عندما يكذب الكبار “مجزرة الحولة مثالا”

“قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلةً وكذلك يفعلون” – النمل -24.

مئة من الأطفال والنساء والرجال قضوا نحبهم غدرا في منطقة “الحولة” من قرى حمص المعروفة بتلونها المذهبي الذي لم يخلق لها مشكلة إلا عندما حلت عصابات التكفير الإرهابي الوهابي في ربوع سورية بفضل الدعم المالي والحربي من خلال السلاح الذي كان فيه السلاح الإسرائيلي حاضرا مع تصريحات حمد القطري وسعود الفيصل واردوغان التركي، ومع اعترافات المأجورين من ليبيا وتونس والسعودية ولبنان المشحونين بالحقد الطائفي واعترافات بعض أفراد العصابات المسلحة من سورية التي مارست القتل على الهوية والاغتيالات للأبرياء مع اعمال التفجير والمفخخات والأحزمة الناسفة، وهؤلاء وغيرهم ممن ألقي القبض عليم في “باب عمرو” وتلكلخ والقصير والرستن ودرعا وبقية مناطق الشغب التي صرح أفراد تلك العصابات باعترافات مفادها أنهم كانوا يطلقون النار على المتظاهرين حتى يقولوا بوسائل إعلامهم إن الجيش السوري وقوى حفظ النظام هم من يطلقون النار على المتظاهرين، وقد تكررت هذه الاعترافات عبر شاشات الإخبارية السورية حتى أصبحت هوية ثابتة لتلك العصابات المجرمة، واليوم عندما تقع مجزرة “الحولة” وببشاعتها المقززة للنفوس، فان من يبحث عن الذين يقفون وراء تلك الجريمة عليه أن لا ينسى حقيقة اعترافات العصابات المسلحة وممارساتها الملوثة بالجريمة عبر كل من:

1- ادعاء من توفي طبيعيا بأنه قتل على يد النظام السوري وقد ظهر أولياء المتوفى ليخبروا وسائل الإعلام بعدم صحة ما تناقلته الوسائل المغرضة للإعلام المتواطئ مع ما يسمى بالمعارضة.

2- قيام العصابات باختطاف بعض السوريين وإجبارهم على اعترافات وتصريحات مفبركة ضد النظام ولصالح المعارضة وقد ظهر أمام الإعلام الكثير من هذه الحالات.

3- قيام العصابات المسلحة بتوجيه رصاصهم إلى صدور المواطنين الأبرياء ثم الادعاء بأن من قام بذلك هو الجيش السوري وقوى حفظ النظام.

4- فبركة صور فيديو لإظهار وتضخيم عدد المظاهرات التي قسم منها لم يحدث أصلاً.

5- أظهرت أحداث خفايا باب عمرو كثيرا من التلفيق والكذب الذي مارسته العصابات المسلحة.

ومن خلال كل ذلك كيف يمكن تصديق ادعاءات المعارضة السورية في الخارج بان مجزرة “الحولة” هي من فعل النظام السوري، وقد تمت مشاهدة طبيعة الاصابات وهي بإطلاق ناري عن قرب أو طعن بآلات حادة.

وإذا كان هذا حال العصابات المسلحة في سورية، فكيف للدول الكبرى مثل أمريكا، وبريطانيا وفرنسا أن تقوم بتصديق رواية العصابات المسلحة والتي أصبحت هي تترد في حسن نواياها بسبب وجود القاعدة معها.

ثم كيف لها أن تحكم على النظام السوري بأنه هو من فعل تلك الجريمة، علما بان التحقيق لم يجر بعد، وإذا كانت هذه الدول حريصة على دماء الأبرياء كما تدعي، فلماذا لا تدين الحكومة الإسرائيلية وهي تقتل وتعتقل الفلسطينيين يوميا؟

ثم لماذا أسرعت لطرد السفراء السوريين في بلادها وبهذه السرعة ودون أن تنتظر انتهاء التحقيق؟

فإذا كانت تعتقد بسوء نوايا النظام السوري، فان المعارضة السورية في الخارج لاسيما مجلس اسطنبول والعصابات المسلحة في سورية المؤتمرة بالخارج أثبتت عدم نزاهتها وعدم صدقها منذ اندلاع الأحداث في سورية وحتى اليوم، وعلى هذا كان مقتضى العقل والمنطق أن تتريث تلك الدول حتى تسمع تقرير الأمم المتحدة على اقل تقدير.

ولان هذه الدول كانت تعد العدة منذ بداية الاحداث في سورية لتفتيت سورية وقلب نظام الحكم فيه، ولانها جربت وسائل كثيرة من ايام الجامعة العربية وفريق المراقبين العرب الذين لم يعجبهم تقريرهم فبادروا عبر عملائهم الى الغاء الفريق وحل عمله، ثم عندما جاء فريق كوفي عنان والمراقبين الدوليين هم اول من بادر الى الطعن بنجاح خطة عنان والتشكيك بمصداقيتها مما جعل الآمال المعلقة عليها ضعيفة.

ومن الملفت للنظر والذي يثير الدهشة أن أمريكا والمتحالفين معها بادروا فورا لاتهام سورية بأنها هي من عملت تلك المجزرة، وطلبت فورا انعقاد منظمة حقوق الإنسان لتدين الحكومة السورية بعيدا عن كل قواعد التحقيق الدولي وطريقة استحصال البيانات، وقراءة الشواهد واستخلاص النتائج وكل هذا لم يحدث.

ولهذه الأسباب جميعا نحن امام حالة من التدليس والكذب يمارسها الكبار من الدول.

