التورط التركي في سورية

الدكتور علي التميمي

رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

ALITAMIMI5@yahoo.com

مهما كانت أسباب التورط التركي في سورية ومهما تعددت تفسيراتها في خضم تناقض المصالح وتقاطع المفاهيم في العالم ولاسيما بين محاور الاستقطاب الدولي , فان نتائج ما يجري على الأرض في سورية , وما يجري في الداخل التركي على المستويين: 

1-  السياسي

2-  الاقتصادي

هو الذي يجعل المراقب والمحلل السياسي يلمس بوضوح معنى التورط التركي الذي بدأت ملامحه على الشكل الآتي :-

1- رفض أحزاب المعارضة التركية لموقف حكومة اوردغان تجاه سورية .

2-  رفض شعبي تركي واسع للتدخل التركي في الشأن السوري

3-  رفض شعبي وبرلماني تركي لظاهرة المسلحين الأجانب من عرب وغير عرب ممن يترددون على مخيمات اللاجئين السوريين داخل تركيا 

4- عدم تقبل الجيش التركي الدخول في حرب أو نزاع مسلح مع الجيش السوري .

أما الجانب الاقتصادي فيلاحظ ما يلي :-

1-  توقف شبه تام للصادرات التركية عبر المعابر السورية

2-  توقف اغلب الشاحنات التركية عن العمل

3-  تناقص السياحة إلى تركيا والتي بلغت قبل التورط التركي بالشأن السوري تصل إلى “30 ” مليون سائح سنويا .

إن التصريحات التي تناوب عليها كل من رئيس الحكومة التركية رجب طيب اوردغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو فاجأت المراقبين والمحللين السياسيين في ما يلي :-

1- انعطافتها الشديدة مع الجانب السوري من صداقة وتعاون وفتح الحدود ورفع تأشيرات السفر إلى تنديد وتهجم وتحريض ضد القيادة السورية بشخص رئيس الجمهورية

2- قيامها بإنشاء مخيمات بالقرب من الحدود السورية لاستقبال اللاجئين السوريين في خطوة ظهر لاحقا أنها معدة مسبقا 

3- التصريح بتبنيها للمعارضة السورية ودعوتها للإطاحة بالنظام السوري

4- الدعوة العلنية لإسقاط النظام السوري

5- إنشاؤها ما يسمى بالمجلس الوطني السوري الذي يشكل الإخوان المسلمون عموده الفقري , وقد أصبحت اسطنبول مقره .

6- تحالفها مع كل من قطر والسعودية من اجل تجميع ودعم المسلحين من البلدان العربية وغير العربية مثل كل من :-

ا‌-  المسلحين من ليبيا

ب‌-  المسلحين من تونس

ت‌-  المسلحين من المغرب

ث‌-  المسلحين من الأردن

ج‌- المسلحين من مصر

ح‌- المسلحين من السودان

خ‌- المسلحين من العراق

د‌-  المسلحين من السعودية

ذ‌-  المسلحين من اليمن

ر‌-  المسلحين من الصومال

ز‌-  المسلحين من أفغانستان

س‌- المسلحين من الشيشان

ش‌- المسلحين من تركيا

ص‌- المسلحين من حملة جنسيات أوربية

ض‌- المسلحين من لبنان

ط‌-  المسلحين من فلسطين

وهؤلاء جميعا هم من تنظيم القاعدة الوهابي التكفيري, وقد بلغ عددهم حسب بعض التقديرات خمسة آلاف عنصر, وقد دعموا بالمال من قبل كل من :-

1- قطر التي استهوتها التجربة الليبية وتدخلها فيها حيث قامت بالدعم المالي جنبا إلى جنب مع دول الناتو الأوربية حيث قام رئيس وزراء فرنسا وبريطانيا بزيارة بنغازي قبل سقوط القذافي .

2- السعودية التي تحمس وزير خارجيتها لدعم المعارضة السورية المدعومة من قبل الغرب وقاطع مؤتمر أصدقاء سورية لأنه لم يقدم في تصوره الدعم الكافي للمعارضة السورية بشخص مجلس اسطنبول الذي يسمى بالمجلس الوطني السوري .

ولقد أخذت تركيا على عاتقها الدعم اللوجستي للمعارضة السورية, وأقامت عدة معسكرات داخل أراضيها لتدريب العناصر المسلحة وإدخالها إلى الأراضي السورية عبر الحدود التركية السورية التي تمتد إلى مسافة ” 900″ كيلو متر .

وأصبحت مدينة اضنة التركية ومدينة غازي عين تاب ومدينة هكاري من المدن التي تستقبل المسلحين الذين يقاتلون في سورية باسم الثورة السورية وهم ليسوا من السوريين, وسنرى كيف اثر ذلك على مواقف أغلبية الشعب السوري التي رفضت وجود العناصر الأجنبية تعبث بأمن بلادها وتدمر منازلها وممتلكاتها وتهجرها أو تقتل من تقتل على الهوية , كما سنرى أن تأسيس ما يسمى بالجيش السوري الحر الذي هو تجمع من الهاربين من الخدمة العسكرية, ومن بعض الفارين من الجيش السوري نتيجة إغراءات مالية من قبل كل من قطر والسعودية فقد عرف من تفاصيل الحدث السوري وتدخل هذه الدول في التحريض والدعم المالي وبالسلاح بان السعودية أخذت على عاتقها تقديم الرواتب للجيش السوري الحر, بينما أخذت قطر على عاتقها تقديم خمسة ملايين دولار لكل مسؤول سوري عسكري أو مدني من الدرجة الأولى عندما يعلن انشقاقه عن النظام السوري, ولذلك رأينا هروب كل من :

1- مناف طلاس وهو عميد في الجيش السوري وابن العماد مصطفى طلاس الذي كان وزيرا للدفاع أيام حافظ الأسد , ولقد اعترف مناف طلاس في لقاء تلفزيوني بأن المخابرات الفرنسية هي من قامت بالتمهيد لعملية هروبه إلى لبنان ثم نقل إلى تركيا وظهر مع في لقطة سريعة للاستغلال الإعلامي مع وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو, وفي المفهوم التنظيمي العسكري لا يعتبر مناف طلاس منشقا وإنما هاربا لأنه لم يتمكن من سحب مجموعة عسكرية معه ولو على مستوى فصيل، مما تظل عملية انفصاله عن الجيش السوري مجرد عملية هروب تمكن النظام السوري من اعتبارها خيانة للوطن والمؤسسة العسكرية التي أدى يمين القسم في الإخلاص للوطن.

2- السفير السوري في بغداد: نواف الفارس الذي ترك عمله كسفير لبلاده في بغداد وانتقل سرا إلى الدوحة في قطر وظهر على قناة الجزيرة مع احمد منصور يكشف أسرار بلاده ويتحدث عن جهاز الأمن السياسي وإرهابه للمعارضين, ومثل هذه الاعترافات المتأخرة لا تخدم أصحابها ولا تؤذي النظام كثيرا فهو لم يترك عمله كسفير إلا بعد ما يقرب من سنة ونصف السنة من الحدث السوري , ثم هو بعثي لسنوات طويلة وتقلد مناصب كثيرة , وتصريحات بعض أطراف النظام السوري عن نواف الفارس بأنه كان يطمح إلى أن يكون وزيرا للداخلية فلما لم يحصل على ذلك هرب من وظيفته إلى الدوحة مما يسقط عنه كل صفة حقيقية للانشقاق ويسقط عنه كل ادعاء للمشاركة بالثورة السورية , ثم لم ينسحب معه من السفارة أو السلك الدبلوماسي او التنظيمات الحزبية لحزب البعث ما يجعله يكتسب صفة المنشق ولذلك يظل هاربا مما سهل على النظام الطعن به .

