محنة لا إنسانية اسمها: الجواز العراقي

كتبت هنا -ذات مقال- عن سفرتي الى تونس ولا اريد الحديث ثانية عن تونس الخضراء لأنها تذكرني بـ(المنطقة الخضراء) أقبح منطقة في العالم حيث المال والسرقات وضياع مصائر الناس.

لكن دعوني انقل لكم معاناة حاملي الجواز العراقي؛ ذلك الجواز الذي ما أن يراه موظفو المطارات حتى تصبح -أنت بكامل غرورك الحضاري الذي يمتد الى ما قبل التاريخ- شيئا منسيا..مهملا.. مريبا وقابلا للحجر والتسفير على اقرب طائرة؛ ولو كانت هناك ستوتات تطير في الجو لوضعوك عليها مع باقة من الألفاظ العطرة!

في المطارات..تحسد كل الناس؛ وعلى مختلف ألوان بشراتهم ولغاتهم؛ وتتساءل لماذا لسنا مثلهم؟

كان من ضمن توقيتات الرحلة ان ابقى يوما كاملا -ترانزيت- في مطار القاهرة؛ تصوروا 24 ساعة بإمكانك فيها ان ترى أصدقاءك وان تذهب للأهرام او تزور مقهى ريش او تقتحم مكتبة مدبولي او تتصفح الوجوه على اقل تقدير؛ لكن حتى الإسرائيليين يمرون أمامك مرحب بهم الا انت.. لأنك تحمل جوازا عراقيا!!

هذا الامر ليس في مطار القاهرة فقط ؛ وانما في كل المطارات التي يقدّر لك ان تمرّ فيها؛ عربية وأجنبية؛ والسبب يعود إلى ان السياسيّين لا غيرهم قد وصمونا -كشعب- بشتى الصفات السيئة والدنيئة؛ بدءا من علي بابا الى الإرهابيين الى أذلاء المحتل الى الى الى؛ وتمترسوا هم وراء جوازاتهم الدبلوماسية؛ فرحين بما أعطاهم الله أو الشيطان. 

.. هل تجرأ مسؤول عراقي وأمر ان تعامل رعايا الدول التي لا تحترم الإنسان العراقي معاملة المثل بالمثل او الندّ للند في مطاراتنا؟!!

(تخسه وتهبه) لان غالبية المسؤولين علينا من حملة الجوازات المحترمة والمعترف بآدميتها عالميا؛ ولذلك فان أيّ قرار برلماني يقضي بإسقاط الجنسية الأجنبية عن أي مسؤول في الدولة؛ يعطى (الأذن الطرشة) فلماذا يحرج الرجل نفسه وهو متأكد بأنه سيغادر البلاد إلى غير رجعة بعد ان تنتهي دورته في السرقات والإيفادات والصفقات والرشى؛ وترتيب العقارات في الخارج.

فهل نريد أو نحلم ان يتساوى المسؤول مع الدبش من أمثالنا؛ او يطالب ان نتساوى مع الأوادم؟

انظروا الى كل السراق واللصوص الذين ادينوا بنهب المال العام؛ بدءا من تخصيصات الحصة التموينية وانتهاء بعقود الأسلحة: اين هم الآن؟

والمضحك المبكي ان الحكومة تكلف -احيانا- الخارجية العراقية للبحث عنهم من خلال سفاراتها في الخارج؛ في حين يصرح (الكَالبون) بأنهم مواطنون أجانب وليس للقضاء العراقي امر عليهم !!

وزارة النقل لجأت الى استئجار طائرات من شركات اخرى تعمل لصالحها تخلصا من تبعات آثمة وغير معقولة لدولة جارة- وليس شقيقة فما هكذا يتعامل الأشقاء؛ واذا ارتكب مسؤول جرما بحقهم؛ فحتى القرآن الكريم يقول: ولا تزر وازرة وزر اخرى.

ولذلك اقترح على الحكومة ان تستفيد من تجربة الوزارة تلك وتستأجر لنا جوازات تصلح لسفرة محدودة وبأسعار تنافسية مع الصومال او جيبوتي او جزر القمر؛ وبهذا تحقق أمرين: الأول تأتيها اموال قابلة لعدم المساءلة النزاهية؛ وثانيا ان تسدّ أفواهنا ولو بشق جواز.

العزف على لحن «المجزرة»

المجزرة تلد مجازر في دمشق. رائحة الموت العفن تخيّم على كلّ شيء، هذا ما تتناقله وسائل الإعلام، وما يقوله السوريون على مواقع التواصل الاجتماعي. حظرٌ للتجوال في المناطق الموالية والمعارضة للنظام، وخوف من حرب أهليّة وشيكة لاسيما وأن الخطاب الطائفي بدا متصاعداً بين عامّة الناس وزعماء المعارضة وقيادات النظام السوري؛ هذا مشهد عام لـ”الأزمة” السورية التي بدأت تتلبّس أسماء أخرى ليس آخرها “الحرب الأهليّة المقبلة”.

وبالرغم من أن هذه العناوين تعطي دليلاً واضحاً على حجم المأساة التي تتناطح مع الحياة في الشوارع السورية، إلا أن الإعلام بدا في الآونة الأخيرة مأساوياً أكثر، ودموياً فوق العادة، ووصفه بالـ”مازوشي” ليس مبالغة، خاصّة وأن مراسلة قناة الدنيا الشابّة أعطت دليلاً دامغاً على “مازوشيتها”، وإصابتها بعطش الدم: تتحرك المراسلة بتؤدة إلى إمرأة عجوز كساها الغبار وسندت رأسها إلى قبر لتسألها عمّا رأته، العجوز تلفظ أنفاسها بينما المراسلة الفاتنة تحاول أخذ التصريح الذي يبرأ النظام من الموت الجماعي!. مشهد آخر يبدو أكثر رعباً، المراسلة تحاور طفلين يتكآن على خاصرة أمهما القتيلة، لم تُدفن الأمُّ بعد، ولم تُسحب الطفلة قبل التصوير كي لا تصبح “سكينة” جديدة يُعاد أحياؤها من أجل تبرأ كفّة قاتل على حساب قاتل أخرى. 

بعد الآن، لن يكرم الميّت في سوريا بدفنه إلا بعد تصويره، الكاميرا هنا برهان على البراءة! برهان سيخلّف أجيالاً كاملة من الحقد، الحقد على طرفي نقيض الأزمة السورية. قناة “الدنيا” شبه الرسمية دخلت على خط الموت، أجرت سباقاً محموماً مع قنوات الجزيرة والعربية وما لفّ لفيفهما، دخلت في مرثون الدم السوري، الكل فائز فيه ولا خاسر غير الشعب.

لا يهمُّ في هذه القضيّة السياسة، الذي يعني في هذا المحلّ الإنسان وما يُعاملُ به.

قبل أن تدخل قناة “الدنيا” إلى داريا، كانت الفضائيات العربية تنقل صوراً لا تقلُّ بشاعة عمّا يحدث، الفارق الذي أجّج الأمر، إن من يصوّر الجرحى والقتلى في تلك المعارك أناس من العامّة، أما ما حدث في مجزرة داريا فإن مراسلة صحفية جميلة هي من أعدّت التغطية ضاربة عرض الحائط كل الأخلاق المهنية.

العقل والإرادة .. أن نكون أو لا نكون ؟

هذه أبحاث فلسفية, سبق اليها علم الكلام , ولكن الفلسفة بسطت ظلالها عليه واتسعت رقعتها وبانت هيمنتها , فأصبح علم الكلام من منتسبيها التاريخيين رغم شهرة الاشعرية والمعتزلة في علم الكلام, وإذا كان أبو حامد الغزالي الذي كان على صلة بنظامية بغداد والسياسة السلجوقية, وعلاء الدين الطوسي كان تحت نفوذ الخلافة العثمانية, ويصدق هذا الحال على اغلب من اشتغل بالفلسفة لأنها تهتم بنظم العالم نظماً عقلياً , والسياسة والحكم جزء من نظم العالم لذلك يتحمل الفيلسوف مسؤولية الحديث عن العقل والإرادة باعتبارهما الحاضرين في فصل الخطاب, وفصل الخطاب يختزن فن إدارة الدولة الذي يعرف اليوم بعلوم الدبلوماسية التي تتقدم في مشروع التنمية البشرية, وهكذا رفعت الفلسفة رايتها في نظم العالم نظماً عقلياً .

