطن الكفر والفسوق والعصيان, وتعلن الغش والاحتيال. حتى أباحوا المحرمات, واستسهلوا الموبقات, فتراهم يبحثون, في كل مصر وعصر, عمن يساندونهم ويوفرون لهم النصرة العشائرية, أو القوة الحزبية, لكي يتوسعوا في عمليات الكسب الحرام, والاختلاس المنظم, فاستكبروا في الأرض وطغوا وما كانوا سابقين.  

ومما يثير السخط بين عامة الناس صلافة بعض المسؤولين في تضليل الناس, ووقاحتهم في تبرير السرقات المفضوحة عن طريق التلاعب بالألفاظ والعبارات, وتطوعهم للذود عن حرامية المال العام, ومحاولاتهم المخزية لطمس الحقائق, وإخفاء نور الشمس الساطع بغرابيلهم المثقوبة. وتسابقهم لتوفير الحماية للشراذم الفاسقة التي انغمست في الرذيلة, حتى أصبح من المألوف مشاهدة المسؤول الفلاني وهو يستميت في دفاعه عن اللصوص والنصابين, وينزلهم منازل الزهاد والمتصوفين. ولا أسخف من موقف بعض المسؤولين الذين ما انفكوا يطالبون الناس بوجوب الوقوف مع السراق والحرامية والتضامن معهم. ولا أتفه ولا أقبح من الحجج والتعليلات الغبية, التي تبرر مصادرة الموارد والثروات العامة, وتسريع وتيرة التسابق لكسر الأرقام القياسية في مباريات اللغف. بينما يوصم الموظف النزيه بالغباء والسذاجة, لأنه في رأيهم لم يحسن استغلال الفرص المتاحة, ولم يكن حاذقا في التعامل مع الواقع المعاش واللحاق بقافلة السراق والمختلسين. 

ربما لا يعلم هؤلاء أن الجاه والسلطة والدعم الحزبي والعشائري لا يعفيهم من عقاب الله, يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً, ويسحبون في النار على وجوههم ليذوقوا مس سقر. ولا تعترف الأحكام السماوية إلا بالاستقامة والعدل والإحسان. فالمال العام ملك مشترك للجميع, ولا يجوز الاستحواذ عليه وحيازته على حساب الاستحقاقات العامة. 

إنّ طغيان اللصوص والحرامية, واستهتارهم قد ينمو بنمو المال الحرام, وقد يتكاثر بغياب الرقابة المالية الصارمة, بيد أن بوصلتهم ستنحرف بهم انحرافا مهينا نحو مستنقعات الخزي والعار والذل في الدنيا والآخرة. 

فما أحوجنا اليوم إلى البرامج الإصلاحية الشاملة, والتي ينبغي أن تكون بمثابة فزعة وطنية صادقة, لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أمولنا وثرواتنا العامة المبعثرة المستباحة, وما أحوجنا اليوم إلى التسلح بالإيمان, وردع السراق الذين انتهكوا التشريعات السماوية, وأساءوا إلى القيم الأخلاقية النبيلة, وما أحوجنا اليوم إلى وعي وطني يتفجر وينمو ويترعرع في النفوس الطيبة لينبع منها حسا جميلا افتقدناه منذ زمن بعيد. .

ختاما نقول: إننا لسنا في المدينة الفاضلة الخالية من الفساد والرذيلة، لكننا نأمل أن نشدد الرقابة في المرحلة القادمة، ونتربص بالتصرفات والسلوكيات المرفوضة، التي لا تخدم الناس، وهذه أمنية سيسعي المخلصون إلي تحقيقها على قدر ما تجود به شهامتهم الوطنية الصادقة اتجاه ثرواتهم المسروقة منذ تريليون ليلة وليلة، والله يستر من الجايات.

وهل يكفي الرثاء.. له نسب ؟!

