القمة… بعد تنظيف المدخنة

يجري اعتماد تسمية (بعد تنظيف لمدخنة) عن جميع عمليات الترميم والصيانة والطلاء و(السنفرة) وباقي نواحي الإدامة اللازمة لإعادة نبض الروح ودفقها -مجددا- الى كل مفاصل الحياة،، إعلانا عن بدء مرحلة جديدة قادمة قوامها التفاؤل وبث بشائر الأمل والنهوض،، بعد كل مراحل الخوف والقهر بسبب النزاعات والحروب والمشاكل الداخلية ويا(مكثرها) في عراق الماضي القريب والأمس القريب والأقرب حتى انعقاد قمة بغداد/2012 (الخميس الماضي) والتي يفترض أن تعيد الاعتبار للكثير من الأمور والأحوال التي قد تسهم في اعادة ترتيب أثاث البيت العربي- بعد النجاح الدبلوماسي والإعلامي الذي تحقق- وأن ترمي من شباك مقررات ذلك المؤتمر بالأثاث القديم من نزاعات واختلافات،، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة،، حقيقية أم مفتعلة،، وأن تقوم – بعد تنظيف مدخنة ذلك البيت- بتغيرمجريات دوائر البحث والاهتمام والتحاور والتشاور من قلب الواقع العربي وعلى الهواء مباشرة في حدود قبول ومثول الموضوعات التي أتفق عليها القادة والزعماء،، وحقيقة دراسة تداعيات ما نتج عن مخاضات ثورات ما سميت إعلاميا بـ(الربيع العربي) عبر مساند رياح التغيير المقبلة بدفع وتحريض من مواقع التواصل الاجتماعي وفضائل حرية الإعلام وقوة تأثير وسائلها الفضائية التي اخترقت دهاليز وممرات وأدراج مكاتب الحكومات وجعلتها تحيا تحت الشمس،، بالأخص بعد الاطاحة بقمم العديد من الرؤوس الرئاسية المصابة بداء (توريث الحكم) وعدم شمولها بأي (سر قفلية) تفاوض هذا الرئيس أو ذاك على الاحتفاظ بمنصبه الأزلي(المعتق) ممن يرددون مع أنفسهم الدوام:(الى العلا… حتى ولو على الخازوق).!

وفي الوقت الذي نعلق فيه أمالنا وتقديرات مستقبلنا الواجب فهمها وتطويعها على شماعة ذلك المؤتمر الذي عقد في عقر دارنا (دار السلام) بعد ذرائع عدة وتبريرات،، يتملكنا أحساس طاغ بضرورات فهم مجريات واقع ما يجري في عالم اليوم،، ودراسة دواعي ونواتج ما تصل إليه مقررات قمم مؤتمرات الدول التي تحترم وتديم مصالح شعوبها وتسعى الى رفاهية مواطنيها من المهد الى اللحد.

  ولعل الواجب الوطني وروح المواطنة المكوية بنيران الحسرة واللوعة والتضحية ولغات التناحر والتنافر التي أصاب الجسد العربي والعراقي بحاصل نفقات ومتممات إقامة القمة وما رافقها من تأجيلات وتقولات وعطل وإجازات إجبارية مرفقة بزحامات واختناقات مرورية قاتلة،، يحتم على الجميع أن يتشبثوا بالقشة التي ستنقذ سفينة أمتنا العربية الغنية – الثرية بكل مقوماتها وموجوداتها من غرق الصراعات والتصفيات والثارات التي جعلتنا (فرجه لليسوة واللي ما يسوة)،، في عالم يتسارع ويتلاهث بالركض لمجرد أن يبقى واقفا على قدميه،، وأن كنت أعرف وأعترف بحقيقة صدق وصحة من يدعي:(بأن النصيحة هي أردأ أنواع الفضيلة) ولكن التذكير واجب لمن تشمله محاولات شحذ الهمة في روح وعقل وضمير من يهمه مصير مستقبل الأمة بوجود العراق مشافى معافى بعد أن انتهى من تنظيف مدخنته،، وتهيئة أغلب مستلزمات تأثيث بيته من الداخل،، وما يتبقى سيكون مرهونا بنوايا جميع الكتل في رسم خرائط المستقبل.

السلطة الرابعة!!

كنت متباهياً منفوش الريش مثل طاووس يتبختر بألوانه القزحية، وكيف لا أكون كذلك، ولا أحس بالزهو، وأنا احد الأعضاء (البارزين) في السلطة الرابعة وخدمتي فيها قاربت الخمسين سنة، ولأنني لحظتها ما زلت متيما بخدماتي الجليلة، ومخدوعا بانتمائي الى السلطة الرابعة، فقد أخذت (معاملتي) من الموظف الذي حاول عرقلتها 3 مرات سابقة من دون سبب موجب، وها هو للمرة الرابعة يكرر المحاولة، ولهذا انتابني الغضب وهددته بتقديم شكوى ضده، الى من هو اكبر منه، مثلما أخبرته وأنا افقد السيطرة على أعصابي ـ من دون ان أتجاوز حدود الأدب واللياقة- أنني سأخبر رئيس الدائرة عن تصرفاته وأساليبه المريبة في تأخير معاملتي وعرقلتها منذ شهرين !!

ندمت حقا لأنني لم استعمل العين الحمراء معه منذ البداية، فقد نهض من مكانه وقبّل رأسي قبلة عاطفية وهو يسترضيني ويستدر عطفي، ويطلب عفوي، ثم طلب لي كرسيا، وأجلسني الى جانبه، واحضر لي قدحا من ورد لسان الثور، وفيما كان يعتذر بشدة، كنت أفكر مع نفسي، لقد تراجع الرجل كل هذا التراجع، فماذا لو عرف أنني عضو (بارز) في السلطة الرابعة؟! على أية حال، اخذ المعاملة من يدي وهو يقلبها ورقة ورقة، ولكن الذي لفت نظري انه انهال علي بسيل من الأسئلة (الخارجية) لا علاقة لها بموضوع المعاملة أو التواقيع أو دفع الرسوم.. الخ، كان سؤاله الأول (أستاذ هل أنت من حماية احد المسؤولين؟!) فأجبته (لا)، ثم سألني (هل أنت مسؤول كبير في الدولة مثلا، او احد الأحزاب المتنفذة؟!) فأجبته (لا)، واستغربت لأنه قدم سؤال (الحماية) على سؤال (المسؤول)، وتلاحقت أسئلته من دون توقف وكأنه يحفظها عن ظهر قلب، (أستاذ هل أنت من المعارضة الذين قدموا مع قوات التحالف التي حررت العراق؟! هل أنت مفصول سياسي؟! هل أنت من موظفي إحدى الرئاسات؟! هل تعمل سائقا عند وزير أو وكيل وزارة؟! هل أنت.. هل أنت..)، وكانت مفردة (لا) هي ردي الوحيد على استفساراته التي استمرت أكثر من 90 دقيقة، وقد ختم تحقيقه المهذب معي بالسؤال التالي (هل حضرتك مشمول بسيارة مصفحة؟!)، ضحكت وأنا أرد عليه (طبعا لا)، نظر إليّ بنصف عين وسألني متهكما (إذا جنابك لا حماية ولا مسؤول ولا معارضة ولا مصفحة ولا… لعد شنو حضرتك حتى تهددني وتريد تشتكي عليّ؟!)، قلت له وقد انتفش ريشي مثل الطاووس مجددا (أنا صحفي كبير في العمر، وانتمي الى السلطة الرابعة!!). وما كدت انتهي من عبارتي، وما كاد يسمعها ويستوعبها جيدا حتى أطلق ضحكة عالية، أعقبتها سلسلة متواصلة من ضحكات أعلى وأعلى، بحيث خفت ان يصيبه مكروه، وانتظرت قرابة 15 دقيقة الى ان هذا قليلا، ورمى المعاملة في وجهي، وهو يشير بأصبعه الى غرفة من هو اكبر منه قائلا (روح اشتكي يم المدير، وإذا ما موجود، عليك الله تروح للوزير)! وغادرت الدائرة منزعجا، وذهبت مباشرة الى البيت!!