3- رئيس الوزراء رياض حجاب: لم يمض على تسلمه منصب رئيس الوزراء في الحكومة السورية الجديدة سوى شهرين ثم انسحب سرا واتجه إلى محافظة درعا ثم الحدود الأردنية حيث أعلن النظام السوري عن إعفائه من منصبه ليلة الأحد ولم يظهر رياض حجاب في الأردن الا يوم الأربعاء مما جعل رواية النظام مقبولة, حيث قال انه علم بالاتصالات التي تمت معه سرا وتركه ينسحب ظانا أن القيادة السورية غير عارفة بنواياه؟ ويضيف بعض المسؤولين السوريين بأنهم قد وضعوا من يكون معه وهو عين للنظام إلى أن تم خروجه من الحدود السورية باتجاه الأردن وكان بإمكانهم إلقاء القبض عليه متلبسا بالهروب والخيانة للمنصب والوطن ولكنهم قالوا لم نرد له أن يكون كبيرا في عين البعض ويجعلوا منه بطلا فتركوه يهرب إلى الأردن وبهذا لم يعد رياض حجاب منشقا وإنما هاربا وهو رئيس حكومة لم يستطع أن يكسب معه في الانسحاب والتمرد مجموعة كبيرة أو صغيرة من الموظفين أو من الحزبيين, وكان الأجدر برياض حجاب لو كان صاحب موقف حقيقي وهو رئيس حكومة أن يعلن موقفه في رفض تصرفات النظام ويعلن انتصاره لمطالب الشعب السوري إن كانت هي مطالب الأغلبية، وبذلك يكون انسحاب رياض حجاب هروبا وقد عزز ذلك سفره إلى الدوحة في قطر, ورياض حجاب عمل محافظا لدير الزور وهو ابن دير الزور ثم عمل وزيرا للزراعة في حكومة الدكتور عادل سفر ثم رئيسا للوزراء وهو كذلك بعثي قديم , وبهذه الطريقة فقد ثقة المعارضة السورية التي صرحت بأنها لن تستقبل هؤلاء في صفوفها لأن الصراع على السلطة هو العامل الأكثر وضوحا في صفوف المعارضة التي لم تستطع عبر أربعة مؤتمرات لأصدقاء سورية وعبر لقاءات في كل من اسطنبول والدوحة وفرنسا وأمريكا وبريطانيا من أن تتوحد، وكان مؤتمر القاهرة الذي شهد عراكا بالكراسي قد أعطى للداعمين الأمريكيين والأوربيين عدم الثقة الكافية بالمعارضة السورية, ثم أن المتابعة الأمريكية لسير المعارضة السورية التي كانت تريدها وسيلة من وسائل إسقاط النظام السوري ومن ثم تدمير الدولة السورية لأهداف بعيدة المدى يتحقق من خلالها الأمن الإسرائيلي وهو الهدف الأمريكي ومعها كل الأوربيين, ولذلك بدأت أمريكا بفرض العقوبات الاقتصادية على إيران بحجة المشروع النووي الإيراني وهو مجرد غطاء لنوايا الحقيقية في إضعاف إيران ومحاصرتها من اجل إسرائيل وأمنها , ولذلك كانت خطتها هو تدمير الدولة السورية وتقسيمها ثم تقسيم العراق الذي هيأت عوامل تقسيمه من خلال عملية سياسية غير متفق عليها بين الأطراف والكتل الحزبية من أحزاب السلطة الذين استضافتهم الإدارة الأمريكية لتحقيق مآربها أولا وتركهم يرزحون تحت سيل من الخلافات التي أودعتها في كتابة الدستور, ثم في طريقة الانتخابات ثم في المحاصصة وهو الشرك الذي نصب بعناية أمريكية لأحزاب قليلة الخبرة عديمة الكفاءة لا يرى منها إلا أخطاؤها وعثراتها ولا تعرف إلا بمشاكلها التي جعلتها في منأى عن هموم الشعب وحاجة الدولة للبناء السليم واسترداد عافيتها التي دمرتها الحروب العبثية لصدام حسين ثم الحصار الاقتصادي اللئيم الذي دام “13” سنة واتى على تدمير كل شيء , ثم الاحتلال الأمريكي بمساندة قوات متعددة الجنسية الذي اجهر على ما تبقى للدولة والمجتمع حتى قيم المجتمع العراقي لم تسلم من العبث بها وما نشاهده اليوم من أعمال تتزاحم عليها بعض الفضائيات باسم الفن والفن منها براء ما هو الا نتيجة لذلك العمل المبكر من قبل من احتلوا العراق في بداية القرن العشرين ومن احتلوه في بداية القرن الحادي والعشرين وهم متفقون على سيناريو واحد وهدف واحد هو تدمير ثقافة الأمة انطلاقا من الدول ذات التأثير في المنطقة والتي منها العراق ومصر واليوم يأتي دور سورية في التدمير, وقد وكل رئيس وزراء تركيا بالدور, فكان رجب طيب اوردغان ووزير خارجيته مثالا على الانتهازية التي استجمعت العوامل التالية :-

1- الطائفية بكل أمراضها وما استجد لها من عناصر تتخذ طابع التنظيم الجهادي الذي ينسب للإسلام زورا وخديعة راح ضحيتها الكثير حتى أصبح اليوم ما يعرف بمفتي الناتو وهم مجموعة من المعممين والمشايخ الذي يفتون بجواز الاستعانة بالناتو لإسقاط الأنظمة مركزين بذلك على النظام السوري حاشدين كل ما لديهم من تحريض طائفي وعنصري لنصرة الأنظمة التي تورطت في الشأن السوري بعيدا عن كل قيم الإصلاح ومعاني الثورة .

2- فجعلوا من غوغاء الأعمال المسلحة ما تتوجس منها أمريكا التي تريد مستقبلا تظل تتحكم من خلاله ببلدان المنطقة , ولهذا فهي لا تريد غوغاء تفسد عليها خططها لا حباً بسكان المنطقة وامن دولها وتقدمها ولكن حبا بمصالحها أولا والأمن الإسرائيلي الذي لا ينفك عن أولوياتها كذلك .

3- ثم إن ما يجري في سورية من هوس مسلح تقوده القاعدة الوهابية عبر كل من :- 

ا‌- جبهة النصرة لبلاد الشام

ب‌- لواء التوحيد وهو للإخوان المسلمين

ت‌- أحرار الشام وهو خليط من الجيش السوري الحر ومن جماعات مسلحة غير منظمة , يشارك معها عناصر من تنظيم القاعدة في سبيل عمل استباقي للسيطرة على المعارضة السورية

ث‌- وهناك أسماء كثيرة مثل: كتيبة الفاروق, وجيش المجاهدين, وهي تنظيمات وهابية إرهابية, أخذت تتنافس مع ما يسمى بالجيش السوري الحر الذي تدعمه السعودية ولذلك حدثت اشتباكات بينهما راح ضحيتها العشرات بل المئات من القتلى, مما جعل الداعمين وعلى رأسهم تركيا التي تحملت العبء الكبير للمسلحين واللاجئين ترى أن أفق الحل في القضية السورية يتجه إلى الابتعاد عن خططها وأهدافها من خلال تشكيل الرباعية لحل القضية السورية وهي تتكون من كل من :-

1-  مصر

2-  إيران

3-  تركيا

4-  السعودية

وعندما لم تحضر السعودية الاجتماع الرباعي في القاهرة بحجة مرض وزير خارجيتها فهمت تركيا أن هناك تغيرا في مسار الحل للقضية السورية لم يعد بيد من دفعها لتمارس حماسا منقطع النظير في الشأن السوري , مما جعل 80% من الشعب التركي يرفض تدخل الحكومة التركية في الشأن السوري, حتى ظهرت مظاهرات شعبية تركية في اسطنبول تحمل صور بشار الأسد وتدين التدخل التركي في سورية الجارة والصديقة للشعب التركي.

