طرف ونقيضه

هذه الولاية الامريكية شديدة البرودة ويكاد يدفنها الثلج ,ولكن الاكثر برودة ووحشة هي حياة الناس فيها …فكثير من الاطفال بلا اباء ,ومن امهات صغار …ونسبة مخيفة من الشعب الامريكي مصابة بالإدمان الكحولي والمخدرات ..وان ما يبدو عليهم من اخلاص ومثابرة على العمل انما في حقيقته هو نظام صارم وغير مرئي ..وإلا لترك وهرب وسرق من ساعات العمل الكثيرون ..فمن لا يعمل لا يعيش ..والنظام غير المرئي هو ذاته في الجانب الامني ..فيبدو وكأنه بلا ادنى وجود ,بينما في الحقيقة بوجود مكثف وفاعلية كبيرة ..فعند خرق النظام والتجاوز على الاخرين ينبثق رجال الامن من تحت الارض ومن مخابئ الاثير ..وكما لو كانوا ارواحا وقد تجسدت في اجساد ..والأكيد لا يشبهون رجال الامن في مثل بلداننا حيث يحملون في كياناتهم اجراسا مدوية تعلن عن وجودهم وسطوتهم …فقلنا ان امنهم مثل زجاج بالغ النقاء والشفافية حتى ليدعو لمد اليد للتأكد من وجوده …والنتيجة ذاك امنهم وهذا امننا…
الام الصغيرة اذا اضطرت للعودة الى دار والديها ان وجدا او احدهما فعليها ان تدفع ايجار السكن وتكاليف طفلها ..فالأواصر والعلاقات حسابية بالغة البرودة ..وتقر المرأة وتعترف بتفضيلها شريك الحياة الميسور على الحبيب الفقير …فعندما تستيقظ في الصباح تجد رصيدها في البنك ولكنها مع الفقير قد لا تجد رصيدا من الحب …وربما توسلوا بالقطط والكلاب لاستيعاب عواطفهم واختلاجات قلوبهم …
امريكا بسياسة جميلة وفاتنة وتذكرنا بالجنة الموعودة ونظامها العادل..ولكن امريكا بالغة القبح بسياستها مع العالم ,وعلى الاقل بنموذجها في العراق …الا ان الصورة تنعكس و تتحول الى النقيض عند رؤية المجتمع الامريكي من داخله…فهو مجتمع لامع وسعيد ومبتهج من خارجه ,ولكنه بالغ الكآبة والبرودة والقنوط في داخله …وتلك نسب الانتحار العالية مصداقا لذلك …
وسيجد الكثيرون منهم بارقة وشيء من المعنى لو اطلعوا على الاسلام وأواصره التي كلما صدقت وعفت وسخنت افضت الى نعيم متصاعد والى جنان السماء ..ولذلك وجد بعض الاسلاميين من يسارع للانضمام اليهم ,فبدل الموت كفطيسة فثمة احتمالات حياة او موت يرفع الى النعيم …ولو اقام المسلمون تجربة سياسية ناضجة نيرة تمتلك لغة العصر وتعرف ممكنات الحياة اللانهائية لتداعت الشعوب اليها ,ولبدت الرسالة وكأنها استأنفت ثورتها وبشاراتها الى العالم السعيد ..لا الذي افزعها من كراهية وجشع وبيع حتى الشرف لقاء الدولار..