شرق شط العرب

ربما ترون انه من الخطأ أن نقارن واجهاتنا المائية بغيرنا, وانه يتعين علينا أن نقارن أنفسنا بأنفسنا, على ماذا كنا ؟, وكيف أصبحنا ؟, سواء كان نجاحا أم فشلا, على اعتبار أن المقارنة بالغير تفقدنا الثقة بأنفسنا, وتولد لدينا الإحباط. 

وربما ترون انه من المعيب أن نقارن واجهاتنا الحدودية بالواجهات الحدودية الإيرانية أو الكويتية أو السعودية أو التركية, وانه يتعين علينا أن نصبر على ما آلت إليه حدودنا في الألفية الثالثة. .

قد يكون رأيكم صائبا إلى حد ما, ولكن ليس دائما, والدليل على ذلك إنكم لو نظرتم الآن إلى الضفة الغربية لشط العرب, وهي الضفة العراقية الخالصة, لوجدتموها عبارة عن لوحة سريالية بائسة, تجردت تماما من ملامحها الأساسية, وتخلت عن روعة معالمها القديمة, ستشاهدون لوحة لا علاقة لها بشط العرب, لا من بعيد ولا من قريب, ولا علاقة لها بكل الشواطئ البحرية والنهرية في كل القارات. 

من فيكم يصدق إن بساتين النخيل أُنتزعت من جذورها, وأُزيلت من مواقعها, وكأنها قشطت من فوق سطح الأرض, واختفت القرى العريقة, ولم يعد لها وجود على طول المسافة الممتدة من جزيرة البلجانية (البليانية) حتى رأس البيشة.  

عندما نتنقل اليوم في شط العرب لا نكاد نرى بيتا ولا معملا ولا حقلا ولا ملعبا ولا معلما حضاريا باستثناء بعض الأكواخ الفقيرة المبعثرة في (سيحان), و(السيبة), وكذا الحال بالنسبة للفاو, التي فقدت هويتها البحرية, وفقدت نكهتها الملاحية, وخسرت مزارع (الحناء) و(السدر), وتراجعت زوارقها لتنزوي في منعطفات الجداول العارية, في حين استعادت البساتين الإيرانية حيويتها شرق شط العرب, وازدهرت الحدائق في (بواردة), و(القصبة), و(كبدة) أو (ﮀـويبدة), وعادت المدن المدمرة إلى الظهور من جديد بحلة قشيبة, وبواجهات مائية مزدانة بالأرصفة الحديثة, وتكاثرت التشكيلات المعمارية المعاصرة بين (البريم) و(فرح آباد), وتمددت مدينة عبادان شرقا وغربا بمبانيها الشاهقة, ومصافيها التي استطالت أبراجها وتوسعت مداخنها, وتمددت مجمعاتها الإنتاجية عموديا وأفقيا, حتى وصلت إلى (دور خوّين), وتزينت مدينة (المحمرة) بأبهى زينتها, حتى صار من المألوف مشاهدة جسرها المعلق وأنت تقف مرسى (الخورة), وأصبحت صورة (الشلامجة) من المناظر المألوفة في كورنيش العشّار بعد أن فقدت جزيرة (العجيراوية) نخيلها كله, وكأنها أصيبت بالصلع المبكر, وطغى الصلع على جزر (الطويلة), و(الشمشومية), و(أم الرصاص), التي قتلها الرصاص, وتعرت جزر (الرميلي), و(الكطعة), و(البلجانية), فخلعت أكاليل السعف السومري, وتراكمت فوق رأسها المخلفات الحربية الثقيلة, وتساقطت أشجار (سيحان), حتى تصحرت تماما, وتراجعت خطوطها نحو الطريق العام, وخيم الظلام الدامس على (الواصلية) و(الدويب) و(كوت بندر) في الليل المخيف الغارق في العتمة, حتى طغت بصمات الخراب على ما تبقى من السواحل العراقية المطلة على المياه الداخلية والمسطحات الإقليمية. .

في الليل ترى شرق شط العرب مضاءً بالمصابيح الملونة, وترى الملاعب المغلقة بالسقوف الزجاجية متوهجة بالأنوار البهيجة. .

اما جزيرة (حجي صلبوخ) الإيرانية, والتي يطلق عليها الآن جزيرة (مينو) فقد تحولت إلى منطقة تجارية حرة, وتحول النهر الفاصل بينها وبين (الفيصلية) إلى منتجع سياحي تحف به المدرجات الترفيهية, وشيدت إيران منظومة عملاقة لري مزارع الضفة الشرقية بمياه ترعة (بهمن شير), فانتعشت الزراعة, وتوسعت غابات النخيل بالطول والعرض, لكنها رمت مياه البزل المالحة في شط العرب في انتهاك صارخ للأعراف السائدة بين البلدان المتشاطئة. .

استغلت إيران كل شبر من شرق شط العرب, ولم تترك فيه فجوة واحدة إلا وأقامت عليها مشروعا سياحيا أو تجاريا أو زراعيا أو ملاحيا أو خدميا, اما نحن فتركنا عشرات الكيلومترات من ضفاف هذا النهر الخالد (139 كيلومتر طولا), وتنازلنا عنها لقطعان الجاموس البري والخنازير الوحشية, ولم نكترث لاختفاء مدن شط العرب وقراه الأصيلة, فاختفت ناحية (البِحار) وسكانها, وطُمست آثار قرى (أم الرصاص), وانطوت سجلات قرى (الصالحية), و(الخرنوبية), و(البوارين), و(كوت السيد), و(الدعيجي), و(الفداغية), و(المخراق), و(المعامر), و(الدورة) ولم يعد لها أي أثر, لا على الخرائط, ولا على أرض الواقع. . 