ثم نتيجة للتدخل التركي في سورية ازداد التحرك الكردي التركي المعارض للحكومة التركية وازدادت هجمات حزب العمال الكردي التركي, ومما ضاعف هذه الحالة هو تحرك أكراد سورية في منطقة القامشلي والحسكة المجاورة للحدود التركية مما ضاعف مشكل الحكومة التركية وزاد من إحراجها الخارجي والداخلي فكيف تقوم الحكومة التركية باستقبال المسلحين وإدخالهم في الأراضي السورية بحجة دعم الثورة السورية وتحقيق مطالب الشعب السوري في الحرية , وهي أي حكومة اوردغان تقوم بقمع حرية الأكراد وهم من شعبها البالغ تعدادهم ما يزيد على “15” مليون كردي تركي وهذه الحدود العراقية التركية تشهد بصورة متقطعة غارات الطيران الحربي التركي وهو يشن هجماته على الأكراد , وعمل من هذا النوع لا يجعل من يقوم به مؤهلا للدفاع عن حرية الآخرين حتى وان طلبوا منه ذلك.

فكيف بنا إذا عرفنا أن غالبية الشعب السوري لم تطلب من الحكومة التركية ما تقوم به من زعزعة للأمن والاستقرار السوري كما ان غالبية الشعب السوري وقواه المعارضة ترفض التدخل الأجنبي في سورية.

ثم أن العمل المسلح من قبل الجماعات المسلحة سواء من تنظيم القاعدة أم من الجيش السوري الحر أم من الجماعات التي تنتمي لأحزاب لبنانية عرفت بمعاداتها للنظام السوري وسارعت منذ الأيام الأولى للحدث السوري إلى التورط بدعم الجماعات المسلحة في سورية بالمال والسلاح حتى أصبحت الشواطئ اللبنانية مكانا لتهريب السلاح إلى الجماعات المسلحة في سورية وشهدت معارك حمص وباب عمرو الكثير من ذلك فكانت سفينة لطف الله 2 من أوضح الأدلة على تورط جماعات لبنانية بالشأن السوري مما جعل مقولة الحكومة اللبنانية النأي بالنفس عن الحدث السوري مجرد شعار تنقصه الكثير من المصداقية وما أحداث عرسال الأخيرة من قيام مسلحين لبنانيين وسوريين بتطويق عسكريين لبنانيين لأنهم القوا القبض على جماعة من الجيش السوري الحر داخل الأراضي اللبنانية بالقرب من الحدود السورية وهي تطلق النار على موقع سوري حدودي.

إن موقف الأمريكيين من القضية السورية المتسم بالعداء الشديد للنظام السوري الداعم للمقاومة ومحور الممانعة الذي تمثله إيران والذي بدأ بالمطالبة بتنحي الرئيس السوري بشار الأسد , وهذا المطلب الأمريكي لم يكن حكيما لمخالفته لأصول الديمقراطية فتغيير الرئيس السوري من واجبات وحقوق الشعب السوري السيادية ولا يجوز لجهة خارجية القيام بذلك على طريقة ما حدث في العراق , فصدام حسين كان مثالا سيئا لكل ألوان الحكم وهو من أعطى الذرائع للتدخل الخارجي وذلك من خلال رفضه القاطع بالاعتراف بأية معارضة , بينما رأينا في سورية أن بشار الأسد اعترف بالمطالب الشعبية وبادر إلى الإصلاح وغير الدستور , وألغى قانون الطوارئ , كما ألغى المادة الثامنة التي تجعل القيادة محصورة بيد حزب البعث وسمح بالتعددية الحزبية , ودعا إلى الحوار , ولكن الذي جرى أن المعارضة في الخارج والتي مثلها مجلس اسطنبول رفضت الحوار مع النظام بشكل قاطع بل رفضت حتى الحوار مع أحزاب المعارضة التي تتحاور مع النظام , وبذلك أغلقت كل الطرق الديمقراطية لحل القضية السورية بل أنها ذهبت إلى رفض مقررات مؤتمر جنيف , والنقاط الستة التي طرحها كوفي عنان مثلما رفضت من قبل مقرات لجن الدابي ثم رفضت مقررات اللجنة الدولية المراقبة في سورية برئاسة الجنرال مود.

إن فشل المعارضة السورية في عدم قدرتها على التوحد وفشلها في عدم قدرتها على طرح مشروع وطني لحل الأزمة السورية وبقائها أسيرة الإرادات الأجنبية ودعوتها المستمرة للتدخل الأجنبي في سورية هو الذي افشل موقفها تجاه الشعب السوري مثلما افشل من يقف وراءها حتى سمعنا أمير قطر يطالب في كلمته في الأمم المتحدة بتدخل الدول العربية عسكريا في سورية وهو دليل على إفلاس وفشل الذين تورطوا بالشأن السوري بدون دراية وخبرة في المجتمع السوري الذي يملك قدرا من الوعي الوطني وليست لهم دراية بالجيش السوري وطريقة بنائه وتنظيمه الذي ظهر على قدر كبير من الانضباط والمهنية والقدرة على إدارة المواجهة مع حرب العصابات المسلحة مما جعله يقترب من تحقيق الانتصار على الجماعات المسلحة مع زيادة في شعبيته من قبل المواطنين الذي أدركوا ما تفعله العصابات المسلحة من تدمير وإبادة عشوائية, ثم أن قدرة الجيش السوري على امتصاص أقسى ما وجه له في هذه المواجهة المفتوحة والتي استمرت لأكثر من سنة ونصف السنة هو عملية دمشق المخابراتية الدولية بتفجير مركز الأمن القومي وقتل أربعة من القيادات الأمنية منهم وزير الدفاع السوري داود عبد الله راجحة , والتي كان المخططون لها يتوقعون انهيار الجيش والمؤسسة الأمنية والحكومة, ولكن شيئا من ذلك لم يحدث مما جعل الجيش السوري يأخذ زمام المبادرة لملاحقة العناصر المسلحة التي عاثت فسادا غير ملتفت للجان المراقبة ودعوات الجهات التي تطالب بوقف العنف من قبل كل الأطراف وهي دعوات مضللة غير منصفة إذ كيف تساوي الحكومة التي تدافع عن امن مواطنيها مع العصابات المسلحة التي اعترفت كل لجان المراقبة من عربية ودولية بوجود عناصر مسلحة تمارس العنف ورغم كل قنوات التضليل الفضائية التي تقلب الحقائق في الميدان السوري إلا أن الأمور أصبحت تسير باتجاه القبول بالتسوية السلمية وتراجعت أمريكا والدول الأوربية عن التدخل العسكري وعن الغطاء الجوي وعن المناطق العازلة, ولذلك رأينا اوردغان أراد التخلص من عبء ما يسمى بالجيش الحر فقال لهم، قولوا نقلنا قيادتنا للداخل السوري؟ وهي عملية تمويه ظاهرها غير باطنها الذي يعبر عن الفشل التركي في القضية السورية والذي بدأ يشعر بالتورط الحقيقي في هذه القضية التي ارتدت مفاعيلها على الداخل التركي, ومن اشد معالم التورط التركي في سورية انه لم يترك له خطا من الرجعة, مما يعني أن تركيا ماضية لمزيد من الأزمات على رأسها موضوع الدولة الكردية التي يراهن البعض على ولادتها لأن سوء تصرف الحكومة التركية خلق أجواء ومناخات ملائمة لمثل هذه الولادة .