مصادرات

نعرف بان أفراحنا تتضاعف بعدد من يشاركوننا بها..مثلما ان أحزاننا تتوزع ويقل ثقلها بعدد من يتعاطفون معنا ويحزنون لحزننا ..ولا يختلف حال الشعوب والمجتمعات في ذلك ..وان نكران مشاعرها المختلفة ضرب من العدوان والكيد والفضاضة …فهو ضحك وزغاريد في مأتم …وبكاء وعويل في فرح …
تتباين الآراء والاجتهادات في حال الشعوب التي أصابتها السياسة بطواعينها ومآسيها ,بين من يذيب قلبه ويوقده لمواطنيه شمعة أمل وتفاؤل ويبعد عنهم اليأس …
وبين من يذيب قلبه شمعة تضيء لهم الواقع وتضاريسه وصعوباته وسبل تجاوزه ويبعد عنهم المسكنات والتخديرات والأوهام لكي يسعوا للعلاج …
ولهذا قال ذلك الشاعر الفيلسوف بضرورة ايقاظ العبد لكي يكافح لنيل حريته بدل تركه هانئا في حلم الحرية …وقد أضاف ذلك المعمم الكربلائي مشاعر وطنية رفيعة عندما فاض انفعالا وتعاطفا مع ضحايا وشخصها بشجاعة ودقة وورع ,حتى لكأن الضحايا وقد غفروا لظالميهم وجلاديهم …ورأوا في اعتراف الكربلائي تربيتة على أكتافهم ومسح علي رؤوسهم وعهد مشرق على الأبواب ..وربما فاق بذلك الكسب ما كان سينجزه حزب كامل في التحشيد لرسالته..
في هذا الفساد القياسي في العراق..وهذا الاستباحة الفاحشة للعراق …وفي هذه الممارسات التي لا وصف لها ..وفي واقع نسى فيه السياسي حكمة الاستتار عند الابتلاء ..هل من مجال للتفاؤل دون ان يكون هذا التفاؤل عدوانية وشماتة واستفزازا ..ثم ..مصادرة لشقاء الناس ..فضلا عن دعوتهم ,ربما غير مقصودة للاستسلام والرضوخ وتكريس الواقع…و..إعلاء جدرانه وقلاعه..
يرى الحكماء ان الأخطاء تغدو هدايا للرجال الحكماء …وانها في الحالات العامة وبشأن معاناة الشعوب فان تبني صوت وموقف الرأي العام من معالم الدولة الدمقراطية الحديثة ومن اهم وسائل تطورها … وسيكون الإعلام سلطة مؤثرة وكبيرة …ولن يكون نغما وطربا الا بتجاوبه مع مشاعر واحاسيس مواطنيه …
وإذا تطرف العرب بالنظر إلى الاعلام على انه نقد وأحيانا على انه معول للتهديم ..
تهديم الخرائب لإقامة قصور..فان إعلاما آخر ,الإعلام المتوازن ,يهدم ويبني …يواسي ويهنيء ..وهذا ما ينشده كثيرون في الإعلام ..وان كان بينهم من يرقص ويلطم بناء على حسابات نفعية ..او لقصور في الرؤية ..
وقد يدفع عشاق العراق منهم لإيهام أنفسهم وفتح نافذة للضوء غير منتبهين إلى الليل خارج النافذة .

خيلاء اللئماء

النصيحة التي تسدى لحسني النية بان يحذروا من الثناء على الملفقين واللئماء وكل حديثي النعمة ممن لم يشكروها …ومن علامات هؤلاء عند الثناء عليهم أنهم يتيهون خيلاء بهذا الثناء مع ضرب من النسيان لمن أثنى عليهم, ولايتذكرونه إلا انه اشبه بعبد كان وفيا لسيده …ولا يلبث أن تتفتح شهيته لمزيد من الثناء فينحو ,بداخله ,باللائمة لان العبد لم يكثر من مدحه وتكريمه والثناء عليه …فالنصيحة تهدف لحسن النية الحفاظ على كرامته وسلام نفسه …وللئيم إلا يزداد لئامة …ويتبين ان ذلك البيت الشعري المعروف (ان أنت أكرمت الكريم ملكته…..وان أنت أكرمت اللئيم تمردا)هو خلاصة من الحكمة …وتحسسها عراقيون كثيرون في مرحلة ما بعد الاحتلال واللصوص وسياسيي الصدفة ..وهنا ..يجدر التذكير انه لا عيب في اي عمل شريف …فلاح ,حمال ,بقال معلم ,موظف …وان تاريخ العالم حافل بالبناة والقادة ورجال التاريخ ممن طلعوا من القاع الاجتماعي ..الا أنهم كانوا مستوعبين لأعمالهم وأدوارهم وبارعين في أداء رسالاتهم …وتقف أعمالهم السابقة شهادات أكيدة على عصاميتهم وإرادتهم وقوة شخصياتهم.. الا ان التجربة في العراق برهنت أن من بين من جاءوا من القاع لم يتطوروا,ولم يرتقوا الى مواقعهم الجديدة بدليل هذا الفساد المستشري وهذا الخراب الشامل بكل المناحي ..والثناء والتكريم لمثل هذه النماذج يضاعف من أوهامها وتخلفها ومن سوء عملها ,ومن فساده..مثلما يشكل خسارة لحسني النية الكرماء وخيبتهم بالنتائج…
ولكثرة المفجوعين بطيبتهم وحسن نياتهم اذ يساعدون ويكرمون اللئماء فقد كثرت الأقوال في هذا الشأن التي تلخص تجربتهم …(لا تعمل الخير في غير أهله ,ينقلب عليك ذما وتندم….واتق شر من أحسنت أليه …والخ)فحسن النية موجود دائما الى جانب سوء النية …ولها مراحل في الصعود والهبوط ..والاكيد اليوم ان صدمات الطيبين في اوجها مع تجار السياسة وأبطال الفساد الأنيقين اللامعين …إنما الأكثر تأكيدا انه لا يقدم على إكرام السياسي اللئيم في هذا الوقت غير المغفل …وان كان ثمة رأي بان العلاقة الطيبة تلك التي تنشد الإخلاص والمحبة وتشجيع الخير ورفض الشر وبإهداء النواقص والعيوب لأصحابها ,رغم ان اللئماء يفتقدون للنضج الذي يؤهلهم للتقدير الحرص الذي حمل أليهم عيوبهم…
الوقت صعب على الكرام مادام سهلا على اللئام.