كانت هذه لقطات حقيقية مؤلمة من مأساة ضفافنا في شط العرب, وسأحدثكم في المرة المقبلة عن كارثة (خور عبد الله), بمقالة موازية لهذه المقالة, تحمل عنوان (غرب خور عبد الله). . 

وبين شرق شط العرب, وغرب خور عبد الله غرقت سفننا, وتحطمت طموحاتنا, وضاعت آمالنا. . والله يستر من الجايات.

القمة… بعد تنظيف المدخنة

يجري اعتماد تسمية (بعد تنظيف لمدخنة) عن جميع عمليات الترميم والصيانة والطلاء و(السنفرة) وباقي نواحي الإدامة اللازمة لإعادة نبض الروح ودفقها -مجددا- الى كل مفاصل الحياة،، إعلانا عن بدء مرحلة جديدة قادمة قوامها التفاؤل وبث بشائر الأمل والنهوض،، بعد كل مراحل الخوف والقهر بسبب النزاعات والحروب والمشاكل الداخلية ويا(مكثرها) في عراق الماضي القريب والأمس القريب والأقرب حتى انعقاد قمة بغداد/2012 (الخميس الماضي) والتي يفترض أن تعيد الاعتبار للكثير من الأمور والأحوال التي قد تسهم في اعادة ترتيب أثاث البيت العربي- بعد النجاح الدبلوماسي والإعلامي الذي تحقق- وأن ترمي من شباك مقررات ذلك المؤتمر بالأثاث القديم من نزاعات واختلافات،، سواء أكانت صغيرة أم كبيرة،، حقيقية أم مفتعلة،، وأن تقوم – بعد تنظيف مدخنة ذلك البيت- بتغيرمجريات دوائر البحث والاهتمام والتحاور والتشاور من قلب الواقع العربي وعلى الهواء مباشرة في حدود قبول ومثول الموضوعات التي أتفق عليها القادة والزعماء،، وحقيقة دراسة تداعيات ما نتج عن مخاضات ثورات ما سميت إعلاميا بـ(الربيع العربي) عبر مساند رياح التغيير المقبلة بدفع وتحريض من مواقع التواصل الاجتماعي وفضائل حرية الإعلام وقوة تأثير وسائلها الفضائية التي اخترقت دهاليز وممرات وأدراج مكاتب الحكومات وجعلتها تحيا تحت الشمس،، بالأخص بعد الاطاحة بقمم العديد من الرؤوس الرئاسية المصابة بداء (توريث الحكم) وعدم شمولها بأي (سر قفلية) تفاوض هذا الرئيس أو ذاك على الاحتفاظ بمنصبه الأزلي(المعتق) ممن يرددون مع أنفسهم الدوام:(الى العلا… حتى ولو على الخازوق).!

وفي الوقت الذي نعلق فيه أمالنا وتقديرات مستقبلنا الواجب فهمها وتطويعها على شماعة ذلك المؤتمر الذي عقد في عقر دارنا (دار السلام) بعد ذرائع عدة وتبريرات،، يتملكنا أحساس طاغ بضرورات فهم مجريات واقع ما يجري في عالم اليوم،، ودراسة دواعي ونواتج ما تصل إليه مقررات قمم مؤتمرات الدول التي تحترم وتديم مصالح شعوبها وتسعى الى رفاهية مواطنيها من المهد الى اللحد.

  ولعل الواجب الوطني وروح المواطنة المكوية بنيران الحسرة واللوعة والتضحية ولغات التناحر والتنافر التي أصاب الجسد العربي والعراقي بحاصل نفقات ومتممات إقامة القمة وما رافقها من تأجيلات وتقولات وعطل وإجازات إجبارية مرفقة بزحامات واختناقات مرورية قاتلة،، يحتم على الجميع أن يتشبثوا بالقشة التي ستنقذ سفينة أمتنا العربية الغنية – الثرية بكل مقوماتها وموجوداتها من غرق الصراعات والتصفيات والثارات التي جعلتنا (فرجه لليسوة واللي ما يسوة)،، في عالم يتسارع ويتلاهث بالركض لمجرد أن يبقى واقفا على قدميه،، وأن كنت أعرف وأعترف بحقيقة صدق وصحة من يدعي:(بأن النصيحة هي أردأ أنواع الفضيلة) ولكن التذكير واجب لمن تشمله محاولات شحذ الهمة في روح وعقل وضمير من يهمه مصير مستقبل الأمة بوجود العراق مشافى معافى بعد أن انتهى من تنظيف مدخنته،، وتهيئة أغلب مستلزمات تأثيث بيته من الداخل،، وما يتبقى سيكون مرهونا بنوايا جميع الكتل في رسم خرائط المستقبل.

السلطة الرابعة!!

كنت متباهياً منفوش الريش مثل طاووس يتبختر بألوانه القزحية، وكيف لا أكون كذلك، ولا أحس بالزهو، وأنا احد الأعضاء (البارزين) في السلطة الرابعة وخدمتي فيها قاربت الخمسين سنة، ولأنني لحظتها ما زلت متيما بخدماتي الجليلة، ومخدوعا بانتمائي الى السلطة الرابعة، فقد أخذت (معاملتي) من الموظف الذي حاول عرقلتها 3 مرات سابقة من دون سبب موجب، وها هو للمرة الرابعة يكرر المحاولة، ولهذا انتابني الغضب وهددته بتقديم شكوى ضده، الى من هو اكبر منه، مثلما أخبرته وأنا افقد السيطرة على أعصابي ـ من دون ان أتجاوز حدود الأدب واللياقة- أنني سأخبر رئيس الدائرة عن تصرفاته وأساليبه المريبة في تأخير معاملتي وعرقلتها منذ شهرين !!