أنــا مُـهـجّر !!

تجربتي الحياتية الطويلة تفيد، بأن الصحفي الساكن في الأحياء الشعبية الفقيرة، يعد في نظر الناس أكثر أهمية من الوزير أو النائب، لأنه يتابع همومهم اليومية قبل الانتخابات وبعدها، وقد لمست مدى حبهم ورعايتهم لي طوال السنين التي أمضيتها في مدينة الشعلة، وما زلت حتى هذه اللحظة، ففي أيام الصراع السياسي (شيوعي- قومي)، حمتني الناس من عنف الرفاق الشيوعيين والبعثيين على حد سواء، وكانوا ينظرون إليّ مثل الزعيم الأوحد، فوق الميول والاتجاهات، وفي أيام التهجير الطائفي، حمتني من العصابات المحسوبة على السنة والشيعة وهم منها براء!!

اعتقد أن مواطني الأحياء الشعبية محقون في احتضانهم للصحفي، وأنا واحد منهم، فقد نشرت على سبيل المثال مقالة في جزيرة (المستقبل العراقي)، ضمن الزاوية التي اكتب فيها، طالبت الحكومة فيها، بأن تلتفت إلى الفقراء وبطاقتهم التموينية التي وصفتها بمتلكئة التوزيع رديئة النوعية، وقد أثارت المقالة اهتمام المواطنين في منطقتي، ثم نشرت لاحقا مقالة جديدة في المكان نفسه، دعوت فيها إلى حجب البطاقة عن غير المحتاجين على وفق ضوابط محددة ذكرتها بالتفصيل، وتتم الإفادة من هذا الحجب لتحسين مفردات البطاقة (كما ونوعا)، وقد أثارت المقالة اهتماما اكبر لدى سكان الحي، حتى أصبح القصاب وباعة الخضراوات والفواكه لا يغشونني، يختارون لي افضل النوعيات، ويوم قررت الدولة حجب البطاقة عن غير المحتاجين، اعتقدت الناس ان القرار جاء استجابة لدعوتي، ولذلك تجمهر المواطنون أمام بيتي وأصروا على حملي فوق أكتافهم، وساروا في تظاهرة ضخمة وهم يهتفون باسمي، كوني نصير العمال والفلاحين والكادحين على حد تعبيرهم، وتوجه الجميع صوب المنطقة الخضراء، لولا أن قوة ترتدي الزي العسكري ظهرت في منتصف الطريق وهاجمت التظاهرة بدعوى أنها غير مجازة، وهكذا هرب المتظاهرون واختفوا عن الأنظار، فيما سقطت من الأكتاف أرضا وتعرضت الى كسر في الفقرة الرابعة، وتم اقتيادي إلى جهة مجهولة، ولكن سرعان ما أطلق سراحي بفضل ابن عمي الذي يعمل ضمن حماية السيد الوزير، فلولاه ما كان بمقدور شيبتي ولا النقابة ولا مؤيد اللامي ولا فاضل ثامر ولا سلمان عبد الله (رئيس جمعية الرفق بالإنسان) أن يشفعوا لي أو يستدلوا على مكاني!!

كان يوما لا ينسى في حياتي، وزادت شعبيتي وجماهيريتي بين أهالي الشعلة، غير أن وزارة التجارة، قامت فجأة بتقليص مفردات البطاقة بدلا من زيادتها، وهو الأمر الذي اثأر غضب الحي ودفع مواطنيه الى التجمهر امام بيتي، ومطالبتي بمغادرة المنطقة في مدة أقصاها 3 أشهر بحجة ان مقالاتي هي التي ذكرت الدولة بالبطاقة التموينية، ودفعتها الى تقليص مفرداتها، ولو لم اكتب لما تعرضت بطاقتهم إلى ما تعرضت اليه، ومن هنا وجدت نفسي في ورطة لا احسد عليها، ولذلك راجعت وزارة التجارة وتوسلت إليها ان تتراجع عن قرارها، إلا انها رفضت زاعمة أنها اعرف بمصلحة المواطن الكريم، وراجعت وزارة الهجرة والمهجرين لإنقاذي من التهجير الإجباري الذي أتعرض له، غير انها رفضت التعاون معي، فانا لست مهاجرا الى البلاد بريجيت باردو أو مارلين مونرو، ولست مهجرا في داخل وطني لأسباب دينية او قومية او مذهبية، وليس لديها بند يشير إلى مساعدة المهجرين الذين يكتبون مقالات يمكن أن تزعج الحكومة او تثير غضب الناس، ولم يبق أمامي سبيل إلا مناشدة أقاليمنا وحكوماتنا المحلية وشيوخ العشائر لقبول لجوئي الإنساني!! 

ليبيا.. صراع المدنية والميليشيات

فورَ إنهيار نظام العقيد معمر القذافي، تناسلت الميليشيات في الشوارع الليبية. بنغازي، بؤرة الثورة ضدَّ القذافي، كانت من أكثر المحافظات الليبية أرضاً خصبة للميلشيات. كانت المشاهد التي تنقلها الفضائيات، العربيّة والأجنبيّة، تنبأ بوقوع ليبيا الجديدة في براثن التعّصب الإسلاموي الذي لا يقبل بالتعدّدية والذي يحارب الحقوق والحريّات المدنيّة. كل الكُتَّاب أرعبتهم تلك الحقيقة، وأنا منهم، كتبت حينها، في المستقبل العراقي، أن ليبيا مقبلة على عاصفة مدمرة، كان هذا الواقع حينها. وكانت الصور التي تبثُّ من وكالة الصحافة الفرنسية “أ.ف.ب” تعزّز هذا الرأي، وما يعزّزه أكثر المنظمات الحقوقية التي حذَّرت من عمليات إجرامية تقوم بها الميليشيات، ناهيك عن الصحافة العالمية التي لم تتوان للحظات عن وصف السياسيين الليبيين بالضعفاء، لاسيما رئيس المجلس الانتقالي الليبي، مصطفى عبد الجليل، وكل هذا كان أمراً صحيحاً، والمعطيات على أرض الواقع تعطي دليلاً على أن المعجزة وحدها من تستطيع بناء ليبيا الجديدة.

لكن المشهد يأخذ منحى آخر بعد الفيلم، سيء الصيت، الذي أساء للرسول محمّد، مظاهرات في ليبيا، كما في جميع البلدان العربيّة، تندّد بالفيلم. لافتات سود ترفع شعار “إلا رسول الله”، فجأة، يقتل السفير الأميركي في ليبيا، والرجل، كما يرى الليبيون، له فضل كبير عليهم، خاصّة وأنّه ساعد في الإطاحة بأقسى حكم دكتاتوري. هذا الجرم، على ما تفيد بهِ التقارير الصحفيّة، من عمل الميليشيات، وليس من عمل المتظاهرين؛ الحكومة الليبية سارعت إلى التنديد بمقتل السفير، وشرَّعت أبواب التحقيق للتقصي عن الجاني، الأمر هنا عادي، حكومة تحمي الدبلوماسيين لديها. لكن غير العادي هو الشعب الليبي الذي اثبت مدنيَّة، ونبذ العنف، فسارع أيضاً الى التنديد بمقتل السفير وبالفيلم المسيء للرسول.