وامام هذا الواقع المأساوي كيف يمكن الاطمئنان الى مصير الامم المتحدة ومجلسها الأمني، وكيف يمكن الاطمئنان الى مصير العالم ونحن نرى دولا كبرى تسعى جاهدة لتغيير الحقائق وطمس الواقع في وضح النهار ؟

ثم من يعقل ان حكومة محاطة بالخصوم وفريق المراقبين الدوليين في أراضيها ويسجل ويراقب كل شيء، كيف تسمح لنفسها وتحت اي ذريعة القيام بقتل مجموعة من سكانها الأبرياء وهناك من هم أحق بالقتل ولم تقتلهم، وهي من تفرج عن المئات بل آلاف من المتورطين بالأحداث ضد الحكومة ولكنها وباستمرار تفرج عن افواج كبيرة منهم، فكيف تسمح لنفسها ان تعطي ذريعة لإدانتها وهي تفعل المستحيل في سبيل اثبات مصداقيتها في التعاون مع الأمم المتحدة، والظهور بالمظهر اللائق دوليا بشكل عام وأمام شعبها على اقل تقدير.

من هذا نستنتج ان عالما تكذب فيه الكبار لا يمكن الاطمئنان إليه.

وان صغارا من التابعين لهؤلاء الكبار لا يمكن الا ان يكونوا محترفين للكذب، ومن يحترف الكذب لا يؤتمن على رغيف الخبز وملح الطعام، لان الخبز وملح الطعام هو ما تبقى في ذاكرة الإنسانية عن الوفاء، وفي منطقتنا العربية يعتبر الوفاء قيمة من قيم الأخلاق، فهل نحن مهتمون بهذ القيمة؟

ام اننا سادرون في هوى الكرسي في المنطقة الخضراء وتوابعها؟

أزمة مزمنة!

-2-

شخّصتُ في المقترح الذي طرحته في الحلقة السابقة، مشكلة الأزمة العراقية المزمنة في البلاد، وقلت إنها تكمن في (الكرسي)، وكل ما عدا ذلك مجرد لغو وضحك على الذقون، وقدمت حلاً عملياً يوفر الكراسي للجميع، وذلك بان يكون لدينا عشرة رؤساء جمهورية، وعشرة رؤساء وزارات وعشرة وزراء لكل وزارة، وعشرة محافظين للمحافظة الواحدة وهكذا بدلا من ان يكون لدينا رئيس جمهورية واحد ورئيس وزراء واحد ووزير نفط أو زراعة واحد، بحيث يتخصص كل واحد بجانب من المهمات.

ما كادت المقالة تظهر حتى تلقيت مئات الاعتراضات، لعل أبرزها، الاعتراض الذي يقول إن وجود عشرة وزراء للوزارة الواحدة، أو عشرة محافظين للمحافظة الواحدة، من شأنه ان يخلق مشكلة عويصة، حيث سيحصل تشابك في الصلاحيات وتداخل لا سبيل إلى تجاوزه، وبالتالي سنكون أمام (لغوة) جديدة، لا تقل لغوة عن المناطق المتنازع عليها، ولكن هذه المرة تحت عنوان (الصلاحيات المتنازع عليها)، والحق فان هذا الاعتراض وغيره من الاعتراضات التي وصفت مقترحي بأنه بدعة، ليست صفة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة إلى النار، قد دفعتني إلى سحب مقترحي والتراجع عنه، انسجاما مع تربيتي الديمقراطية!

على أن حماستي لإخراج العراق من أزمته المزمنة لم تفتر، ولذلك فكرت بحل ثانٍ يتضمن طرح رؤية جديدة للرواتب من شأنها تخفيف الإقبال على الكرسي، لكون الرواتب واحدة من أهم، إن لم تكن أهم مغريات الكرسي، والحل او المقترح الجديد كسابقه ليس معقدا، وغاية في السهولة، ويقضي بان يكون الحد الأدنى للراتب هو 800 ألف دينار، و الحد الاعلى لراتب اكبر مسؤول في الدولة هو أربعة ملايين دينار، وما بينهما تتفاوت الرواتب في ضوء التحصيل العلمي وعدد سنوات الخدمة (تلغى المخصصات والنثريات والمنافع الاجتماعية بالطبع)، وذلك لضمان عدم نشوء طبقة وظيفية فاحشة الثراء من ناحية ولكي لا يتعرض صغار الموظفين إلى أزمة نفسية تؤثر على آرائهم في العمل، او يسعون الى قبول الرشوة من ناحية أخرى!

حين قدمت المقالة للنشر واطلع عليها مسؤول الصفحة، فاجأني قائلا: (هذا المقترح يا أستاذ كارثة وطنية، لأنك لم تجد من يتقاتل على أي كرسي، وهذا يعني أن البلد سيبقى من غير برلمان ولا وزارة ولا مسؤولين كبار، فالجميع يفضل العمل في التجارة، أو الشورجة أو يفتتح (مول) أو مطعما، او يتوجه إلى المقاولات او يدخل شريكا مع مستثمر محلي او يستثمر أمواله في الخارج، لأنه قد يحصل على خمسة أضعاف (الفلاسين) التي تقترحها جنابك راتبا له، إذ ما قيمة 4 ملايين دينار، وفي هذه الحالة على البلد أن يستورد مسؤولين من الخارج بصفة موظفين مؤقتين أو خبراء، وعندها يحصل التدخل السافر، وتتعرض السيادة إلى الانتقاص وتحل الكارثة الوطنية)!

الحقيقة أقنعني رأيه بقدر ما أرعبني، على الرغم من أن الذين (يحاولون) التدخل في شؤون العراق أكثر من الذين لا يحاولون، ولهذا قررت عدم عرض مقترحي والتزمت الصمت، مع أن أزمة الكرسي المزمنة ستبقى من غير حل!!