الأعلام قادم

اذا جرى الاستدراك والمراجعة والتغيير,وعثر العراق على نفسه وشخص علله وامراضه وتعوذ من الشيطان الذي اقام ساعته …اذا كان العزم اكيدا والنية طيبة ورحمانية …اذا توفر الادراك بان البيت المنقسم على نفسه لا يصلح للسكن وان المختلف والمتخاصم مع نفسه لا يتفق ولا يتفاهم مع غيره …
اذا توفرت الارادة على اختصار درب الالام وحقن الدماء وتلافي التجربة المرة التي تجرعتها الدول والمجتمعات لكي تستوعب الدرس وتهتدي الى طريق الصواب الموصل الى نفسها وهناءتها وخيرها …واذا واذا فان علامة التغيير ستلوح عبر ثورة الثقافة …فنوعية الثقافة في كل الشعوب والمجتمعات هي التي ترسم المسارات والمصائر ونوعية الحياة ..وان العقول في العالم تعرف تماما ان محنة العراق بجذر ثقافي …مثلما كانت محاولات الاستعمار وضروب العدوان على العراق توظف الثقافة لمصالحها ,من تفرقة واشاعة الخرافة والتجهيل واشاعة المفاهيم والقناعات التي تضمن تنفيذ وتحقيق المطلوب ..
بات معروفا ان الاحتلال الامريكي قد تحقق اولا بالاعلام ..ولكن المحتل تحسب واحتاط وعمل على اقامة اعلام عراقي يأخذ من (الفوضى الخلاقة)اساسها وطابعها وبما يعزز ويدعم التمزق والتشتت والفرقة الاجتماعية …ويمكن تلمس ومعاينة وضع الاعلام من مستواه وتأثيره وحالة الاعلاميين السيئة فيه …فقد تراجع عدد القراء (مع الاخذ بنظر الاعتبار تأثير وسائل التواصل وسحر الانترنيت)وتدني الثقة ..وبؤس حالة الكثير من المثقفين والاعلاميين الى ان طفى واقعهم على السطح وعلى الفضائيات وانتباه سياسيين حريصين الى الامر وربما تندرج دعوة السيد رئيس الجمهورية لعدد من الكتاب والصحفيين في العشرين من هذا الشهر ضمن هذا التوجه..
فهل يصدق العزم والتصميم للتغيير وان الصحافة ستشهد تطهيرا لها ممن شوهها وتاجر بها.. وتكون لها قوانين ونظم ؟؟
فرضية شمول الصحافة بالمراجعة والتغيير سيكشف حكايات وغرائب واسرار ربما لا تقل عما هو في الصفقات واعمال النهب وضروب الفساد …ويعلق الاكثر نباهة وانصافا بان غير الموهوبين وكل الاغبياء سيتبرعون بكشف مستوياتهم ونياتهم وحدود تفكيرهم وضحالته ..وسيتفاجأ العراقي باسماء اعلامية كبيرة وهي تتعامل بهذه اللئامة والعدوانية مع الاعلاميين ومع القضية الوطنية..
يبدو ان السعي بهذا الصدد قد بدأ …وهاهو احدهم يواجه رئيس تحرير جريدة الصباح وينعت الجريدة بطابعها الطائفي وبتكريسها لخدمة الحكومة فيرد السيد حليم سلمان بلطف واريحية وثقة بان المقابل لم يقرأ الصباح منذ شهور ..يطرق المقابل ويعترف انه لم يقرأها من فترة بعيدة وبما يعني ان هناك انتباهة واقرار وعزم عام على التغيير..فهل هي المصادفات..ام لخطوات فردية تشهد مرة اخرى ان الرجال هم الذين يصنعون المؤسسات؟؟ولمن سيكون البقاء الصحفي؟؟