والإمام علي “عليه السلام” وضع قاعدة تأسيسية للأفكار والرؤى عندما قال : “ اضربوا الرأي ببعضه يتولد لكم الصواب “

فمناقشة الأفكار سياحة عقلية, وهي أجمل وأبهى وأدوم السياحات ولهذه الحالة الفكرية وأهميتها وضع السيد الشهيد محمد باقر الصدر تعريفا للفكر حيث قال : “ الفكر نشاط ايجابي فعال للنفس “.

وهذا النشاط الايجابي وعلاقته بالنفس هو السياحة الحقيقية التي تعوض عن كل السياحات التي استجدت اليوم والتي يقف وراء بعضها فراغ فكري للفلسفة فيه رأي, ولكن رجالاتها مغيبون نتيجة احتدام الصراع وانشغال أهله بمقولات وشعارات يعتقد القائمون عليها أنها بعيدة عن الفلسفة, ولكنهم في نهاية المطاف يجدون أنفسهم في سرادقات الفلسفة التي تحتفظ بما يلي من المفاهيم:-

1-  مفاهيم الحرب

2-  مفاهيم السلام

3-  مفاهيم السعادة

4-  مفاهيم الشقاء

5-  مفاهيم الوحدة والاجتماع

6-  مفاهيم الفرقة والتفرق والاختلاف

وعندما يظل الحوار حاجة إنسانية , تكون الفلسفة هي الحاضنة ويكون العقل مرجعا قائدا , وتكون الفلسفة مرة أخرى هي الرائدة باعتبارها شجرة المعرفة الباسقة التي تجنى منها ثمار الحلول عندما يدلهم الخطب وتنسد منافذ التواصل لنفاد الحجة عند من لا يمتلك ينبوع الفلسفة المتدفق عبر مسارب العقل وتصميم الإرادة.

ولقد سمعت احد الكتاب يفرق بين العقل والإرادة بطريقة لم يألفها علم الكلام , ولم تنتهجها الفلسفة في نظمها , فذهب ذلك الكاتب إلى القول : بان العقل يتشائم , والإرادة تتفائل ، قد نسب هذا الوصف للإمام علي “عليه السلام” .

ولقد فات ذلك الكاتب، أن العقل عند الإمام علي “عليه السلام” هو  “القائد” وان العلم او المعرفة هي “ الرائد “.

وعندما يتشاءم القائد لا يمكن أن يكون الرائد متفائلا للالتزام الدور وهو باطل وغير ممكن . وللتوضيح أكثر ، فإن العقل في التعريف الفلسفي : هو جوهر لا يتأثر بالمادة حدوثا ولا بقاء”.

بينما الإرادة هي تعبير عن النفس , والنفس في التعريف الفلسفي : هي جوهر لا يتأثر بالمادة حدوثا ولكنها تتأثر بها بقاء “.وحتى نخرج من الالتباس الذي يتعرض له القراء ، نقول ، أن القائد وظيفته أن يشخص الأحداث والمواقف , ويضع لها حلولها المناسبة” “واتيناه الحكمة وفصل الخطاب”ونتيجة ذلك التشخيص يترتب علينا معرفة النتائج سلباً أو إيجاباً ويظل العقل القائد محتفظا بتفاؤله على مستوى نهاية الجولة التي تمتد بامتداد الزمان والمكان, ولا تتقوقع في لحظة من الزمن مثلما لا تتقوقع في بقعة من المكان وان حلت فيهما الخسارة التي ستكون مؤقتة في فهم الحدث على مستوى الزمان المحدب والمكان المحدب كما في النظرية النسبية لانشتاين .

وعندما نقول أن الحكمة العقلية هي السياحة الحقيقية للنفس لا نكون مثاليين, لان حركة الكون ووقائع الأشياء فيه تنحى هذا المنحى “ وعنت الوجوه لله الواحد القهار” “ وأشرقت الأرض بنور ربها “.

ففي المشهد الأول ينكشف التخاذل ويتهاوى, بينما يعلو الحق وأهله وهم مستبشرون, وفي المشهد الثاني يكون النور تعبيرا عن الفرح الحقيقي, ويندم أصحاب الفرح المصطنع وغير الحقيقي الذي ضيعوا فيه فرص الحياة عندما حولوها إلى سجن كبير ومأساة مفتعلة يقودها الإرهاب ويعاونه إرهاب الجنس والمال وكل الهوى الزائف صاحب الانكسارات الكبرى في حياة البشرية.إن النبي نوح لم يكن متشائما عندما قال :” وقال نوح رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديارا “ وإنما كان مشخصا لحالة المجتمع الذي كان يعمل معه , ونتائج التشخيص عندما تكون سلبية فإنها تتوقف عند حدود هذه المعرفة الجزئية التي ترتبط بمعرفة كلية تتصل بمسارات الكون وحركته الموزونة بإيقاع “ وما كنا لاعبين “ حيث تنعدم الغفلة وينتفي السهو , وتستحضر الجدية والحيوية في كل شيء “ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون “ “ كتب الله لاغلبن أنا ورسلي أن الله قوي عزيز “

إن الإرادة تابعة للعقل, فعندما يكون العقل حاضرا تكون الإرادة مستوفية لشروط صناعة الموقف “ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون “ وهذه الإرادة الربانية هي مرجعية كل الإرادات المخلوقة تستلهم منها العزم والتصميم والثبات قال علي “عليه السلام” لابنه محمد بن الحنفية :” تد في الأرض قدمك, واعر الله جمجمتك” وتتوج قمة الإرادة بالموقف التالي:” فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى , قال : يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين “

فالعقل عند إبراهيم النبي الأب والإرادة عند إسماعيل النبي الابن هما تؤمان عملية التغيير والبناء .

وكل عملية بناء وتغيير تفتقد لحضور العقل والإرادة لا يكتب لها النجاح على قاعدة “ وتلك الأيام نداولها بين الناس “والعمل السياسي في العراق في هذا المقطع من التاريخ يفتقد لمستلزمات العقل بملاك الحكمة مثلما يفتقد الإرادة بمستوى النفس المطمئنة , ولذلك نشهد تراجع دوره على مستوى البناء الداخلي تعثر العملية السياسية ومثالها ورقة الإصلاح التي ينكرها الحاضر ولا يعرفها الغائب, وعلى مستوى الخارج حيث يسوق دورنا من قبل الآخرين ونحن نتفرج في طابور المتفرجين بلا دعوة ؟ فلا الجامعة العربية استرجعنا رئاستنا لها , ولا منظمة المؤتمر الإسلامي حافظنا على حضورنا فيها , ولا مؤتمر دول عدم الانحياز حملنا مشروعا له , فهل تصبح كينونتنا مهددة ؟ آمل أن لا يكون ذلك .

غزل سياسي !!

المتطرف في وطنيته مثلي، هو المتفائل الذي ينظر إلى المستقبل بثقة عالية، ويؤمن بأن الخير آت ولو طال قدومه أربعين او خمسين سنة، ولا يرى في مظاهر الفساد والاضطراب الامني والبطالة، وتردي الخدمات، إلا غمامات عابرة ستنجلي ويستعيد العراق عافيته، ويقف على قدميه عنوانا للحضارة والثقافة والعطاء الإنساني، وتصبح كوابيس الطائفية والمحاصصة والدستور، مجرد ذكريات مؤلمة عفا عليها الزمن!!

في الثالث والعشرين من تموز الشهر الماضي، ودرجات الحرارة (المعلنة) تبلغ الخمسين، والساعة تقرب من الثانية ظهرا، وانا اعاني من الجوع والعطش والشمس التي فقدت رحمتها، وانتظر سيارة اجرة تقلني الى منزلي بأي مبلغ، استوقفتني (مراسلة) احدى الفضائيات الأجنبية مع من استوقفت من مواطنين وموطنات قبلي وبعد ان سألتني عن اسمي استفسرت عن طبيعة مهنتي، فقلت لها بشيء من الحياء (انا صحافي) ويبدو ان اجابتي راقتها، فقد انشرحت أساريرها ظنا منها ان كل من يعمل في الصحافة هو وحيد زمانه في السياسة، ولذلك سألتني «ما هو رأيك بالصراعات المحتدمة بين أطراف العملية السياسية، وهل تعتقد ان ورقة الاصلاح السياسي مجدية او قادرة على حل الخلافات»؟!