الليبيون أيقنوا أنهم لن يجنوا من العنف سوى الويلات، كما أن الميليشيات لن تجلب لهم سوى الموت. الحكومة تصرَّفت بذكاء، استغلت عدم رضا الشعب على الميليشيات فاتخذت قراراً بحلِّها. وبأيام قليلة استطاعت الحكومة أن تحل ثلاث ميليشيات، تعدُّ الأكبر في بنغازي، كما قامت بتغييرات داخل ألوية الجيش لاشتباهها بارتباط قادة من هذه الالوية بالميليشيات، هذه الخطوات، بيَّنت، على الأقل لشركات النفط، التي سحبت بعثاتها خشيّة على حياتهم، بأنَّها قادرة على إدارة ليبيا الجديدة، وبأنها ستؤمن ليبيا من أيِّ مخاطر تحدِّق بها.

هذه الاجراءات، تساعد فعلاً على بناء بلدٍ معافى، على الرغم من المشكلات الكثيرة التي تحتاج إلى وقت كبير لايجاد حلول ناجعة لها. والمهم في كل هذا، أن الليبيين القبليين، أثبتوا موقفاً مدنياً لم تشهده شعوباً سبقتهم الى المدنيّة بعقود!.

الأجداد والأحفاد !

أما وهي السبعون، فقد وهن الجسد وضعف البصر وذبلت الروح، ولم تبق أعوام الجراد وسنوات التعب من متع الدنيا إلا ملازمة البيت وتزجية الوقت مع أحفادي، أعابثهم وألاعبهم وأتسلى بضحكاتهم، وكان (الحارث) وهو أصغرهم، اقرب الأحفاد وأحبهم إلى قلبي، حيث اجتمع له شيء، من كل شيء، الظرف والدعابة والمشاكسة والجرأة والعبث والطيبة، فقد كان يغتنم أوقات فراغي المفتوحة على مصاريعها، ويدعوني الى ان العب النرد او الدومينو، وكنت بحكم العمر والخبرة أفوز عليه دائما، والمح الحزن في عينيه، ومع ذلك لا أتعمد الخطأ في اللعب، حتى لا امنحه فوزا غير مستحق، وهذا جزء من سياستي التربوية معه، وكنت بعد كل خسارة له القي عليه محاضرة حول رحابة الصدر والاعتراف بفوز الآخر.. وقبول الخسارة، وانتظار فرصة مؤاتية… الخ، وفي السنوات الاخيرة بعد تفشي الديمقراطية، بدأت اعمل على تربيته تربية ديمقراطية واكرر على مسامعه، أن من حقه المناقشة والاعتراض والرفض، ولكن يجب احترام المقابل وإعطاؤه حرية التعبير عن رأيه وشخصيته وموقفه، حتى لو كان رأيه خاطئا او يؤدي إلى التهاب القولون، لان الديمقراطية هي على هذا النحو، أنيقة وحلوة، ولكن فيها من المنغصات ما يشيب له الرأس، ومع ذلك لابد من الالتزام بشروطها وقوانينها الى ان تنضج قناعات الناس، ويترسخ إيمانهم بها، عند ذاك لا يصح في الديمقراطية إلا الصحيح، وكان الحارث يصغي إليًّ جيدا، وربما تعلم الكثير وراح يتقبل الخسارة من دون امتعاض، الا ان رغبته في الفوز ظلت مستعرة في أعماقه ولهذا دبر خطة خبيثة (على ما يبدو) ودعاني قبل اسبوعين بطريقة تقرب من التحدي الصبياني في المرح، إلى أن العب معه لعبة جديدة هي (حية ودرج) ومع أنها لعبة طفولية لا تليق بعمري، وتفتقر الى المهارة، وتعتمد على (رمية الزار) غير أنني وافقت في محاولة سرية مقصودة.. كي امنحه فوزا يستحقه عن جدارة، ولو عن طريق الحظ ورمية الزار، وشاءت مقدرات اللعب ان أفوز عليه في الجولة الاولى، وفي الجولة الثانية فزت عليه كذلك، وفي الجولة الثالثة، وهي الأخيرة، كنت على وشك الفوز، لولا ان الرقم الذي ظهر على الزار هو (3) وهذا الرقم، هو الوحيد الذي يضعني في فم الحية التي تبتلعني وتعيدني الى المربع الأول، وغمرت الفرحة عيني حفيدي، الا انني اعترضت وطلبت إعادة الرمية بحجة، أن الزار سقط من يدي، فنظر الحارث الى نظرة لا تخلو من ريبة، ولكنه لم يعترض، ورميت الزار ثانية، وإذا الرقم (3) يظهر من جديد، فاعترضت بدعوى ان الزار لم (يسقط) فوق الرقعة وإنما إلى جانبها، ونظر حفيدي إليّ هذه المرة، نظرة ريبة وشك، ولكنه لم يعترض، ورميت الزار للمرة الثالثة فظهر الرقم (4)، وربحت اللعبة، فقام الحارث -وهو صامت- بوضع الرقعة والزار في الكيس المخصص لهما، ووقف في مكان بعيد عني، قريبا من باب البيت، وسألني بطريقة المشاكسة الظريفة (جدو… الديمقراطية هم بيها زغل؟!) ثم هرب، فيما كنت اشتمه بأعلى صوتي، واشتم من علّمه الديمقراطية!!

لا علاج لهذا …

تتأكد, للمرة المليون بأنه كيفما تكونوا يولى عليكم.. وإن الشعوب والمجتمعات تقترف الجرائم التي تستحقها وتناسبها.. ووصلنا في العراق أن يتبارى اللصوص بعناوين السياسة وعلى الحصص والمنافع.. وهي المرة الأولى في التاريخ التي يأخذ اللصوص هذه العلنية, وبلا ادنى حرج او حياء او شعور مزعج.. وان ظاهرة بهذا الحجم والخطورة لا تكون بدون اسهام واسع وخطير, ربما من الرضيع ايضا… وها هم البسطاء ظلوا على غفلتهم ولم تكفهم كل هذه الزوابع والأعاصير لإيقاظهم وتنبيههم الى كذبة وخدعة ولعبة الطائفية وكل ما يمزق وحدتهم ويشتت شملهم.. ولم يتساءلوا عن كنه اختلافات السياسيين.. وأي قدر كوني حال دون عودة التيار الكهربائي كل هذه السنوات.. عن أي شيء يختلفون؟ عن منهج في البناء الاجتماعي؟ أم عن البرنامج الاقتصادي ومدارس الخطط في هذا المجال.. أم عن الاتجاه الثقافي وأي التيارات الأنسب للعراق؟؟ الأكيد ان مزوري الشهادات لا يعرفون مدارس الاقتصاد وثقافة الاجتماع  واجتهادات السياسة ..وقد لا يجيدون تلفظها..  فعن اي شيء يختلفون؟؟ هل يتلاومون على تورطهم بخطتين خمسيتين في التنمية لم تحققا النتائج المرجوة؟؟ ليقولوا للعالم, وليس لنا, عمّاذا يختلف المختلفون؟؟ عن الاسلوب في استعادة مليارات الدولارات الكافية لنقل افقر شعوب العالم الى الرفاهية ومضاهاة الحياة في سويسرا ونيويورك؟؟ أم عن اجتهادات وفلسفات لجعل البشرية جمعاء تأكل في صحن واحد؟؟ أم .. عن طريقة تجلي وجه الاسلام امام هذه البشرية وتؤكد صلاحيته لكل زمان ومكان ..وقدرته على التفاهم مع الجميع؟؟

