تتعالى بين الفينة والفينة الأصوات السياسية العراقية المعترضة على أداء جهاز مكافحة الإرهاب, لمبررات ودوافع تبعث على الشك والريبة, متجاهلة الضرورات الحتمية لطبيعة المواجهة مع القوى الظلامية, التي تكالبت علينا في هذه المرحلة العصيبة, في الوقت الذي تشترك فيه البلدان العربية كلها في ترصين بناء أجهزتها الأمنية الوطنية, وتجتهد في عقد المؤتمرات والحلقات الدفاعية المصيرية لتوحيد مواقفها, وتسعى لوضع الخطط المشتركة في التصدي للعمليات الإرهابية, التي لم تكن في مجملها بمستوى الهجمات الشرسة, التي تعرضت لها المدن العراقية, ولم تكن بمستوى الكوارث الجسيمة, التي تسببت في إزهاق أرواح الأبرياء, وترويع العراقيين.
قبل بضعة أسابيع انعقد في الرياض مؤتمر خليجي لمكافحة الإرهاب, في ضوء قناعة قادة المنطقة بوجوب القضاء على الإرهاب, وكسب المعركة ضده نهائيا, وأدركوا إن الوضع العام يحتاج إلى توحيد المواقف السياسية والاقتصادية والفكرية على مستوى المنطقة, وعلى مستوى النظام العالمي, واتفقوا على الخطوط العامة, التي تلخصت بالنقاط التالية:-
•التصدي بحزم لمخططات المنظمات الإرهابية.
•معالجة تطرف الأفراد والجماعات المتشددة.
•ملاحقة الإرهابيين والجهات التي تدعمهم.
•تأمين حماية الناس وتحصين المؤسسات الحيوية.
•رفع درجة الاستعداد لمواجهة النتائج الكارثية التي قد تجلبها الأنشطة الإرهابية.
•تجفيف المنابع المالية للإرهاب.
•التدريب على الخطط التكتيكية التعبوية والخطط السوقية العامة.
ثم جاءت الجمعية العمومية في منظمة الأمم المتحدة لترسم مسارات الطريق لتنفيذ الإستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب, فاعتمدت إطارا استراتيجيا وعالميا شاملا حددت بموجبه القواعد, التي ينبغي أن تتبناها الدول المتضررة في معالجة الأوضاع, التي قد تفضي إلى انتشار الإرهاب، ومنعه ومكافحته، وتعزيز قدراتها الفردية والجماعية على القيام بذلك، وحماية حقوق الإنسان والتمسك بسيادة القانون في مكافحة الإرهاب. فأنشأت فرقة دولية تولت التنسيق والاتساق مع أربعة وعشرين كياناً دولياً على الأقل من الكيانات الضالعة في جهود مكافحة الإرهاب. وقد وضعت تلك الفرقة برنامجا مدروسا لتفعيل الاضطلاع بمجموعة أولى من المبادرات الرامية إلى تنفيذ الإستراتيجية الدولية. وهذه المبادرات تشمل نطاقاً واسعاً من جوانب الإستراتيجية, وتتضمن ما يلي:-
•إدخال مكافحة الإرهاب كعامل من عوامل منع الصراعات الإقليمية والدولية؛
•توفير الأجواء الملائمة لمعالجة الاستبعاد السياسي والاقتصادي، وخاصة بين الشباب؛
•تحسين تقييم المساعدة التقنية وإنجازها ومتابعتها؛
•تحسين ما تقوم به الأمم المتحدة من تنسيق في مجال التخطيط للاستجابة لأي هجوم إرهابي تُستخدم فيه مواد نووية أو كيميائية أو بيولوجية أو إشعاعية؛
•الجمع ما بين الجهات المعنية والشركاء لمناقشة إساءة استغلال الإنترنت لخدمة أغراض الإرهابيين وتحديد سبل مبتكرة للتصدي لذلك؛
•إيجاد طرائق للوفاء بالمعايير الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب؛
•تحديد ممارسات فضلى بشأن حماية الأهداف المعرضة للهجوم، ومن بينها موظفو الأمم, وإنشاء آلية لتبادل الخدمات في هذا الصدد؛
•مساعدة البلدان في تعزيز التشريعات المحلية لحماية حقوق الإنسان من أجل الامتثال للمعايير الدولية؛
•الجمع ما بين ضحايا من مختلف أنحاء العالم لتحديد احتياجاتهم, وتوفير الاستجابات الحكومية الممكنة.
•مساعدة الدول الأعضاء في تنفيذ الإستراتيجية بطريقة متكاملة. .