انا كما يعرف زملائي المقربون متحدث سيئ، وأتلعثم ولا أحسن ترتيب أربع جمل سليمة، ولهذا أقسمت منذ زمن بعيد على عدم الظهور في التلفاز، ولكن تلك المراسلة الملعونة كانت من الرقة والجمال والأنوثة، ما جعلني أنسى جوعي وعطشي وحرارة تموز، وأنسى قسمي، بل نسيت نفسي، وانطلقت بالحديث من دون تلكؤ او تلعثم او تمتمة، وكأنني من أعضاء البرلمان المدمنين على الفضائيات، وأجبتها اجابة ظاهرها سياسي، وباطنها غزلي، (سيدتي الرائعة، اتمنى عليك ابتداء لو اخترت مطعما من مطاعم النجوم الخمس مكانا للحوار، فأنت تثيرين مخاوفي عليك من شمس العراق المحرقة، مثلما أن تغيري مصطلح الصراعات المحتدمة لان ما يجري بين الكتل السياسية لا يعد صراعا، بل هو تفاهمات حبايب، وانفعال عشاق يتابعون ولعلك تدركين يا سيدتي، أن الحب الذي يجمعنا، اقصد نحن العراقيين، وفي مقدمتنا أولياء أمرنا ونعمتنا، السياسيون، هو الذي جعل رؤساء الأحزاب والكتل والقوائم وممثليهم يطيلون مشارواتهم، ويتبادلون العتب حول عبارة صدرت هنا حول سحب الثقة عن المالكي او استجوابه او عبارة صدرت هناك حول سحب الثقة عن النجيفي او تشكيل حكومة أغلبية او استجواب البارزاني او حل البرلمان… الخ، نحن في العراق نسمي هذا كله ( عركه حبايب ) اي سرعان ما تنتهي ويصحو الجو وتنقشع الغمامة وينسى الجميع زعلهم وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها بسهولة، انتهى كيف تسود لقاءاتهم الودية لغة الأحضان والقبل العاطفية، ولو أرادوا سحب ثقة او استجوابا او حكومة أغلبية لفعلوا ذلك بين ليلة وضحاها،، على اية حال انه شيء لطيف حقا، ان يبقى هؤلاء وأولئك وانا وانت والجميع حبايب فالحياة حلوة مثلك يا سيدي وتستحق ان نحتضنها بمشاعر صادقة!) نظرت المراسلة الفاتنة التي لا تشبه نسواننا الى إجابتي باستغراب وحذت اللقاء معي لاعتقادها على ما يبدو انني قد اكون مجنونا او سياسيا يهرف بما لا يعرف، ولم يخطر على بالها مع الاسف، ان سحرها شغلني عن ورقة الاصلاح التي لا يعنيني امرها في شيء، فقد تمزقت فوق رأسي قبلها مئات الأوراق!! 

عربة مفككة يقودها البنتاغون

لا فرق عندنا بين الأنظمة العربية الحاكمة من حيث فشلها في تحقيق العدل والإنصاف والمساواة, ومن حيث تخلفها وضعفها أمام المغريات المادية, ومن حيث تآمرها على الشعب, وتفريطها بموارده الطبيعية, وتجاهلها لتطلعاته المستقبلية, لكننا وجدنا إن النظامين (الجمهوري والملكي) انفصلا وتباعدا, وانقسما فجأة إلى معسكرين متنافرين, حتى طغت قوة معسكر السلاطين والأمراء على قوة  معسكر الجمهوريين, فكان الربيع العربي من نصيب الجمهوريات العربية, وصارت الأنظمة الملكية السلطانية هي التي تتحكم بمناخه, وهي التي تثير زوابعه العنيفة في الساحات والميادين, بدعم مطلق من قوى الشر, وبمشاركة سليل الأبالسة (برنار هنري ليفي). 

لا للمفاوضات نعم للفوضى

هذا هو الشعار الذي آمن به الأمراء والسلاطين العرب في تفعيل مساعيهم الحثيثة للتآمر على الجمهوريين العرب, كانوا أول من أعلن الحرب على العراق بكل الوسائل المتاحة والمباحة, ثم اتخذوا من (الربيع العربي) جسرا عبروا فوقه نحو إشعال فتيل الفوضى العارمة في ربوع العواصم العربية الجمهورية, ووقفوا وراء فكرة التقسيم والتشرذم.  وإلا بماذا تفسرون هذا الأعاصير والزوابع التي استهدفت القصور الجمهورية, واجتاحتها وحدها, بينما نأت بعيدا عن القصور الملكية والأميرية والسلطانية ؟, وهل الصدفة وحدها هي التي حددت مسارات تلك الأعاصير, ووجهتها نحو بغداد وطرابلس وتونس والجزائر وصنعاء والقاهرة, ومنعتها من الوصول إلى المنامة والدوحة وأبو ظبي والكويت وعمان ومسقط والدار البيضاء ؟, وهل انفرد الجمهوريون وحدهم بالظلم والتعسف, وتحصن الملكيون بالعفة والنزاهة والورع والتقوى, وهل صار العدل هو القاسم المشترك الأعظم في البلاطات الأميرية كلها من دون استثناء؟. 

غراتسياني يعود من جديد

نحن لسنا مع الأنظمة الجمهورية ولا ضد الأنظمة الملكية, لكننا نريد الوقوف على الحقيقة لتحديد الملامح السياسية لمستقبلنا الغامض, ونريد أن نعرف بالضبط متى تستقر أوضاعنا المتأرجحة ؟, خصوصا بعد أن تكررت المشاهد المؤلمة في العراق واليمن وليبيا, وبعد أن طغت أجواء الفوضى في المدن والأرياف, وبعد أن وصل الخلاف في ليبيا على أكياس القمامة إلى القتال في الشوارع والميادين بالأسلحة الخفيفة, وشهدت البلاد اشتباكات دموية عنيفة بين القبائل المتناحرة, بينما راح الايطاليون يحتفلون في الفنادق الليبية بتحقق أحلام الجنرال رودلفو غراتسياني, شاهدوا هذا الشريط الوثائقي, ولاحظوا ما الذي تلبسه عريفة الحفل, وأين تضع العلم الليبي الجديد: بينما انزلقت الأوضاع في اليمن نحو المجهول, ما ينذر بتفجر زلازل هائلة قد تهدد أمن المنطقة برمتها, وقد تعيد اليمن إلى زمن الجاهلية الأولى, أما في العراق فقد صارت العبوات الناسفة هي الإيقاعات المدوية في تفعيل مشاريع تخريب البلاد, وقتل العباد, ولن تكون الأوضاع في سوريا أفضل حالا من الأوضاع في اليمن وليبيا والعراق ومصر وتونس, والدليل على ذلك انه لا يوجد حتى الآن من يستطيع أن يتكهن بمستقبلها بعد انهيار نظامها الحالي, ولم يشرح لنا فلاسفة (الربيع العربي) أبعاد الشكل الذي ستكون عليه سوريا بعد الانهيار, حتى لا نفاجأ, أو تفاجأ المؤسسات المتلاعبة بمناخ (الربيع), ولا نستغرب أن تنتهي الأنظمة الملكية والسلطانية والأميرية إلى ما انتهت إليه بعد تآمرها على العراق, واستمرارها بالتآمر حتى يومنا هذا, لا نستغرب أن ينتهوا إلى النهاية نفسها في الأيام القليلة القادمة, فالفوضى الخلاقة هي الهدف, وهي البرنامج المخطط له, وهي التي تحمل تفاصيل السيناريو المعول عليه في إشاعة البلبلة, والعودة إلى القرارات المزاجية الارتجالية في حسم الأزمات المزمنة, مع الأخذ بنظر الاعتبار توفير الدعم المطلق للتنظيمات الطائفية والمذهبية والعرقية إلى أقصى الحدود الممكنة. 

