كنت متباهياً منفوش الريش مثل طاووس يتبختر بألوانه القزحية، وكيف لا أكون كذلك، ولا أحس بالزهو، وأنا احد الأعضاء (البارزين) في السلطة الرابعة وخدمتي فيها قاربت الخمسين سنة، ولأنني لحظتها ما زلت متيما بخدماتي الجليلة، ومخدوعا بانتمائي الى السلطة الرابعة، فقد أخذت (معاملتي) من الموظف الذي حاول عرقلتها 3 مرات سابقة من دون سبب موجب، وها هو للمرة الرابعة يكرر المحاولة، ولهذا انتابني الغضب وهددته بتقديم شكوى ضده، الى من هو اكبر منه، مثلما أخبرته وأنا افقد السيطرة على أعصابي ـ من دون ان أتجاوز حدود الأدب واللياقة- أنني سأخبر رئيس الدائرة عن تصرفاته وأساليبه المريبة في تأخير معاملتي وعرقلتها منذ شهرين !!
ندمت حقا لأنني لم استعمل العين الحمراء معه منذ البداية، فقد نهض من مكانه وقبّل رأسي قبلة عاطفية وهو يسترضيني ويستدر عطفي، ويطلب عفوي، ثم طلب لي كرسيا، وأجلسني الى جانبه، واحضر لي قدحا من ورد لسان الثور، وفيما كان يعتذر بشدة، كنت أفكر مع نفسي، لقد تراجع الرجل كل هذا التراجع، فماذا لو عرف أنني عضو (بارز) في السلطة الرابعة؟! على أية حال، اخذ المعاملة من يدي وهو يقلبها ورقة ورقة، ولكن الذي لفت نظري انه انهال علي بسيل من الأسئلة (الخارجية) لا علاقة لها بموضوع المعاملة أو التواقيع أو دفع الرسوم.. الخ، كان سؤاله الأول (أستاذ هل أنت من حماية احد المسؤولين؟!) فأجبته (لا)، ثم سألني (هل أنت مسؤول كبير في الدولة مثلا، او احد الأحزاب المتنفذة؟!) فأجبته (لا)، واستغربت لأنه قدم سؤال (الحماية) على سؤال (المسؤول)، وتلاحقت أسئلته من دون توقف وكأنه يحفظها عن ظهر قلب، (أستاذ هل أنت من المعارضة الذين قدموا مع قوات التحالف التي حررت العراق؟! هل أنت مفصول سياسي؟! هل أنت من موظفي إحدى الرئاسات؟! هل تعمل سائقا عند وزير أو وكيل وزارة؟! هل أنت.. هل أنت..)، وكانت مفردة (لا) هي ردي الوحيد على استفساراته التي استمرت أكثر من 90 دقيقة، وقد ختم تحقيقه المهذب معي بالسؤال التالي (هل حضرتك مشمول بسيارة مصفحة؟!)، ضحكت وأنا أرد عليه (طبعا لا)، نظر إليّ بنصف عين وسألني متهكما (إذا جنابك لا حماية ولا مسؤول ولا معارضة ولا مصفحة ولا… لعد شنو حضرتك حتى تهددني وتريد تشتكي عليّ؟!)، قلت له وقد انتفش ريشي مثل الطاووس مجددا (أنا صحفي كبير في العمر، وانتمي الى السلطة الرابعة!!). وما كدت انتهي من عبارتي، وما كاد يسمعها ويستوعبها جيدا حتى أطلق ضحكة عالية، أعقبتها سلسلة متواصلة من ضحكات أعلى وأعلى، بحيث خفت ان يصيبه مكروه، وانتظرت قرابة 15 دقيقة الى ان هذا قليلا، ورمى المعاملة في وجهي، وهو يشير بأصبعه الى غرفة من هو اكبر منه قائلا (روح اشتكي يم المدير، وإذا ما موجود، عليك الله تروح للوزير)! وغادرت الدائرة منزعجا، وذهبت مباشرة الى البيت!!