التفوق الملاحي العربياعتراف عالمي بريادة العرب والمسلمين البحرية

رجال اختاروا اقتحام البحر، والولوج في لجته، وجازفوا في الغوص في أعماقه السحيقة، وترويض أمواجه الغاضبة. لكن أسرار مغامراتهم البحرية دفنت في رمال السواحل البعيدة، وطواها النسيان. وتجاهلها المؤرخون.

تعلم منهم العالم فنون الملاحة، وأساليب الإبحار، وعلوم الفلك، وتعلم منهم المبادئ الهندسية لبناء السفن. بيد إن مناهجهم التعليمية تعرضت للسرقة، وسجلت باسم الغزاة والقراصنة.

كان البحر بستان الملاحين العرب، وملعبهم، ومؤنسهم، ومدرستهم، وملاذهم. وكان مقبرتهم الأبدية. طبعوا بصماتهم في ذاكرة الطين والماء، ونقشوها على المسطحات البحرية المترامية الأطراف. وهي الآن تنتظر من يكشف الغطاء عنها، ويفك رموزها. وما هذه الصفحات إلا محاولة متواضعة لقراءة السجل التاريخي لفنون الملاحة العربية.

أول من رسم خطوط الطول والعرض

حقق العرب مكانة عالمية متميزة في المهارات الملاحية المكتسبة بالفطرة. إضافة إلى ما يكتنزونه من مواهب طبيعية، وما يحتفظون به من معارف موروثة. وتفوقوا في فنون وهندسة بناء السفن الشراعية. وكانوا أول من تعلم ركوب البحر. وخاضوا غمار البحار البعيدة بقواربهم البدائية المصنوعة من البردي المطلي بالقار. وأحرزوا قصب السبق في الاستدلال بالنجوم والكواكب لرسم مساراتهم على المسطحات المائية. ومازالت القبة السماوية تسطع بأسمائها العربية الخالدة. وكانت لهم الريادة في تهذيب، وتطوير الإسطرلاب. وابتكروا آلة الكمال ( آلة السدس Sextant). واخترعوا البوصلة المغناطيسية، وهم أول من جزءّها إلى أثنين وثلاثين جزءاً. وأول من استخدم الساعة المائية في الملاحة. ويعود لهم الفضل في رسم الخرائط الملاحية، وتثبيت الملامح الساحلية، وتوزيع خطوط العرض والطول. والعرب أول من عرف الملاحة. فقد وردت في الأكدية مفردة (ملاحو). وربما كانت تلفظ (ملاّحو). وهي في السومرية – ملاح- وتكتب (ما- لاح). وتعني بحّار.

وأطلق السومريون على دفة السفينة اصطلاح (سكّان) وهو دفة السفينة rudder وتلفظ في الأكدية (سكانّو) وفي السومرية (زي – كَان).

وهناك دلائل تاريخية موثوقة تشير إلى إن العرب كانوا أول من اخترع المرساة البحرية (مخطاف السفينة)، وأطلقوا عليها اصطلاح ( أنجر). وتلفظ الجيم فيه على أصلها السامي. والجيم السامية مشابهة للجيم المصرية. وقد رصد الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري هذه اللفظة. وصرح بعراقيتها. قال: (والأنجر مرساة السفينة، وهو اسم عراقي). وزعم أن اللفظ عراقي بدليل عدم سماعه له في غير العراق، ومعروف سكن الخليل في البصرة، ومنها اطلع على كثير من الألفاظ العراقية التي رصدها في معجمه (العين). ومن الطريف أنه ذكر مثلا عاميا عن الأنجر، ما زال يقال حتى يومنا هذا، إذ يقال للثقيل (أثقل من أنجر).

وقد تبين لنا من خلال البحث في هذا الموضوع. أن هذه التسمية لها جذورها العميقة في وادي الرافدين. فقد وردت مفردة (Ankara) في اللغة المندائية بمعنى المرساة. ويبدو أن هذا اللفظ تسرب إلى اللغة الإنجليزية. فهم يطلقون على المرساة (Anchor). . وتعلم منهم العالم كله هذه التسمية.

أسياد الملاحة بلا منازع

كان المصريون أسياد الملاحة في حوض البحر الأبيض المتوسط بلا منازع. وكانت سفنهم من أكثر السفن إثارة للإعجاب. وتظهر مستوى عال من المهارة ودقة الصنعة. واستطاعوا أن يبسطوا نفوذهم الملاحي على طول البحر الأحمر، والأبيض المتوسط. وكانت الإسكندرية صلة الوصل بين الشرق والغرب. ومن يقرأ كتاب (طريق بحر إريتريا)، الذي كتبه تاجر من الإسكندرية. سيجد إن هذا الكتاب يشتمل على أدق الحسابات، والقياسات، والنصائح الإرشادية الملاحية.

ولقرون عديدة كانت سفن العمانيين تمخر عباب البحار حاملة معها البضائع إلى الموانئ السومرية في أبولوجوس، وأريدو. وتطور أسطولها التجاري في عهد (الإمام غسان بن عبد الله الفجعي). ثم جاء من بعده (الإمام المهنا بن جيفر)، الذي عمل على تقوية الإسطول. وأولى عناية كبيرة للفنون والعلوم البحرية. وسجل الأسطول العماني، في فترات متلاحقة، انتصارات باهرة على سفن الغزاة والقراصنة في أكثر من معركة. وأصبحت عمان تشكل قوة ملاحية. يحسب لها ألف حساب في بحر العرب، والمحيط الهندي.

اليابانيون والصينيون يعترفون

برع العرب والمسلمون في رسم الخرائط الجغرافية، وتوضيح المسالك البحرية. أشهرها خارطة العالم، التي رسمها الأدريسي. وصنع بجوارها كرة أرضية من الفضة. وهو أول من رسم خارطة كاملة للأرض. وتناول المقدسي، في كتابه (أحسن التقاسيم في دراسة الأقاليم)، دقة الخرائط الملاحية، التي استخدمها العرب في الملاحة بسفنهم الشراعية في المحيط الهندي. وأشار إلى المهارة الفائقة للملاحين العرب في تصحيح وتحديث المسارات البحرية. وكيف كانت الجزر والشواطئ مرسومة في غاية الدقة. ويعترف اليابانيون والصينيون بأنهم تعلموا الملاحة من العرب. وجاء هذا الإعتراف بشهادة أرباب الملاحة في جنوب شرق آسيا. فقد ورد في كتاب مؤسسة ( هوسو كيوكاي ) ما يؤكد إن اليابانيين تعلموا الملاحة من العرب، وتعلموا منهم هندسة بناء السفن التقليدية القديمة إبان أيام تجارتهم مع سلالة (مينغ) الصينية للفترة من 1368 إلى 1644م، وخلال عهد ( مورو ماشي ) للفترة من 1336 إلى 1573م.