ندمت حقا لأنني لم استعمل العين الحمراء معه منذ البداية، فقد نهض من مكانه وقبّل رأسي قبلة عاطفية وهو يسترضيني ويستدر عطفي، ويطلب عفوي، ثم طلب لي كرسيا، وأجلسني الى جانبه، واحضر لي قدحا من ورد لسان الثور، وفيما كان يعتذر بشدة، كنت أفكر مع نفسي، لقد تراجع الرجل كل هذا التراجع، فماذا لو عرف أنني عضو (بارز) في السلطة الرابعة؟! على أية حال، اخذ المعاملة من يدي وهو يقلبها ورقة ورقة، ولكن الذي لفت نظري انه انهال علي بسيل من الأسئلة (الخارجية) لا علاقة لها بموضوع المعاملة أو التواقيع أو دفع الرسوم.. الخ، كان سؤاله الأول (أستاذ هل أنت من حماية احد المسؤولين؟!) فأجبته (لا)، ثم سألني (هل أنت مسؤول كبير في الدولة مثلا، او احد الأحزاب المتنفذة؟!) فأجبته (لا)، واستغربت لأنه قدم سؤال (الحماية) على سؤال (المسؤول)، وتلاحقت أسئلته من دون توقف وكأنه يحفظها عن ظهر قلب، (أستاذ هل أنت من المعارضة الذين قدموا مع قوات التحالف التي حررت العراق؟! هل أنت مفصول سياسي؟! هل أنت من موظفي إحدى الرئاسات؟! هل تعمل سائقا عند وزير أو وكيل وزارة؟! هل أنت.. هل أنت..)، وكانت مفردة (لا) هي ردي الوحيد على استفساراته التي استمرت أكثر من 90 دقيقة، وقد ختم تحقيقه المهذب معي بالسؤال التالي (هل حضرتك مشمول بسيارة مصفحة؟!)، ضحكت وأنا أرد عليه (طبعا لا)، نظر إليّ بنصف عين وسألني متهكما (إذا جنابك لا حماية ولا مسؤول ولا معارضة ولا مصفحة ولا… لعد شنو حضرتك حتى تهددني وتريد تشتكي عليّ؟!)، قلت له وقد انتفش ريشي مثل الطاووس مجددا (أنا صحفي كبير في العمر، وانتمي الى السلطة الرابعة!!). وما كدت انتهي من عبارتي، وما كاد يسمعها ويستوعبها جيدا حتى أطلق ضحكة عالية، أعقبتها سلسلة متواصلة من ضحكات أعلى وأعلى، بحيث خفت ان يصيبه مكروه، وانتظرت قرابة 15 دقيقة الى ان هذا قليلا، ورمى المعاملة في وجهي، وهو يشير بأصبعه الى غرفة من هو اكبر منه قائلا (روح اشتكي يم المدير، وإذا ما موجود، عليك الله تروح للوزير)! وغادرت الدائرة منزعجا، وذهبت مباشرة الى البيت!!

شرق شط العرب

ربما ترون انه من الخطأ أن نقارن واجهاتنا المائية بغيرنا, وانه يتعين علينا أن نقارن أنفسنا بأنفسنا, على ماذا كنا ؟, وكيف أصبحنا ؟, سواء كان نجاحا أم فشلا, على اعتبار أن المقارنة بالغير تفقدنا الثقة بأنفسنا, وتولد لدينا الإحباط. 

وربما ترون انه من المعيب أن نقارن واجهاتنا الحدودية بالواجهات الحدودية الإيرانية أو الكويتية أو السعودية أو التركية, وانه يتعين علينا أن نصبر على ما آلت إليه حدودنا في الألفية الثالثة. .

قد يكون رأيكم صائبا إلى حد ما, ولكن ليس دائما, والدليل على ذلك إنكم لو نظرتم الآن إلى الضفة الغربية لشط العرب, وهي الضفة العراقية الخالصة, لوجدتموها عبارة عن لوحة سريالية بائسة, تجردت تماما من ملامحها الأساسية, وتخلت عن روعة معالمها القديمة, ستشاهدون لوحة لا علاقة لها بشط العرب, لا من بعيد ولا من قريب, ولا علاقة لها بكل الشواطئ البحرية والنهرية في كل القارات. 

من فيكم يصدق إن بساتين النخيل أُنتزعت من جذورها, وأُزيلت من مواقعها, وكأنها قشطت من فوق سطح الأرض, واختفت القرى العريقة, ولم يعد لها وجود على طول المسافة الممتدة من جزيرة البلجانية (البليانية) حتى رأس البيشة.  

عندما نتنقل اليوم في شط العرب لا نكاد نرى بيتا ولا معملا ولا حقلا ولا ملعبا ولا معلما حضاريا باستثناء بعض الأكواخ الفقيرة المبعثرة في (سيحان), و(السيبة), وكذا الحال بالنسبة للفاو, التي فقدت هويتها البحرية, وفقدت نكهتها الملاحية, وخسرت مزارع (الحناء) و(السدر), وتراجعت زوارقها لتنزوي في منعطفات الجداول العارية, في حين استعادت البساتين الإيرانية حيويتها شرق شط العرب, وازدهرت الحدائق في (بواردة), و(القصبة), و(كبدة) أو (ﮀـويبدة), وعادت المدن المدمرة إلى الظهور من جديد بحلة قشيبة, وبواجهات مائية مزدانة بالأرصفة الحديثة, وتكاثرت التشكيلات المعمارية المعاصرة بين (البريم) و(فرح آباد), وتمددت مدينة عبادان شرقا وغربا بمبانيها الشاهقة, ومصافيها التي استطالت أبراجها وتوسعت مداخنها, وتمددت مجمعاتها الإنتاجية عموديا وأفقيا, حتى وصلت إلى (دور خوّين), وتزينت مدينة (المحمرة) بأبهى زينتها, حتى صار من المألوف مشاهدة جسرها المعلق وأنت تقف مرسى (الخورة), وأصبحت صورة (الشلامجة) من المناظر المألوفة في كورنيش العشّار بعد أن فقدت جزيرة (العجيراوية) نخيلها كله, وكأنها أصيبت بالصلع المبكر, وطغى الصلع على جزر (الطويلة), و(الشمشومية), و(أم الرصاص), التي قتلها الرصاص, وتعرت جزر (الرميلي), و(الكطعة), و(البلجانية), فخلعت أكاليل السعف السومري, وتراكمت فوق رأسها المخلفات الحربية الثقيلة, وتساقطت أشجار (سيحان), حتى تصحرت تماما, وتراجعت خطوطها نحو الطريق العام, وخيم الظلام الدامس على (الواصلية) و(الدويب) و(كوت بندر) في الليل المخيف الغارق في العتمة, حتى طغت بصمات الخراب على ما تبقى من السواحل العراقية المطلة على المياه الداخلية والمسطحات الإقليمية. .

في الليل ترى شرق شط العرب مضاءً بالمصابيح الملونة, وترى الملاعب المغلقة بالسقوف الزجاجية متوهجة بالأنوار البهيجة. .

اما جزيرة (حجي صلبوخ) الإيرانية, والتي يطلق عليها الآن جزيرة (مينو) فقد تحولت إلى منطقة تجارية حرة, وتحول النهر الفاصل بينها وبين (الفيصلية) إلى منتجع سياحي تحف به المدرجات الترفيهية, وشيدت إيران منظومة عملاقة لري مزارع الضفة الشرقية بمياه ترعة (بهمن شير), فانتعشت الزراعة, وتوسعت غابات النخيل بالطول والعرض, لكنها رمت مياه البزل المالحة في شط العرب في انتهاك صارخ للأعراف السائدة بين البلدان المتشاطئة. .