ما أن يحين الحين، مستذكرين (واقعة الطف)، في أربعينية أبي عبد الله الحسين (ع) مرتلا بموقفه، مجسدا عمق هيبته بأن:(هيهات منا الذلة) ليعود صداها أزليا مدويا، بزهو رمز النبل ضد الذل والهوان في أبهى مباهج الاعتراف باندحار سيف الظلم والطغيان،على نصال انتصار الدم طهوراً، صبوراً،  دؤوباً صوب مراقي وسلالم الخلود، نحو سنان الرفعة ومهابة السمو، في أن نعيد ملحمة وفحوى عمق زهو ذلك السؤال، ونكرره عزا و بهاء واستذكارا لعمق معنى الشهادة، كونه السؤال الصعب، لا بل الأصعب على جمرات وهج الزمان حين يعلو ويسمو مرددا: (من الأبقى في ضمير وعي التأريخ، الحسين .. أم قاتليه ؟!!). لتفيض المعاني بزهو توحدها، ولتدع الزمان نفسه يتهجى حروف نقاوة ذلك الرفض قائلا: (مزيد من الزمن.. لا يعني مزيدا من الخلود)، لتأخذ الدلالة معنى العبارة وتتسع الرؤية بحجم ملحمة الطف حتى تضيق كل وسائل التعبير كي توازي مع وهج الحقيقة، التي من أجلها ضحى الحسين وجاد بكل شيء، وأول مباهج تلك التضحيات، نفسه وطهارة دمه النقي كروحه المرفرفة في عليين، مدى الدهر، وهذا صوت الشاعر العراقي «د. حمد الدوخي» يلهج قائلا: (( ليس الحسين إماما …

بعض الحسين أئمة

قد جاء فردا…..

لوحده… وصار أمة

حتى بحالة جر..

ترى النون ضمة ))

فأي مدار يسير ويستقبل هذا الاحتدام المتآخي مع براءة وبها الروح الطاهرة حين تسكن على فوهة بركان بقلب صابر رحيم، واثق بحمل صولجان الخلود، وهي تداني بموقفها سموات الأساطير والملاحم رهن ربحها الأكيد لجوهرها..؟!

 وأي رثاء يوازي شرف الحسب والنسب والسبب في توثيق ذكرى استشهاد طيب الطيبين و أنقى أنقياء الله جل شأنه، وأحب وأبقى من يعيش العالم بفيوض ذكراه، حين يحين الحين، وتفتح الحياة أبوابها في استلهام ذلك النبأ العظيم، وها هنا يتهدج صوت «نزار قباني» في ملحمة رثاء أبي عبد الله الحسين، سخيا، مستهاما بطيب النسب وألق الشهادة وفجر الكبرياء هاتفا ملء المدى والضمير:

( إن لم يكن بين الحسين وبيننا……

نسب فيكفينا الرثاء له نسب)

 ويهيم الشاعر في نحت ذات الوجود مرتلا بطول قامة الدهر متسائلا بوثوق محب وهائم:

( لا ينقضي ذكر الحسين بثغرهم….

وعلى امتداد الدهر يوقد كاللهب

و كأن لا أكل الزمان على دم….

كدم الحسين بكربلاء ولا شرب

 أو لم يحن كف البكاء فم عسى…

يبدي ويجدي والحسين قد أحتسب)

 وليمتد روح القصيد بنسغ نبضاتها، في قيعان قصائد وقلائد حب الحسين كلما حان ويحين ذكرى قداسة جسده محمولا على أكتاف التأريخ – الذي أراده هو عليه أفضل السلام- في أنقى معالم رفضه للظلم أين ما حل وكان.

تظـاهـرة الانـبـار وأخـطـاء المـكـان والشـعـار

من نافل القول الإشارة إلى أن دستورنا: تعددي فيدرالي يضمن للمواطنين حرية الرأي ولكن في الوقت نفسه نصَّت المادة “36” بما لا يخل بالنظام العام والآداب أولاً: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل وثالثا: حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وينظم بقانون.