الفضل لمن اخترع الشراع المثلث

نجح العرب في مواجهة أهوال البحر، والتغلب عليها حينما اعتمدوا على خشب الساج في صناعة مراكبهم. وذلك لمرونته وقوة تشكله حسب الطلب، ومقاومته للتلف.

وانفردت السفن العربية بخصائص تدل على خبرة صانعيها، ودرايتهم بالأمور الملاحية، ومعرفتهم بالمسالك البحرية. فبرعوا في صناعة السفن القديمة ذات المؤخرة المرتفعة. مثل : (البغلة، والكوتية، والغنجة).

ونجحوا في صناعة السفن ذات التصميم الإنسيابي مثل: (البوم، والسنبوك، والشوعي). وهذه الأنواع من السفن تستطيع أن توجه الوجهة الصحيحة المطلوبة خلال المناورات البحرية، وفي الظروف الصعبة، وعند اشتداد الرياح، وتلاطم الأمواج، وهيجان البحر. وبخاصة في المتاهات البحرية المعروفة بكثرة الشعاب المرجانية، والخلجان، والترسبات الطينية والصخرية. فاختلاف التضاريس في البحار والمحيطات أكسب العرب خبرة عالية. وجعلهم أكثر مهارة. فارتقوا بمهنتهم الأصيلة إلى المستوى، الذي يؤهلهم لخوض غمار البحار البعيدة. وتجاوزوا بخبرتهم هذه مياه الخليج، وحوض البحر الأبيض المتوسط حتى وصلوا إلى أقصى الأرض بأدواتهم الملاحية البسيطة. وكانت سفنهم تجوب معظم بحار العالم. . ويقول المؤرخ الهندي (بانيكار) : ربما شاقنا أن نلحظ إن تزويد السفن بالأشرعة المثلثة، كان من المستحدثات، التي نقلها البرتغاليون عن العرب. ولولا الشراع المثلث، الذي أدخله العرب على الملاحة لما تطورت السفن الأوربية، ولما نجحت رحلات المحيط الأطلسي، التي قام بها المستكشفون الأوائل. خشخاش وابن فاروق سبقوا كولومبسعندما وصل أسطول فاسكو دي غاما إلى المحيط الهندي كانت الملاحة العربية في قمة مجدها. وبلغت درجة عالية من الكفاءة والدقة.

سلاطين الشوارع المغلقة

يبدو أننا اكتسبنا خبرات انتخابية واسعة, وصارت عندنا مهارات ديمقراطية متراكمة, جنيناها من خلال ممارساتنا الدستورية المتكررة, حتى أصبحنا على قناعة تامة بعدم جدوى انتخاب أي مرشح من أبناء قريتنا, أو من أبناء مدينتنا, أو إذا كان مقيما في أحيائنا السكنية, ولا أظن أننا سننتخب أي مرشح لمجالس المحافظات أو للبرلمان المقبل إذا كان من أبناء جيراننا, فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين, فما بالك إذا كان هذا المؤمن قد تلقى اللدغات تلو اللدغات من كل الجحور والثغور والفتحات, وأُغلقت بوجهه الشوارع والأزقة الفرعية المؤدية إلى السوق والمخبز والعيادة الطبية.

صار من المتعذر علينا العودة إلى بيوتنا, أو الوصول إلى مواقع أعمالنا عبر الطرق السالكة, بسبب كثرة الحواجز الكونكريتية, وبسبب تقاطعات الأسلاك الشائكة, والعوارض الأنبوبية, والمعرقلات البلاستيكية, والكتل والمطبات الحجرية, وبسبب كثرة مراكز الرصد والمراقبة, ونقاط التفتيش التي أقامها جارنا بعد نجاحه بالانتخابات, وفوزه بصولجانات المناصب العليا.

لقد أصبح جارنا العزيز بين ليلة وضحاها من علية القوم ووجهائهم, وربما سيرتقي في يوم من الأيام إلى درجة أمير أو سلطان أو حتى مهراجا, وبات من حقه غلق الشوارع والفروع والأرصفة, وتطويق منزله بمجموعة من العناصر المدججة بالأسلحة النارية الفتاكة المحشوة بالذخيرة الحية, ووزع الكشافات الضوئية المخصصة لملاعب كرة القدم على أركان داره, وصرنا لا نستطيع الخروج من بيوتنا, ولا التجول في الطرق التي كنا نسلكها قبيل فوز معاليه في الانتخابات, فتعثرت خطواتنا, وتغيرت خارطة مدينتنا, وتقطعت أوصالها إربا إربا, وانقلبت معالمها الجغرافية رأسا على عقب, وتحولت ضواحينا, التي كانت تنعم بالهدوء والاستقرار, إلى ثكنات حربية, ومعسكرات قتالية تحتشد فيها الهمرات, وتصول فيها المصفحات والمدرعات, وتصطف على أرصفتها العجلات الحديثة ذات الدفع الرباعي, التي تنطلق صباح كل يوم بسرعات صاروخية, وبحركات جنونية لتمهد الطريق لحضرة جناب جارنا السلطان, وهو يغادر منزله الحصين في موكب استفزازي مهيب, تحف به السيارات الفارهة بصفاراتها وزعيقها وصخبها.