بشرى مستحيلة

افضل خبر ذاك الذي يعد العراقيين بصدور قانون يحرم ويجرم الطائفية..وان هناك مسعى للشباب في هذا المضمار,,ويتعاطف معه اعضاء برلمان وان اللجنة القانونية ستعكف على اصدار مثل هذا القانون الذي سيكون بداية لانهاء الارهاب والعنف والفساد …فهو خبر يشكل بشرى للاسوياء وللعراقيين الطبيعيين ..ولكن السوي لا يلبث ان يعود لنفسه وللواقع وينتكس ويتشائم ..لانه على يقين من اسحالة صدور مثل هذاالقانون ..لسبب بسيط ومعروف وهو ان المنتفعين من الطائفية كثيرون ,واكثر من التصور ,,ملايين كثيرة لا الاف …فثروة العراق ومداخيله الغزيرة تكفلت بصنع وخلق هذه الحشود والجحافل من المتربحين والمنتفعين والمتاجرين بالطائفية …
وباتت امتيازاتهم حق من حقوفهم الطبيعية ولا يقبلون بمن ينازعهم عليها ,ويشاركهم بها ..وباتوا ينظرون الى دعوات العدالة والمساواة وتجريم الطائفية نظرة السيد الى عبيده اذ يطلبون المساواة به ..ومن مصلحة ومنفعة الطائفي(شيعي,وسني)الا يصدر مثل هذا القانون ,فقيل ان ابليس لا يخرب عشه ..ثم ..ان الانسان منحاز لنفسه ويجدها جديرة بكل الثروات والسلطات والمواقع..مثلما له القدرة على تجاهل المتضررين ,والتغليس عن استحقاقاتهم…حتى شاعت وانتشرت الحكايات ان اشراط قيام الساعة وبين الطائفتين على سواء …ولكن دون الاستدراك وانقاذ الناس والدين من مفاسد وانتهاكات وجرائم …فالقيامة ,ودائما,بسبب الاخر ….الاخر المغلق الطامع والمثقل بالخرافات وانه اذا كان لا بد ان تقوم القيامة فالتقم وهو منعم مترف وسيد بين عبيد …فهل يمكن اذن ان يصدر تحريم الطائفية …؟؟؟قلناها من قبل وقالها رجال وترددت دعاواهم في الفضائيات لاصدار مثل هذا القانون …رغم ان مجرد صدوره يثير الحرج بين الشعوب المتحضرة والمتقدمة..ومن شأنه ان يفضح امراضنا التي تجاوزتها من وقت …
صدقنا الخبر من يصدق الاوهام ..ومن يخادع نفسه ويمنيها ويتشبث بقشة…وليس من شأن من كانت الطائفية مصباح علاء الدين السحري الا يثور ولا يغضب وتتوالد اسباب القداسة ضد مثل هذا القانون
ثم ان شرا بهذا الحجم واشرارا بهذا العدد وبنتائج صدمت العالم وتحول العراق الى اسفنجة كونية تجتذب وتمتص قيح وصديد افرازات شعوب الارض من قتلة ومجرمين وفاسدين ومرتزقة يتناغمون مع الطائفيين المتاجرين بدين الله ,ومع ذلك لم يتقدم الطائفي ويعترف انه انما بتغاضيه وتواطؤه مع نفسه ومع غيره قد جعل من وطن المحبة ومن بلد الشعراء ومن ارض السواد مركزا لقيام الساعة ….وستقوم الساعة ولا يصدر مثل هذا القانون …انبقي التعصب .