وقطع الطريق العام هو أخلال بالنظام

ومن يدعي غير ذلك لا يعرف النظام ولا يفهم في السياسة، بل أن قطع الطريق العام هو من أوضح صور الإخلال بالنظام العام لأنه يتسبب بما يلي:

1- قطع شريان حيوي من المواصلات التي تربط العراق بالخارج

2- إعاقة وصول المواد الغذائية وهي كثيرة المرور عبر هذا الطريق

3- إعاقة وصول المواد الإنشائية والمعدات التي تحتاجها السوق المحلية

4- منع المرضى من الوصول إلى المستشفيات والحصول على العلاج اللازم في الوقت المناسب.

5- منع وصول الحوامل من النساء واللواتي في حالة طلق ولادي إلى المستشفيات لتسهيل عملية الولادة وحماية الأم والجنين.

6- منع وصول طلاب المدارس إلى مدارسهم

7-    منع وصول طلاب الجامعات إلى جامعاتهم

8- إعطاء صورة سلبية عن البلد الذي لا يعرف أهله كيف يتظاهرون

9- إعطاء صورة سلبية عن ثقافة المواطن العراقي.

وشيء من هذه السلبيات تتعلق بالآداب العامة؛ فهذه التظاهرة وبالطريقة التي تجري فيها هي مخالفة للنظام العام مثلما هي مخلة بالآداب, وعليه يكون هذا العمل ممنوعا في الدستور العراقي طبقاً للمادة 36″ .

وبما أن التظاهرات رفعت شعارات مخلة بالنظام العام واستعملت كلمات مخلة بالأدب العام من خلال رفع العلم العراقي القديم – وهو مخالفة دستورية – مثلما رفع علم ما يسمى بالجيش الحر و- هي تسمية تنسب لطرف معارض في سوريا يمارس العمل المسلح يسمى بالجيش الحر تدعمه تركيا وتموله كل من قطر والسعودية وهو موضع إشكالية عند الشعب السوري – فكيف وما معنى أن يرفع هذا الشعار في تظاهرة عراقية؟

على كل من أيد تلك التظاهرة أو ساهم فيها أو دعا إليها أن يجيب عن هذا السؤال وهو سؤال عراقي بامتياز برسم كل من ذكرنا ويشمل هذا الرسم حتى الذين سكتوا مجاملة أو ممالئة.

إن الهتافات التي رفعت يعرف من يقف وراءها وهي تنسب لجماعة كانت تنتمي لحزب كان سببا في دمار العراق أرضا وشعبا.

ثم كيف تصبح الشعارات الطائفية متداولة وينادى بها علنا ولمصلحة من؟

ولمن ينكر ذلك عليه أن يراجع خطبة الجمعة يوم 21|12|2012 في مسجد مدينة تكريت وقد ألقاها معمم صغير السن تجاوز على مفتي أهل السنة في العراق مثلما تجاوز على وحدة الشعب العراقي عندما دعا إلى الشعارات الطائفية مثل “الأكثرية” ويقصد بها الأكثرية في العالم الإسلامي وهي معروفة والأقلية في العالم الإسلامي التي غمز من طرفها كثيرا وهي كذلك معروفة؟

أننا مع التظاهر الذي ينتصر لوحدة العراق, ومع التظاهر الذي ينتصر للمعتقلين المظلومين وليس لقتلة الشعب العراقي من الإرهابيين “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (سورة البقرة)”.

ولسنا مع التظاهر الذي يخلط الأوراق ليسوق الحال للوهابيين ولمن كان سببا في دمار العراق من منفذي سياسة تدمير منظومة القيم العراقية عبر “35” سنة من الحكم الهمجي الذي لم يشهد له العالم مثيلا, وهو من حظرت عمله المادة “7” من الدستور العراقي.