فجارنا السلطان قبل أن يصبح سلطانا كان مواطنا بسيطا معروفا بتواضعه وبتفانيه, وكان متميزا بنبله ودماثة أخلاقه, لكنه حالما جلس على عرش السلطنة حتى بان على حقيقته, فتخلى عن معاني التفاني التي كان يتظاهر بها, ولم يعد يحمل أي صفة من صفات التواضع, ليس لأنه ترقى في منصبه, ولا لأنه أصبح سلطانا, بل لأن الشيطان غرس في قلبه فيروسات جنون العظمة, وانتزع من روحه خصلة التواضع, فعزل نفسه عنا, وتنكر لنا, وتقوقع في دوائر التكبر والتجبر. وصار سلطانا صغيرا في طريقه إلى الفناء والتعفن في مزابل التاريخ, وهو الآن يتمتع في قريتنا بصلاحيات مؤجلة, ويحمل مشاعر حيوانية لا تصلح إلا في الغابات والمستنقعات حيث الأقوياء ينتهكون حقوق الضعفاء, بينما راح الناس يتندرون ويتهكمون على أمثال هذه الدفعات الجديدة من السلاطين والأباطرة, الذين اقفلوا الشوارع, وأغلقوا الطرق, وخنقوا الأزقة, واستحوذوا على محرمات الأرصفة.

انتشرت هذه الظاهرة في عموم المحافظات, وصارت موضة من الموضات السلطانية البرمكية المزعجة. تفننت بها شرائح ومجاميع سلطوية كبيرة, بل أنها صارت من المظاهر الشائعة المنتشرة حول بيوت المسؤولين ومكاتبهم, واللافت للنظر أنها ظلت تمارس من المسؤولين السابقين, والمحالين منهم إلى التقاعد, وصار بعض رجال الدين يمارسونها أيضا, ولكن على نطاق ضيق.

فمتى تُزال هذه التجاوزات المنغصة من مدننا وقرانا وأحيائنا السكنية ؟. انه مجرد سؤال نطرحه على مجالس المحافظات كافة. . . .

المرأة الحديدية من العراق

هي وإن كانت تحمل هوية البلد الذي تكاثرت في ربوعه اليوم مدن التنك, وبيوت الصفيح, ومساكن العلب المعدنية الفارغة, فهي التي شيدت أعلى الأبراج, وبنت أروع الصروح الهندسية العملاقة, وغرست ركائز الحديد والفولاذ في تربة أرقى عواصم الدنيا, فحصدت أرفع الأوسمة, ونالت أعلى الميداليات الذهبية.

وهي وإن كانت تنتسب إلى الأرض التي صارت اليوم مرتعا لتجار السكراب والبراغي, وسوقا لباعة الخردة والقطع العتيقة, وملعبا للصوص الأسلاك الكهربائية, والقابلوات المسروقة, فهي التي كانت العلامة الفارقة في تسجيل القفزات النوعية التي حققتها لمساتها الفنية المنسابة في الفضاءات المفتوحة بخطوطها المنحنية المتشابكة المتفجرة فوق قمم التحدي.

وهي وإن كانت تنتسب إلى البلد الذي يشهد اليوم صراعا محموما على كراسي السلطة, فهي التي انحنى لها المهندس المعماري الياباني الشهير (كينزو تانغا), وسمح لها بالجلوس على كرسيه في جامعة هارفارد, وهي التي تنحى لها عن عرشه (البروفسور سوليفان) فحلت محله, وتربعت على كرسي الهندسة المعمارية في جامعة شيكاغو بكل جدارة واستحقاق.

وهي وإن كانت تنتمي إلى المدن التي صارت تُقرُّ فيها المشاريع اليوم, ويخطط لها بأساليب مزاجية قابلة للمساومة لمراعاة مصالح الفئات المتنفذة, حتى تشوهت شوارعها بمعاول المقاولين, في ظل غياب الإشراف الحرفي المتمرس, وفي ظل الجهل المطبق بألف باء التخطيط العمراني, فإن هذه المرأة العراقية هي التي انفردت بتحدي المفاهيم المعمارية الرازحة تحت وطأة غبار التقليد الأعمى, وهي التي راحت تتمرد على قوانين الهندسة التقليدية, ومناهجها الموروثة, حتى أزاحتها عن مركز الصدارة المعمارية, وحلقت بالتصاميم الهندسية في سماء التفوق بأجنحة العلوم المستقبلية المتجددة, فارتقت بالعمارة الحديثة نحو الآفاق الإبداعية الرحبة, وتميزت بنزعتها الفطرية الجريئة, ورغباتها التواقة لفك ارتباط العمارة من خاصية الاستقرار والتموضع, فجاءت تكويناتها متمردة على قوانين الجاذبية, متخمة بالالتواءات والانحناءات, مشبعة بالتنافر والتشظي, تميل إلى الانكماش والتمدد في الفراغات ضمن حدود إمكانيات الحيز المتاح, وبالقدر الذي يضفي على المشهد شحنات هائلة من الأناقة والإثارة والجمال.

وهي وإن كانت تنتمي إلى أسرة (حديد) الموصلية العراقية العربية, لكنها هي التي بنت مجدا معماريا مضافا لأمجاد المناذرة والغساسنة, ولانت لإرادتها صفائح الفولاذ في شرق الأرض وغربها, وانحنت لقامتها قضبان الحديد في المشاريع المعمارية الجبارة, ورضخت لأفكارها المتجددة الأحجار الصلدة في كافة أرجاء المعمورة.

وهي وإن كان أبوها من ابرز الشخصيات الوطنية العراقية التقدمية, وهو الذي استحوذ على احترام العراقيين على اختلاف اتجاهاتهم وانتماءاتهم, فهي التي وقف لها العالم كله إجلالا واحتراما وتقديرا, ووضعتها مجلة (تايم) في المرتبة الأولى بين المفكرين الأكثر تأثيرا هذا العام (2010), واختارتها منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) ضمن قائمة فناني السلام الذين استخدموا نفوذهم وسمعتهم العالمية في تعزيز المثل العليا, ومنحتها المنظمة جائزة (برتزكر), وهي بمثابة جائزة نوبل للهندسة, وصارت سيدة العمارة العالمية, واختارتها مجلة (فوربس) في صدارة قائمة أقوى نساء العالم, ومن بينهن الملكة إليزابيث الثانية.

هذه المرأة هي (زُها محمد حسين حديد), المرأة التي عكس اسمها في لسان العرب معاني الفخر والافتخار, ومعاني الشموخ والثقة العالية, فقد كان أبوها (محمد حديد 1906 – 1999) رمزا من رموز السياسة العراقية منتصف القرن الماضي, عرفه الناس وقتذاك بثقافته العصرية الواسعة, ونزاهته المطلقة, وتفكيره الرصين العميق, فتحمل عبء وزارة التموين عام 1946, ثم صار وزيرا للمالية للفترة من 1958 ولغاية 1962. وكان مثالا للوزير الذي يستمد قوته من وطنيته وكفاءته وثقافته واستقامته.