ربما اختلفوا في المفاضلة بين تصدير منتوجنا الزراعي وبين تصنيعه.. أو اختلفوا في صيغة توزيع عوائد التنمية الخارقة؟؟ لا شيء من هذا ..مطلقا, ومنهم من لا يعرف كيف ينطقها.. وهنا الفضيحة.. ولكنها تجد محيطها المناسب بين قطاع البسطاء ممن تحكمه وتقرر مصيره أحاديث واجتهادات الأموات وإن كانت مختلقة ولا وجود وراءها حتى للأموات… بل محدودية الذهن وركامات التخلف وضروب الغباء… وهؤلاء سيواصلون دعمهم واختيارهم لجلاديهم وسارقيهم ومفسدي حيواتهم.. لذا قيل ان الغباء وحده من لا شفاء منه.. ولا دواء له غير زمن خرافي متطاول.. يتطلب البدء مع الرضاعة .. أو اعتماد الطرق على الرؤوس لحشر القناعة.. وإلا.. فهم لاهون مخدرون بتعصبهم وكراهيتهم  ويموتون  قهراً.

عندهم محطات لتبادل المعارف وعندنا توربينات لتوليد الأحقاد

كاظم فنجان الحمامي 

بين الغرب والعرب نقطة, لكنها نقطة كبيرة بحجم الثقوب السود, التي خلفتها الفترة المظلمة في مسيرة التحضر, يتفاخر الغربيون اليوم بالمعارف, ونحن نتباهى بالمغارف, ونسرف في إقامة الولائم والمناسف. 

كنا في البحر نمضي أكثر من أسبوعين في عبور المحيط الأطلسي من رأس الرجاء الصالح إلى ريو دي جانيروا, ونقضي الفترة نفسها في رحلة العودة على ظهر الناقلة العراقية العملاقة (خانقين), كان ذلك عام 1973 عندما كنا متدربين نتعلم مبادئ الفنون البحرية بإشراف الطواقم الروسية. أذكر إننا توقفنا مرات ومرات في عرض البحر لنتبادل الكتب مع سفينة روسية أخرى فنرسل إلى طواقمها ما بحوزتنا, ونستلم منهم ما فرغوا من قراءته من مراجع وروايات, ثم نستأنف رحلتنا فرحين بما ستضيفه لنا هذه الكتب من إشراقات معرفية جديدة, وتأكد لنا فيما بعد إن سياقات تبادل الكتب من السياقات المتعارف عليها بين الطواقم الغربية العاملة في البحر, لكنها تكاد تكون مفقودة, ولا أثر لها بين الطواقم العربية. 

أما على اليابسة فقد ابتكر اللندنيون عشرات الطرق لتبادل العلوم والمعارف, وتفننوا في نشرها بين سكان قراهم, من دون أن يترتب على تفعيل هذه الطرق أي تكاليف مادية, فكلها مجانية ومتيسرة للصغير والكبير, ومتاحة لعامة الناس في الفضاءات السكانية المفتوحة. 

 من أطرف هذه الطرق, الطريقة الشائعة الآن في القرى البريطانية, وبين الأحياء الريفية, حيث تحولت أكشاك (كابينات) الهواتف العمومية المهجورة إلى محطات ثقافية مصغرة لتبادل الكتب, ويحق لأي إنسان أن يأخذ الكتاب الذي يعجبه, ويترك على رفوف الكشك كتابا آخرا, أو يأخذ كتابا ليقرأها ثم يعيده بعد قراءته إلى الكشك نفسه.  

من المؤسف له أن هذه الوسائل الثقافية القائمة على تعاون الناس مع بعضهم البعض, لا يمكن تطبيقها عندنا في مدننا وقرانا, لا بسبب تفشي الجهل والأمية, ولا بسبب غياب التوجهات التثقيفية عند الناس, وإنما بسبب الإجراءات الأمنية الاحترازية, التي تمنع تداول الكتب المدرجة على قوائم المنع, أو بسبب المخاوف الدينية و الاجتماعية, التي قد تفتح المجال لافتعال الدسائس وتلفيق الاتهامات. 

في لندن أيضا خصصت محطات القطارات ومواقف المترو رفوفاً ليترك عليها المسافرون كتبهم التي فرغوا من قراءتها, أو التي يرغبون بالتخلص منها, حتى يتمكن الآخرون من قراءتها والاطلاع عليها, وبما يضمن تعزيز مكانة لندن كعاصمة للثقافة, وتفعيل دورها في القضاء على الأمية, ونشر الثقافة بين فئة الشباب.  نحن في مجتمعنا العربي بأمس الحاجة لتشجيع الناس على القراءة. كانت عندنا تجاربنا المحدودة, فقد شرعت صالونات الحلاقة منذ  عقود بوضع المجلات والصحف المحلية القديمة على رفوف صغيرة, ليقرأها الناس في فترات الانتظار, والمثير للسخرية أن المجلات النسائية هي الأكثر تداولا في المقاهي وصالونات الحلاقة الرجالية, تستهويهم اللقطات المثيرة والوجه الحسن, ثم انتشرت هذه الفكرة في صالات الألعاب والمقاهي الشعبية. 

 نقرأ دائماً الجريدة نفسها, وأحيانا نجد بعض المجلات المكتوبة بلغات لا نعرفها, دلالة على عدم اهتمام صاحب المقهى, فنتبرع له بالفائض من كتبنا ومجلاتنا, بعد فحصها والتأكد من خلوها من المقالات والصورة المتقاطعة مع توجهات رواد المقهى.  توجهت أوربا كلها نحو بناء المحطات الثقافية لنشر العلوم والمعارف, وتوجهنا نحن في العراق عشائريا نحو تفعيل برامج (نحو الأمية), بمعنى إننا لن نصل إلى المستوى الذي بلغته أوربا, ولن ننال الدرجة التي تؤهلنا لتبادل العلوم والمعارف بالصيغة الشعبية الشائعة في لندن, لكننا برعنا بتشغيل توربينات الحقد العرقي والطائفي لتوليد الكراهية, وتخصص المتطرفون عندنا بصناعة الموت, وتبادل العبوات الناسفة. 

ليبيا.. صراع المدنية والميليشيات

فورَ إنهيار نظام العقيد معمر القذافي، تناسلت الميليشيات في الشوارع الليبية. بنغازي، بؤرة الثورة ضدَّ القذافي، كانت من أكثر المحافظات الليبية أرضاً خصبة للميلشيات. كانت المشاهد التي تنقلها الفضائيات، العربيّة والأجنبيّة، تنبأ بوقوع ليبيا الجديدة في براثن التعّصب الإسلاموي الذي لا يقبل بالتعدّدية والذي يحارب الحقوق والحريّات المدنيّة. كل الكُتَّاب أرعبتهم تلك الحقيقة، وأنا منهم، كتبت حينها، في المستقبل العراقي، أن ليبيا مقبلة على عاصفة مدمرة، كان هذا الواقع حينها. وكانت الصور التي تبثُّ من وكالة الصحافة الفرنسية “أ.ف.ب” تعزّز هذا الرأي، وما يعزّزه أكثر المنظمات الحقوقية التي حذَّرت من عمليات إجرامية تقوم بها الميليشيات، ناهيك عن الصحافة العالمية التي لم تتوان للحظات عن وصف السياسيين الليبيين بالضعفاء، لاسيما رئيس المجلس الانتقالي الليبي، مصطفى عبد الجليل، وكل هذا كان أمراً صحيحاً، والمعطيات على أرض الواقع تعطي دليلاً على أن المعجزة وحدها من تستطيع بناء ليبيا الجديدة.