عربة التآمر المدولبة

قبل قرن من الزمان بالتمام والكمال كانت بريطانيا هي التي تقود العرب للتمرد على الخلافة العثمانية, والتحرر من حكومتها (السنية), فوقف معظمهم مع الحلفاء ضد الخلفاء, وانتهت الحرب بتحرر تركيا نفسها, بينما سقطت المدن العربية كلها في قبضة الهيمنة البريطانية, واقتطعت فلسطين من جسد الوطن العربي الكبير بموجب وعد (بلفور), وها هي الولايات المتحدة تقود المتأمركون العرب من جديد لخوض حرب ضروس ضد أفغانستان (السنية), وضد حماس (السنية), وضد إيران (الشيعية), وضد سوريا (العلوية) المتمردة على المشروع الغربي, فتعاطفوا معها ومنحوها الضوء الأخضر لإقامة قواعدها الحربية حيثما تشاء, من دون إن يستفيدوا من الدروس السابقة, ومن دون أن يكون لهم موقفهم المستقل في التعبير عن تطلعاتهم المستقبلية مثل بقية الأمم الآمنة المستقرة, وكأنهم عربة مدولبة يقودها جنرالات البنتاغون نحو الهاوية. .

وعادوا الآن لأداء دورهم المخجل في الحرب بالإنابة عندما كانوا يفتعلون المعارك بين عرب الغساسنة وعرب المناذرة بتوجيه وتحريك من الإمبراطورية الساسانية في الشرق, وغريمتها البيزنطية في الغرب, فتقمصوا أدوارهم القديمة بعدما أضحت مهمتهم الحالية مقتصرة على تحويل الشام إلى حطام, والتجحفل في خندقين متناقضين, خندق يقاتل تحت راية (الجهاد), التي يحملها قادة البنتاغون, وخندق يقاتل تحت راية (الجهاد), التي يحملها قادة الكرملن, وهذا هو منطق الحرب بالإنابة, التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.  لقد تعاظمت وتيرة التآمر في الشرق الأوسط هذه الأيام, حتى بلغت أعلى معدلاتها في المدن الأردنية, التي تحولت إلى محطة دولية لقادة أجهزة المخابرات, الذين يعدون العدة لتأجيج حروب العرب ضد العرب, وتفعيل حروب المسلمين ضد المسلمين, من دون أن يدرك قادة الدول العربية المتأمركة أنهم يقفون الآن على حافة الهاوية, وإنهم يجرون المنطقة برمتها إلى حرب طويلة الأمد ستحرق الأخضر واليابس, وبات من السهل على القوى الدولية الغاشمة ممارسة الخديعة ضد العرب بأيسر الطرق وأسهلها, من دون أن يشعر العرب بخطورة المخططات الدولية, التي ستقضي عليهم كلهم من دون استثناء. 

لقد سارت الحكومات العربية المتأمركة على النهج الذي رسمه قادة البنتاغون, فوقفت وقفتها المعروفة ضد العراق, حتى سحقت بنيته التحتية والفوقية, وألحقت به الدمار الشامل بذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل, وسارت ثانية على النهج الذي رسمه قادة الناتو فوقفت وقفتها المعروفة ضد ليبيا, وحفرت في رمالها خنادق الحروب القبلية التي لن تنتهي ولن تهدأ حتى قيام الساعة, ثم تخلت عن السودان بناء على التوجهات الغربية فاقتطعت منه أعز ما يملك في جنوبه الغني بالثروات, وأسهمت في الحصار المفروض على غزة بناء على الرغبات الصهيونية, وشاركت في الحرب المعلنة ضد الكتائب الجهادية في أفغانستان, حتى وصل الأمر إلى تبجح أحد أمراء الدويلات الخليجية بدور بلاده في محاربة الطلائع الإسلامية الكامنة في كهوف كندهار, بذريعة مكافحة الإرهاب. 

أسئلة لا جواب لها

أسئلة بسيطة نطرحها على وكلاء البنتاغون وعملاء الناتو في المنطقة, فنقول لهم: هل كانت لديكم تصورات مسبقة عما ستؤول إليه الأمور بعد مشاركتكم في الحرب على ليبيا ؟, وهل تعلمون بما آلت إليه الأمور الآن ؟, وما الذي حصلتم عليه بعد توزيع حصص الحقول النفطية الليبية على الشركات الأمريكية والغربية ؟, وهل ارتاحت ضمائركم بعد تأجج الفوضى بين القبائل الليبية ؟, وهل تمتلكون مخططات مسبقة لإعادة بناء سوريا بعد مشاركتكم في تدميرها مع الجيوش التركية والغربية ؟, وهل لديكم صورة واضحة للأوضاع السورية بعد انهيار نظامها ؟, أم إنكم ستشاركون في حملات الفتوحات الغربية في الأراضي العربية من اجل كسب الثواب والأجر والبركة؟, وما الذي ستجنونه من وراء تهافتكم وراء المخططات الأمريكية, التي رسمها (برنارد لويس) لتفكيك المنطقة وتمزيقها بما فيها الأقطار الخليجية, التي سيأتي عليه الدور إن عاجلاً أو آجلاً ؟, ألا تخشون من عقاب الله بعد أن وليتم عليكم القوى الغاشمة ؟, ثم منذ متى كانت أمريكا داعمة للمؤمنين وهي المعادية لله ولرسوله ؟, ومنذ متى كانت أمريكا حريصة على الإسلام ؟, ومنذ متى كانت بريطانيا قلقة على المسلمين ؟, ومنذ متى كانت فرنسا مهتمة بالشأن الإسلامي ؟, ومنذ متى كانت مناورات (الأسد المتأهب), التي شاركت فيها (19) دولة على الأرض الأردنية بقيادة أمريكا طبعا, منذ متى كانت هي العنوان الجهادي لتحرير الشام من قبضة العلويين ؟, ثم ألا تلاحظون إن أمريكا وعلى مدى ربع قرن من السنين خاضت معاركها كلها على الأرض العربية, وتحديدا في الشرق الأوسط ؟, ماذا يعني هذا ؟, ألا يعني إنها وجدت من يتعاون معها ويسمع كلامها ويحترمها ويقدسها ؟.  ختاما نقول لن تستطيعوا أن تجيبوا على هذه الأسئلة, لأنكم مجرد توابع ذليلة تدور في فلك النظام العالمي الجديد, وان دويلاتكم هذه لن تسلم من تطلعات التوسع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة, ولن يعصمكم منها عاصم, فأمريكا (دولة العهر والغدر) ليست لديها لحية مُسرّحة, وإن مصلحتها فوق كل شيء, بل فوق مصالحكم الضيقة كلها, ويتعين عليكم أن تتعلموا الدرس من خادمها المطيع (عمر سليمان), الذي باع دينه وضميره وضحى بمستقبل بلاده من أجل تحقيق أحلامها, فأعادوه إلى بلاده جثة مشوية بأفران المايكروويف, وينبغي أن تعلموا إن قرارات الكاهن (برنارد لويس) هي المعوّل عليها في إقامة دولة علوية في سوريا, وأخرى درزية, وواحدة شيعية, ودولة سنية, وإقامة دولة البصرة التي ستضم الكويت والبحرين, وإقامة دولة في  الحجاز, ودولة في الدمام, ودولة في جيزان, ودولة في عدن, ودولة في صنعاء, ودولة في بوشهر, ودولة للكرد, ودولة لقبائل اللر, ودولة في أرض الصومال, ودولة في مضيق هرمز, ودولة للأقباط, ودولة للصعايدة, ودويلات هشة أخرى مبعثرة هنا وهناك, ومن لم يصدق هذا الكلام يتعين عليه مراجعة مخططات وخرائط البنتاغون, التي أعدها عرّاب التقسيم والتفرقة, الكاهن (برنارد لويس), والتي تبرعتم أنتم بتنفيذها حرفيا, من دون أن تدركوا إنكم تنكرتم لعروبتكم, وتركتم كتاب الله وراء ظهوركم واتبعتم ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان.  لابد لنا في الختام من وقفة تاريخية نستذكر فيها نداءات الفريق (ضاحي بن خلفان), التي حذركم فيها مراراً وتكراراً من خبث المخططات الأمريكية في أكثر من مناسبة, وأوصاكم بعدم السير خلفها, وخاطبكم بلسان عربي فصيح, فكان فيكم كدريد بن الصمّة, عندما حذر قبيلته (غزية) بهذا البيت الخالد, فلم يستجيبوا له, فوقعت الكارثة, ولات حين مندم, قال دريد:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى # فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد

والله يستر من الجايات

محنة لا إنسانية اسمها: الجواز العراقي

كتبت هنا -ذات مقال- عن سفرتي الى تونس ولا اريد الحديث ثانية عن تونس الخضراء لأنها تذكرني بـ(المنطقة الخضراء) أقبح منطقة في العالم حيث المال والسرقات وضياع مصائر الناس.

