أما وهي السبعون، فقد وهن الجسد وضعف البصر وذبلت الروح، ولم تبق أعوام الجراد وسنوات التعب من متع الدنيا إلا ملازمة البيت وتزجية الوقت مع أحفادي، أعابثهم وألاعبهم وأتسلى بضحكاتهم، وكان (الحارث) وهو أصغرهم، اقرب الأحفاد وأحبهم إلى قلبي، حيث اجتمع له شيء، من كل شيء، الظرف والدعابة والمشاكسة والجرأة والعبث والطيبة، فقد كان يغتنم أوقات فراغي المفتوحة على مصاريعها، ويدعوني الى ان العب النرد او الدومينو، وكنت بحكم العمر والخبرة أفوز عليه دائما، والمح الحزن في عينيه، ومع ذلك لا أتعمد الخطأ في اللعب، حتى لا امنحه فوزا غير مستحق، وهذا جزء من سياستي التربوية معه، وكنت بعد كل خسارة له القي عليه محاضرة حول رحابة الصدر والاعتراف بفوز الآخر.. وقبول الخسارة، وانتظار فرصة مؤاتية… الخ، وفي السنوات الاخيرة بعد تفشي الديمقراطية، بدأت اعمل على تربيته تربية ديمقراطية واكرر على مسامعه، أن من حقه المناقشة والاعتراض والرفض، ولكن يجب احترام المقابل وإعطاؤه حرية التعبير عن رأيه وشخصيته وموقفه، حتى لو كان رأيه خاطئا او يؤدي إلى التهاب القولون، لان الديمقراطية هي على هذا النحو، أنيقة وحلوة، ولكن فيها من المنغصات ما يشيب له الرأس، ومع ذلك لابد من الالتزام بشروطها وقوانينها الى ان تنضج قناعات الناس، ويترسخ إيمانهم بها، عند ذاك لا يصح في الديمقراطية إلا الصحيح، وكان الحارث يصغي إليًّ جيدا، وربما تعلم الكثير وراح يتقبل الخسارة من دون امتعاض، الا ان رغبته في الفوز ظلت مستعرة في أعماقه ولهذا دبر خطة خبيثة (على ما يبدو) ودعاني قبل اسبوعين بطريقة تقرب من التحدي الصبياني في المرح، إلى أن العب معه لعبة جديدة هي (حية ودرج) ومع أنها لعبة طفولية لا تليق بعمري، وتفتقر الى المهارة، وتعتمد على (رمية الزار) غير أنني وافقت في محاولة سرية مقصودة.. كي امنحه فوزا يستحقه عن جدارة، ولو عن طريق الحظ ورمية الزار، وشاءت مقدرات اللعب ان أفوز عليه في الجولة الاولى، وفي الجولة الثانية فزت عليه كذلك، وفي الجولة الثالثة، وهي الأخيرة، كنت على وشك الفوز، لولا ان الرقم الذي ظهر على الزار هو (3) وهذا الرقم، هو الوحيد الذي يضعني في فم الحية التي تبتلعني وتعيدني الى المربع الأول، وغمرت الفرحة عيني حفيدي، الا انني اعترضت وطلبت إعادة الرمية بحجة، أن الزار سقط من يدي، فنظر الحارث الى نظرة لا تخلو من ريبة، ولكنه لم يعترض، ورميت الزار ثانية، وإذا الرقم (3) يظهر من جديد، فاعترضت بدعوى ان الزار لم (يسقط) فوق الرقعة وإنما إلى جانبها، ونظر حفيدي إليّ هذه المرة، نظرة ريبة وشك، ولكنه لم يعترض، ورميت الزار للمرة الثالثة فظهر الرقم (4)، وربحت اللعبة، فقام الحارث -وهو صامت- بوضع الرقعة والزار في الكيس المخصص لهما، ووقف في مكان بعيد عني، قريبا من باب البيت، وسألني بطريقة المشاكسة الظريفة (جدو… الديمقراطية هم بيها زغل؟!) ثم هرب، فيما كنت اشتمه بأعلى صوتي، واشتم من علّمه الديمقراطية!!

التعليقات معطلة