ذكرى ولادة غريب طوس الإمام الرضا “عليه السلام”
المستقبل العراقي / الدكتور علي التميمي
رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية
ALITAMIMI5@yahoo.com
إذا كان الاحتفال بالذكريات هو ما درج عليه الناس، فان ذكريات المواليد تأتي في مقدمتها، وفي مقدمة ذكريات المواليد هي مواليد الأنبياء والأوصياء وهم الأئمة من آل البيت عليهم السلام.
والامام علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهما السلام هو ثامن ائمة اهل البيت الأطهار ولد في 11 ذي القعدة سنة 148 هجرية.
ولهذا الامام كما لبقية الائمة الأطهار حياة حافلة بالعطاء العلمي والمواقف السياسية التي جعلته متميزا في عصره كما كان آباؤه واجداده من الائمة الطاهرين متميزين في كل شيء لا بدعوى تحيز ولا بدعوى تعصب، ولكن لان الحقيقة تفرض نفسها، والعقل يبحث عن الحقيقة وينطق بها حتى وان ادلهمت الخطوب وساءت النوايا وفسدت الطباع كما هو حالنا اليوم وكما كان حال من كان قبلنا وقصه علينا رب المشارق والمغارب في احسن القصص حيث قال: “وقال لهم أخوهم نوح ألا تتقون”.
” وقال لهم اخوهم لـوط ألا تتقون”
” وقال لهم اخوهم هـود ألا تتقون”
” وقال لهم اخوهم صالح ألا تتقون”
” وقــال لهم شعيب ألا تتقون”
ان الحديث عن الإمام علي بن موسى الرضا تمليه الحاجة إلى المعرفة والعلم الذي قال عنه رسول الله “ص”:
“لا دين بدون معرفة”.
وقال “ص”: “العقل قائد والعلم رائـــد”.
ومن هنا يكون البحث عن القيادة بحثا معرفيا، وعندما يكون البحث معرفيا تكون الإمامة حاضرة تفرض نفسها من اوسع نوافذ وبوابات العلم.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا من تاريخ حياة الإمام علي بن موسى الرضا هو: لماذا كلف المأمون الإمام علي بن موسى الرضا بولاية العهد.
والإجابة على هذا السؤال تحتاج منا الإبحار في شواطئ العلم الذي توفر عليه الائمة الأطهار عليهم السلام ومنهم الإمام علي بن موسى الرضا.
وهنا لابد لنا من ان نتذكر ما قاله رسول الله “ص” عن الأئمة من ال البيت عليهم السلام، قال “ص”:
“لا تتقدموا عليهم فتهلكوا، ولا تتأخروا عنهم فتندموا”.
ثم قال “ص” : “لا تعلموهم فأنهم معلمون”.
وهذا المعنى الذي لم يدرس بعناية من قبل بعض المسلمين نتيجة أعمال الذات وحضور إغراءات السلطة الزمنية التي أسس لها معاوية بن أبي سفيان تأسيسا مغرقا في الكراهية والحقد والعدوانية حيث نقل عنه المغيرة بن شعبه الذي ينقل عنه ولده الوليد بن المغيرة بن شعبة حيث يقول:
دخل عليّ أبي يوما مغموما، فقلت له:
يا أبتي أراك مغموما هل قصر احد من العيال بخدمتك.
قال: قال لا
قلت فما السبب.
قال: جئت من أكثر الناس لؤما.
قلت ممن جئت يا أبتي.
قال: جئت من معاوية.
يقول الوليد بن المغيرة، فعجبت من الأمر حيث كان معاوية صديقا لوالدي، فقلت: كيف ذلك.
قال: جمعني مجلس مع معاوية، فقلت له : لقد هلك الحسن بن علي فهل ترافق ابناء عمومتك من بني هاشم.
فضرب على فخذي وقال: لا ام لك.
لقد حكم ابو بكر واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه إلا : ابو بكر.
ثم حكم عمر بن الخطاب واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه الا عمر بن الخطاب.
ثم حكم أخونا عثمان واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه الا عثمان بن عفان.
اما اخو بني هاشم فلا يزال يذكر على المنائر والمنابر خمس مرات باليوم.
والمتأمل بهذا النفس الذي يحمله معاوية تجاه رسول الله “ص” يكشف لنا بوضوح ان هذا الرجل لم يدخل الإيمان في عقله وضميره قال تعالى “لا تقولوا آمنّا بل قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم”.
