لا تلوموا الحكومة وحدها

يعبر العراقيون في مجالسهم عن حاجتهم لزعيم يقودهم إلى بر الأمان. ربما توافقونهم الرأي، وربما تعترضون عليهم، لكنني أقول دعونا نسأل أنفسنا: ما الذي فعله كل منا تجاه العراق حتى نستحق هذا الزعيم ؟. أم أن تحقيق الأماني لا يتطلب منا الإخلاص للوطن، ولا يتطلب النهوض بالواجبات والمسؤوليات والأعباء المنوطة بنا ؟.
أنا من الذي يؤمنون بأننا لسنا بحاجة إلى هذا الزعيم الافتراضي، وأرى أن التحديات الصعبة التي نواجهها الآن تحتم علينا الوفاء بالتزاماتنا الصغيرة. لأنها تمثل الخطوات الابتدائية الصحيحة نحو بناء العراق. وهذا هو الفارق المصيري بيننا وبين الغرباء والدخلاء ومصاصي الدماء. فنحن الذين ننتمي إلى هذه الأرض المقدسة، ونحن نقرر مصيرنا بأنفسنا، ونصون مصالحنا بأنفسنا، ونحرص على مواردنا بأنفسنا.نحن القوة الوطنية التي ينبغي أن تقرر وتراقب وتتابع وتحاسب، ونمثل النواة الصالحة لتحقيق النصر المؤزر على القوى المعادية للعراق وأهله. ونحن الخامة الوطنية النقية القادرة على صنع المعجزات، فلنبتعد عن التشكيك بقدراتنا الذاتية، ولنؤمن بأن مستقبلنا بيد كل مواطن عراقي مهما كان لونه وعمره وموقعه، فنحن الذين نمتلك أدوات التغيير، ونحن الذين نتسلق سلم المجد الذي يضمن لنا الارتقاء نحو القمة.نحن الحكومة ونحن البرلمان، ونحن الذين نقف الآن بصدورنا العارية في مواجهة الدواعش، وفي مواجهة القوى الظلامية المساندة لها، أما هؤلاء الذين تبوءوا المناصب القيادية العليا فهم يمثلون فئة ضئيلة من الشعب، خرجوا تواً من صناديق الاقتراع ليعملوا عندنا ومن أجلنا وفي خدمتنا، فلا تسمحوا لهم بالتعالي علينا. فالانتخابات المثمرة تعني أن نختار الأكفاء في التخطيط والأمناء في التنفيذ والفضلاء في التوزيع. فلا نجعل المؤثرات الهامشية دليلنا للاختيار في المراحل القادمة. من هنا ينبغي أن لا نوجه أصابع اللوم إلى الحكومة، لأننا نحن الحكومة ونحن السلطة، فالشعوب التي تنعم الآن بالأمن والاستقرار نالت مرادها بنضالها الطويل وتضحياتها الجسيمة في مواجهة الظلم والاستبداد، والشعوب الواعية أكثر حكمة من غيرها، وأكثر ثقة في امتلاك الإرادة الصلبة.
ختاما نقول: أن العراق الذي نحلم به ليس هبة من حاكم، ولا مكافأة من بعض الكيانات السياسية. فالشعب الذي يريد العيش بكرامة في هذه الحياة هو الذي يقرر مصيره بنفسه لترضخ له القوى السياسية، وتستجيب له الأقدار.
وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر
إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ الشعوب فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَرْ

ثقوب في الثوب الملكي

أدركت المملكة العربية السعودية مؤخراً مخاطر انتشار العمليات الإرهابية التي استهدفت سوريا والعراق، وشعرت أنها في طريقها لتلقي الشظايا بنيران المحارق التي أضرمتها في المنطقة، وربما تتعرض الرياض نفسها لمثل ما تعرضت له بغداد ودمشق.
فالتنظيمات الإرهابية التي تتحكم بها الولايات المتحدة الأمريكية من بعيد، قد تودي بنظامها الملكي وتقتلع أوتاد مضاربه البالية، وبالتالي فأنها تخشى من تكرار تجربتها الفاشلة في ثمانينات القرن الماضي عندما اشتركت مع الاستخبارات الأمريكية في تدريب الأفغان والعرب لمواجهة الاتحاد السوفيتي التي خلفت القاعدة وطالبان.
تأتي هذه المخاوف في التوقيتات الحرجة التي تناثرت فيها الخلافات الداخلية فوق رمال نجد والحجاز، فالملك عبد الله يتحرك بصعوبة على كرسيه المدولب نحو عتبة التسعين عاماً، ولا قدرة له على مواجهة المنغصات السياسية المزعجة، بينما تتصاعد وتيرة الصراع بين الأمراء السعوديين للاستحواذ على السلطة، والوصول إلى سدة الحكم بأي ثمن، ناهيك عن المخاوف الأمريكية من احتمال سقوط عرش المملكة في فوضى الصراعات الداخلية المحتملة. فما يحدث الآن داخل قصور العائلة الحاكمة لا يمكن فهمه بسهوله.
أشارت الصحف الغربية إلى أن كبار الأمراء يتحركون ببطء، ويمنعون أنفسهم من نصائح الخبراء الأجانب وهو ما يجعل الأمر رهن التكهنات، وأكدت على حقيقة المحاور المختلف عليها داخل العائلة الحاكمة، وأن أبناء الملك (عبد العزيز) مؤسس المملكة وأحفاده لم تعد لديهم القدرة على لملمة شمل العائلة الحاكمة لحفظ أركان مملكتهم، مشيرة إلى أن خبراء أمريكيين وعرب قالوا إن المملكة العربية تواجه أربعة مخاطر هي: تنامي قوة إيران، وتصاعد حدة العمليات الإرهابية في المنطقة، وتآمر الحكومة القطرية عليها، وتأرجح مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية التي تمثل طوق الحماية للمملكة، وأكدت الصحف أن الوضع في المملكة كان أكثر استقراراً قبل عشرة أعوام، حتى جاء اليوم الذي شرعت فيه حكومة الدوحة بالتنسيق مع معارضي الأسرة الحاكمة لتحقيق رغباتهم المستميتة لإنهاء حكم (آل سعود)، لافتة إلى أن عزل الأمير بندر بن سلطان من منصبه كرئيس للاستخبارات في نيسان الماضي، ثم إعادة توليته منصب الرئيس الشرفي لمجلس الأمن القومي يكشف عن حقيقة عدم الاستقرار الذي تواجهه العائلة الحاكمة.
وأوضحت أن الأمير بندر بن سلطان يظهر في عيون الأمريكيين على أنه غير جدير بالثقة، مشيرة إلى أنهم يرون أنه ساهم بطريقة مباشرة في إثارة القلاقل الداخلية أثناء وجوده على رأس الاستخبارات السعودية.
ثم أن تولية ولي عهد المملكة الأمير سلمان (78 عاماً) لوزارة الدفاع على الرغم من أنه يواجه مشكلات صحية، يؤكد التكهنات بشأن مجيء الأمير (مقرن) ولياً للعهد في آذار الماضي. ولفتت الصحف إلى أن المملكة العربية السعودية تبرعت مؤخرا بـ 100 مليون دولار لمركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، بينما صرح المفتي السعودي منذ أسابيع فقط بأن داعش والقاعدة هم العدو الأول للإسلام.
ختاماً نقول: ألا تعني هذه التغيرات المفاجئة في مواقف الفقهاء إلى حدوث تغير في نظرة المملكة للأمور.