ولدت زُها في رحم بغداد عام 1950, وأنهت دراستها الإعدادية فيها, وهي من أسرة موصلية أصيلة, لكنها مازالت تعشق صفاء ونقاء بيئة أهوار الجنوب, وتحن إلى بيتها الذي نشأت وترعرعت بين جدرانه في ضواحي بغداد العريقة.

حصلت زُها على شهادة البكالوريوس في الرياضيات من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1971, ونالت شهادة الجمعية المعمارية في لندن عام 1977, ثم حصدت المزيد من الشهادات والدرجات العلمية الرفيعة, فاستحقت وسام التقدير من ملكة بريطانيا, وتوسعت مشاريعها في عموم أقطار الأرض, وأضافت بتصاميمها الرائعة عمقا حضاريا وإنسانيا فريدا. وبنت لها مجدا قائما على أصلب القواعد الهندسية, وتسلقت سلم الإبداع والتحدي في العمارة الحديثة.

وعلى الرغم من هذا السفر الهندسي المطرز بالروائع والانجازات الباهرة, تبقى زُها من وجهة نظر البعض (مغنية الحي التي لا تطرب). . .

المرأة الحديدية من العراق

هي وإن كانت تحمل هوية البلد الذي تكاثرت في ربوعه اليوم مدن التنك, وبيوت الصفيح, ومساكن العلب المعدنية الفارغة, فهي التي شيدت أعلى الأبراج, وبنت أروع الصروح الهندسية العملاقة, وغرست ركائز الحديد والفولاذ في تربة أرقى عواصم الدنيا, فحصدت أرفع الأوسمة, ونالت أعلى الميداليات الذهبية.

وهي وإن كانت تنتسب إلى الأرض التي صارت اليوم مرتعا لتجار السكراب والبراغي, وسوقا لباعة الخردة والقطع العتيقة, وملعبا للصوص الأسلاك الكهربائية, والقابلوات المسروقة, فهي التي كانت العلامة الفارقة في تسجيل القفزات النوعية التي حققتها لمساتها الفنية المنسابة في الفضاءات المفتوحة بخطوطها المنحنية المتشابكة المتفجرة فوق قمم التحدي.

وهي وإن كانت تنتسب إلى البلد الذي يشهد اليوم صراعا محموما على كراسي السلطة, فهي التي انحنى لها المهندس المعماري الياباني الشهير (كينزو تانغا), وسمح لها بالجلوس على كرسيه في جامعة هارفارد, وهي التي تنحى لها عن عرشه (البروفسور سوليفان) فحلت محله, وتربعت على كرسي الهندسة المعمارية في جامعة شيكاغو بكل جدارة واستحقاق.

وهي وإن كانت تنتمي إلى المدن التي صارت تُقرُّ فيها المشاريع اليوم, ويخطط لها بأساليب مزاجية قابلة للمساومة لمراعاة مصالح الفئات المتنفذة, حتى تشوهت شوارعها بمعاول المقاولين, في ظل غياب الإشراف الحرفي المتمرس, وفي ظل الجهل المطبق بألف باء التخطيط العمراني, فإن هذه المرأة العراقية هي التي انفردت بتحدي المفاهيم المعمارية الرازحة تحت وطأة غبار التقليد الأعمى, وهي التي راحت تتمرد على قوانين الهندسة التقليدية, ومناهجها الموروثة, حتى أزاحتها عن مركز الصدارة المعمارية, وحلقت بالتصاميم الهندسية في سماء التفوق بأجنحة العلوم المستقبلية المتجددة, فارتقت بالعمارة الحديثة نحو الآفاق الإبداعية الرحبة, وتميزت بنزعتها الفطرية الجريئة, ورغباتها التواقة لفك ارتباط العمارة من خاصية الاستقرار والتموضع, فجاءت تكويناتها متمردة على قوانين الجاذبية, متخمة بالالتواءات والانحناءات, مشبعة بالتنافر والتشظي, تميل إلى الانكماش والتمدد في الفراغات ضمن حدود إمكانيات الحيز المتاح, وبالقدر الذي يضفي على المشهد شحنات هائلة من الأناقة والإثارة والجمال.

وهي وإن كانت تنتمي إلى أسرة (حديد) الموصلية العراقية العربية, لكنها هي التي بنت مجدا معماريا مضافا لأمجاد المناذرة والغساسنة, ولانت لإرادتها صفائح الفولاذ في شرق الأرض وغربها, وانحنت لقامتها قضبان الحديد في المشاريع المعمارية الجبارة, ورضخت لأفكارها المتجددة الأحجار الصلدة في كافة أرجاء المعمورة.

وهي وإن كان أبوها من ابرز الشخصيات الوطنية العراقية التقدمية, وهو الذي استحوذ على احترام العراقيين على اختلاف اتجاهاتهم وانتماءاتهم, فهي التي وقف لها العالم كله إجلالا واحتراما وتقديرا, ووضعتها مجلة (تايم) في المرتبة الأولى بين المفكرين الأكثر تأثيرا هذا العام (2010), واختارتها منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) ضمن قائمة فناني السلام الذين استخدموا نفوذهم وسمعتهم العالمية في تعزيز المثل العليا, ومنحتها المنظمة جائزة (برتزكر), وهي بمثابة جائزة نوبل للهندسة, وصارت سيدة العمارة العالمية, واختارتها مجلة (فوربس) في صدارة قائمة أقوى نساء العالم, ومن بينهن الملكة إليزابيث الثانية.

هذه المرأة هي (زُها محمد حسين حديد), المرأة التي عكس اسمها في لسان العرب معاني الفخر والافتخار, ومعاني الشموخ والثقة العالية, فقد كان أبوها (محمد حديد 1906 – 1999) رمزا من رموز السياسة العراقية منتصف القرن الماضي, عرفه الناس وقتذاك بثقافته العصرية الواسعة, ونزاهته المطلقة, وتفكيره الرصين العميق, فتحمل عبء وزارة التموين عام 1946, ثم صار وزيرا للمالية للفترة من 1958 ولغاية 1962. وكان مثالا للوزير الذي يستمد قوته من وطنيته وكفاءته وثقافته واستقامته.