ورجل يحمل هذه العصبية هو الذي أسس الكراهية والحقد والتشويش الذي ابعد الناس عن أهل البيت عليهم السلام
وهو الذي جعل الإمام علي عليه السلام يقول:
“لا رأي لمن لا يطاع” وهو الذي قال كذلك:
“اتركوني كأحدكم أكون أطوعكــــم وأسمـــعكم” وقال:
“إنــي لكم وزير خير مني لكم أمـيـر” وهو الذي قال:
“سهت عيني ساعة فرأيت رسول الله “ص” فقلت:
“يا رسول الله كم لقيت من أمتك”. فقال “ص” :
” أدعو عليهم” فقال : قلت :-
” اللهم ابدلهم شرا مني، وأبدلني خيرا منهم” فكانت بعد ايام شهادته في مسجد الكوفة وهو يصلي على يد اشر خلق الله عبد الرحمن بن ملجم.
ومن ذلك التاريخ المعطر بنفحات العلم كانت حياة الامام علي بن موسى الرضا تغمر المأمون الخليفة العباسي بالإعجاب المغلف بالحيرة التي جعلت العرش العباسي يهتز خوفا وهلعا عندما بعث الخليفة هارون الرشيد على الامام موسى بن جعفر والد الامام علي بن موسى قائلا له: حدد لي حدود فدك حتى ارجعها لكم. وهي قطعة الارض التي ورثتها فاطمة الزهراء عن ابيها رسول الله “ص” فاخذت منها وقيل لها: سمعنا رسول الله يقول : نحن معاشر الانبياء لا نورث. فردت فاطمة الزهراء عليها السلام قائلة :
“أفي دين الله ترث أباك ولا ارث أبي”. وظل ذلك سؤالا معلقا في لوح الغيب حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
ثم اختتم الإمام علي تلك القضية الملتبسة بقوله:
“وما فدك إلا قطعة من ارض شحت بها نفوس قوم وسخت بها نفوس قوم اخرين”.
والإمام موسى الكاظم حدد فدك لهارون الرشيد على الشكل الآتي:
” تحدها من الشمال اذربيجان وبلاد القوقاس، ومن الشرق بلاد السند والهند، ومن الغرب حافة المحيط من ارض افريقيا ومن الجنوب حافة البحر مما يلي اليمن. وهي المساحة الجغرافية للبلاد الإسلامية ويعني بذلك الدولة الإسلامية وولاية امرها ولا يعني الارض التي زهد بها من قبل الامام علي عليه السلام وقرانا كلامه، فالمامون عندما واجه ضغطا من العلويين، اراد ان يخفف عنه ذلك الضغط فرأى ان يعطي ولاية العهد للامام علي بن موسى الرضا.
ولكن هل كان المأمون صادقا في ذلك. وإذا كان كذلك كما يظن البعض، فلماذا انتهت حياة الإمام علي بن موسى الرضا مقتولا بالسم. وهو الأسلوب الفتاك الذي يلجأ اليه أصحاب السلطة الزمنية لتصفية خصومهم بصمت.
ثم لماذا كانت ولاية العهد تعرض من قبل المأمون، ولماذا يستدعى الامام علي بن موسى الرضا الى خراسان من ارض طوس وهي ابعد مكان في جغرافية العالم الاسلامي في ذلك الزمان؟
ان ولاية العهد هي استحقاق سياسي زمني.
ولماذا يصار الى التفكير بولاية عهد للسلطان الأرضي، ولا يصار الى التفكير بولاية عهد الى نبي الله محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين.
هذا السؤال يستحق استحضارا معرفيا يظن به الجهال غمزا طائفيا ويظن به المحدودون تكلفا لا معنى له.
ويستقبله العقلاء على انه من أمهات المسائل التي يحترم نقاشها ويثاب المتحاورون فيها.
ولاية العهد هي جزء من مفهوم أولي الأمر الذي اخذ من غير أهله وفسر على غير معناه.
وأولي الأمر مفهوم معرفي يمتد في طول الزمان “وتلك الأيام نداولها بين الناس ” ويمتد بامتداد المكان ” والأرض وضعها للأنام”.
والإمام الرضا عندما قدر له ان يقود الحوارات الفكرية بين المتكلمة وأهل الرأي بدعوة من المأمون، وكانت إجاباته تبهر العلماء، وتسكت المتكلمين، وتحير المتفلسفين، ونتيجة هذه المواقف كانت تلقي بظلها على المأمون الموزع المشاعر بين هوى السلطة، وقوة حجة الرأي الذي يحمله الإمام علي بن موسى الرضا، وبين وهج الشعبية المتنامي بين صفوف الناس الذين وجدوا انفسهم اول مرة وجها لوجه مع التقوى والخلق الرفيع والتواضع الذي يجذب النفوس، كل ذلك مصحوبا بانتشار الحكايات التي تقول بان بضعة النبي “ص” اذا حلت في مكان حلت معها البركة، واخرى تقول : كيف بكم اذا جاءتكم وديعة رسول الله “ص” والتي كان جواب الامام علي بن موسى الرضا قائلا لمن يساله عن ذلك :
” انا وديعة رسول الله “ص”.