أننا نعاتب بعض شيوخ العشائر الذين اندفعوا لتأييد مثل هذه التظاهرة قبل أن يدرسوا الأمور جيدا وقبل أن يتبينوا ما وراءها من دس وفتنة، وأننا نعاتب وسائل الإعلام التي روجت لمثل هذه التظاهرة التي انحرفت عن هويتها الوطنية ولم تفرق ما بين حاجتنا للقضاء وما بين أخطاء القضاء مثلما لم تفرق ما بين حاجتنا للحكم وأخطاء الحكم.

إن السكوت تجاه هكذا تظاهرة هو خدمة مجانية لمن يريد تقسيم العراق ونحن لا نتكلم بلغة المؤامرة, ولكن لعبة الأمم أصبحت واضحة مقروءة “لنا الطاقة وأمن إسرائيل ولكم حكم السلفيين والوهابيين”؛ ومن لا يفهم هذه المعادلة لا يحق له أن يدعو إلى تظاهرة ولا يحق له أن يعمل في السياسة ولا يحق له أن يكون عضوا في البرلمان ولا عضوا في مجالس المحافظات.

أعيدوا النظر في تظاهرة يشارك فيها الإرهابيون قتلة الشعب العراقي وأعيدوا النظر في تظاهرة يشارك فيها فلول الحزب البائد وأعيدوا النظر في تظاهرة يرفع فيها علم ما يسمى بـ”الجيش الحر” وأعيدوا النظر في تظاهرة يرفع فيها العلم العراقي الملغى دستوريا وأعيدوا النظر في تظاهرة يرفع فيها علم الإقليم صاحب الفتن التي تترى على العراق كقطع الليل المظلم.

الوالي والتموينية !

حدثني احد الزملاء الصحفيين، وقد بلغ به الانزعاج مبلغا عظيما، انه على مدى سبع سنوات متواصلة، وهو يكتب ويكتب عن البطاقة التموينية، ويدعو في كل مرة الى زيادة مفرداتها وتحسين نوعيتها، لأنها وسيلة جياع العراق الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، غير ان الحكومة بدلا من الاستماع اليه عمدت الى تقليص مفرداتها شيئا فشيئا، حتى وصل التقليص إلى مادة الشاي الذي يعد فاكهة العراقيين الفقراء وعنوان ضيافتهم، ولم تكتف الحكومة بذلك، بل أدخلت الناس في معمعة مضحكة، وهي تنوي إجراء استفتاء شعبي، وتشكيل مفوضية مستقلة لانتخاب  البطاقة، ومعرفة من يريد بقاءها، او القبول برشوة قدرها (15) الف دينار مقابل السكوت، وقد ذكرني هذا ـ والكلام ما زال لزميلي الصحفي-، بمواطن عراقي ايام الحكم العثماني، قصد الوالي وشكا له من بيته الصغير ذي الغرفة الواحدة، ومن كثرة عياله وطلب منه تخصيص دار اكبر، فسأله الوالي (هل تربي حيوانات في باحة بيتك؟!)، رد عليه المواطن (نعم.. عندي عشرون دجاجة، وثلاث نعاج، وبقرة) قال له الوالي (أمرنا ان تسكن انت وافراد اسرتك وحيواناتك في الغرفة الوحيدة، وسأبعث من يراقبك، ويداهم منزلك في ليل أو نهار، لكي يتأكد من التزامك بأمري، وحذار حذار ان تخالف، هيا اخرج ولن تأتي الى هنا إلا بعد سبعة أيام)! 