«كلاب» جهاز الأمن الوقائي

في صحوة مفاجئة من صحوات الضمير المعطوب أطلقها اللواء (عدنان الضميري)، الناطق باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية، قال فيها: (نحن مخلصون للاتفاقيات الأمنية مع إسرائيل، وإن رجال الأمن الإسرائيليين يعرفون مدى إخلاصنا لهم).
نُشر تصريح (الضميري) على صفحات موقع (إسرائيل بولس) ضمن تقرير أعده الصحفي الإسرائيلي (شلومي ألدار) المتخصص بتغطية الأخبار العربية منذ عشرين عاما للقناة الأولى والعاشرة الإسرائيليتين.
ربما تفوح من تصريح (الضميري) روائح العمالة والتخاذل، لكن كلامه يحمل بين السطور معاني كثيرة من معاني التواطؤ، ويعكس صورة واضحة من صور التآمر العربي ضد البلدان العربية، وفي مقدمتها العراق (طبعا)، ويوحي إلى التحكم بتوجهات القوى الظلامية نحو تخريب العراق وتدميره، فالمتواطئون مع إسرائيل يعرفون كيف يوجهون فوهات بنادقهم إلى الشعب العراقي، الذي لم يكن طرفاً في يوم من الأيام في أي لعبة من ألعابهم السياسية القذرة.
لقد خرجت (داعش) من جلباب عدنان الضميري، الذي يدير جهاز الأمن الوقائي، والذي اكتشف أن وقاية الأمن الإسرائيلي تكمن في كيفية إقحام الشعب العراقي والسوري والمصري في دهاليز العنف الطائفي عن طريق تجنيد المجرمين والمجانين للانضمام إلى القطعان المنساقة كما الكلاب السائبة وراء الشعارات الداعشية الغارقة في الجهل والتخلف.
قال عدنان الضميري في تصريحه: (لم يكن التعاون الأمني مع إسرائيل ناجحاً ومثمراً مثلما هو عليه اليوم، فقد نجحنا في منع انطلاق التنظيمات المسلحة من الضفة الغربية للقيام بأي عملية قتالية ضد إسرائيل)، وبالتالي فأنه كان طرفاً في توجيهها نحو الأراضي العراقية والسورية، وربما أرسل بعض تشكيلاتها إلى سيناء وقناة السويس.هكذا يفكر العملاء، وهكذا يخططون لإرضاء أسيادهم في تل أبيب، وعلى أرضنا تتشابك أهدافهم العدوانية المشحونة بالحقد المشفر بأبجدية الجاهلية الأولى. فالذي تفكر فيه قطر تفكر به القوى الظلامية الغارقة في مستنقعات الرذيلة. والذي تفكر به إسرائيل يتطابق تماماً مع رغبات الأنظمة العربية الرجعية. وهذه هي الصورة الحقيقية المؤلمة لما آلت إليه أحوال العرب في الألفية الثالثة. فقد أصبح الولاء لإسرائيل هو الولاء المعلن، وهو الولاء المصرح به لمن يرغب بتفجير أسواق العراق، ولمن يرغب بتدمير المدن السورية، ولمن يريد إشاعة الفوضى والخراب في عموم المدن الليبية واليمنية والصومالية.فإسرائيل لن تنام قريرة العين إلا في مضارب الأعراب الذين لا دين لهم ولا أخلاق لهم. وإسرائيل لا تنام قريرة العين إلا بتفاقم الأزمات والاضطرابات وتفجرها في العراق وسوريا ومصر. وقد تبرع كلاب جهاز الأمن الوقائي لتحقيق هذا الحلم الصهيوني الذي خططت له تل أبيب لإشاعة الفوضى من النيل إلى الفرات.