طائفية الدولار

ذلك الوجه على الفضائية ,كتلة من السذاجة والبلادة والغباء ,يشكل صدمة لأنه واحد من الذين يقررون المصائر والأعمال …وانه معتمد ومؤتمن …وانه كغيره مثل طفل يلعب بسيف الكتروني يبتر رؤوس البشر …ويهتف مع كل رأس طار في الهواء …هيييييه…وأشعرنا ,على هول مأساة العراقيين ,بان مصيرنا بقبضة كائنات أكثر غباء وشرا وبلادة مما نتصور …
يؤكد هذا النموذج ان هناك الكثيرون مثله وان كانوا بدرجة ادنى من خواصه قد مضوا وركضوا مع اللعبة ومع التأسيس وصدقوا ان علة العراق تكمن بالطائفية ..وبكذبة ان الشيعة مرتابون ولا يثقون بالسنة وان السنة متشبثون بالسلطة ولا يقتنعون بان السلطة للأجدر والأكثر عطاء وتضحية ونباهة …
نعم,ثمة طائفية ولكنها تندرج ضمن نزوع البشر للانتماء وتميز الهوية وفرز الذات …وحتى لاشغال الحياة وإرضاء نوازع غريزية …حتى إذا تعارفوا وتقاربوا زالت واضمحلت تلك المسافات والحساسيات …وقد وظف بعض السياسيين هذا الطبع والنزوع لإغراضهم …وكان هذا التوظيف والاستغلال واضحا في المجتمعات المتخلفة وفي مجتمعاتنا على وجه الخصوص وشاع القول انه فرق تسد …وكانت الطائفية هي الحقل الاخصب للتفريق والتمزيق على مدى مئات السنين …وعمد المحتل من فوره للتأسيس الرسمي والفج للطائفية …وانطلت اللعبة على البسطاء وعلى المنتفعين وتشبث بها سياسيون وتماهوا معها حتى صدقوها ..ولم يتفجر السؤال المجلجل ,ان كان هناك شيعي مخلص لشيعيته ولرموزه في الأمانة والزهد وتطليق الدنيا ويقترف الفساد الأكبر والنهب الأكبر والدناءة الأكبر ؟؟هؤلاء الضواري ليسوا شيعة ولكنهم يتخندقون ويتمترسون ويتقنعون بالشيعية ويرفعون رايتها …مثلما رافع الراية السنية الذي يبيع قومه وشرفه وطائفته ودينه لقاء نفع ومنصب ,ومثلما برهنت الوقائع ان للمال وللدولار فعله السحري في النفوس والمواقف …وإذا كان للمال تاريخه الذي هو تاريخ الإنسان في الميول والانحرافات فان المال الجديد وفي عراق الثروات بمفعول قياسي …ويعجز مصباح علاء الدين السحري ان يأتي بمثله …وتكفي موجته لاكتساح جبال وإغراق عشائر ومدن وضمائر ,فكيف به مع ضئيل الوعي والضمير؟؟…وهناك من هو تحت هول الصدمة من ثروات هبطت عليه ولم يصح بعد سنوات ..
المال اشترى ناس …والناس بأسماء وعوائل وعشائر وطوائف واديان وقد سلط الضوء الساطع على الطائفة دون غيرها وعلى البسطاء أيضا وبدا امر العراق وكأنه نتاج العصف الطائفي …وليس نتاج تدفق التيزاب الذي أذاب سريعا ضمائر وشرف الرجال ليلتحقوا بتنفيذ البرنامج وتفتيت العراق ليقود لتفتيت المنطقة وليضع الإسلام في عيون البشرية بأنه الدين الذي لا ينجب غير الثقافة الصوتية والكائنات الغادرة الكاذبة التي تتحدر الدناءة شلالات لعاب لأجل يروق وسطوع وعشو الدولارات …ولكن …لا يلوح من المرتشين وباعة الشرف غير طوائفهم …