لكن دعوني انقل لكم معاناة حاملي الجواز العراقي؛ ذلك الجواز الذي ما أن يراه موظفو المطارات حتى تصبح -أنت بكامل غرورك الحضاري الذي يمتد الى ما قبل التاريخ- شيئا منسيا..مهملا.. مريبا وقابلا للحجر والتسفير على اقرب طائرة؛ ولو كانت هناك ستوتات تطير في الجو لوضعوك عليها مع باقة من الألفاظ العطرة!

في المطارات..تحسد كل الناس؛ وعلى مختلف ألوان بشراتهم ولغاتهم؛ وتتساءل لماذا لسنا مثلهم؟

كان من ضمن توقيتات الرحلة ان ابقى يوما كاملا -ترانزيت- في مطار القاهرة؛ تصوروا 24 ساعة بإمكانك فيها ان ترى أصدقاءك وان تذهب للأهرام او تزور مقهى ريش او تقتحم مكتبة مدبولي او تتصفح الوجوه على اقل تقدير؛ لكن حتى الإسرائيليين يمرون أمامك مرحب بهم الا انت.. لأنك تحمل جوازا عراقيا!!

هذا الامر ليس في مطار القاهرة فقط ؛ وانما في كل المطارات التي يقدّر لك ان تمرّ فيها؛ عربية وأجنبية؛ والسبب يعود إلى ان السياسيّين لا غيرهم قد وصمونا -كشعب- بشتى الصفات السيئة والدنيئة؛ بدءا من علي بابا الى الإرهابيين الى أذلاء المحتل الى الى الى؛ وتمترسوا هم وراء جوازاتهم الدبلوماسية؛ فرحين بما أعطاهم الله أو الشيطان. 

.. هل تجرأ مسؤول عراقي وأمر ان تعامل رعايا الدول التي لا تحترم الإنسان العراقي معاملة المثل بالمثل او الندّ للند في مطاراتنا؟!!

(تخسه وتهبه) لان غالبية المسؤولين علينا من حملة الجوازات المحترمة والمعترف بآدميتها عالميا؛ ولذلك فان أيّ قرار برلماني يقضي بإسقاط الجنسية الأجنبية عن أي مسؤول في الدولة؛ يعطى (الأذن الطرشة) فلماذا يحرج الرجل نفسه وهو متأكد بأنه سيغادر البلاد إلى غير رجعة بعد ان تنتهي دورته في السرقات والإيفادات والصفقات والرشى؛ وترتيب العقارات في الخارج.

فهل نريد أو نحلم ان يتساوى المسؤول مع الدبش من أمثالنا؛ او يطالب ان نتساوى مع الأوادم؟

انظروا الى كل السراق واللصوص الذين ادينوا بنهب المال العام؛ بدءا من تخصيصات الحصة التموينية وانتهاء بعقود الأسلحة: اين هم الآن؟

والمضحك المبكي ان الحكومة تكلف -احيانا- الخارجية العراقية للبحث عنهم من خلال سفاراتها في الخارج؛ في حين يصرح (الكَالبون) بأنهم مواطنون أجانب وليس للقضاء العراقي امر عليهم !!

وزارة النقل لجأت الى استئجار طائرات من شركات اخرى تعمل لصالحها تخلصا من تبعات آثمة وغير معقولة لدولة جارة- وليس شقيقة فما هكذا يتعامل الأشقاء؛ واذا ارتكب مسؤول جرما بحقهم؛ فحتى القرآن الكريم يقول: ولا تزر وازرة وزر اخرى.

ولذلك اقترح على الحكومة ان تستفيد من تجربة الوزارة تلك وتستأجر لنا جوازات تصلح لسفرة محدودة وبأسعار تنافسية مع الصومال او جيبوتي او جزر القمر؛ وبهذا تحقق أمرين: الأول تأتيها اموال قابلة لعدم المساءلة النزاهية؛ وثانيا ان تسدّ أفواهنا ولو بشق جواز.

العزف على لحن «المجزرة»

المجزرة تلد مجازر في دمشق. رائحة الموت العفن تخيّم على كلّ شيء، هذا ما تتناقله وسائل الإعلام، وما يقوله السوريون على مواقع التواصل الاجتماعي. حظرٌ للتجوال في المناطق الموالية والمعارضة للنظام، وخوف من حرب أهليّة وشيكة لاسيما وأن الخطاب الطائفي بدا متصاعداً بين عامّة الناس وزعماء المعارضة وقيادات النظام السوري؛ هذا مشهد عام لـ”الأزمة” السورية التي بدأت تتلبّس أسماء أخرى ليس آخرها “الحرب الأهليّة المقبلة”.

وبالرغم من أن هذه العناوين تعطي دليلاً واضحاً على حجم المأساة التي تتناطح مع الحياة في الشوارع السورية، إلا أن الإعلام بدا في الآونة الأخيرة مأساوياً أكثر، ودموياً فوق العادة، ووصفه بالـ”مازوشي” ليس مبالغة، خاصّة وأن مراسلة قناة الدنيا الشابّة أعطت دليلاً دامغاً على “مازوشيتها”، وإصابتها بعطش الدم: تتحرك المراسلة بتؤدة إلى إمرأة عجوز كساها الغبار وسندت رأسها إلى قبر لتسألها عمّا رأته، العجوز تلفظ أنفاسها بينما المراسلة الفاتنة تحاول أخذ التصريح الذي يبرأ النظام من الموت الجماعي!. مشهد آخر يبدو أكثر رعباً، المراسلة تحاور طفلين يتكآن على خاصرة أمهما القتيلة، لم تُدفن الأمُّ بعد، ولم تُسحب الطفلة قبل التصوير كي لا تصبح “سكينة” جديدة يُعاد أحياؤها من أجل تبرأ كفّة قاتل على حساب قاتل أخرى. 

بعد الآن، لن يكرم الميّت في سوريا بدفنه إلا بعد تصويره، الكاميرا هنا برهان على البراءة! برهان سيخلّف أجيالاً كاملة من الحقد، الحقد على طرفي نقيض الأزمة السورية. قناة “الدنيا” شبه الرسمية دخلت على خط الموت، أجرت سباقاً محموماً مع قنوات الجزيرة والعربية وما لفّ لفيفهما، دخلت في مرثون الدم السوري، الكل فائز فيه ولا خاسر غير الشعب.

لا يهمُّ في هذه القضيّة السياسة، الذي يعني في هذا المحلّ الإنسان وما يُعاملُ به.

قبل أن تدخل قناة “الدنيا” إلى داريا، كانت الفضائيات العربية تنقل صوراً لا تقلُّ بشاعة عمّا يحدث، الفارق الذي أجّج الأمر، إن من يصوّر الجرحى والقتلى في تلك المعارك أناس من العامّة، أما ما حدث في مجزرة داريا فإن مراسلة صحفية جميلة هي من أعدّت التغطية ضاربة عرض الحائط كل الأخلاق المهنية.

العقل والإرادة .. أن نكون أو لا نكون ؟

هذه أبحاث فلسفية, سبق اليها علم الكلام , ولكن الفلسفة بسطت ظلالها عليه واتسعت رقعتها وبانت هيمنتها , فأصبح علم الكلام من منتسبيها التاريخيين رغم شهرة الاشعرية والمعتزلة في علم الكلام, وإذا كان أبو حامد الغزالي الذي كان على صلة بنظامية بغداد والسياسة السلجوقية, وعلاء الدين الطوسي كان تحت نفوذ الخلافة العثمانية, ويصدق هذا الحال على اغلب من اشتغل بالفلسفة لأنها تهتم بنظم العالم نظماً عقلياً , والسياسة والحكم جزء من نظم العالم لذلك يتحمل الفيلسوف مسؤولية الحديث عن العقل والإرادة باعتبارهما الحاضرين في فصل الخطاب, وفصل الخطاب يختزن فن إدارة الدولة الذي يعرف اليوم بعلوم الدبلوماسية التي تتقدم في مشروع التنمية البشرية, وهكذا رفعت الفلسفة رايتها في نظم العالم نظماً عقلياً .