من هذا المنطلق كانت الأقطار العربية سباقة لرفع درجات الاستعداد والتأهب إلى المستوى الإقليمي والعالمي, على الرغم من إنها لم تتعرض حتى الآن للحد الأدنى من الجرائم, التي تعرضت لها المدن العراقية بشتى أنواعها وأساليبها المقززة, وكانت أقطار مجلس التعاون الخليجي أول من وضع التشريعات الصارمة في موضع التنفيذ العملي, وذلك في ضوء حاجتها الأمنية اللازمة لدمغ أي تحرك أو تمرد مهما كان بسيطا, وحتى لو كان بصيغة المعارضة السياسية, وسمحت التشريعات الخليجية الجديدة باعتقال المشتبه به لمدة (120) يوماً, أو لفترات أطول, وربما إلى أجل غير مسمى, إذا ما قررت المحاكم المختصة ذلك, وتدير الإمارات والسعودية في المرحلة الراهنة أقوى أجهزة مكافحة الإرهاب في المنطقة من دون منازع, ويعزا ذلك لإدراكها خطورة الهجمات الإرهابية المتوقعة, أو التي تتربص بأمنها . وسارت الأقطار العربية كلها في المسار الذي انتهجته البلدان الخليجية, على الرغم من إن الأقطار العربية والإسلامية كلها لم تصل إلى عشر معشار التضحيات التي قدمها العراق من جراء العمليات الإرهابية المدمرة, التي استهدفت دور العبادة والبنوك والمصارف والكليات والجامعات والمدارس والأسواق والحدائق العامة والجسور والقناطر منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا, فخاض جهاز مكافحة الإرهاب في العراق أصعب الاختبارات المميتة, في حين لم تتوفر لديه أدنى مستلزمات الدعم والإسناد, التي توفرت لغيره من دول مجلس التعاون الخليجي, أو التي توفرت لمصر وتونس والجزائر والمغرب.
لقد أدرك العراقيون إن النهوض بعبء التخلص من آفة الإرهاب يتطلب التسلح بالخصال الوطنية والإنسانية والفدائية, ويتطلب التضحية بالغالي والنفيس, وتغليب نداءات الاستغاثة الوطنية, ويتطلب أيضا تغليب شرعية حق الشعب العراقي في الدفاع عن نفسه, واكتشف العراقيون إن الحرب ضد الإرهاب ينبغي أن تكون ضمن خطة إستراتيجية واسعة النطاق، تهدف إلى إزالة عناصر الخلل, التي قد تفرز ذلك الإرهاب، وتحتاج إلى تحليل علمي موضوعي محايد، يربط المقدمات بالنتائج, ويصل بمتابعة الأعراض إلى أسلوب العلاج، وأيا كان القائم بالأعمال الإرهابية (منظمة أم أفرادا أم جماعات) فلا يجب الحياد عن هذا المبدأ.
وأدركوا إن الحاجة الوطنية العليا هي التي حددت مهنية هذا الجهاز واستقلاليته, وانه اليوم في أمس الحاجة إلى تلقي المزيد من الدعم والإسناد والرعاية, ويضم الآن خبراء وضباطا متخصصين, ليست لديهم ارتباطات حزبية ولا ميول طائفية, من هنا ينبغي الارتقاء بمستوى الأداء إلى مستوى الأجهزة الموجودة في الأقطار الديمقراطية المتقدمة, التي تمتلك مثل هذه الأجهزة المستقلة، تجنبا لاستخدامها وفق توجهات أصحاب النفوذ. حتى إذا ما ثبت أن الجهاز مارس الاعتقال على خلفية طائفية أو قومية سنكون جميعنا ضده. فالجهاز العراقي لمكافحة الإرهاب تم تشكيله لمحاربة ظاهرة دولية, وليس لخدمة جهة معينة، وان الواجب الوطني يستدعي وقوفنا كلنا مع عناصره وتشكيلاته, ويتعين علينا مؤازرته في التعامل بشدة ضد منفذي عمليات القتل والاغتيالات المنظمة أيا كانت الجهة التي تقف خلفهم، آملين أن تواصل الحكومة العراقية جهودها الحثيثة لتوفير احدث التقنيات المستعملة في هذا المضمار الأمني الواسع النطاق, وتمويله من خزينة الدولة لتغطية نفقات مشاريعه التطويرية, شانه شأن الأجهزة الوطنية العراقية الأخرى, التي يفترض ان نفتخر بأدائها المتميز, بغض النظر عن اختصاصها وموقعها, فالدولة الحقيقية هي دولة المؤسسات المستقلة القائمة على المهنية والحرفية والتخصص, والبعيدة عن الميول والأهواء والمزاجات, فالعدل أساس الملك, والعراق اليوم في أمس الحاجة إلى تعزيز قوة أجهزته الأمنية والدفاعية والتشريعية والأكاديمية, والارتقاء بها إلى المستوى الحضاري المشرف. . , والله الموفق.