وهو نفس جواب ابيه موسى بن جعفر الى هارون الرشيد.
وهو نفس ماقاله الامام علي بن ابي طالب عليه السلام عندما قال :
” متى كنت اقرن الى هذه النظائر وانا ينحدر عني السيل ولا يرقى الي الطير “.
وعلى طول الخط التاريخي للوجود المعصوم عندما قال يوسف النبي عليه السلام لفرعون مصر :
” قال اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم ” – 55- يوسف –
فاولي الامر سواء كانوا ظاهرين كالانبياء او مستترين كالخضر الذي تعلم منه موسى وهو كليم الرحمن، وصاحب سليمان الذي عنده علم من الكتاب حيث قال عنه تعالى ” قال الذي عنده علم من الكتاب انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم اكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم ” – 40- النمل –
ومن المستترين الذين شاءت حكمة الله ان يجعلهم رهن الانتظار هو الامام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف وهو من احفاد رسول الله “ص” ومن ابناء الامام علي بن موسى الرضا عن طريق محمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري.
ولقد نقل العلماء والرواة سيرة الامام علي بن موسى الرضا بما شهد به الفلاسفة والفقهاء في مجالس العلم، حيث قال الواقدي:
“كان ثقة، يفتي بمسجد رسول الله “ص” وهو ابن نيف وعشرين سنة وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من اهل المدينة – ابن الجوزي تذكرة الخواص ص198
وقد قال عنه ابوه موسى بن جعفر عليه السلام :
“هذا اخوكم علي بن موسى عالم ال محمد، فسلوه عن اديانكم واحفظوا مايقول لكم” – الشيخ المفيد – الارشاد –
ومثلما لم يحدثنا احد في التاريخ عن مصادر علم الائمة الاطهار وانهم لم يحضروا عند احد من علماء عصرهم بل كان علماء عصرهم يحضرون عندهم ويأخذون عنهم، وهذه القضية لم يسلط عليها الضوء فضاعت عن عموم الناس وبقيت محفوظة في صدور اهل العلم وحفظة اثاره وهم القلة القليلة والنادرة كندرة الماس والجوهر.
وهذه الظاهرة ترجعنا الى استذكار حديث رسول الله “ص”
“لا تعلموهم فأنهم معلمون” اي ائمة اهل البيت عليهم السلام وعلى هذا يكون الاخذ عنهم يتصف بما يلي :-
1- مبرأ للذمة لانه يمتلك المعذرية امام الله يوم تكون المنجزية لله الواحد القهار
2- موصلا للحق والحقيقة باقصر الطرق
3- مبعدا للشك والشبهة
4- خاليا من الخلاف والاختلاف، فما عند اول امام منهم هو ماعند اخر امام منهم وان اختلفت التعابير ولكن لا تختلف المضامين، وهذه الحقيقة حجة على من يبحث عن الحق واهله، ومن يريد ان يعرف العلم وحملته الحقيقيين، فهم الراسخون في العلم، وهم اهل الذكر، واولي الامر تحققا لملاك المواصفات الذي وضعه رسول الله “ص” قاعدة حتى لاتظل الامة من بعده عندما قال :
” اذا اجتمع خمس وعشرون نفر منكم ولم يؤمروا من هو اعلمهم فعملهم باطل ”
ان الاحتفال بذكرى ولادة الامام علي بن موسى الرضا هو احتفال بالعلم ورجاله الذين كان العلم عندهم لدنيا ولم يكن كسبيا
فعندما سولت نفس المامون له ان يتخلص من هذا الامام العلم بان يدس له السم بعصير الرمان لم يكن الامام غافلا عما يحاك له ولكنه كان اهلا للامانة الربانية والصبر على الاذى والمصيبة التي لايتفهما الكثير من الناس ممن شوهت مفاهيمهم بغبار المادة وحجبها، حيث عندما ناوله المأمون عصير الرمان وقد شرب امه كاسا للتمويه، فشرب منه الامام علي بن موسى الرضا قليلا ثم دلف الى حجرة مجاورة لحجرة المأمون فقال له المأمون الى اين يا ابن رسول الله:
قال عليه السلام: الى حيث أمرتني.
وفي هذا الكلام من المعنى العميق والتورية حيث اراد ان يقول له : لقد اردت ان تقتلني بالسم وقد فعلت.
فوضع رأسه الشريف على الوسادة وسلم روحه لباريها حيث ظن عليه الطغاة بالمنافسة والمزاحمة، فانتقل الى الرفيق الأعلى هازئا من دنياهم كارها مجاورتهم.
ذلك هو الامام علي بن موسى الرضا في ذكرى مولده الشريف.