ولدت زُها في رحم بغداد عام 1950, وأنهت دراستها الإعدادية فيها, وهي من أسرة موصلية أصيلة, لكنها مازالت تعشق صفاء ونقاء بيئة أهوار الجنوب, وتحن إلى بيتها الذي نشأت وترعرعت بين جدرانه في ضواحي بغداد العريقة.

حصلت زُها على شهادة البكالوريوس في الرياضيات من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1971, ونالت شهادة الجمعية المعمارية في لندن عام 1977, ثم حصدت المزيد من الشهادات والدرجات العلمية الرفيعة, فاستحقت وسام التقدير من ملكة بريطانيا, وتوسعت مشاريعها في عموم أقطار الأرض, وأضافت بتصاميمها الرائعة عمقا حضاريا وإنسانيا فريدا. وبنت لها مجدا قائما على أصلب القواعد الهندسية, وتسلقت سلم الإبداع والتحدي في العمارة الحديثة.

وعلى الرغم من هذا السفر الهندسي المطرز بالروائع والانجازات الباهرة, تبقى زُها من وجهة نظر البعض (مغنية الحي التي لا تطرب). . .

حافظوا على حدودنا البحرية …حفظكم الله

كنا سادة البحار والمحيطات, وكان لنا الخليج العربي كله, بسواحله ومياهه ومرافئه ومراكبه وأسماكه ونوارسه حتى عام 1920, عرفه الناس باسمنا منذ زمن بعيد, تارة يسمونه (خليج البصرة), وتارة أخرى (خليج الفرات), لكننا أضعناه وخسرناه, وخسرنا من بعده شط العرب, ثم خسرنا خور عبد الله, وانكمشت مياهنا الإقليمية, وتقزمت شيئا فشيئا بسبب إهمال حكوماتنا المتعاقبة, وتنازلاتها السخية المتوالية, وبسبب تفريطها بحقوقنا البحرية والنهرية, حتى جاء اليوم الذي خسر فيه شط العرب اسمه العريق, وهو النهر العراقي المولد والمنبع, والشريان العربي الجذور والملامح, وصار اسمه البديل في الخرائط الأدميرالية (أرفند رود) منذ عام 1980, وتمددت الحدود البحرية الكويتية واستطالت, حتى اقتربت من سواحل الفاو, وزحفت الحدود البحرية الإيرانية حتى تجاوزت (رأس البيشة) واستدارت باتجاه خور عبد الله, لتقترب من الحدود البحرية الكويتية الزاحفة باتجاهنا, واختزلت المسافة بينها وبين المراصد الإيرانية المثبتة في مدخل شط العرب من جهة البحر, وانجذبت الحدود الإيرانية نحو الحدود الكويتية المتمددة فوق المسطحات المائية العراقية, حتى أصبحت المسافة المائية بين إيران والكويت اقل من (18) ميل بحري, وشيدت إيران ثلاثة موانئ جديدة لها في شط العرب, فصارت تمتلك ستة موانئ, هي: خرمشهر, وعبادان, وخسروآباد, وبول بعست, وأرفند كنار, وبندر صيادي, من دون أن نتقدم نحن بخطوة واحدة نحو تحسين سواحلنا وصيانة ضفافنا, ثم شيدت أكبر المراصد والقلاع والأبراج على امتداد ضفاف الشط, وأثثت ممراته الملاحية بالعوامات والإشارات والعلامات الإرشادية, في حين راحت الكويت تبني اكبر موانئها المحورية (ميناء مبارك) عند مقتربات ميناء أم قصر, حتى صار خور عبد الله كله كويتيا بقرار جائر تبنته القوى الاستعلائية المهيمنة على حوض الخليج بأساطيلها الحربية الجبارة, وخسر الخور هويته العراقية, وسيأتي اليوم الذي تطالبنا فيه الكويت برفع علمها على سواري السفن المتوجهة إلى ميناء أم قصر, وربما تطالبنا برفعه على سواري سفننا الخدمية المتحركة بين موانئنا النفطية وموانئنا التجارية, هذا إن ظلت موانئنا النفطية محتفظة بهويتها, وبعيدة عن المطالبات الإيرانية بضمها إلى إيران, وتنامت قوة الدوريات البحرية الكويتية وتفاخرت بعضلاتها السيليكونية, واستقوت علينا بفرقاطات التحالف, وراحت تقوم بصولاتها وجولاتها الاستفزازية ضد زوارق الصيد العراقية, وأحيانا يحلو لها مطاردتها, وإطلاق النيران الحية عليها لمنعها من العودة ثانية إلى خور عبد الله.

لقد كتبت مئات المقالات, وأعددت عشرات الدراسات, وشاركت في معظم المؤتمرات البحرية, وتكلمت كثيرا عبر الفضائيات العربية والعراقية, وتحدثت بإسهاب عن تقلص حدودنا البحرية وانكماشها وتقوقعها, وتكلمت بصوت عال عن تخلفنا البحري, وعن خسائرنا الفادحة المتكررة, وكانت النتيجة تعرضي للتهميش والتنكيل والإقصاء من قبل بعض الذين وضعتهم الأقدار في أعلى السلم الإداري, بيد أن الأقدار نفسها كانت ارحم بكثير من رياح القرارات الارتجالية المزعجة, التي حذفتهم علينا في غفلة من الزمن المعتم, فغادروا مواقعهم من دون أن يحققوا أي مكسب وطني, ومن دون أن يدركوا حجم الكارثة البحرية, ومن دون أن يشعروا بأبعادها السياسية والجغرافية والسوقية والاقتصادية, فخرجوا من الخدمة غير مأسوف عليهم, أما أنا فقد أفنيت عمري كله في إرشاد السفن عبر ما تبقى لنا من ممرات ملاحية ضيقة وقنوات بحرية ضحلة, ولم أتوقف حتى اللحظة عن ممارسة هوايتي الملاحية القديمة في عرض البحر, ومازلت أذود بقلمي المكسور وصوتي المبحوح عن حقوقنا البحرية الضائعة, وأطالب أصحاب الشأن حفظهم الله بضرورة الحفاظ على سيادتنا الوطنية في مياهنا وممراتنا البحرية, والحفاظ على ما تبقى من سواحلنا, والوقوف بوجه التجاوزات والانتهاكات المتكررة, والحد من ظاهر الزحف الحدودي عن طريق الإسراع بإقامة جزيرة صغيرة واحدة فقط داخل المياه الإقليمية العراقية, على الجانب العراقي من مدخل شط العرب, في البقعة المقابلة للعوامة رقم (3), والتي أخذت تشكل نواة لنشوء جزيرة طبيعية بدأت تظهر ملامحها تحت الماء, وبخاصة في فترة الجزر الأدنى, نتيجة لتردي أعماقها بفعل ظاهرة الترسيب والإرساب, الأمر الذي يدعونا لاستغلال المياه الضحلة في هذا الموقع, وإكمال بناء الجزيرة, التي يفترض أن لا يزيد قطرها على 200 متر فقط, أي بطول سفينة من السفن المعطوبة, وما أكثرها في شط العرب, ونقترح أن نستخدم الجزيرة كمحطة ساحلية متقدمة مأهولة, تحيط بها مجموعة من الأرصفة الخشبية أو الحديدية, ونؤثثها بالمباني الخدمية, والاستفادة منها في تقديم الخدمات للسفن المترددة على موانئنا, أو تقديم الخدمات لزوارق خفر السواحل, أو لدعم زوارق الصيد وتوفير الإسعافات الفورية والخدمات الطبية للعاملين في البحر, على أن نسعى لتثبيت موقع الجزيرة في الخرائط البحرية الدولية, لكي تصبح من المعالم الحدودية السيادية المعلنة.