لكن المشهد يأخذ منحى آخر بعد الفيلم، سيء الصيت، الذي أساء للرسول محمّد، مظاهرات في ليبيا، كما في جميع البلدان العربيّة، تندّد بالفيلم. لافتات سود ترفع شعار “إلا رسول الله”، فجأة، يقتل السفير الأميركي في ليبيا، والرجل، كما يرى الليبيون، له فضل كبير عليهم، خاصّة وأنّه ساعد في الإطاحة بأقسى حكم دكتاتوري. هذا الجرم، على ما تفيد بهِ التقارير الصحفيّة، من عمل الميليشيات، وليس من عمل المتظاهرين؛ الحكومة الليبية سارعت إلى التنديد بمقتل السفير، وشرَّعت أبواب التحقيق للتقصي عن الجاني، الأمر هنا عادي، حكومة تحمي الدبلوماسيين لديها. لكن غير العادي هو الشعب الليبي الذي اثبت مدنيَّة، ونبذ العنف، فسارع أيضاً الى التنديد بمقتل السفير وبالفيلم المسيء للرسول.

الليبيون أيقنوا أنهم لن يجنوا من العنف سوى الويلات، كما أن الميليشيات لن تجلب لهم سوى الموت. الحكومة تصرَّفت بذكاء، استغلت عدم رضا الشعب على الميليشيات فاتخذت قراراً بحلِّها. وبأيام قليلة استطاعت الحكومة أن تحل ثلاث ميليشيات، تعدُّ الأكبر في بنغازي، كما قامت بتغييرات داخل ألوية الجيش لاشتباهها بارتباط قادة من هذه الالوية بالميليشيات، هذه الخطوات، بيَّنت، على الأقل لشركات النفط، التي سحبت بعثاتها خشيّة على حياتهم، بأنَّها قادرة على إدارة ليبيا الجديدة، وبأنها ستؤمن ليبيا من أيِّ مخاطر تحدِّق بها.

هذه الاجراءات، تساعد فعلاً على بناء بلدٍ معافى، على الرغم من المشكلات الكثيرة التي تحتاج إلى وقت كبير لايجاد حلول ناجعة لها. والمهم في كل هذا، أن الليبيين القبليين، أثبتوا موقفاً مدنياً لم تشهده شعوباً سبقتهم الى المدنيّة بعقود!.

الأجداد والأحفاد !

أما وهي السبعون، فقد وهن الجسد وضعف البصر وذبلت الروح، ولم تبق أعوام الجراد وسنوات التعب من متع الدنيا إلا ملازمة البيت وتزجية الوقت مع أحفادي، أعابثهم وألاعبهم وأتسلى بضحكاتهم، وكان (الحارث) وهو أصغرهم، اقرب الأحفاد وأحبهم إلى قلبي، حيث اجتمع له شيء، من كل شيء، الظرف والدعابة والمشاكسة والجرأة والعبث والطيبة، فقد كان يغتنم أوقات فراغي المفتوحة على مصاريعها، ويدعوني الى ان العب النرد او الدومينو، وكنت بحكم العمر والخبرة أفوز عليه دائما، والمح الحزن في عينيه، ومع ذلك لا أتعمد الخطأ في اللعب، حتى لا امنحه فوزا غير مستحق، وهذا جزء من سياستي التربوية معه، وكنت بعد كل خسارة له القي عليه محاضرة حول رحابة الصدر والاعتراف بفوز الآخر.. وقبول الخسارة، وانتظار فرصة مؤاتية… الخ، وفي السنوات الاخيرة بعد تفشي الديمقراطية، بدأت اعمل على تربيته تربية ديمقراطية واكرر على مسامعه، أن من حقه المناقشة والاعتراض والرفض، ولكن يجب احترام المقابل وإعطاؤه حرية التعبير عن رأيه وشخصيته وموقفه، حتى لو كان رأيه خاطئا او يؤدي إلى التهاب القولون، لان الديمقراطية هي على هذا النحو، أنيقة وحلوة، ولكن فيها من المنغصات ما يشيب له الرأس، ومع ذلك لابد من الالتزام بشروطها وقوانينها الى ان تنضج قناعات الناس، ويترسخ إيمانهم بها، عند ذاك لا يصح في الديمقراطية إلا الصحيح، وكان الحارث يصغي إليًّ جيدا، وربما تعلم الكثير وراح يتقبل الخسارة من دون امتعاض، الا ان رغبته في الفوز ظلت مستعرة في أعماقه ولهذا دبر خطة خبيثة (على ما يبدو) ودعاني قبل اسبوعين بطريقة تقرب من التحدي الصبياني في المرح، إلى أن العب معه لعبة جديدة هي (حية ودرج) ومع أنها لعبة طفولية لا تليق بعمري، وتفتقر الى المهارة، وتعتمد على (رمية الزار) غير أنني وافقت في محاولة سرية مقصودة.. كي امنحه فوزا يستحقه عن جدارة، ولو عن طريق الحظ ورمية الزار، وشاءت مقدرات اللعب ان أفوز عليه في الجولة الاولى، وفي الجولة الثانية فزت عليه كذلك، وفي الجولة الثالثة، وهي الأخيرة، كنت على وشك الفوز، لولا ان الرقم الذي ظهر على الزار هو (3) وهذا الرقم، هو الوحيد الذي يضعني في فم الحية التي تبتلعني وتعيدني الى المربع الأول، وغمرت الفرحة عيني حفيدي، الا انني اعترضت وطلبت إعادة الرمية بحجة، أن الزار سقط من يدي، فنظر الحارث الى نظرة لا تخلو من ريبة، ولكنه لم يعترض، ورميت الزار ثانية، وإذا الرقم (3) يظهر من جديد، فاعترضت بدعوى ان الزار لم (يسقط) فوق الرقعة وإنما إلى جانبها، ونظر حفيدي إليّ هذه المرة، نظرة ريبة وشك، ولكنه لم يعترض، ورميت الزار للمرة الثالثة فظهر الرقم (4)، وربحت اللعبة، فقام الحارث -وهو صامت- بوضع الرقعة والزار في الكيس المخصص لهما، ووقف في مكان بعيد عني، قريبا من باب البيت، وسألني بطريقة المشاكسة الظريفة (جدو… الديمقراطية هم بيها زغل؟!) ثم هرب، فيما كنت اشتمه بأعلى صوتي، واشتم من علّمه الديمقراطية!!