ما لكم لا ترجون لله وقاراً

لا ريب أن المعنى اللغوي لكلمة (وقار) في المعاجم العربية يعني: الكياسة والرزانة والحلم. من قولهم: وقُرَ الشخص يَوقُره، وَقارًا ووقارةً. كان الرجل وَقُوراً: أي كان حليماً رزيناً مهيباً. جاء في الحديث: (إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فامْشُوا إِلَى الصَّلاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ والوَقَارِ)، وقالوا: (عَيَّرَتْنِي بِالشَّيْبِ وَهْوَ وَقَارٌ)، فالوقار خصلة حميدة من خصال مكارم الأخلاق، تعبر عن الرقي في إظهار الاحترام. قال الله تعالى: ((لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ))، فالتوقير هو الإجلال والتفخيم والتبجيل والتعظيم والاحترام. وقال تعالى: ((مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا)). أي ما لكم لا تبالون لله عظمة، وأي عذر لكم بعد تخليكم عن الوقار في عباداتكم وممارساتكم اليومية ؟.
لقد تحدثنا بإسهاب في مقالات سابقة عن المغالاة في الطقوس العبادية، فتناولنا التطبير والتطيين والسير على الجمر، وطعن الصدور بالخناجر في حلقات الذكر والدروشة، حتى جاءت المناسبة التي ننتقد فيها الاغتسال ببول البعير، وشرب بول البعير، والتطبب ببول البعير، فهل من الوقار أن يغتسل المؤمن ببول البعير ؟، وهل من الحكمة أن نترك قول رسول الله (ص): (النظافة من الإيمان)، ونسعى لتطبيق حديث مشكوك فيه، فنجلس خلف قوائم الإبل بانتظار أن تصب بولها على رؤوسنا ؟. وكيف يكتمل التوقير والتعظيم عند الذين ماانفكوا يذودون بالدفاع عن جواز استعمال بول البعير ؟.
لقد كثر الحديث هذه الأيام عن أبوال النوق والإبل كعلاج لبعض الأمراض، وهو شيء في واقع الأمر يحيرني لسببين: فمن الناحية الدينية نعرف أن البول من النجاسات، فهو لو مسّ الثوب ينقض الوضوء ويستوجب تطهيره. ومن الناحية العلمية معروف أن البول من إفرازات المواد الضارة للجسم ، وبالتالي لا يجوز إرجاعه لأي جسم .
لقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء بموافقة الدواء للداء، فلكل دواء مقدار معين يعمل به، وينبغي ألا يزيد ولا ينقص، فتشخيص المرض ووصف الدواء هو من شأن أهل الاختصاص. ثم أن الله وهبنا ما لا يُعد ولا يُحصى من وسائل علاجية طبيعية ناجعة بأتم معاني الكلمة لو تعاملنا معها بطرق علمية حديثة، وبالتالي لست ادري لماذا ضاق الحال واتجهنا إلى أبوال الإبل ؟.
ليس في الكون كله كتاب أصح من القرآن، فهو المصدر المقدس الثابت. قال تعالى: ((فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون))، وقال جل شأنه: ((فبأي حديث بعده يؤمنون)). من هنا يتعين على كبار الفقهاء البت بالأحاديث التي أجازت التعامل مع بول الإبل باعتباره من الأحاديث التي تتعارض مع ما ورد في الحديث: (تنظفوا بكل ما استطعتم فإن الله بنى الإسلام على النظافة ولن يدخل الجنة إلا كل نظيف)، فليكن هاجس الحقيقة والمعرفة هو الدافع للنقد.
لم يكن الناقد في وضع حرج مثلما هو الحال اليوم. فقد تحول نقد الحديث اليوم إلى جرم وفتنة، وكل من تجرأ على نقد حديث من البخاري أو مسلم اعتبر من الزنادقة. وتلك مفارقة تاريخية ، فكيف استطاع السلف أن يتحلوا بالروح العلمية والنقدية، بينما الخلف اليوم أكثر دوغمائية وانغلاقا ؟. كان أحمد بن حجر العسقلاني من أشهر النقاد عند شرحه للبخاري في كتابه (هدي السّاري)، وهو مقدمة (فتح الباري شرح صحيح البخاري)، فأشار إلى وجود أخطاء كثيرة في أحاديث البخاري من حيث الأسانيد والمتون. ولسنا مغالين إذا قلنا أن نقد الحديث كان سنة عند الأولين، فالحافظ الدراقطني في كتابه (الإلزامات والتتبع)، انتقد أكثر من مائتين حديث بعلل معظمها غير قادح، وقد أجاب ابن حجر وغيره عن بعضها، واستصوبوا أغلبها. ثم أن كتب نقد الحديث كثيرة، فالشيخ الألباني قد ضعف بعضها في الصحيحين، وكان منطلقه النقدي العام سليماً متسقاً مع مناهج المحدثين السابقين الذين سجلوا بعض الملاحظات على أحاديث الصحيحين، ولم يكن يوماً ساعياً نحو كسر هيبة الصحيحين من قلوب الناس، ولا مبالغًا في دعاوى الرد والتضعيف.