النظر للبكاء

نحتاج أحيانا الابتعاد عن الشيء لكي نراه ..وقد يكون للابتعاد الزمني مثل هذا ..فالغائب عن المريض يرى تغيراته أفضل من مرافقيه ..ويتفاجأ الأقارب بتغير الطفل الذي غابوا عنه …والمبتعد والغائب عن العراق يصدمه وضع مجتمع ما بعد الاحتلال …
ولا يكاد يتعرف عليه …فأين تلك العلاقات الودودة والتواصل الحميم والسهرات التي تخلو من حديث التفجيرات والتهجيرات والتزويرات وأعمال النهب؟؟ كانوا يتواصلون ويتفاعلون وكأن غريزتهم الاجتماعية بمناسيب اعلى من بقية البشر …فكانوا يقولون ان العراقي سمكة وماؤها المجتمع …إلا انه انتهى الى ما يشبه العزلة …
وفقدت لقاءاته حرارتها وطعمها وهناءتها ..وبدت وكأنها أداء واجب لا استجابة لنداء قلب والى إرضاء حر للغريزة الاجتماعية ..
وعندما أنحى العراقي المغترب باللائمة على النخبة المثقفة وأبدى استغرابه وامتعاضه من تواصل بعض المبدعين النفعي… وأين غادرت الصداقة والإعجاب الشديد والزيارات العائلية بينهم؟؟ تبخرت جميعها مع تغير الظروف والمصالح ؟؟
كان الرد على هذا المغترب الزائران غربته وابتعاده قد وفرت له من جانب أن يرى ما فعلته السياسة في المجتمع وبما صدمه ,الا ان هذه الغربة والابتعاد الطويل قد عزلته عن الإرهاصات والاحتدامات والشقاء الذي فعل فعله …وانه اذا كان العراقي سمكة ماؤها الجو العام او المجتمع فان الفساد قد افسد المناخ والجو العام وعكر الماء حتى ليتساءل المرء كيف للسمك ان يعيش في هذا الآسن ؟؟؟ ويحق للمراقب الاجتماعي ان يرى المعجزة في مجرد استمرار العراقي في أداء الشكليات الاجتماعية …
ومعرفة أعماق ومشاعر العراقي وما آلت اليه نفسيته ونظرته للحياة تدفع البليد والقاسي للبكاء ..ولكن لا يمكن لهذا الباكي ان يكون من بين الطائفيين والفاسدين واللصوص … واغلب الظن انه لو لم يكن الأمر كله برنامجا امريكيا لحزن العالم وبكى على مصير مجتمع هو وريث أولى واكبر الحضارات والذي عاش عائلة لأكثر من ستة آلاف عام …ربما كان القصد الأمريكي تقديم درس عملي للبشرية ان ما هو اخطر من اسلحة الدمار الشامل هو اشتغال غير الموهوبين ..والجهلة والمتعصبين والطائفيين في السياسة وتصديهم للحكم …. باستثناء الثملين بالهبة الأمريكية فان العراقيين يرزحون تحت غيمة من الهم والتشاؤم ,وفقدوا البهجة ونسوها وابتعد عنهم الفرح ,والفرح جماعي ,والمجتمع يتنفس إفرازات وزفير الفاسدين والعدوانيين …وغاية أحلامه لا البهجة والفرح بل النجاة بجلده في بلد يقبله لاجئا.

كـائـن عـائـلـي..

ثمة من يعرف العراقي بأنه كائن عائلي، وعائلته وبيته مركز ومعنى حياته، ولا مأساة كالتي تبعده عن عائلته، والأكيد انه يمر اليوم بأكبر مآسي حياته وهو مشرد في المنافي والمهاجر وأصقاع اللجوء، فهو متناثر في اغلب دول العالم ويتطلع باقون كثيرون للفرار من البطالة ومن جحيم التفجيرات والابتزاز والتهديد ومن وجوه بليدة صدقت أنها تصلح للسياسة ولقيادة المجتمع، وان الفرار لمرارة وانتحار ولا مأساة اكبر من الابتعاد عن العائلة.
هل واجه رجال في الدولة واقعة هذا التشتت للعائلة العراقية وتشردها؟؟ بين رجال السياسة من تجرع تلك المرارة وعانى ابتعاده عن عائلته وتضرع الى الله ألا يذيقها لعدوه، إلا ان المشتتين قد تضاعفوا وعرفتهم أصقاع قصية من الأرض وعانت من نحيبهم وحنبنهم لعوائلهم وأماكن ذكرياتهم، وثمة من علقت عينه بالسماء يسأل: اما لهذا الشقاء من آخر؟؟ وإذا نضبت الرحمة من سياسيين أين رحمة السماء تشمل العراقيين؟
دول العالم تزيد من صعوباتها أمام طلبات لجوء العراقيين، وحتى اقليم كردستان اضطر لمثل هذه الصعوبات نظرا للزخم الكبير من جموع المهجرين ومختاري العيش هناك بدل اوربا، وماذا بعد؟ والى متى؟ وهل يبقى في معاناة بأكثر مواضعه حساسية وبكونه الكائن العائلي؟
يمكن معرفة ظروف ومزايا دول العالم ومدى إمكانية التفكير بالهجرة إليها في حافلات نقل الركاب والمقاهي والتجمعات، ويبدو العراق بشاغل واحد، الفرار من الجحيم وان خسر عائلته، والعائلة بدورها تقنع نفسها بان فراق احدهم افضل من موته ومن العيش في ظل فساد قياسي وسياسيين لا يعرفون كيف يتصالحون مع عوائلهم فكيف يوفقون بين مصالح بشر متعارضة؟
رجل الدولة الذي لا يشعر بمسؤوليته عن الكلب الأجرب في بلده ليس برجل دولة، وقد وجدنا في عراق ما بعد الاحتلال من لا يعبأ بغير نفسه والمثابرة على نهب الثروات ، وبدل ان يعمد لبرامج تثقيف وتطوير وتنوير وإقامة عائلة عراقيــــة عمد لتمزيقها بعناوين طائفية وعشائرية ومناطقية وشرعنة المحاصصة والمغانمة وكل ما يناقض شروط ومقومات الدولة المدنية وبما افرز وخلق أجواء الجحيم لطرد المواطن من بيته واللهــــــاث بحثا عن الهجرة، حتى قال من قال، ان لوعة العائلة العراقية على نفسها هي التي ستزعزع الأرض.