مرعوبا غادر المواطن العراقي، والتزم بامر الوالي لانه يعرف قسوة العقوبة، ولم تكد الأيام السبعة تمضي بما فيها من قرف واذى ودمار الا بشق الأنفس، وذهب الى الوالي الذي قال له: (تذهب الان الى منزلك وتعيد الدجاجات فقط الى قنها، وتعال بعد سبعة ايام) ونفذ الرجل الامر، وشعر بشيء من الارتياح لم يخفه عن الوالي عند لقائهما الجديد، ولكن النعاج والبقرة ما زالت تنغص عليه وعلى أسرته حياتهما، وامره الوالي ان يعيد النعاج الى زريبتها ويعود بعد أسبوع، ونفذ المواطن العراقي الأمر وهو سعيد للغاية، ولم يخف سعادته عن الوالي في لقائهما الجديد، ولكن وجود البقرة معهم في غرفة واحدة يسبب لهم شيئا من الانزعاج، وهنا امره الوالي  ان يعيد البقرة الى مكانها القديم، ثم يأتي بعد يومين !

لم يصدق الرجل عظمة السعادة التي غمرته، فقد تخلص من انزعاج حيواناته وقرفها، وتولى هو وافراد اسرته تنظيف الغرفة وفرشها وتعطيرها بماء الورد، وبعد يومين  ذهب الى الوالي، ونقل اليه دعاء زوجته ودعاء العائلة، ان يحفظ الله الوالي من كل سوء، بعد ان نعموا بغرفة نظيفة معطرة واسعة يطارد فيها الخيال، وكاد يبكي بين يديه من فرط فرحته، ومن كرم الوالي عليه، حتى اذا انتهى من تقديم آيات الشكر والثناء والامتنان، سأله الوالي (هل مازلت تريد منزلا اكبر ؟! انا حاضر!!)، فرد عليه المواطن (جزى الله الوالي الف خير، البيت يكفينا وزيادة) ثم انصرف الى حال سبيله مغمورا بالبهجة !

حين انتهى زميلي من كلامه قلت له مؤنبا (ليس هناك ربط بين الحكايتين، فالوالي لعب  بأعصاب المواطن، ثم أعاد اليه منزله كما هو، أما البطاقة فلم تعد كما كانت على الرغم من ان الحكومة لعبت بأعصاب المواطنين !) ويبدو ان تعقيبي على ما فيه من تأنيب ساخر قد أعجبه، لذلك انصرف هو الاخر الى حال سبيله مغمورا بالبهجة !!   

آخر إفرازات ظاهرة التأثيث السكاني في الخليج .. التـكــويــت والتـقـطــيـر والـتــقـمــيـر

ربما لا يعلم الناس إن الدويلات البترولية التي ولدت في رحم الخليج العربي بعد الحربين العالميتين, والتي وقفت في طليعة البلدان المحرضة ضد العراق, وبرعت بحشد الجيوش الجرارة من أجل تدميره, والإساءة لشعبه الصابر المكافح, ربما لا يعلمون إنها برعت أيضا في تبني سياسة التأثيث السكاني بأساليب مبتكرة لا تختلف كثيراً عن أساليب ربات البيوت في تغيير أثاث منازلهن, وتبديل أدوات وأطباق مطابخهن, فالرغبة بالتغيير هي التي تحكمت ببيانات وسجلات الأحول الشخصية.

مما لا ريب فيه إن اصطلاح (التكويت) معروف للقاصي والداني في لغة المقاهي الخليجية والهندية والفارسية ويعني: منح الجنسية الكويتية لغير الكويتيين, ويعني أيضا منحها لمن لا يستحقها من أصحاب الجنسيات المتعددة والولاءات المتجددة, وهي ظاهرة تتقاطع تماماً مع  ظاهرة (البدون), التي تجاهلت فيها الكويت حقوق أربعة أجيال من العدنانيين والقحطانيين, الذين أنجبتهم أمهاتهم الشمريات والعتيبيات والمطيريات والعنزيات على أديم الأرض الممتدة من (كاظمة) إلى (رأس الخفجي), فاستوطنوا هنا, وتناسلوا هنا, جيل بعد جيل, منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي وحتى يومنا هذا.  