قطر تلبس خوذة الإرهاب

كل الحروب والمعارك لها أسبابها ودوافعها وأهدافها المنطقية وغير المنطقية إلا هذه الحروب العبثية التي أشعلت فتيلها قطر، ومولتها قطر، وفجرتها قطر بالتنسيق مع المنظمات الإرهابية المتجلببة بجلباب الدين من دون أن نعرف السبب، ومن دون أن تنبري جامعتنا العربية لشجبها واستنكارها ولو ببضعة كلمات، حتى أنها لم تكلف نفسها مشقة رصد خسائرنا الكارثية.
قطر دويلة مارقة مراهقة عابثة مستهترة لا تعبأ بروابط الأخوة العربية. ولا تقيم وزناً للقيم والمبادئ الأخلاقية. أتصف أمراؤها بالغدر والعقوق. كان الشيخ (خليفة) أول المتمردين على البحرين حين أعلن انفصاله عنها، ثم تمرد الشيخ (حمد) على أبيه، فغدر بالشيخ (خليفة) وتآمر عليه، فخلعه من عرشه، وطرده من قصره، وأرسله إلى المنفى في ساعة متأخرة من الليل، ثم تعاقبت متوالية العقوق، فانقلب الحفيد المدلل (تميم) على أبيه المترهل (حمد) وأرسله إلى المنفى.
وبالتالي فأنها تمتلك ميزة شاذة في التآمر الذاتي، وبات من المؤكد أنها لن تتورع عن ارتكاب الحماقات المتكررة ضد البلدان العربية. صارت قطر هي التي تقرع طبول الخطر، وتقود الحرب ضد ليبيا، وتشترك مع قوات الأطلسي في قصفها وتدميرها، وهي التي تنفث سمومها في سوريا، وهي التي تستفز مصر وتعد العدة للانتقام منها، وتقف مع الصهاينة لتحرضهم ضد (حماس) في غزة، وتتآمر على اليمن والسودان، وتموّل الفصائل المتحاربة في الشام.
تارة تقف مع داعش ضد الجيش الحر، وتارة تقف مع جيش النصرة ضد داعش، وتارة تقف مع الجيوب المتخاصمة ضد كتائب حزب الله، وهي التي تدعم المنظمات الإرهابية في العراق، وتتجسس على الكويت وتسعى لتفتيت قوة السعودية، وتقامر من أجل تدمير اقتصاد الإمارات، حتى وصل الأمر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية معها.قطر تسخر أراضيها الآن لإيواء أكبر القواعد الأمريكية، وتدير أكبر مراكز التضليل الإعلامي، وترتبط بعلاقات حميمة مع الأوكار الشريرة المعادية للعرب. وتوطد علاقاتها المباشرة مع حكومة تل أبيب.
قطر هي التي أنزلت حمم المفخخات فوق رؤوس العراقيين، وكانت تقف وراء عمليات نسف المساجد والمدارس والقبور والساحات والكراجات في مسلسل طعناتها الغادرة التي لم تهدأ ولم تتراجع منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا، وشنت أول غاراتها الجوية على الأحياء السكنية في مدينة البصرة في جولتين متتاليتين. الجولة الأولى في التسعينات. والثانية عام 2003. وهي أول الدويلات التي تطاولت على العراق ومزقت رايته في لعبة خاسرة من ألعاب الكرة خاضتها بفريقها المؤلف من الهنود والأفارقة ضد أسود الرافدين.
قطر فعلت هذه الأفاعيل الخسيسة من دون أن يتحرش بها العراق، ومن دون أن تزعجها مصر. فالكبير كبير والنص نص. وهي الآن تتحكم بفريق الفقهاء الذين تخصصوا بإطلاق فتاوى متوافقة تماماً مع تطلعات البنتاغون ومنسجمة مع تطلعات حلف شمال الأطلسي. اقتصرت فتاواهم على تمزيق العواصم العربية بمعاول الجهاد المفتعل، لكنهم لم يطلقوا حتى الآن أي فتوى جهادية ضد عدو العرب الأول.
قطر مارست أبشع المضايقات الاستبدادية ضد قبائلها العربية، فلم تتردد من طرد قبيلة الغفران من أراضيها بعدما سحبت جنسيتها من شيوخها وأطفالها، وصادرت أموالهم المنقولة وغير المنقولة. فتحولت شيئاً فشيئاً إلى إمارة مارقة تديرها حكومة متبجحة متأرجحة. شديدة التطرف. سريعة الغضب. تبغض العرب. تتعاطف مع ألد أعدائهم، ولن تتورع عن تأجيج نيران الفوضى الطائفية حيثما تسنح لها فرص التدخل السافر في شؤوننا الداخلية.
وسيأتيها أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ

معسكرات القبائل العربية

سيأتي اليوم الذي نسمع فيه بمعارك قبلية تدور رحاها في ليبيا واليمن والصومال. يستعمل فيها المقاتلون الأسلحة الكيماوية المحظورة، وربما نسمع بمعارك تُحسم فيها الغلبة لمن يمتلك قنابل غاز الأعصاب، أو غاز الخردل، ويُحسم فيها النصر لمن يمتلك الراجمات السريعة والدبابات الليزرية والطائرات المسيرة آلياً.
تعد ظاهرة التسليح القبلي من الظواهر الفوضوية التي عصفت بالعالم العربي ومزقت نسيجه الاجتماعي، من دون أن تلتفت إليها المعاهد العسكرية الإستراتيجية، ومن دون أن ترصدها مجسات التخطيط القومي المرتبطة بجامعتنا العربية التي لا تجمع ولا تنفع. فالأسلحة التي تمتلكها قبائلنا في ليبيا واليمن وموريتانيا والصومال وغيرها من البلدان العربية والإسلامية تفوق ما تمتلكه عشرات البلدان الأفريقية، وقد تتفوق على تسليح بعض الأقطار الأوربية والآسيوية الفقيرة.
فقد وصل وفد من القبائل الليبية إلى (بيونغ يانغ) عاصمة كوريا الشمالية لتوقيع عقود شراء بعض الأسلحة الكورية الخفيفة والمتوسطة والثقيلة. بينها صواريخ متوسطة المدى ومحمولة على الكتف. وكشفت صحيفة (لو فيغارو) الفرنسية عن قيام فرنسا بإنزال قاذفات صواريخ وبنادق ومدافع رشاشة وصواريخ مضادة للدبابات بالمظلات على قبائل الجبل الغربي، في حين تكفلت أمريكا وقطر بتسليح القبائل الأخرى المتناثرة في جوف الصحراء.
أما في اليمن فما تزال ظاهرة الاتجار بالسلاح وحيازته هي الظاهرة الأكثر تعقيداً، والتي يصعب التغلب عليها بسبب العادات القبلية التي تمنح المواطن حق الحيازة في إطار الأعراف والتقاليد القبلية السائدة، فضلاً عن دوافع قبلية أخرى في مقدمتها الثارات والحروب الأهلية وغياب نفوذ الدولة، وارتباط بعض القبائل بمراكز القوى الخارجية.
تعترف صحيفة (الجمهورية) اليمنية في مقالة افتتاحية كتبها (وضاح الأحمدي) في 21 أيلول (سبتمبر) الماضي: (أن معدل التسلح في اليمن يساوي اليوم نصف معدل التسلح في الولايات المتحدة الأمريكية)، وتشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من ستين مليون قطعة سلاح في اليمن، ويعد انتشار السلاح واحدة من أقوى المشكلات الماثلة أمام الحكومة. وعلى ذات السياق أنتقد الدكتور ياسين سعيد نعمان في كتابه (عبور المضيق) التشريعات اليمنية الحالية، التي سمحت بتكديس السلاح على مدى عقود من الزمن.
ربما يطول بنا الحديث عن سباق التسلح بين قبائلنا، لكننا نختصر الطريق فنقول: أن ذيول هذه القضية وتداعياتها المخيفة المتفاقمة ستظل عائقاً أساسياً أمام نجاح أي بلد عربي في مغادرة الحلقة المفرغة للتخلف بصورتها المركبة، ولا يبدو أن هناك من يضع هذه المسألة الهامة في إطارها الصحيح حتى الآن. لم تعد هذه المسألة تقبل أي مناورات أو مساومات من ذلك النوع الذي ينتهي بتسوية خاصة بين هذه القوى، وتكون التسوية على حساب الدولة. فالسلاح واحتكاره من قبل الدولة قضية جوهرية، لا يمكن أن تُترك لتقديرات مغايرة لحقيقة أنه بوضعه المنفلت ظل يشكل مصدراً لكل المصائب والمصاعب التي واجهت البلدان العربية في كل خطواتها نحو التحول إلى أوطان آمنة، فقد كان السلاح المنفلت هو القاسم المشترك لكل التجارب الفاشلة، وكانت حيازته بتلك الصورة تعكس خللاً جوهرياً في مفهوم الدولة، حيث أخذت تتناسل من هذا المفهوم أنساق من السلوكيات العشائرية المعبرة عن الانفلات والفوضى والتطاول على القانون، والجرأة على إفساد كل محاولة لبناء الدولة العربية.