لا علاج لهذا …

تتأكد, للمرة المليون بأنه كيفما تكونوا يولى عليكم.. وإن الشعوب والمجتمعات تقترف الجرائم التي تستحقها وتناسبها.. ووصلنا في العراق أن يتبارى اللصوص بعناوين السياسة وعلى الحصص والمنافع.. وهي المرة الأولى في التاريخ التي يأخذ اللصوص هذه العلنية, وبلا ادنى حرج او حياء او شعور مزعج.. وان ظاهرة بهذا الحجم والخطورة لا تكون بدون اسهام واسع وخطير, ربما من الرضيع ايضا… وها هم البسطاء ظلوا على غفلتهم ولم تكفهم كل هذه الزوابع والأعاصير لإيقاظهم وتنبيههم الى كذبة وخدعة ولعبة الطائفية وكل ما يمزق وحدتهم ويشتت شملهم.. ولم يتساءلوا عن كنه اختلافات السياسيين.. وأي قدر كوني حال دون عودة التيار الكهربائي كل هذه السنوات.. عن أي شيء يختلفون؟ عن منهج في البناء الاجتماعي؟ أم عن البرنامج الاقتصادي ومدارس الخطط في هذا المجال.. أم عن الاتجاه الثقافي وأي التيارات الأنسب للعراق؟؟ الأكيد ان مزوري الشهادات لا يعرفون مدارس الاقتصاد وثقافة الاجتماع  واجتهادات السياسة ..وقد لا يجيدون تلفظها..  فعن اي شيء يختلفون؟؟ هل يتلاومون على تورطهم بخطتين خمسيتين في التنمية لم تحققا النتائج المرجوة؟؟ ليقولوا للعالم, وليس لنا, عمّاذا يختلف المختلفون؟؟ عن الاسلوب في استعادة مليارات الدولارات الكافية لنقل افقر شعوب العالم الى الرفاهية ومضاهاة الحياة في سويسرا ونيويورك؟؟ أم عن اجتهادات وفلسفات لجعل البشرية جمعاء تأكل في صحن واحد؟؟ أم .. عن طريقة تجلي وجه الاسلام امام هذه البشرية وتؤكد صلاحيته لكل زمان ومكان ..وقدرته على التفاهم مع الجميع؟؟

ربما اختلفوا في المفاضلة بين تصدير منتوجنا الزراعي وبين تصنيعه.. أو اختلفوا في صيغة توزيع عوائد التنمية الخارقة؟؟ لا شيء من هذا ..مطلقا, ومنهم من لا يعرف كيف ينطقها.. وهنا الفضيحة.. ولكنها تجد محيطها المناسب بين قطاع البسطاء ممن تحكمه وتقرر مصيره أحاديث واجتهادات الأموات وإن كانت مختلقة ولا وجود وراءها حتى للأموات… بل محدودية الذهن وركامات التخلف وضروب الغباء… وهؤلاء سيواصلون دعمهم واختيارهم لجلاديهم وسارقيهم ومفسدي حيواتهم.. لذا قيل ان الغباء وحده من لا شفاء منه.. ولا دواء له غير زمن خرافي متطاول.. يتطلب البدء مع الرضاعة .. أو اعتماد الطرق على الرؤوس لحشر القناعة.. وإلا.. فهم لاهون مخدرون بتعصبهم وكراهيتهم  ويموتون  قهراً.

عندهم محطات لتبادل المعارف وعندنا توربينات لتوليد الأحقاد

كاظم فنجان الحمامي 

بين الغرب والعرب نقطة, لكنها نقطة كبيرة بحجم الثقوب السود, التي خلفتها الفترة المظلمة في مسيرة التحضر, يتفاخر الغربيون اليوم بالمعارف, ونحن نتباهى بالمغارف, ونسرف في إقامة الولائم والمناسف. 

كنا في البحر نمضي أكثر من أسبوعين في عبور المحيط الأطلسي من رأس الرجاء الصالح إلى ريو دي جانيروا, ونقضي الفترة نفسها في رحلة العودة على ظهر الناقلة العراقية العملاقة (خانقين), كان ذلك عام 1973 عندما كنا متدربين نتعلم مبادئ الفنون البحرية بإشراف الطواقم الروسية. أذكر إننا توقفنا مرات ومرات في عرض البحر لنتبادل الكتب مع سفينة روسية أخرى فنرسل إلى طواقمها ما بحوزتنا, ونستلم منهم ما فرغوا من قراءته من مراجع وروايات, ثم نستأنف رحلتنا فرحين بما ستضيفه لنا هذه الكتب من إشراقات معرفية جديدة, وتأكد لنا فيما بعد إن سياقات تبادل الكتب من السياقات المتعارف عليها بين الطواقم الغربية العاملة في البحر, لكنها تكاد تكون مفقودة, ولا أثر لها بين الطواقم العربية. 

أما على اليابسة فقد ابتكر اللندنيون عشرات الطرق لتبادل العلوم والمعارف, وتفننوا في نشرها بين سكان قراهم, من دون أن يترتب على تفعيل هذه الطرق أي تكاليف مادية, فكلها مجانية ومتيسرة للصغير والكبير, ومتاحة لعامة الناس في الفضاءات السكانية المفتوحة. 

 من أطرف هذه الطرق, الطريقة الشائعة الآن في القرى البريطانية, وبين الأحياء الريفية, حيث تحولت أكشاك (كابينات) الهواتف العمومية المهجورة إلى محطات ثقافية مصغرة لتبادل الكتب, ويحق لأي إنسان أن يأخذ الكتاب الذي يعجبه, ويترك على رفوف الكشك كتابا آخرا, أو يأخذ كتابا ليقرأها ثم يعيده بعد قراءته إلى الكشك نفسه.  

من المؤسف له أن هذه الوسائل الثقافية القائمة على تعاون الناس مع بعضهم البعض, لا يمكن تطبيقها عندنا في مدننا وقرانا, لا بسبب تفشي الجهل والأمية, ولا بسبب غياب التوجهات التثقيفية عند الناس, وإنما بسبب الإجراءات الأمنية الاحترازية, التي تمنع تداول الكتب المدرجة على قوائم المنع, أو بسبب المخاوف الدينية و الاجتماعية, التي قد تفتح المجال لافتعال الدسائس وتلفيق الاتهامات. 

في لندن أيضا خصصت محطات القطارات ومواقف المترو رفوفاً ليترك عليها المسافرون كتبهم التي فرغوا من قراءتها, أو التي يرغبون بالتخلص منها, حتى يتمكن الآخرون من قراءتها والاطلاع عليها, وبما يضمن تعزيز مكانة لندن كعاصمة للثقافة, وتفعيل دورها في القضاء على الأمية, ونشر الثقافة بين فئة الشباب.  نحن في مجتمعنا العربي بأمس الحاجة لتشجيع الناس على القراءة. كانت عندنا تجاربنا المحدودة, فقد شرعت صالونات الحلاقة منذ  عقود بوضع المجلات والصحف المحلية القديمة على رفوف صغيرة, ليقرأها الناس في فترات الانتظار, والمثير للسخرية أن المجلات النسائية هي الأكثر تداولا في المقاهي وصالونات الحلاقة الرجالية, تستهويهم اللقطات المثيرة والوجه الحسن, ثم انتشرت هذه الفكرة في صالات الألعاب والمقاهي الشعبية. 

 نقرأ دائماً الجريدة نفسها, وأحيانا نجد بعض المجلات المكتوبة بلغات لا نعرفها, دلالة على عدم اهتمام صاحب المقهى, فنتبرع له بالفائض من كتبنا ومجلاتنا, بعد فحصها والتأكد من خلوها من المقالات والصورة المتقاطعة مع توجهات رواد المقهى.  توجهت أوربا كلها نحو بناء المحطات الثقافية لنشر العلوم والمعارف, وتوجهنا نحن في العراق عشائريا نحو تفعيل برامج (نحو الأمية), بمعنى إننا لن نصل إلى المستوى الذي بلغته أوربا, ولن ننال الدرجة التي تؤهلنا لتبادل العلوم والمعارف بالصيغة الشعبية الشائعة في لندن, لكننا برعنا بتشغيل توربينات الحقد العرقي والطائفي لتوليد الكراهية, وتخصص المتطرفون عندنا بصناعة الموت, وتبادل العبوات الناسفة.