ينظر المحللون إلى هذه الظاهرة على إنها نزوة ابتكرتها النخبة الكويتية المترفة لإرضاء رغبات التأثيث السكاني, وتحسين صورة المجتمع بأصول عرقية لا تنتمي وطنيا ولا روحيا إلى الكويت, وما أكثر الغرباء الذين حصلوا على الجنسية الكويتية بأيسر الطرق, أو بذريعة براعتهم في الألعاب الرياضية, وما أكثر الحالات التي طفحت فيها حكايات التأثيث السكاني على أحاديث الديوانيات والمجالس الشعبية. أما ظاهرة التقطير فهي حالة موازية للتكويت, تبنتها حكومة الدوحة عندما رغبت بتغيير طاقم قبيلة (الغفران), فرمتهم كلهم خارج حدودها, وتخلصت منهم إلى غير رجعة, في تناقض عجيب بين ما تدعو إليه قيادتها السياسية في نضالها البترولي المتلفز نحو صيانة الحريات المدنية وإرساء أبسط أسس العدالة والإنصاف, وبين ما ترتكبه على أرض الواقع من انتهاكات غير إنسانية, استخفت فيها بالجنس البشري, تمثلت بتهجير ستة آلاف مواطن دفعة واحدة, فاقتلعتهم من جذورهم, وألغت أوراقهم الثبوتية, ثم رمتهم خلف حدودها مع السعودية, في الزمن الذي صار فيه اللاعب الأمريكي الجنوبي (سباستيان سوريا) مواطناً قطرياُ من الدرجة الأولى, ومن الصنف المدلل, بينما شملت عجلة الحرمان اللاعب (فهد العنزي), الذي يعد من أفضل اللاعبين في المنتخب الوطني الكويتي لكرة القدم, باعتباره من فئة (البدون) المغضوب عليها, من فيكم يصدق ان (سباستيان سوريا) عربي الجنسية, و(فهد العنزي) من كوكب عطارد ؟؟. 

انظروا كيف يطردون المواطن العربي من وطنه, وكيف يصادرون حقوقه كلها, ويلغون سجله المدني, وكيف يشطبون تاريخ أجداده, ويطمسون مواقف عشيرته بناءً على رغبات الحاكم المستبد, وقراراته الارتجالية الطائشة. 

اما (التقمير) فهو الاصطلاح الذي يتعذر عليكم العثور عليه في قواميس ومعاجم كوكب الأرض, لأنه وبكل بساطة من المفردات التي تتعامل بها الكائنات الفضائية التي استوطنت على سطح القمر, الأمر الذي دفع حكومة الإمارات العربية المتحدة إلى معالجة أوضاع فئة (البدون) المولودين على أرضها, وإعادتهم إلى جزر القمر باتفاقية ثنائية أبرمت بين البلدين, تبيع بموجبها فئة (البدون) بحوالي (250) مليون دولار, بما يعادل (50) ألف دولار عن كل (بدون) تعيده الإمارات إلى جزر القمر, نحن الآن أمام ظاهرة غريبة تقوم بها الدويلات الخليجية بتصدير مواطنيها, والتعامل معهم كبضاعة منتهية الصلاحية, أو كمادة مرفوضة وممنوعة من التداول, بانتظار شحنها على السفن المغادرة إلى جزر القمر, استمعوا إلى هذا التسجيل الوثائقي:-