استغلت إيران كل شبر من شرق شط العرب, ولم تترك فيه فجوة واحدة إلا وأقامت عليها مشروعا سياحيا أو تجاريا أو زراعيا أو ملاحيا أو خدميا, اما نحن فتركنا عشرات الكيلومترات من ضفاف هذا النهر الخالد (139 كيلومتر طولا), وتنازلنا عنها لقطعان الجاموس البري والخنازير الوحشية, ولم نكترث لاختفاء مدن شط العرب وقراه الأصيلة, فاختفت ناحية (البِحار) وسكانها, وطُمست آثار قرى (أم الرصاص), وانطوت سجلات قرى (الصالحية), و(الخرنوبية), و(البوارين), و(كوت السيد), و(الدعيجي), و(الفداغية), و(المخراق), و(المعامر), و(الدورة) ولم يعد لها أي أثر, لا على الخرائط, ولا على أرض الواقع. . 

كانت هذه لقطات حقيقية مؤلمة من مأساة ضفافنا في شط العرب, وسأحدثكم في المرة المقبلة عن كارثة (خور عبد الله), بمقالة موازية لهذه المقالة, تحمل عنوان (غرب خور عبد الله). . 

وبين شرق شط العرب, وغرب خور عبد الله غرقت سفننا, وتحطمت طموحاتنا, وضاعت آمالنا. . والله يستر من الجايات.

المواطن البسيط.. والقمة العظيمة

واحدة من أهم مقاتل النظام السابق؛ انه شكّل قطيعة -منظورة وغير منظورة- بينه وبين عموم المواطنين؛ الى حدّ التشفي بمؤسسات الدولة التي تهاوت أمام الهجومات الصاروخية؛ على الرغم من ان هذه المؤسسات قد بنيت من اموال العراق؛ ومن المفروض ان (يموت الواحد قهرا) وهو يراها تصبح هشيما ورمادا؛ لكنه الاحساس بان النظام يستاهل وما هذه المؤسسات سوى واجهة دعائية لانجازاته؛ وقد تترجم هذا التشفي بحالات النهب والسلب التي شملت اغلب المرافق الحكومية؛ من دون اي احساس بوخز الضمير او التوقف للحظة والانتباه الى انها اموال الصالح العام . للأسف؛ هذا الشعور والإحباط سائد في الشارع العراقي اليوم؛ واكبر مثال على ذلك موقف المواطنين البسطاء –أمثالي– من مؤتمر القمة الذي تنتظره بغداد؛ فاذا عقد او لم يعقد ما الذي يدخل في كيسنا؛ لاسيما وان بوادره قد بانت لنا.. في تقطيع اوصال الشوارع؛ وكثافة السيطرات؛ وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية (على اعتبار ان أبواب بغداد ستغلق أمام شاحنات الخضار المقبلة من أطراف العاصمة الزراعية).  يا ترى هل ستقرر محاضر المؤتمر اعادة الحصة التموينية الى انتظامها الشهري؟ وهل ستلزم (الديمقراطية الفتية) في بلادنا؛ بان تحترم تسعيرة المواد الغذائية وبالتالي احترام حق المواطن الطبيعي في الغذاء من دون ابتزاز لموارده الشحيحة؟ ام ستحدد اجور الاطباء؛ واسعار الامبير؛ وتوفر الدواء – باعتباره حقا من الحقوق المكفولة بالدستور – ام سيتكاتف الرؤساء والملوك والامراء والسلاطين العرب؛ مع حزن الامهات العراقيات؛ ومع ظلامة الايتام العراقيين؛ فيقنعوا الامير(سين) او الملك(صاد) باسقاط ديونه التي انتزعها اضعافا اضعافا اضعافا مضاعفة؛ وما زال فمه مفتوحا على (لقيمات) اراملنا؛ اللواتي ترملن بسبب ما كان يضخه من دعم لارضاء نزعة البطولة القومية الزائفة!!

اذا لم تنعقد القمة؛ سيشمت بالحكومة خصومها؛ وليكن.. فليشمتوا ؛ فلم تكن الحكومة ابا او اما او عما أو خالا لأحدنا؛ واكرر» نحن البسطاء» أو «الدهماء».وسيخسر العراق موقعه المؤثر في الساحة الدولية والاقليمية؛ ثم ماذا؛ وانا الذي اتمنى ان يربح العراق ساحته الداخلية؛ وينتبه الى حاجاتنا اليومية ومعاناتنا التي لا تغتفر لاي نظام في الكون؛ وبعد ذلك لينطلق الى العالمية!

المضحك المبكي ان مسؤولا رفيعا في الدولة ظهر قبل يومين في احدى الفضائحيات؛ وقال: من ضمن ما سنناقشه مشكلة المواطن العربي الذي يعيش في بيوت الصفيح واغلب بلداننا العربية ترقد على بحيرات من النفط!! دون ان يخجل-هذا المسؤول- من الصور التي تعرضها القناة المستضيفة؛ لاطفال ونساء-عراقيين وعراقيات- وهم يفتشون في اكوام المزابل عن لقمة وعن رداء!

عقد المؤتمر ام لم يعقد؛ تلك مشكلة لا تعني احدا سوى السياسيين وحدهم؛ ونصيحة لهيئة النزاهة ان تعد – من الآن – قوائمها.. فاتهامات السياسيين لبعضهم بالفساد مقبلة؛ والمثل الشعبي يقول: تالي الليل تسمع حسّ العياط!!

المثقف غير السياسي والسياسي غير المثقف

قراءة في جدل الافكار, وغربلة الشعار في ضوء الاحداث التي تعصف بالمنطقة والعالم وتأخذهم الى حيث يراد لهم لا الى حيث يريدون, ومن هنا يظهر بطلان الاعتماد المطلق على الدعاوى المسرفة باحادية العقل المتنكر لمشروع الدين كنظام حياة مستوحى من السماء, لان النظام الكوني يجعل من العقل رديفا, بينما تصّر العلمنة القديمة والحديثة ممن يدعون للدولة المدنية على مرجعية العقل بالمطلق, فيخذلون العقل, ويعطلون التواصل مع النظام الكوني 

ولقد كان الشاعر ابو العلاء المعري الذي عرف بتناقض المواقف عندما يقول:

في الاذقية ضجة مابين احمد والمسيح

            كل ينادي دينه ياليت عمري ما الصحيح 

هذا الشاعر قديما كان يرى مرجعية العقل فقط حيث يقول :

زعم القوم ان يقوم امام ناطق في الكتيبة الخرساء

              كذب الزعم لا امام سوى العقل في صبحه والمساء 

وابو العلاء المعري كان شاعرا مشهودا له بالشاعرية المتفلسفة حيث يقول :

    خفف الوطئ ما اظن اديم الارض

                             إلا من تزاحم الاجساد 

وهو خطأ فكري تلبس في شاعرية قلقة, فراح يغري القراء بصحة ما يقول, والامر ليس كذلك, فالعقل الذي يرى ابو العلاء المعري امامته, يرفض قبول مقولة المعري, لان الارض بما فيها من تكوين قد كانت وخلقت قبل ان يخلق الانسان, قال تعالى: “والأرض وضعها للأنام” فمقولة المعري الشعرية سالبة بانتفاء الموضوع كما يقول المناطقة وعلماء الاصول.