والإمام علي “عليه السلام” وضع قاعدة تأسيسية للأفكار والرؤى عندما قال : “ اضربوا الرأي ببعضه يتولد لكم الصواب “

فمناقشة الأفكار سياحة عقلية, وهي أجمل وأبهى وأدوم السياحات ولهذه الحالة الفكرية وأهميتها وضع السيد الشهيد محمد باقر الصدر تعريفا للفكر حيث قال : “ الفكر نشاط ايجابي فعال للنفس “.

وهذا النشاط الايجابي وعلاقته بالنفس هو السياحة الحقيقية التي تعوض عن كل السياحات التي استجدت اليوم والتي يقف وراء بعضها فراغ فكري للفلسفة فيه رأي, ولكن رجالاتها مغيبون نتيجة احتدام الصراع وانشغال أهله بمقولات وشعارات يعتقد القائمون عليها أنها بعيدة عن الفلسفة, ولكنهم في نهاية المطاف يجدون أنفسهم في سرادقات الفلسفة التي تحتفظ بما يلي من المفاهيم:-

1-  مفاهيم الحرب

2-  مفاهيم السلام

3-  مفاهيم السعادة

4-  مفاهيم الشقاء

5-  مفاهيم الوحدة والاجتماع

6-  مفاهيم الفرقة والتفرق والاختلاف

وعندما يظل الحوار حاجة إنسانية , تكون الفلسفة هي الحاضنة ويكون العقل مرجعا قائدا , وتكون الفلسفة مرة أخرى هي الرائدة باعتبارها شجرة المعرفة الباسقة التي تجنى منها ثمار الحلول عندما يدلهم الخطب وتنسد منافذ التواصل لنفاد الحجة عند من لا يمتلك ينبوع الفلسفة المتدفق عبر مسارب العقل وتصميم الإرادة.

ولقد سمعت احد الكتاب يفرق بين العقل والإرادة بطريقة لم يألفها علم الكلام , ولم تنتهجها الفلسفة في نظمها , فذهب ذلك الكاتب إلى القول : بان العقل يتشائم , والإرادة تتفائل ، قد نسب هذا الوصف للإمام علي “عليه السلام” .

ولقد فات ذلك الكاتب، أن العقل عند الإمام علي “عليه السلام” هو  “القائد” وان العلم او المعرفة هي “ الرائد “.

وعندما يتشاءم القائد لا يمكن أن يكون الرائد متفائلا للالتزام الدور وهو باطل وغير ممكن . وللتوضيح أكثر ، فإن العقل في التعريف الفلسفي : هو جوهر لا يتأثر بالمادة حدوثا ولا بقاء”.

بينما الإرادة هي تعبير عن النفس , والنفس في التعريف الفلسفي : هي جوهر لا يتأثر بالمادة حدوثا ولكنها تتأثر بها بقاء “.وحتى نخرج من الالتباس الذي يتعرض له القراء ، نقول ، أن القائد وظيفته أن يشخص الأحداث والمواقف , ويضع لها حلولها المناسبة” “واتيناه الحكمة وفصل الخطاب”ونتيجة ذلك التشخيص يترتب علينا معرفة النتائج سلباً أو إيجاباً ويظل العقل القائد محتفظا بتفاؤله على مستوى نهاية الجولة التي تمتد بامتداد الزمان والمكان, ولا تتقوقع في لحظة من الزمن مثلما لا تتقوقع في بقعة من المكان وان حلت فيهما الخسارة التي ستكون مؤقتة في فهم الحدث على مستوى الزمان المحدب والمكان المحدب كما في النظرية النسبية لانشتاين .

وعندما نقول أن الحكمة العقلية هي السياحة الحقيقية للنفس لا نكون مثاليين, لان حركة الكون ووقائع الأشياء فيه تنحى هذا المنحى “ وعنت الوجوه لله الواحد القهار” “ وأشرقت الأرض بنور ربها “.

ففي المشهد الأول ينكشف التخاذل ويتهاوى, بينما يعلو الحق وأهله وهم مستبشرون, وفي المشهد الثاني يكون النور تعبيرا عن الفرح الحقيقي, ويندم أصحاب الفرح المصطنع وغير الحقيقي الذي ضيعوا فيه فرص الحياة عندما حولوها إلى سجن كبير ومأساة مفتعلة يقودها الإرهاب ويعاونه إرهاب الجنس والمال وكل الهوى الزائف صاحب الانكسارات الكبرى في حياة البشرية.إن النبي نوح لم يكن متشائما عندما قال :” وقال نوح رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديارا “ وإنما كان مشخصا لحالة المجتمع الذي كان يعمل معه , ونتائج التشخيص عندما تكون سلبية فإنها تتوقف عند حدود هذه المعرفة الجزئية التي ترتبط بمعرفة كلية تتصل بمسارات الكون وحركته الموزونة بإيقاع “ وما كنا لاعبين “ حيث تنعدم الغفلة وينتفي السهو , وتستحضر الجدية والحيوية في كل شيء “ فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون “ “ كتب الله لاغلبن أنا ورسلي أن الله قوي عزيز “

إن الإرادة تابعة للعقل, فعندما يكون العقل حاضرا تكون الإرادة مستوفية لشروط صناعة الموقف “ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون “ وهذه الإرادة الربانية هي مرجعية كل الإرادات المخلوقة تستلهم منها العزم والتصميم والثبات قال علي “عليه السلام” لابنه محمد بن الحنفية :” تد في الأرض قدمك, واعر الله جمجمتك” وتتوج قمة الإرادة بالموقف التالي:” فلما بلغ معه السعي قال يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى , قال : يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين “

فالعقل عند إبراهيم النبي الأب والإرادة عند إسماعيل النبي الابن هما تؤمان عملية التغيير والبناء .

وكل عملية بناء وتغيير تفتقد لحضور العقل والإرادة لا يكتب لها النجاح على قاعدة “ وتلك الأيام نداولها بين الناس “والعمل السياسي في العراق في هذا المقطع من التاريخ يفتقد لمستلزمات العقل بملاك الحكمة مثلما يفتقد الإرادة بمستوى النفس المطمئنة , ولذلك نشهد تراجع دوره على مستوى البناء الداخلي تعثر العملية السياسية ومثالها ورقة الإصلاح التي ينكرها الحاضر ولا يعرفها الغائب, وعلى مستوى الخارج حيث يسوق دورنا من قبل الآخرين ونحن نتفرج في طابور المتفرجين بلا دعوة ؟ فلا الجامعة العربية استرجعنا رئاستنا لها , ولا منظمة المؤتمر الإسلامي حافظنا على حضورنا فيها , ولا مؤتمر دول عدم الانحياز حملنا مشروعا له , فهل تصبح كينونتنا مهددة ؟ آمل أن لا يكون ذلك .

غزل سياسي !!

المتطرف في وطنيته مثلي، هو المتفائل الذي ينظر إلى المستقبل بثقة عالية، ويؤمن بأن الخير آت ولو طال قدومه أربعين او خمسين سنة، ولا يرى في مظاهر الفساد والاضطراب الامني والبطالة، وتردي الخدمات، إلا غمامات عابرة ستنجلي ويستعيد العراق عافيته، ويقف على قدميه عنوانا للحضارة والثقافة والعطاء الإنساني، وتصبح كوابيس الطائفية والمحاصصة والدستور، مجرد ذكريات مؤلمة عفا عليها الزمن!!

في الثالث والعشرين من تموز الشهر الماضي، ودرجات الحرارة (المعلنة) تبلغ الخمسين، والساعة تقرب من الثانية ظهرا، وانا اعاني من الجوع والعطش والشمس التي فقدت رحمتها، وانتظر سيارة اجرة تقلني الى منزلي بأي مبلغ، استوقفتني (مراسلة) احدى الفضائيات الأجنبية مع من استوقفت من مواطنين وموطنات قبلي وبعد ان سألتني عن اسمي استفسرت عن طبيعة مهنتي، فقلت لها بشيء من الحياء (انا صحافي) ويبدو ان اجابتي راقتها، فقد انشرحت أساريرها ظنا منها ان كل من يعمل في الصحافة هو وحيد زمانه في السياسة، ولذلك سألتني «ما هو رأيك بالصراعات المحتدمة بين أطراف العملية السياسية، وهل تعتقد ان ورقة الاصلاح السياسي مجدية او قادرة على حل الخلافات»؟!