ففي الثاني والعشرين من مايس (مايو) من العام الجاري (2012) أقدمت سلطات الهجرة في إمارة عجمان على اعتقال المواطن الإماراتي (أحمد عبد الخالق), الذي يعمل في منظمة (هيومن رايت ووتش), واقتاده إلى جهة مجهولة, ثم أعادت سيارته إلى عائلته, وأشعرتهم إنها قررت نفيه وتهجيره إلى جمهورية جزر القمر, باعتباره من المواطنين القمريين بدلالة جوازه القمري الذي جلبته له السلطات الإماراتية نفسها, فهي التي تحدد لمواطنيها انتماءاتهم الوطنية الجديدة, وتبعثهم إلى بلدانهم البديلة, في سابقة دولية خطيرة, لم تحدث في الكون كله, حتى في العصور الوحشية الغابرة, بمعنى انك تنام في سريرك وأنت أماراتي, لكنك تستيقظ صباح اليوم التالي لتكتشف انك من جزر القمر, فلا تندهش من تصرفات برامكة الغاز والألغاز, وتصرفات بطانتهم السيئة, الذين وهبوا حقوق التجنس إلى خدامهم من الهنود والبنغاليين, ومنحوها للأسيويين والأفارقة, الذين يعملون في حظائر الأبقار والأغنام, وإلى المطربات والراقصات, والأنكى من ذلك كله إن بعض الدويلات الخليجية دأبت منذ مدة على استجلاب اللقطاء بأعداد هائلة من المغرب العربي, ومنحتهم جنسيتها لتستكمل بهذه الخطوة مشاريعها التخريبية الرامية لتأثيث المدن الخليجية بطواقم بشرية جديدة من خارج الوسط الخليجي. . . 

من المفارقات المذهلة ان تلك الدويلات المتباهية بغرورها استهدفت فئة قليلة من العرب, حرمتهم من أبسط الحقوق التي يتمتع بها أبناء القارات الأخرى, الذين وفدوا إلى الخليج بحثا عن فرص العمل, ولم يحلموا أنهم سيحصلون على الجنسية بلمح البصر, بينما ظل أبناء (البدون) يعانون من الحرمان منذ أكثر من قرن, من دون أن تُحسم قضيتهم. .

فلا خير في الحكومات التي تتظاهر بالتمدن والتحضر, وتمعن في ممارسة أقصى طبائع الاستبداد والتعسف, ولا  خير في الأمم التي لا تكترث لأوجاع الناس وهمومهم. 

حكومات شملت برعايتها الأجانب والغرباء, وتركت المواطن الحقيقي يبحث عن هويته في ماراثون المطالبات الحثيثة, وهو الذي ضحى بروحه وعمره في الذود بالدفاع عن الأرض التي ولد عليها, وعاش عليها وأنهى خدمته القتالية في جبهاتها, فحفر قبره بيده ليستشهد من أجل عزتها ورفعتها, بينما فر الفارون, وهرب الهاربون بحثا عن الملاذ الآمن في ملاجئ المرافئ البعيدة, ورفعوا شعارات (يا روح ما بعدك روح), ثم عادوا ليتبجحوا في المسلسلات الرمضانية, ويرسموا على شاشات التزييف والتلفيق أقبح مشاهد الشجاعة في الجبهات الافتراضية, التي صنعتها استوديوهات قناة (الوطن) بالعنتريات السوبرمانية.

لقد غرقت الدوحة الآن بالوافدين إليها من كل حدب وصوب, حتى صار المواطن غريبا على أرضه, معتكفاً في منزله, وغرقت الكويت في خضم التعددية العرقية التي ابتلت بها البلاد المفتوحة للغرباء. 

 قبل بضعة أيام شاهدت مقابلة تلفزيونية مع شاب, يزعم انه كويتي, لكنه يعجز عن تكرار عبارة (أنا كويتي) بكل اللهجات العربية, فهي على لسانه أقرب ما تكون إلى اللغة الأوردية المكسرة, فيلفظها هكذا: (أنا كُفيتي) مع اهتزازة لا إرادية برأسه على الطريقة الهندية الموروثة, شاهدوا هذا المقطع رجاءً. 

لقد تحولت بعض الدويلات الخليجية إلى سيرك غير متجانس يعج بالبشر من كل لون وجنس ولسان, فضاع أبناء البلد في زحمة الوجوه الدخيلة, وتعطلت عندهم لغة الكلام بتداخل اللهجات الرطينة, بينما هيمن الغرباء على كل شيء تقريبا, وحشروا أنوفهم في الصغيرة والكبيرة بمباركة أمراء مجلس التهاون الخليجي, وسكوت كهنة الجامعة العربية، والله يستر من الجايات.