والمعري كان مثقفا ولم يكن سياسيا هذا في القديم, اما في زماننا هذا, فيظهر الشاعر ادونيس” احمد سعيد” من سورية المقيم في فرنسا مثقفا وليس سياسيا كما اعترف هو في مقابلة اجرتها معه قناة دبي الفضائية , ولذلك كان محاصرا في المساحة السياسية لعدم خبرته مثلما كان غير متألق في المساحة الثقافية لانه من الداعين الى مرجعية العقل بالمطلق ورفضه لحاكمية الدين, فأوقع نفسه في تناقض فكري لايحسد عليه لانه رفض الواضحات عقلا واتبع المبهمات واعلن عدم معرفته بالسياسة, وهذا اعتراف يضر بمرجعية العقل ودوره في الحياة.

ومثلما واجهنا المثقف غير السياسي قديما وحديثا, فاننا اليوم نواجه السياسي غير المثقف في محطات كثيرة, وربما تكون الساحة العراقية من اكثر الساحات خصوصية في بروز السياسي غير المثقف, ولذلك رأينا جدبا وفقرا معرفيا واضحا في كتابة الدستور العراقي الذي وضع هيكليته ” نوح فيلدمان” المستشار القانوني للحاكم المدني في العراق” بول بريمر” في بدايات الاحتلال الامريكي للعراق, وبسبب ذلك ظل العراق مربكا لايهتدي الى فضاءات العمل السياسي التي تقودها الخبرة وعقول اهل الحكمة الذين يعرفون مخارج الازمات, ويجيدون فن الادارة في الملمات, ويتجاوزون الشبهات على طريقة: “رحم الله امرا جب الغيبة عن نفسه”.

واحداث العالم اليوم تحتشد بمايلي:

1- بالافكار المختلطة 

2- والمفاهيم الملتبسة 

3-  والخطط المبهمة .

4- والنوايا الغامضة 

وهذه جميعها تحتاج السياسي المثقف, وليس السياسي المصفف والمعرف حزبيا فقط.

والسياسي المعرف حزبيا في بلادنا وفي هذا المقطع التاريخي ثبت فشله الميداني وعرف الجمهور فشله قبل ان يعرفه حزبه, فهو كمن يدخل الامتحان بدون تحضير, لان العمل الحزبي عندنا اصبح هواية للعبة السلطة, ولم يصبح مؤسسة لبناء الافكار المنفتحة على الاخر, وانما تحول الى عصبية قبلية متخصصة في انتاج مايلي:

1- الانانية الشخصية 

2- الكراهية للآخر 

3- العداوة التي تستحضر ادوات القتال 

4- السطحية والمحدودية الثقافية 

5-  الانتهازية في المواقف

6-  الابتزاز والتطفل على الآخرين

7-  احتكار الامتيازات 

8-  احتكار المواقع والادوار 

9-  تهميش وتقزيم الحكومة والدولة, حيث تجعل من القبيلة حكومة ومن الحكومة قبيلة. ولذلك كان مشروع الاسناد العشائري يصب في المنافع الشحصية والحزبية, ولا يصب في منفعة الحكومة والدولة.

ولذلك فشلت الحزبية لانها كانت عصبية, وكانت بدون مشروع اجتماعي ثقافي سياسي.

والحزبي الذي زج في المحطات السياسية لم يكن مثقفا ولذلك لم يستطع مواجهة احداث الساحة, فضلا عن احداث العصر, فهو :

1- لايقرأ

2- واذا قرأ لايتدبر: والتدبر ظاهرة عقلية, ومفهوم معرفي قال تعالى : “افلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها”.

3-  وهو لايسمع لغيره 

4- واذا سمع لايعي 

5- وهو لايشارك مع غيره 

6- واذا شارك لايتفاعل 

7- وشخصية من هذا النمط الحزبي هي شخصية مأزومة, والمأزوم لايجب ان يتصدى, لانه جزء من المشكلة وليس حلا لها.

ولذلك نحن نعاني ازمة ثقافية سياسية في كل من:

1- البرلمان 

2- الحكومة 

3- القضاء 

4- الهيئات الخاصة 

5-  مجالس المحافظات 

6- المؤسسات والدوائر الوظيفية 

7-  الجامعات ومؤسسات التربية 

8- النقابات, ومنظمات المجتمع المدني 

9- الحوزات والمدارس الدينية 

10- الاعلام والصحافة والفضائيات 

وازمة وجود السياسي غير المثقف هي التي تفوت علينا مايلي:

1-  عدم معرفة الافكار السياسية الدولية 

2-  عدم مواكبة الخطط التي تدار على مدار الساعة 

3-  عدم معرفة المفاهيم وما يختبئ وراؤها 

4-  عدم الاكتراث بالنوايا ودراستها 

ولذلك نحن في العراق بقينا تسع سنوات لانعرف كيف نعالج خروجنا من الفصل السابع .

وبقينا تسع سنوات لانكترث بمعنى “المناطق المتنازع عليها”.

وبقينا تسع سنوات لانعرف كيف نوزع النسب المالية على المحافظات بعدالة, فظل اقليم كردستان العراق يأخذ نسبة 17|0 من الموازنة العامة, واستحقاقه هو 5و12|0 من الموازنة العامة, وحتى الذين ادخلوه مطلبا انتخابيا لم يفوا بتعهداتهم.

وبقينا تسع سنوات نقبل بممثل لاقليم كردستان في حكومة بغداد وهو خطأ تنظيمي ودستوري.

وبقينا تسع سنوات نعطي من مسترجعات موازنة المحافظات مانسبته 17|0 الى اقليم كردستان, ولو ان احدا يعرف باصول الزكاة والخمس وكيف يدفعان ويحسبان لما دفع للاخوة في اقليم كردستان مرتين كما جرى ويجري.

وبقينا تسع سنوات لايتمكن جيشنا الفدرالي من الوصول الى حدودنا الشمالية في اقليم كردستان بدواعي لاتنتمي الى روح الفدرالية, ولا الى مفهوم الاقاليم وعلاقتها بالدولة المركزية. في حين ان قادة الاقليم يحملون الحكومة المركزية تقصيرا عندما تهاجم الحدود الشمالية من قبل الجيران, والتصريحات في هذا الشأن كثيرة وموثقة, ولكن اصبح ينطبق على من هم في الحكم ماقاله الشاعر:

لقد اسمعت لوناديت حيا

             ولكن لاحياة لمن تنادي 

وبقينا تسع سنوات بدون قانون للاحزاب, والاحزاب تتكاثر عندنا كتكاثر الفطر في الارض الرطبة المظلمة.