أعـداء الـشـعـب الـسـوري

من يراقب فضائيات البلدان العربية، ويقرأ بياناتها السياسية وتصريحاتها الإعلامية، ويشاهد تباكيها على الشعب السوري، الذي ظل يرزح لأكثر من ثلاث سنوات تحت رحمة القاصفات والراجمات والعبوات الناسفة، ويعيش أدق تفاصيل الاشتباكات الدامية والمجازر البشعة، ويتنفس بصعوبة تحت مقصلة الترويع والتجويع، ويشرب كؤوس الموت غصة بعد غصة في متوالية مأساوية مذهلة. لم تزل تصب نيرانها وحممها فوق رؤوسهم. من يشاهد فضائيات العرب ويسمع تصريحاتهم يظن كل الظن أن البلدان العربية لبست ثوب الحزن واتشحت برداء الحداد على الشعب السوري المنكوب، وأنها تقاسمت معه رغيف الخبز، ووفرت الملاذات الآمنة للمنكوبين والمفجوعين، وقدمت لهم المساعدات السخية.
الحقيقة المرة التي لا يعلمها معظم الناس. أن البلدان العربية المتباكية الآن على الشعب السوري، هي التي تغلق منافذها الحدودية بوجوههم، وهي التي تمنعهم من المرور والعبور فوق أراضيها وفي مياهها وأجوائها. فالأقطار الخليجية التي تستقبل على أرضها من هب ودب من أبناء كوكب الأرض، تشترك كلها في رفض مرور السوريين بذرائع أمنية وإجراءات احترازية لم تطبقها على أعدائها، فهي تكتب على طلباتهم عبارة حمراء بالخط العريض (يًرفض الطلب لأسباب أمنية).
حتى طواقم السفن الأجنبية المترددة على الموانئ الخليجية، التي يعمل السوريون على ظهرها، والتي تحكمها الاتفاقيات البحرية الدولية، غير مسموح لهم بمغادرة سفنهم إلا في حالات نادرة وفي حدود ضيقة ولدقائق معدودات.
قبل بضعة أيام وصلت السيدة السورية (س ي) إلى مطار دبي قادمة من اللاذقية عن طريق مطار بيروت، وكانت معها طفلتها (غ) لتلتحق بالسفينة الأجنبية الراسية على أرصفة ميناء الشارقة، والتي يعمل عليها زوجها الكابتن (خ ع ع). لكنهم لم يسمحوا لها بالانتقال من المطار إلى الميناء على الرغم من توسلها وبكائها، فمكثت في صالة المطار أكثر من يومين بانتظار وصول الطائرة العراقية التي ستنقلها إلى مطار البصرة لتلتقي بزوجها بعد إقلاعه بسفينته من الشارقة وتوجهه إلى موانئ شط العرب.
ربما يقول قائل منكم أن المعايير الطائفية هي التي تتحكم بقرارات المنافذ العربية، فنقول له: كلا وألف كلا. لا فرق عند إدارات تلك المنافذ بين السوري العلوي والشيعي والسني والمسيحي والدرزي والكردي والعربي. فالسوريون كلهم غير مصرح لهم بعبور بوابات الأنظمة العربية في المغرب والجزائر وليبيا وتونس ومصر والسودان واليمن والسعودية وسلطنة عمان والإمارات والبحرين وقطر والكويت، باستثناء العراق والأردن ولبنان، بينما تشترك إيران وتركيا وإسرائيل باستقبالهم من دون أي تحديدات طائفية أو عرقية، ومن دون أي أوراق رسمية.
نحن نتكلم هنا عن شعب مظلوم مفجوع منكوب ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وأغلقت بوجهه حدود الأشقاء العرب، ووضعوا تحت أقدامه أسلاكهم الشائكة، من دون أن ترفق به حكوماتهم التي ماانفكت تذرف الدموع على الشعب السوري، وماانفكت تقدم له مساعداتها السخية، التي ظلت ترسلها له بلا انقطاع على هيئة قنابل وألغام وعبوات ناسفة ومنفلقات حارقة وراجمات صاعقة وعربات مصفحة وخناجر قاطعة.

بين لهيب اللهيبي وطرطبة الطبري

للأغبياء فلسفتهم وتاريخهم ومراجعهم، وللخبثاء حرائقهم ونيرانهم ولهيبهم. لقد اصطف الأغبياء كلهم على خط واحد، وتوحدوا في كراهيتهم لجنوب العراق، ثم جاء طه اللهيبي ليتفاخر بغبائهم ويتبجح بخبثهم. لم يكن اللهيبي أول من أطلق علينا لهيب نيرانه الحارقة. قال عنا: أننا ننحدر من قبائل الهنود الذين جلبهم (محمد القاسم) بعد عودته من الهند قبل أكثر من 1300 سنة من أجل أن يعتنوا بالجاموس الهندي، فأسكننا البصرة، ثم انتشرنا في ذي قار وميسان. ليس فينا عربي واحد (والقول هنا للهيبي)، مستنداً على ما ذكره الطبري في (تاريخ الرسل والملوك).
وكأنما كان جنوب العراق قفراً خالياً تماماً من السكان، وكأنه مقتنع تماماً أن جذور هذه الجموع العربية المليونية الغفيرة تعود في الأصل إلى تلك الفئة القليلة من الهنود الذين جلبهم محمد القاسم وهو بعمر (18) سنة، فتكاثروا هنا بالانشطار، ثم تعلموا اللغة العربية، وانتسبوا إلى القبائل القحطانية والعدنانية. ويرى اللهيبي ومن كان على شاكلته من الأغبياء أن سكان الجنوب ينتسبون إلى القبائل الهندية والبنجابية والبلوشية.
فالطبري المولود عام 839 والمتوفى عام 923 للميلاد، يتحدث في مذكراته عن محمد القاسم المولود عام 691 والمتوفى عام 714 للميلاد (عاش 23 عاماً فقط). وبالتالي فأن الطبري مات بعد وفاة القاسم بنحو قرنين من الزمان. بمعنى أنه لم يكن موجوداً في البصرة عند عودته من الهند.
يتضح من رواية الطبري أنه لا يعلم شيئاً عن الحضارة السومرية التي تأسست جنوب العراق قبل ولادة محمد القاسم بأكثر من 4000 سنة، وبسطت نفوذها على الشام والعراق ونجد والحجاز. ولا يعلم بحضارة مملكة ميسان التي تأسست قبل ولادته بنحو 1000 سنة وبسطت نفوذها على العراق وبلاد فارس. ومن المؤكد أنه لا يعلم شيئا عن البابليين والأكديين والآشوريين، ولا يعلم أن العراق هو مهد الحضارات البشرية، وأنه البقعة المشرفة التي اختارها الله في هذا المكان المقدس لتكون منبعاً لكل السلالات البشرية.
ولا يعلم اللهيبي أن الجاموس (الثور) هو الشعار الرسمي لحضارات جنوب العراق، وأكاد أجزم أن اللهيبي لا يعلم أن للثور المجنح خمسة قوائم. وانه اختار الوقوف على خمسة حتى يستخف بأفكار اللهيبي، ويثبت للقاصي والداني عنصريته القائمة على الأكاذيب.لم يخطر ببالي في يوم من الأيام أن يصل الغباء ببعض المحسوبين على السياسة إلى هذا الحضيض. ولم أكن أتصور أن تصل بهم الجرأة إلى استعداء جنوب العراق، والتطاول على القبائل العربية الأصيلة بعبارات جارحة وكلمات نابية لا تخرج إلا من مهرج، ولا يتلفظ بها إلا معتوه لا يعرف كوعه من بوعه.
ثم كيف تصل الخسة بهؤلاء ليبحثوا في السجلات الملفقة التي كتبها مطرطب من المخابيل قبل أكثر من 1300 عاما، بينما تبحر شعوب الأرض كلها اليوم في قارب واحد، لا فرق بين أسودهم وأبيضهم إلا بمقدار الإنسانية التي يحملها في قلبه وعقله وضميره.
صار الأفارقة رؤساء ووزراء في أمريكا، وصاروا سادة القوم في أوربا وأستراليا، واختفت إلى الأبد الأفكار النازية والفاشية المتعصبة، بينما يخرج علينا هذا القرد بافتراءاته المسمومة وعباراته الملغومة ليضيف الرياح القوية للمهزلة.
ثم من قال لهذا الشمبانزي أنه أشرف من الهنود وأفضل منهم ؟. وكيف سولت له نفسه بالتطاول على أهل العمارة بقبائلهم الزبيدية والمحمداوية والفريجية والأسدية والمالكية والساعدية والطائية العريقة ؟. وما الذي يتبقى من نسيج العراق لو مزقه اللهيبي وجرده من أبناء الجنوب ؟.