عصفور السلطة… غراب

عبارة (كل هؤلاء قتلوا الرجل) تكاد تساوي عبارة (لا أحد قتل هذا الرجل) … وبرع الأجداد في نجدة القاتل, وانقاذه من الإدانة والقصاص, بتوزيع دم الضحية على القبائل والعشائر وإضاعته بينها .. وبما يسهل استمرارية القتل .. تفتق عقل الأحفاد عن تطوير وتوسيع هذه الممارسة, وتعميقها…
ربما عن غير قصد واضح لإضاعة دم القتيل، بل إطاعة لطبع, وانقيادا لميلول أن منطق ومسار الأحداث أفضى لاجتماع القبضات في قبضة واحدة تمسك بالسكين .. والاهم أن الغنيمة تعشي العيون والقلوب…
وتنتقل اللقمة إلى غيرها التي تحدث عنها الإمام والتي يغص بها أكلها.. فهذه اللقمة يهنأ ويمرأ أكلها.. انها السلطة.. العراق هذه المرة هو القتيل, وهو المغنم, وهو اللقمة المريئة, وقد تظاهرت وتساندت وتعاهدت عليه كل العشائر والقبائل السياسية وقتلته وأضاعت دمه بين قوائم الكراسي وأرصدة البنوك… السباق والتهافت والإمساك بطرف من (الكيكة) وخطف من المائدة وان كان من الفضلات خير من الخسارة.. فالفرق بين اخذ شيء وعدم أخذه هو الفرق بين حياة وثيرة وبين موت بالغ البؤس..
هذا السباق والتهافت مع اليقين الذاتي بعدم الجدارة وعدم الاستحقاق.. والريبة المرافقة لهذا الواقع قد طوح بالعراق إلى مصير غير مسبوق في الفساد والتمزّق وطول الوقت والتشويه الشنيع وبأعصاب باردة للمقدس.. ولم تعد لقمة الإمام لتخنق أكلها.. وما عاد (التقاة) يتوجهون إلى السلطة (على عمى عيونهم) وعلى غير رضاهم..
فللوقت (منطقه وضروراته) وهكذا تقدم العراق قوائم العالم في الفقر والجوع والأمية واليتامى.. لو توفرت الثقة والنيّة الطيبة, والجامع على الحق, ولو تذكر الساسة انه لا أكثر إرهاقا واعياء من العراقي, ويثير شفقة حتى الضباع… وانه لا أبشع من الحالم بكرسي من عظام يقيمه في مقبرة…
لو أنهم كانوا صادقين في شعورهم بحال شعبهم لوجدوا الطريق إليه وإنقاذه… ولما أخذتهم قاعدة العصفور في اليد والإمساك بالمنصب لا السعي للخدمة..
ولتنازلوا.. وليتقدم من يعمل ويضحي ويتعهد بالإنقاذ.. ويتحمل النتيجة… ليتقدم أي طرف ويتحمل المسؤولية…لا قطف المنصب… ويتهيأ لتقديم كشفه وحسابه في نهاية فرصته…
هذه ليست شركة.. هذا عراك وقتال للاقتسام ونهب ما يمكن نهبه بعنوان (محترم) لم يتركوا فيه ذرة من احترام… وتأكد مرة أخرى ان بعض العراقيين من فصيلة القطط لا يصلحون لتشكيل فريق..
لا لأن كل واحد فيهم سيد نفسه ويشكل وحده فريقا, بل لأنه عبد جوعه, وأسير تصوراته وثقافته الضحلة.. ولأنه من الإدقاع واليأس ونقص الكبرياء يريد شيئا بيده ولا يرى حشد العصافير على الشجرة..
لينفرد في القرار أي طرف, أغلبية أو أقلية.. وليفتخر بنجاحه ان نجح وليطالب بتاج النور.. والمجد… أو ليضع المشنقة في عنقه ويتكلل بالعار هو وأفكاره وشعاراته ومن يقف خلفه…