وبقينا سنوات نشكو من ثغرات الدستور دون ان نتمكن من ايجاد الطريق لحلها.

وبقينا تسع سنوات نشكو من ازمة المياه دون ان نخطو خطوة واحدة باتجاه التفاهم مع الجيران.

 وبقينا تسع سنوات لانعرف كيف نتعامل مع الجارة سورية حتى عادت ازماتها تنفث الدخان في مناخنا العراقي. وبقينا تسع سنوات لانتطلع الى بوابتنا الضيقة على الخليج حتى فوجئنا بما هو خلاف الجيرة والشركة.

وقدمنا من السجناء الارهابيين عربونا فاشلا لعلاقة لم تتبلور على اسس سليمة مع جارتنا السعودية. وفرشنا البساط الاحمر بخلاف الاعراف الدبلوماسية لبعض الساسة الايرانيين, فكتبنا على انفسنا بما لايتفق ومفهوم السياسي المثقف.

ومن هنا ونتيجة لكل مامضى معنا نطرح السؤال التالي:

هل يمكن ان يكون السياسي غير مثقف.

وللجواب على هذا السؤال لابد من تعريف المثقف حتى ننطلق الى استشراف افاق مساحة النظر بهذا الموضوع.

فالمثقف: “هو الذي يعرف كل شيء عن شيء” التخصص” وشيئا عن كل شيء “المواكبة العامة دون التخصص”.

فالسياسي لابد ان يكون مثقفا, اما المثقف فلا يشترط ان يكون سياسيا. 

ووجوب الثقافة للسياسي يأتي من خلال تعريف المضمون السياسي على الشكل الاتي:

1-  لابد للسياسي ان يكون ملما بالتاريخ 

2-  ولابد له من ان يكون ملما بالاقتصاد 

3-  وان يكون ملما بالاجتماع وتنظيمه

4-  وان يكون ملما بالفقه والقانون 

5-  وان يكون مطلعا على قواعد واصول علم النفس التحليلي 

6-  عارفا بالادارة وعلومها 

وهذه المحاور جميعها لايمكن ان تتحقق بدون ثقافة موسعة ومعرفة متخصصة, ولذلك عندما طلب من ديغول معاقبة من كان محرضا للحركة الطلابية في فرنسا في الستينات وهو من المثقفين, قال ديغول : تريدون مني ان اعاقب فولتير.

وذلك في اشارة لاحترام المثقف, ولو لم يكن ديغول السياسي مثقفا لما ادلى بذلك التصريح.

وكان النجاشي في قديم الزمان حاكما سياسيا ومثقفا من خلال استماعه الجيد لموفد المسلمين جعفر بن ابي طالب, مثلما استمع لمقولة المشركين, ثم مال ورجح خطاب الايمان الذي جسده ممثل المسلمين.

وكان سيف بن ذي يزن اول ملوك العرب مثقفا عندما استمع الى خطاب عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف جد النبي محمد وكافله, فقام سيف بن ذي يزن باحترام عبد المطلب وميزه على غيره من الضيوف, وخصه بما تناهى عنده من اخبار نبي اخر الزمان الذي كانت تختصره المقولة التالية: “يخرج من تهامه, فتى يتيم في كتفه شامة يبعث بالدين الذي يظل الى يوم القيامة”.

بينما كان ابرهة الحبشي صاحب الفيل غير مثقف لانه لم يعرف معنى مقولة عبد المطلب الشهيرة : “انا رب الابل وللبيت رب يحميه”.

واليوم لايكون سياسيا ومثقفا من لايدرك فحوى ومضامين احداث العصر التي يتقدمها الخطابات التالية:

1- ماقاله جورج بوش الابن: “الهرمجدون هي المعركة التاريخية الفاصلة في العالم, والهرمجدون هي مقولة يهودية توراتية.

2- وما يردده المرمون بقيادة “مت رومني” المتقدم بالفوز في انتخابات الحزب الجمهوري الامريكي من ان : “الصهيونية هي نشيد المسيح التي تحولت الى دعوة سياسية.

3- وما قاله هنري كيسنجر وزير خارجية امريكا الاسبق هذه الايام من انهم : “في حرب كونية ثالثة ” ويقصد بها الحالة السورية.

4- وما تدعو له المنظمات الصهيونية من اقامة حفل غنائي ريعه للمقاومة السورية.

5-  وما يدعو له سعود الفيصل وحمد القطري من تزويد المعارضة السورية بالسلاح.

6-  وما تناقلته الاخبار من دعوة الحكومة السعودية لتسليح مايسمى بالحيش السوري الحر عبر الاردن التي جاءت بعد زيارة ملك الاردن للسعودية.

7- وان قوات درع الجزيرة التي دخلت البحرين هي قوة اردنية بسلاح سعودي.

8- وان القوات التي حاربت الحوثيين في اليمن المتاخم للحدود السعودية هي قوات اردنية.

9- وان دعوات ضم الاردن والمغرب الى منظومة دول الخليج تأتي لتغطية تلك المساهمات عندما تكشف وتعرف معالمها.

7- دعوات تركيا لايجاد ممرات امنة في سورية هي ترجمة لرسالة الدكتوراه التي تقدم بها احمد داود اوغلو والتي تتحدث عن مشروع تهدئة الصراع الاسرائيلي العربي ببدائل من الخطاب الاسلامي البديل والذي اختيرت له مجاميع الاخوان والسلفية عبر نصوص تزحف على المعاني الحقيقية عبر حادثة خلق القران وامثالها التي شغلت السياسي غير المثقف والمثقف غير السياسي طيلة حكم المأمون والمعتصم والواثق واطاحت بالكثير من الرؤوس, ونحن اليوم امام محنة الثورة ومتناقضاتها والحرية ومتفاوتاتها والعدالة ومرادفاتها, وبين هذه وتلك يقف السياسي غير المثقف والمثقف غير السياسي مما يزيد من حدة الفتنة والابتلاء.

 

بدون.. !!

عبر رحلتي الإذاعية الطويلة، أعددت عشرات البرامج المنوعة، كان أحبها الى نفسي، برنامج بعنوان (كلمة في ساعة)، لأنه ذو طبيعة ثقافية تجمع شتى فنون المعرفة، فأنا أتناول مفردة (العين) على سبيل المثال وأتابع معانيها في القاموس ثم في الكتاب الكريم لأقف على عدد المرات التي وردت فيها والدلالات الاستعمالية لها.. 