كل «تأشيرة» وفيها خِيرة

لمحطات السفر أرصفتها المينائية، وصالاتها الجوية، وبواباتها البرية، وللمنافذ الحدودية إجراءاتها الاحترازية، وتأشيراتها الرسمية، وكل تأشيرة وفيها خيرة، فاللغة السائدة في المرافئ البعيدة هي لغة الجوازات المختومة بـتأشيرات الأماكن. ثمة أماكن ترحب بقدومنا، وتفتح ذراعيها لنا، وأماكن تصدنا وتكشر أنيابها لنا. وربما نصاب بصدمة كبيرة إذا علمنا أن التقييم الدولي لجوازات السفر وضع أبناء العراق في ذيل القائمة الدولية المؤلفة من (202) دولة.
تخصصت مؤسسة (هينلي) بإصدار جداول سنوية تستعرض ترتيب البلدان المصرح لمواطنيها بالسفر إلى الحد الأقصى من البلدان الأخرى المسموح لهم بزيارتها من دون تأشيرة دخول. فتصدر الجداول بالتعاون مع مكاتب الاتحاد الدولي للنقل الجوي، والاتحادات الأخرى المعنية بالسياحة والسفر.
جاء المواطنون الفنلنديون والسويديون والبريطانيون في المرتبة العالمية الأولى، باعتبارهم من المواطنين المسموح لهم بالسفر إلى (173) دولة من دون أن يضطروا إلى الحصول على تأشيرة دخول. ويأتي المواطنون الدنمركيون والألمان واللوكسمبوركيون والأمريكان بالمرتبة الثانية، ويسمح لهم بزيارة (172) من دون تأشيرة، بينما يأتي البلجيكيون والايطاليون والهولنديون بالمرتبة الثالثة، ثم تأتي كندا والبرتغال وفرنسا واليابان والنرويج والأسبان بالمرتبة الرابعة، وهكذا تستمر القائمة الطويلة باستعراض الترتيب الدولي في ضوء الحد الأقصى للبلدان المسموح بزيارتها من دون تأشيرة. المثير للدهشة أننا في العراق نأتي بالمرتبة (92)، وهو الحقل الذي يسبق الحقل الأخير بمرتبة واحدة، وتشغله أفغانستان. ويظهر من الجدول أننا الأقل فرصة بالمقارنة مع أشقائنا في البلدان العربية الأخرى، إذ يسمح لنا بزيارة (31) دولة فقط بدون تأشيرة. بينما تأتي الكويت في طليعة الترتيب العربي، أما ترتيبها العالمي فهو (52)، ويسمح لأبنائها بزيارة (77) دولة من دون تأشيرة. تأتي بعدها الإمارات في المرتبة العالمية (56)، ويسمح لأبنائها بزيارة (72) دولة، ثم قطر بالمرتبة العالمية (57), بزيارة (71) دولة، تأتي بعدها البحرين بالمرتبة (59) وبزيارة (69) دولة، تأتي بعدها السعودية بالمرتبة (64)، بزيارة (64) دولة أيضاً، تأتي بعدها عمان وتونس في المرتبة (65), بزيارة (63) دولة، تأتي بعدها المغرب بالمرتبة (75)، بزيارة (51) دولة، تأتي بعدها الجزائر ومصر في مرتبة واحدة، هي (79), بزيارة (47) دولة، تأتي بعدها الأردن بالمرتبة (82)، بزيارة (44) دولة، تأتي بعدها اليمن وجزر القمر في مرتبة واحدة، هي (83)، بزيارة (43) دولة، تأتي بعدها ليبيا وسوريا في مرتبة واحدة هي (87)، بزيارة (39) دولة، تأتي بعدها لبنان والسودان في خانة واحدة هي (88)، بزيارة (38) دولة فقط، ثم تأتي الصومال قبل العراق بمرتبة واحدة، ولا يوجد أدنى من العراق في الترتيب العالمي سوى أفغانستان.
من فيكم يصدق أن الأرض التي انحدرت منها أعظم السلالات البشرية، وكانت جسراُ للعالم القديم، ومهداً للحضارات الإنسانية، وملاذاً آمناً للقبائل الهاربة من الظلم والطغيان. يقف أبناؤها اليوم خارج حواجز محطات السفر، ويأتي ترتيبهم في أدنى درجات تأشيرات الدخول ؟، ولم يقتصر الأمر عند المنافذ الحدودية الدولية، فقد طاردتنا لعنة التأشيرات داخل مدننا، وبات من المتعذر علينا زيارة مدننا الشمالية والغربية، ثم تشابكت طرقنا الداخلية بعقبات التفتيش المعززة بالعناصر الأمنية والدوريات المسلحة، وصرنا نتلقى أسئلة استجوابية، واستفسارات تفوق ما توجهه المنافذ الحدودية الأوربية عندما تستوقف الوافدين إليها من كل حدب وصوب.