ولكي نقطع الطريق على المتفلسفين والمتحذلقين من المتخوفين والمترددين, نقول لهم إننا نقترح إقامة هذه الجزيرة داخل المياه العراقية البعيدة عن أي نزاع حدودي, على أن تقام في الموقع الذي اشرنا إليه عند مدخل شط العرب, وهو الموضع المرشح للضياع, لأننا نخشى أن تنوشه مخالب الزحف الحدودي في ظل غياب السلطة البحرية العراقية, ومن نافلة القول نذكر أن إيران استفادت من حطام الرافعة العراقية (عنترة) الغارقة عند مدخل شط العرب, وحولتها منذ مدة طويلة إلى ملاذ ثابت لزوارقها, وقاعدة لانطلاق دورياتها البحرية, وجهزتها بالمعدات المتطورة, وبنت فوقها قواطع سكنية, وعززتها بأجهزة المراقبة والرصد,

فما الذي يمنعنا من إتباع الأسلوب نفسه ؟, وما الذي يمنعنا من تشييد مثل هذه القاعدة في الجهة المقابلة لها ؟, هذه الأسئلة نوجهها إلى جميع الجهات المعنية, ابتداء من مجلس محافظة البصرة, إلى قيادة قوات المنطقة الرابعة, إلى تشكيلات القوة البحرية, وإلى من يهمه الأمر, فالمقترح لا يحتمل التأجيل ولا التسويف ولا التأخير, ولا داعي للخوض في دوامات اللجان البليدة وإجراءاتها العقيمة, لأني أنا المرشد البحري الأقدم في عموم المسطحات المائية العراقية, وأدرى من غيري بشعابها وممراتها ومنعطفاتها وأسرارها, ولا أريد أن أقول فيكم كما قال أَخُو هوازن:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى

فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ

حافظوا على حدودنا البحرية …حفظكم الله

كنا سادة البحار والمحيطات, وكان لنا الخليج العربي كله, بسواحله ومياهه ومرافئه ومراكبه وأسماكه ونوارسه حتى عام 1920, عرفه الناس باسمنا منذ زمن بعيد, تارة يسمونه (خليج البصرة), وتارة أخرى (خليج الفرات), لكننا أضعناه وخسرناه, وخسرنا من بعده شط العرب, ثم خسرنا خور عبد الله, وانكمشت مياهنا الإقليمية, وتقزمت شيئا فشيئا بسبب إهمال حكوماتنا المتعاقبة, وتنازلاتها السخية المتوالية, وبسبب تفريطها بحقوقنا البحرية والنهرية, حتى جاء اليوم الذي خسر فيه شط العرب اسمه العريق, وهو النهر العراقي المولد والمنبع, والشريان العربي الجذور والملامح, وصار اسمه البديل في الخرائط الأدميرالية (أرفند رود) منذ عام 1980, وتمددت الحدود البحرية الكويتية واستطالت, حتى اقتربت من سواحل الفاو, وزحفت الحدود البحرية الإيرانية حتى تجاوزت (رأس البيشة) واستدارت باتجاه خور عبد الله, لتقترب من الحدود البحرية الكويتية الزاحفة باتجاهنا, واختزلت المسافة بينها وبين المراصد الإيرانية المثبتة في مدخل شط العرب من جهة البحر, وانجذبت الحدود الإيرانية نحو الحدود الكويتية المتمددة فوق المسطحات المائية العراقية, حتى أصبحت المسافة المائية بين إيران والكويت اقل من (18) ميل بحري, وشيدت إيران ثلاثة موانئ جديدة لها في شط العرب, فصارت تمتلك ستة موانئ, هي: خرمشهر, وعبادان, وخسروآباد, وبول بعست, وأرفند كنار, وبندر صيادي, من دون أن نتقدم نحن بخطوة واحدة نحو تحسين سواحلنا وصيانة ضفافنا, ثم شيدت أكبر المراصد والقلاع والأبراج على امتداد ضفاف الشط, وأثثت ممراته الملاحية بالعوامات والإشارات والعلامات الإرشادية, في حين راحت الكويت تبني اكبر موانئها المحورية (ميناء مبارك) عند مقتربات ميناء أم قصر, حتى صار خور عبد الله كله كويتيا بقرار جائر تبنته القوى الاستعلائية المهيمنة على حوض الخليج بأساطيلها الحربية الجبارة, وخسر الخور هويته العراقية, وسيأتي اليوم الذي تطالبنا فيه الكويت برفع علمها على سواري السفن المتوجهة إلى ميناء أم قصر, وربما تطالبنا برفعه على سواري سفننا الخدمية المتحركة بين موانئنا النفطية وموانئنا التجارية, هذا إن ظلت موانئنا النفطية محتفظة بهويتها, وبعيدة عن المطالبات الإيرانية بضمها إلى إيران, وتنامت قوة الدوريات البحرية الكويتية وتفاخرت بعضلاتها السيليكونية, واستقوت علينا بفرقاطات التحالف, وراحت تقوم بصولاتها وجولاتها الاستفزازية ضد زوارق الصيد العراقية, وأحيانا يحلو لها مطاردتها, وإطلاق النيران الحية عليها لمنعها من العودة ثانية إلى خور عبد الله.