فهي النظر وعيون الماء والأمر.. الخ ، حتى اذا فرغت من ذلك، تابعتها في الجغرافية كمدينة العين وعين ترمة والعين السحرية وعين الحلوة.. الخ ، ثم في الأمثال الفصيحة والعامية وكذلك في الشعر العربي قديمه وحديثه، وما قيل من أبيات غزلية جميلة في العيون والوانها وما لحق بها من تشبيهات بلاغية ليس ابتداء بعيون المها او التي في طرفها حور، ولا انتهاء برائعة السياب (عيناك غابتا نخيل) ، ولا يفوتني بالطبع أن امر على هذه الكلمة في المشهور من الاغاني العراقية والعربية.. 

وهكذا كنت أتقلب بين خمسين مصدرا او يزيد، وفي ذلك جهد ما بعده جهد، ولكن الجهد الحقيقي كان في اختيار المفردة نفسها، لأنه يمثل معضلة كبيرة بحد ذاته، حيث لا يبدو من السهل متابعة كلمة واحدة على مدى 60 دقيقة، لأن اغلب الكلمات يندر وجودها في الشعر أو الجغرافيا أو الأمثال.. الخ ، ومن هنا كنت استعين بأصدقائي لمعاونتي في البحث عن مفردات متعددة الاستعمال والمعاني، وكانوا مشكورين لا يبخلون بذلك، وقد اتصل بي احدهم في بداية العام الميلادي الجديد، واقترح عليّ مفردة (بدون)، لأنها ذائعة الصيت، واسعة الدلالة، غير انني بعد عناء عظيم، لم اتوصل إلا الى بضعة ابيات شعرية وبضع معلومات شحيحة لا تغطي اكثر من 10 دقائق، والمطلوب مني 60 دقيقة ، ولهذا اتصلت به وعاتبته، لأنه ورطني مع كلمة نادرة الاستعمال، ولكن الرجل استغرب من كلامي واتهمني من باب (الميانة)، بالبلادة والبلاهة، وقال لي بامكانك الحديث في برنامجك عن (البدون) في الكويت ومشكلتهم واصل تسميتهم بهذه التسمية، وبإمكانك الحديث عن وزارة الدفاع العراقية وهي (بدون) وزير، ووزارة الداخلية وهي (بدون) وزير، والمخابرات وهي (بدون) مدير، ومجلس الوزراء وهو (بدون) قانون، والفساد المالي والإداري وهو (بدون) حساب، ومشكلات المحاصصة والبطالة والكهرباء وهي (بدون) حل، والمستورد من الأطعمة الفاسدة والادوية المشبوهة وهي (بدون) رقابة، واسترسل في كلامه من غير توقف، هناك تلامذة (بدون) مدارس، ومعتقلون (بدون) محاكمات، وحياتنا (بدون) … 

فقاطعته معتذرا، وقد اكتشفت انني بليد حقا، فلو فكرت قليلا وتأملت الأمر بعناية، لأدركت ان مفردة (بدون) تحتاج الى برنامج اسمه: كلمة في 24 ساعة!!

المواطن البسيط.. والقمة العظيمة

واحدة من أهم مقاتل النظام السابق؛ انه شكّل قطيعة -منظورة وغير منظورة- بينه وبين عموم المواطنين؛ الى حدّ التشفي بمؤسسات الدولة التي تهاوت أمام الهجومات الصاروخية؛ على الرغم من ان هذه المؤسسات قد بنيت من اموال العراق؛ ومن المفروض ان (يموت الواحد قهرا) وهو يراها تصبح هشيما ورمادا؛ لكنه الاحساس بان النظام يستاهل وما هذه المؤسسات سوى واجهة دعائية لانجازاته؛ وقد تترجم هذا التشفي بحالات النهب والسلب التي شملت اغلب المرافق الحكومية؛ من دون اي احساس بوخز الضمير او التوقف للحظة والانتباه الى انها اموال الصالح العام . للأسف؛ هذا الشعور والإحباط سائد في الشارع العراقي اليوم؛ واكبر مثال على ذلك موقف المواطنين البسطاء –أمثالي– من مؤتمر القمة الذي تنتظره بغداد؛ فاذا عقد او لم يعقد ما الذي يدخل في كيسنا؛ لاسيما وان بوادره قد بانت لنا.. في تقطيع اوصال الشوارع؛ وكثافة السيطرات؛ وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية (على اعتبار ان أبواب بغداد ستغلق أمام شاحنات الخضار المقبلة من أطراف العاصمة الزراعية).  يا ترى هل ستقرر محاضر المؤتمر اعادة الحصة التموينية الى انتظامها الشهري؟ وهل ستلزم (الديمقراطية الفتية) في بلادنا؛ بان تحترم تسعيرة المواد الغذائية وبالتالي احترام حق المواطن الطبيعي في الغذاء من دون ابتزاز لموارده الشحيحة؟ ام ستحدد اجور الاطباء؛ واسعار الامبير؛ وتوفر الدواء – باعتباره حقا من الحقوق المكفولة بالدستور – ام سيتكاتف الرؤساء والملوك والامراء والسلاطين العرب؛ مع حزن الامهات العراقيات؛ ومع ظلامة الايتام العراقيين؛ فيقنعوا الامير(سين) او الملك(صاد) باسقاط ديونه التي انتزعها اضعافا اضعافا اضعافا مضاعفة؛ وما زال فمه مفتوحا على (لقيمات) اراملنا؛ اللواتي ترملن بسبب ما كان يضخه من دعم لارضاء نزعة البطولة القومية الزائفة!!

اذا لم تنعقد القمة؛ سيشمت بالحكومة خصومها؛ وليكن.. فليشمتوا ؛ فلم تكن الحكومة ابا او اما او عما أو خالا لأحدنا؛ واكرر» نحن البسطاء» أو «الدهماء».وسيخسر العراق موقعه المؤثر في الساحة الدولية والاقليمية؛ ثم ماذا؛ وانا الذي اتمنى ان يربح العراق ساحته الداخلية؛ وينتبه الى حاجاتنا اليومية ومعاناتنا التي لا تغتفر لاي نظام في الكون؛ وبعد ذلك لينطلق الى العالمية!

المضحك المبكي ان مسؤولا رفيعا في الدولة ظهر قبل يومين في احدى الفضائحيات؛ وقال: من ضمن ما سنناقشه مشكلة المواطن العربي الذي يعيش في بيوت الصفيح واغلب بلداننا العربية ترقد على بحيرات من النفط!! دون ان يخجل-هذا المسؤول- من الصور التي تعرضها القناة المستضيفة؛ لاطفال ونساء-عراقيين وعراقيات- وهم يفتشون في اكوام المزابل عن لقمة وعن رداء!

عقد المؤتمر ام لم يعقد؛ تلك مشكلة لا تعني احدا سوى السياسيين وحدهم؛ ونصيحة لهيئة النزاهة ان تعد – من الآن – قوائمها.. فاتهامات السياسيين لبعضهم بالفساد مقبلة؛ والمثل الشعبي يقول: تالي الليل تسمع حسّ العياط!!