تـبـاً لأصـدقـاء الـدواعـش

حينما يكون العراق مُستهدفاً يصبح الحياد خيانة والصمت تواطئاً. من هذا المنطلق تقضي مهمة الكاتب الوطني المخلص بوجوب تجنيد فكره وقلمه للذود بالدفاع عن وطنه وأهله، وتقضي بوجوب رصد المخططات والبرامج التآمرية وكشفها وفضحها وتحليلها والوقوف بوجهها من دون محاباة ولا موالاة لأي جهة خارجية تسيء للعراق وشعبه، وهكذا كانت لنا مواقف شجاعة وجريئة ضد توجهات دول الجوار من دون استثناء. وكنا نحرص أشد الحرص على التمسك بوحدة الموضوع حتى لا نشتت أذهان القراء، وحتى لا نخلط الأوراق المتطايرة في الفضاءات السياسية المتداخلة.
لقد كنت في مقدمة الذين وقفوا ضد تركيا وإيران عندما قطعت شرايين الأنهار والروافد التي تسقي حقول وادي الرافدين، وفي طليعة الذين شجبوا الزحوفات البحرية الكويتية والإيرانية، ووقفت تحت قبة البرلمان عام 2010 للتنديد بها وتوضيح نتائجها المؤثرة علينا، وكتبت أشهر مؤلفاتي التي تناولت فيها تلك التجاوزات الحدودية من كافة أبعادها الملاحية والجغرافية والتاريخية والسياسية والتشريعية، وخير مثال على ذلك كتابي الوثائقي الجريء (عراق بلا سواحل) الذي نشرته عام 2013 وصار من أقوى المراجع الجيوبولتيكية في المكتبة العربية.
ربما يظن القارئ الكريم أنني أعيش في الخارج وامتلك الحرية المطلقة للتعبير عن مواقفي الوطنية من دون أن أخشى أحد، فأنا لم أغادر العراق منذ عام 2003، ومازلت أسكن في قلب مدينة البصرة. يعزى سر هذه الشجاعة إلى تمسكي بكلمة الحق، ووقوفي على أرض صلبة. لأنها أرض الأنبياء والأوصياء والأئمة والقادة العظام، فالعراق أقوم البلدان قبلة وأعذبها دجلة وأقدمها تفصيلاً وجملة.
لكنني فوجئت بفئات مريبة من المتحالفين سراً مع الدواعش والمناصرين لهم. فوجئت بامتعاضهم من كتاباتي التي تكشف خسة الدواعش ونذالتهم، فما أن نستنكر جرائمهم ونشجب مجازرهم ضد أشقائنا المسيحيين والأيزيديين حتى يعترضوا علينا، ويطالبوننا بشجب مواقف إيران على الرغم من أنها لم تكن طرفاً في المجازر المسيحية، وما أن نقف مع ضحايا أهلنا من عشيرة البونمر حتى يعترضوا علينا بذرائع لا تمت للموضوع بصلة، وما أن نرصد التواطؤ التركي مع الدواعش حتى يطالبوننا بالتعريض بالمواقف الإيرانية المناوئة لتركيا والتشهير بها، وكأنما صارت إيران هي الشماعة الوحيدة التي ينبغي أن نعلق عليها كل كوارثنا ومصائبنا ونكباتنا، أو كأنما صارت تركيا هي الحمل الوديع الذي يسرح ويمرح في حدائقنا الشمالية.
لقد فقد هؤلاء ضمائرهم، ونزعوا الرحمة من قلوبهم، وأعمتهم الطائفية البغيضة، فتجاهلوا مسلسل الجرائم البشعة التي ارتكبتها داعش في سوريا والعراق، والتي خالفت فيها كل الشرائع والقيم السماوية، وانتهكت فيها الأعراف الإنسانية، ولا فرق هنا بين المتظاهرين بالمواقف الوطنية، وبين التكفيريين المروجين لثقافة الموت والدمار.
ربما لا يستطيع هؤلاء البوح بولائهم لداعش، لكنهم فضحوا أنفسهم عندما ظهروا على حقيقتهم بتغافلهم السافر عن المصيبة الكبرى، التي وقعت فوق رؤوس المسيحيين والأيزيديين. حتى الفضائيات التي لم تعلن وقوفها صراحة مع الدواعش تعمدت تضليل الناس والتشويش عليهم، حتى لا يروا ما فعلته داعش في القرى المسيحية، وحتى لا ينتبهوا إلى ما يفعله بنا الغجر المرتبطون بقطر. ألا لعنة الله عليهم وعلى كل العملاء والمنافقين والمتآمرين والمتلونين، وتباً لأعداء الشعب العراقي كافة من صغيرهم إلى كبيرهم.