وجوه الصفيح

صدقنا من قبل هجرة تلك العائلة، فرارا من صخب مولدات الشارع الميسور، وما يؤشره هذا الصخب من أخلاق غليظة وجلفة.. ولم نستغرب هجرة العائلة الأخرى من الكوت التي غرق بيتها المتواضع بمياه الجيران الثقيلة ..ولكن بدون إدانة للجيران ولأخلاقهم.. ما داموا مجبرين، ولا خيار لهم إزاء انعدام الخدمات البلدية هناك..
بل هو نفاد صبر وجزع ….والخ… مع الم وغصة وأسف على فراق الناس والتغرب عنهم … وقد وجد مهاجر ثالث ان مبررات (المترف) أقوى من مبررات نظيره الفقير الذي فاض بيته بالنجس والمياه الثقيلة.. ما دام بآصرة حميمة بناسه ومنطقته.. إذ لا اقسى من فقدان الثقة بالمجتمع… وانقطاع الصلات به.. واخذ هذا الشعور مدياته عند اتساع هذه الحالة وتخوف المرء من وقوعه فريسة لقريب وصديق… ومن خيبات متوالية ببروز وجوه قبيحة من ذات الوجوه التي كانت جميلة … ومن ألفة واعتياد وضع أقنعة الصفيح.. ومن ثم نزعها ورميها بعد أن تحولت الوجوه ذاتها الى صفيح … ولكل عراقي حكاياته مع ضروب الأنانية والتوحش والنذالة.. وفقد الدهشة لكل ما يسمع ويرى ويعيش…
ولا غرابة ان يتمخض الجبل عن فأر …والكريم عن دنئ.. وابن الغنى والجاه عن شحاذ ذليل… والتقي المتصوف عن مرآب وسخ… وان تحري ودراسة أبطال الفساد الحكومي،يكشف قطعا عن طبائع نذالة …نذالة كانت مستورة ..ومغطاة. ووفرت محنة العراق أفضل المناخات لبروزها واضحة جلية للعيان.. ويظن المختصون أن فقدان التواشج والتفاعل والعلاقات الطيبة ترمي بالإنسان الى حضيرة الحيوانات.. فالإنسان وحيدا هذا مصيره.. فإنسانيته بالمجتمع.. ومن العلماء من يحيله الى شيطان خارج المجتمع..
وربما لم يترجم بعض المهاجرين مشاعرهم فأحالوا أسباب نزوحهم وفرارهم وهجرتهم الى التهديدات وصعوبات العيش، والعلل المادية.. فقوة الآصرة الاجتماعية هي مصدر مهم في قرار الهجرة..
وان العيش وحيدا في الصحراء اهون واقل وقعا على النفس من العيش وحيدا في المجتمع.. ومن العراقيين من بات متوجسا من وثوب الكائن النذل من عين صديقه وقريبه ومن ذاك الذي ظنه عملاقا..
فهل يحق لنا الاعتقاد بان الفساد الرسمي قرين النذالة ونتاج ضمور القيم الاجتماعية وتفكك العلاقات..؟ لا ينزلق المرء الى الرخص والابتذال قبل أن تتقطع خيوطه وأواصره بالمجتمع …سواء لأسباب تربوية او فسلجية، ولا يشغله حينئذ غير مطالبه الذاتية او الجسدية،ويغدو كائنا بيولوجيا او بهيميا ..
وسيرى نفسه بعين المجتمع ضئيلا مبتذلا بلا أي اعتبار.. وهذا هو مشروع الدمار الشامل عندما تقع بيده سلطة، أية سلطة ..
كاتب في عيادة طبيب يضاعف من مرض المراجع ..او مدير تتولى أنفاسه العفنة تسميم مكاتب المديرية.. او سياسي يريد أن يتخلص من جرذيته ويتضخم بالمال المسروق وبالتطلعات المتراكضة كأحلام المجرمين، ويجزم الاجتماعيون بقرب الوحيد اجتماعيا من الموت.