لقد كتبت مئات المقالات, وأعددت عشرات الدراسات, وشاركت في معظم المؤتمرات البحرية, وتكلمت كثيرا عبر الفضائيات العربية والعراقية, وتحدثت بإسهاب عن تقلص حدودنا البحرية وانكماشها وتقوقعها, وتكلمت بصوت عال عن تخلفنا البحري, وعن خسائرنا الفادحة المتكررة, وكانت النتيجة تعرضي للتهميش والتنكيل والإقصاء من قبل بعض الذين وضعتهم الأقدار في أعلى السلم الإداري, بيد أن الأقدار نفسها كانت ارحم بكثير من رياح القرارات الارتجالية المزعجة, التي حذفتهم علينا في غفلة من الزمن المعتم, فغادروا مواقعهم من دون أن يحققوا أي مكسب وطني, ومن دون أن يدركوا حجم الكارثة البحرية, ومن دون أن يشعروا بأبعادها السياسية والجغرافية والسوقية والاقتصادية, فخرجوا من الخدمة غير مأسوف عليهم, أما أنا فقد أفنيت عمري كله في إرشاد السفن عبر ما تبقى لنا من ممرات ملاحية ضيقة وقنوات بحرية ضحلة, ولم أتوقف حتى اللحظة عن ممارسة هوايتي الملاحية القديمة في عرض البحر, ومازلت أذود بقلمي المكسور وصوتي المبحوح عن حقوقنا البحرية الضائعة, وأطالب أصحاب الشأن حفظهم الله بضرورة الحفاظ على سيادتنا الوطنية في مياهنا وممراتنا البحرية, والحفاظ على ما تبقى من سواحلنا, والوقوف بوجه التجاوزات والانتهاكات المتكررة, والحد من ظاهر الزحف الحدودي عن طريق الإسراع بإقامة جزيرة صغيرة واحدة فقط داخل المياه الإقليمية العراقية, على الجانب العراقي من مدخل شط العرب, في البقعة المقابلة للعوامة رقم (3), والتي أخذت تشكل نواة لنشوء جزيرة طبيعية بدأت تظهر ملامحها تحت الماء, وبخاصة في فترة الجزر الأدنى, نتيجة لتردي أعماقها بفعل ظاهرة الترسيب والإرساب, الأمر الذي يدعونا لاستغلال المياه الضحلة في هذا الموقع, وإكمال بناء الجزيرة, التي يفترض أن لا يزيد قطرها على 200 متر فقط, أي بطول سفينة من السفن المعطوبة, وما أكثرها في شط العرب, ونقترح أن نستخدم الجزيرة كمحطة ساحلية متقدمة مأهولة, تحيط بها مجموعة من الأرصفة الخشبية أو الحديدية, ونؤثثها بالمباني الخدمية, والاستفادة منها في تقديم الخدمات للسفن المترددة على موانئنا, أو تقديم الخدمات لزوارق خفر السواحل, أو لدعم زوارق الصيد وتوفير الإسعافات الفورية والخدمات الطبية للعاملين في البحر, على أن نسعى لتثبيت موقع الجزيرة في الخرائط البحرية الدولية, لكي تصبح من المعالم الحدودية السيادية المعلنة.

ولكي نقطع الطريق على المتفلسفين والمتحذلقين من المتخوفين والمترددين, نقول لهم إننا نقترح إقامة هذه الجزيرة داخل المياه العراقية البعيدة عن أي نزاع حدودي, على أن تقام في الموقع الذي اشرنا إليه عند مدخل شط العرب, وهو الموضع المرشح للضياع, لأننا نخشى أن تنوشه مخالب الزحف الحدودي في ظل غياب السلطة البحرية العراقية, ومن نافلة القول نذكر أن إيران استفادت من حطام الرافعة العراقية (عنترة) الغارقة عند مدخل شط العرب, وحولتها منذ مدة طويلة إلى ملاذ ثابت لزوارقها, وقاعدة لانطلاق دورياتها البحرية, وجهزتها بالمعدات المتطورة, وبنت فوقها قواطع سكنية, وعززتها بأجهزة المراقبة والرصد,

فما الذي يمنعنا من إتباع الأسلوب نفسه ؟, وما الذي يمنعنا من تشييد مثل هذه القاعدة في الجهة المقابلة لها ؟, هذه الأسئلة نوجهها إلى جميع الجهات المعنية, ابتداء من مجلس محافظة البصرة, إلى قيادة قوات المنطقة الرابعة, إلى تشكيلات القوة البحرية, وإلى من يهمه الأمر, فالمقترح لا يحتمل التأجيل ولا التسويف ولا التأخير, ولا داعي للخوض في دوامات اللجان البليدة وإجراءاتها العقيمة, لأني أنا المرشد البحري الأقدم في عموم المسطحات المائية العراقية, وأدرى من غيري بشعابها وممراتها ومنعطفاتها وأسرارها, ولا أريد أن أقول فيكم كما قال أَخُو هوازن:

أمرتكم أمري بمنعرج اللوى

فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ

لمن تُقرع الأجراس؟

لا نريد أن نكتب قصة قصيرة ننافس فيها ارنست همنغواي برائعته الأدبية المشهورة (لمن تقرع الأجراس), لكننا استعرنا هذا السؤال الاستفزازي ليكون عنوانا للمقالة التي سنتحدث فيها عن الرجل الذي أسهم في غرس نواة السلطة البحرية العراقية, وازدهرت في زمنه النشاطات التجارية البحرية عبر خطوط الشحن الدولية.