انا كما يعرف زملائي المقربون متحدث سيئ، وأتلعثم ولا أحسن ترتيب أربع جمل سليمة، ولهذا أقسمت منذ زمن بعيد على عدم الظهور في التلفاز، ولكن تلك المراسلة الملعونة كانت من الرقة والجمال والأنوثة، ما جعلني أنسى جوعي وعطشي وحرارة تموز، وأنسى قسمي، بل نسيت نفسي، وانطلقت بالحديث من دون تلكؤ او تلعثم او تمتمة، وكأنني من أعضاء البرلمان المدمنين على الفضائيات، وأجبتها اجابة ظاهرها سياسي، وباطنها غزلي، (سيدتي الرائعة، اتمنى عليك ابتداء لو اخترت مطعما من مطاعم النجوم الخمس مكانا للحوار، فأنت تثيرين مخاوفي عليك من شمس العراق المحرقة، مثلما أن تغيري مصطلح الصراعات المحتدمة لان ما يجري بين الكتل السياسية لا يعد صراعا، بل هو تفاهمات حبايب، وانفعال عشاق يتابعون ولعلك تدركين يا سيدتي، أن الحب الذي يجمعنا، اقصد نحن العراقيين، وفي مقدمتنا أولياء أمرنا ونعمتنا، السياسيون، هو الذي جعل رؤساء الأحزاب والكتل والقوائم وممثليهم يطيلون مشارواتهم، ويتبادلون العتب حول عبارة صدرت هنا حول سحب الثقة عن المالكي او استجوابه او عبارة صدرت هناك حول سحب الثقة عن النجيفي او تشكيل حكومة أغلبية او استجواب البارزاني او حل البرلمان… الخ، نحن في العراق نسمي هذا كله ( عركه حبايب ) اي سرعان ما تنتهي ويصحو الجو وتنقشع الغمامة وينسى الجميع زعلهم وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها بسهولة، انتهى كيف تسود لقاءاتهم الودية لغة الأحضان والقبل العاطفية، ولو أرادوا سحب ثقة او استجوابا او حكومة أغلبية لفعلوا ذلك بين ليلة وضحاها،، على اية حال انه شيء لطيف حقا، ان يبقى هؤلاء وأولئك وانا وانت والجميع حبايب فالحياة حلوة مثلك يا سيدي وتستحق ان نحتضنها بمشاعر صادقة!) نظرت المراسلة الفاتنة التي لا تشبه نسواننا الى إجابتي باستغراب وحذت اللقاء معي لاعتقادها على ما يبدو انني قد اكون مجنونا او سياسيا يهرف بما لا يعرف، ولم يخطر على بالها مع الاسف، ان سحرها شغلني عن ورقة الاصلاح التي لا يعنيني امرها في شيء، فقد تمزقت فوق رأسي قبلها مئات الأوراق!! 

عربة مفككة يقودها البنتاغون

لا فرق عندنا بين الأنظمة العربية الحاكمة من حيث فشلها في تحقيق العدل والإنصاف والمساواة, ومن حيث تخلفها وضعفها أمام المغريات المادية, ومن حيث تآمرها على الشعب, وتفريطها بموارده الطبيعية, وتجاهلها لتطلعاته المستقبلية, لكننا وجدنا إن النظامين (الجمهوري والملكي) انفصلا وتباعدا, وانقسما فجأة إلى معسكرين متنافرين, حتى طغت قوة معسكر السلاطين والأمراء على قوة  معسكر الجمهوريين, فكان الربيع العربي من نصيب الجمهوريات العربية, وصارت الأنظمة الملكية السلطانية هي التي تتحكم بمناخه, وهي التي تثير زوابعه العنيفة في الساحات والميادين, بدعم مطلق من قوى الشر, وبمشاركة سليل الأبالسة (برنار هنري ليفي). 

لا للمفاوضات نعم للفوضى

هذا هو الشعار الذي آمن به الأمراء والسلاطين العرب في تفعيل مساعيهم الحثيثة للتآمر على الجمهوريين العرب, كانوا أول من أعلن الحرب على العراق بكل الوسائل المتاحة والمباحة, ثم اتخذوا من (الربيع العربي) جسرا عبروا فوقه نحو إشعال فتيل الفوضى العارمة في ربوع العواصم العربية الجمهورية, ووقفوا وراء فكرة التقسيم والتشرذم.  وإلا بماذا تفسرون هذا الأعاصير والزوابع التي استهدفت القصور الجمهورية, واجتاحتها وحدها, بينما نأت بعيدا عن القصور الملكية والأميرية والسلطانية ؟, وهل الصدفة وحدها هي التي حددت مسارات تلك الأعاصير, ووجهتها نحو بغداد وطرابلس وتونس والجزائر وصنعاء والقاهرة, ومنعتها من الوصول إلى المنامة والدوحة وأبو ظبي والكويت وعمان ومسقط والدار البيضاء ؟, وهل انفرد الجمهوريون وحدهم بالظلم والتعسف, وتحصن الملكيون بالعفة والنزاهة والورع والتقوى, وهل صار العدل هو القاسم المشترك الأعظم في البلاطات الأميرية كلها من دون استثناء؟. 

غراتسياني يعود من جديد

نحن لسنا مع الأنظمة الجمهورية ولا ضد الأنظمة الملكية, لكننا نريد الوقوف على الحقيقة لتحديد الملامح السياسية لمستقبلنا الغامض, ونريد أن نعرف بالضبط متى تستقر أوضاعنا المتأرجحة ؟, خصوصا بعد أن تكررت المشاهد المؤلمة في العراق واليمن وليبيا, وبعد أن طغت أجواء الفوضى في المدن والأرياف, وبعد أن وصل الخلاف في ليبيا على أكياس القمامة إلى القتال في الشوارع والميادين بالأسلحة الخفيفة, وشهدت البلاد اشتباكات دموية عنيفة بين القبائل المتناحرة, بينما راح الايطاليون يحتفلون في الفنادق الليبية بتحقق أحلام الجنرال رودلفو غراتسياني, شاهدوا هذا الشريط الوثائقي, ولاحظوا ما الذي تلبسه عريفة الحفل, وأين تضع العلم الليبي الجديد: بينما انزلقت الأوضاع في اليمن نحو المجهول, ما ينذر بتفجر زلازل هائلة قد تهدد أمن المنطقة برمتها, وقد تعيد اليمن إلى زمن الجاهلية الأولى, أما في العراق فقد صارت العبوات الناسفة هي الإيقاعات المدوية في تفعيل مشاريع تخريب البلاد, وقتل العباد, ولن تكون الأوضاع في سوريا أفضل حالا من الأوضاع في اليمن وليبيا والعراق ومصر وتونس, والدليل على ذلك انه لا يوجد حتى الآن من يستطيع أن يتكهن بمستقبلها بعد انهيار نظامها الحالي, ولم يشرح لنا فلاسفة (الربيع العربي) أبعاد الشكل الذي ستكون عليه سوريا بعد الانهيار, حتى لا نفاجأ, أو تفاجأ المؤسسات المتلاعبة بمناخ (الربيع), ولا نستغرب أن تنتهي الأنظمة الملكية والسلطانية والأميرية إلى ما انتهت إليه بعد تآمرها على العراق, واستمرارها بالتآمر حتى يومنا هذا, لا نستغرب أن ينتهوا إلى النهاية نفسها في الأيام القليلة القادمة, فالفوضى الخلاقة هي الهدف, وهي البرنامج المخطط له, وهي التي تحمل تفاصيل السيناريو المعول عليه في إشاعة البلبلة, والعودة إلى القرارات المزاجية الارتجالية في حسم الأزمات المزمنة, مع الأخذ بنظر الاعتبار توفير الدعم المطلق للتنظيمات الطائفية والمذهبية والعرقية إلى أقصى الحدود الممكنة. 

عربة التآمر المدولبة

قبل قرن من الزمان بالتمام والكمال كانت بريطانيا هي التي تقود العرب للتمرد على الخلافة العثمانية, والتحرر من حكومتها (السنية), فوقف معظمهم مع الحلفاء ضد الخلفاء, وانتهت الحرب بتحرر تركيا نفسها, بينما سقطت المدن العربية كلها في قبضة الهيمنة البريطانية, واقتطعت فلسطين من جسد الوطن العربي الكبير بموجب وعد (بلفور), وها هي الولايات المتحدة تقود المتأمركون العرب من جديد لخوض حرب ضروس ضد أفغانستان (السنية), وضد حماس (السنية), وضد إيران (الشيعية), وضد سوريا (العلوية) المتمردة على المشروع الغربي, فتعاطفوا معها ومنحوها الضوء الأخضر لإقامة قواعدها الحربية حيثما تشاء, من دون إن يستفيدوا من الدروس السابقة, ومن دون أن يكون لهم موقفهم المستقل في التعبير عن تطلعاتهم المستقبلية مثل بقية الأمم الآمنة المستقرة, وكأنهم عربة مدولبة يقودها جنرالات البنتاغون نحو الهاوية. .

وعادوا الآن لأداء دورهم المخجل في الحرب بالإنابة عندما كانوا يفتعلون المعارك بين عرب الغساسنة وعرب المناذرة بتوجيه وتحريك من الإمبراطورية الساسانية في الشرق, وغريمتها البيزنطية في الغرب, فتقمصوا أدوارهم القديمة بعدما أضحت مهمتهم الحالية مقتصرة على تحويل الشام إلى حطام, والتجحفل في خندقين متناقضين, خندق يقاتل تحت راية (الجهاد), التي يحملها قادة البنتاغون, وخندق يقاتل تحت راية (الجهاد), التي يحملها قادة الكرملن, وهذا هو منطق الحرب بالإنابة, التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.  لقد تعاظمت وتيرة التآمر في الشرق الأوسط هذه الأيام, حتى بلغت أعلى معدلاتها في المدن الأردنية, التي تحولت إلى محطة دولية لقادة أجهزة المخابرات, الذين يعدون العدة لتأجيج حروب العرب ضد العرب, وتفعيل حروب المسلمين ضد المسلمين, من دون أن يدرك قادة الدول العربية المتأمركة أنهم يقفون الآن على حافة الهاوية, وإنهم يجرون المنطقة برمتها إلى حرب طويلة الأمد ستحرق الأخضر واليابس, وبات من السهل على القوى الدولية الغاشمة ممارسة الخديعة ضد العرب بأيسر الطرق وأسهلها, من دون أن يشعر العرب بخطورة المخططات الدولية, التي ستقضي عليهم كلهم من دون استثناء. 

لقد سارت الحكومات العربية المتأمركة على النهج الذي رسمه قادة البنتاغون, فوقفت وقفتها المعروفة ضد العراق, حتى سحقت بنيته التحتية والفوقية, وألحقت به الدمار الشامل بذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل, وسارت ثانية على النهج الذي رسمه قادة الناتو فوقفت وقفتها المعروفة ضد ليبيا, وحفرت في رمالها خنادق الحروب القبلية التي لن تنتهي ولن تهدأ حتى قيام الساعة, ثم تخلت عن السودان بناء على التوجهات الغربية فاقتطعت منه أعز ما يملك في جنوبه الغني بالثروات, وأسهمت في الحصار المفروض على غزة بناء على الرغبات الصهيونية, وشاركت في الحرب المعلنة ضد الكتائب الجهادية في أفغانستان, حتى وصل الأمر إلى تبجح أحد أمراء الدويلات الخليجية بدور بلاده في محاربة الطلائع الإسلامية الكامنة في كهوف كندهار, بذريعة مكافحة الإرهاب. 

أسئلة لا جواب لها

أسئلة بسيطة نطرحها على وكلاء البنتاغون وعملاء الناتو في المنطقة, فنقول لهم: هل كانت لديكم تصورات مسبقة عما ستؤول إليه الأمور بعد مشاركتكم في الحرب على ليبيا ؟, وهل تعلمون بما آلت إليه الأمور الآن ؟, وما الذي حصلتم عليه بعد توزيع حصص الحقول النفطية الليبية على الشركات الأمريكية والغربية ؟, وهل ارتاحت ضمائركم بعد تأجج الفوضى بين القبائل الليبية ؟, وهل تمتلكون مخططات مسبقة لإعادة بناء سوريا بعد مشاركتكم في تدميرها مع الجيوش التركية والغربية ؟, وهل لديكم صورة واضحة للأوضاع السورية بعد انهيار نظامها ؟, أم إنكم ستشاركون في حملات الفتوحات الغربية في الأراضي العربية من اجل كسب الثواب والأجر والبركة؟, وما الذي ستجنونه من وراء تهافتكم وراء المخططات الأمريكية, التي رسمها (برنارد لويس) لتفكيك المنطقة وتمزيقها بما فيها الأقطار الخليجية, التي سيأتي عليه الدور إن عاجلاً أو آجلاً ؟, ألا تخشون من عقاب الله بعد أن وليتم عليكم القوى الغاشمة ؟, ثم منذ متى كانت أمريكا داعمة للمؤمنين وهي المعادية لله ولرسوله ؟, ومنذ متى كانت أمريكا حريصة على الإسلام ؟, ومنذ متى كانت بريطانيا قلقة على المسلمين ؟, ومنذ متى كانت فرنسا مهتمة بالشأن الإسلامي ؟, ومنذ متى كانت مناورات (الأسد المتأهب), التي شاركت فيها (19) دولة على الأرض الأردنية بقيادة أمريكا طبعا, منذ متى كانت هي العنوان الجهادي لتحرير الشام من قبضة العلويين ؟, ثم ألا تلاحظون إن أمريكا وعلى مدى ربع قرن من السنين خاضت معاركها كلها على الأرض العربية, وتحديدا في الشرق الأوسط ؟, ماذا يعني هذا ؟, ألا يعني إنها وجدت من يتعاون معها ويسمع كلامها ويحترمها ويقدسها ؟.  ختاما نقول لن تستطيعوا أن تجيبوا على هذه الأسئلة, لأنكم مجرد توابع ذليلة تدور في فلك النظام العالمي الجديد, وان دويلاتكم هذه لن تسلم من تطلعات التوسع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة, ولن يعصمكم منها عاصم, فأمريكا (دولة العهر والغدر) ليست لديها لحية مُسرّحة, وإن مصلحتها فوق كل شيء, بل فوق مصالحكم الضيقة كلها, ويتعين عليكم أن تتعلموا الدرس من خادمها المطيع (عمر سليمان), الذي باع دينه وضميره وضحى بمستقبل بلاده من أجل تحقيق أحلامها, فأعادوه إلى بلاده جثة مشوية بأفران المايكروويف, وينبغي أن تعلموا إن قرارات الكاهن (برنارد لويس) هي المعوّل عليها في إقامة دولة علوية في سوريا, وأخرى درزية, وواحدة شيعية, ودولة سنية, وإقامة دولة البصرة التي ستضم الكويت والبحرين, وإقامة دولة في  الحجاز, ودولة في الدمام, ودولة في جيزان, ودولة في عدن, ودولة في صنعاء, ودولة في بوشهر, ودولة للكرد, ودولة لقبائل اللر, ودولة في أرض الصومال, ودولة في مضيق هرمز, ودولة للأقباط, ودولة للصعايدة, ودويلات هشة أخرى مبعثرة هنا وهناك, ومن لم يصدق هذا الكلام يتعين عليه مراجعة مخططات وخرائط البنتاغون, التي أعدها عرّاب التقسيم والتفرقة, الكاهن (برنارد لويس), والتي تبرعتم أنتم بتنفيذها حرفيا, من دون أن تدركوا إنكم تنكرتم لعروبتكم, وتركتم كتاب الله وراء ظهوركم واتبعتم ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان.  لابد لنا في الختام من وقفة تاريخية نستذكر فيها نداءات الفريق (ضاحي بن خلفان), التي حذركم فيها مراراً وتكراراً من خبث المخططات الأمريكية في أكثر من مناسبة, وأوصاكم بعدم السير خلفها, وخاطبكم بلسان عربي فصيح, فكان فيكم كدريد بن الصمّة, عندما حذر قبيلته (غزية) بهذا البيت الخالد, فلم يستجيبوا له, فوقعت الكارثة, ولات حين مندم, قال دريد:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى # فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد

والله يستر من الجايات