سجلت (مصلحة الموانئ العراقية), وهو الاسم الأقدم للشركة العامة لموانئ العراق, في المدة من 17/7/1958 إلى 10/2/1963 قفزات نوعية هائلة, وحققت مكاسب مادية ومعنوية لم يحققها احد من قبل, وتسلقت سلم المجد حتى ارتقت إلى المرتبة الأولى عالميا من حيث الكفاءة والأداء, واتفق الناس على اختلاف مشاربهم على أن الموانئ العراقية بلغت أوج عظمتها في عصرها الذهبي أبان إدارة اللواء الركن مزهر الشاوي, الذي حفر اسمه في سجل الوطنية والشرف والتميز, وكانت أيامه صفحة مشرقة من صفحات التاريخ العراقي الزاخر بالخير والعطاء, فقد أسهمت انجازات هذا الرجل العملاق, في تفجير الإبداعات الوطنية المخلصة, وتنفيذ المشاريع الهندسية الساندة لعمل الموانئ, وبناء المجتمع العمالي المتحضر, ونجح في إرساء قواعد السلوك الإداري المتمرد على الأطر التقليدية والسياقات الروتينية, وأصبحت الموانئ العراقية بجهوده مؤسسة وطنية شبه مستقلة. وقادرة على الإنفاق على مشاريعها من مواردها الذاتية في كل الاتجاهات التطويرية, على وفق المعايير القياسية العالمية التي شجعت على استقطاب شركات خطوط الشحن البحري, واستقبال السفن الحديثة, ما أدى إلى إنعاش النشاطات التجارية عبر منافذنا البحرية, وتحقيق المزيد من المكاسب المالية, التي عادت بالنفع والخير والفوائد الجمة على جميع مرافق الموانئ والعاملين فيها. وسجلت رؤيته الثاقبة نجاحات لا تحصى في تحقيق النهضة الشاملة, وفي إدارة شؤون (مصلحة الموانئ العراقية) وفقا للمنهج الاقتصادي القويم. هذه كانت الأسس والركائز التي قام عليها كيان الموانئ العراقية بإشراف الوطني المبدع مزهر الشاوي, لتبدأ مرحلة الانتماء الاجتماعي للعاملين فيها , بإعدادهم وتأهيلهم علميا ومهنيا على نفقتها, وذلك بفتح مجالات التعليم البحري العالي لأبناء عمال الموانئ خارج العراق , وفي أرقى الجامعات والمعاهد البحرية الدولية. واستطاع أن يوفر العيش الكريم للطبقة العاملة. فقد كان مزهر الشاوي سباقا في تأسيس نظام الإسكان والتعمير, مستعينا بموارد الموانئ, ودعا إلى استثمارها في الأراضي المملوكة لها في كل ما يعود بالنفع على العاملين فيها, فشيد الأحياء السكنية الحديثة, وضمن لها أسباب الاستقرار, ووفر لها البنية الأساسية من طرق, ومدارس, وأسواق, ومساجد, وجمعيات تعاونية, وملاعب حديثة, وأحواض سباحة, وحدائق ومتنزهات, ومكتبات عامة, ونواد ترفيهية, ودور سينما, ووسائل الرعاية الصحية المجانية .

وكثف جهوده من اجل تحسين أوضاع الفقراء قولا وعملا ومنهجا. ومازالت النصب التذكارية للحجر الأساسي في المدن والأحياء السكنية, وبخاصة في الأبلة, والكندي, وحطين, وحي طارق, وحي الشهداء, والحي المركزي, والجبيلة, والنجيبية, ودور شارع اليرموك, ودور أم قصر, ودور الفاو وغيرها, تشهد لهذا الرجل النبيل بالشكر والامتنان والعرفان. ولا نغالي إذا قلنا أن مدينة المعقل في البصرة كانت تعد من المناطق السياحية النادرة في عموم العراق كله. وكان الناس يقصدونها من الدول الخليجية القريبة للاستمتاع بمتنزهاتها ومناظرها الخلابة, وفي مقدمتها حدائق الأندلس , وحدائق الجمهورية, وجزيرة السندباد, ومتنزه البيت الصيني, ومشتل الداودية, ومشتل المطار, ومتنزه الشاطئ. وكانت هذه المتنزهات تعبق في المساء بشذى ملكة الليل, وتضوي بأريج أزهار النرجس والقرنفل والبنفسج. وبينما كانت النهضة الداخلية تتواصل من اجل إنعاش أوضاع الموانئ, وتنمية معيشة عمالها. كان مزهر الشاوي يواصل حصد النجاحات المينائية على المستوى العالمي. فقد برز دوره في تحسين سمعة الموانئ العراقية في المحافل الدولية. وتجسد هذا الدور من خلال تقديم أفضل الخدمات البحرية للسفن الوافدة, والتوسع في بناء الأرصفة الجديدة, وتجهيزها بأحدث المعدات والسقائف والرافعات. ومن خلال قيامه بالتعاقد على بناء السفن الخدمية, التي شملت الحفارات والساحبات البحرية, وسفن التنوير والمسح الهيدروغرافي, وتطوير عمل منظومات الاتصال اللاسلكية وأجهزة المراقبة الملاحية, وشراء حوض التسفين (اجنادين). وذهب – رحمه الله – إلى ابعد من ذلك عندما سارع إلى تجهيز عمال الأرصفة بأحدث الأدوات والمعدات المستخدمة في مناولة البضائع. وعمد إلى تعميم الزي الموحد على عمال الأرصفة, وتجهيزهم بالملابس الشتوية والصيفية المستوردة من أرقى مؤسسات الأزياء, وحرص على تزويدهم بأحذية السلامة من معامل (باتا) اللندنية, ووفر لهم الدراجات الهوائية من معامل شركة (فيليبس), لتسهيل انتقالهم من والى مواقع عملهم. وحرص مزهر الشاوي على مد جسور التعاون مع إدارات المواني الخليجية الفتية, ومساعدتها في مراحل البناء والتعمير كافة.

وتمكنت الموانئ في زمنه من إقامة قواعد كبيرة لورش الصيانة وإصلاح السفن, وإقامة المعامل الإنتاجية الصغيرة اللازمة لتغطية احتياجات مشاريع الموانئ, وشكلت تلك المعامل والورش حجر الزاوية في تكامل البنيان المينائي, وفي تنويع القطاعات الإنتاجية. فظهرت إلى الوجود معامل الإسفلت, ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية (الباور هاوس), ومعامل السباكة, ومعامل صيانة العوامات البحرية, ومعامل الخياطة, وورش الصيانة البحرية, وورش تعبيد الطرق, وورش إنشاء أبراج الفنارات البحرية, ومعامل صيانة وتصليح السيارات والآليات, والمطابع الحديثة, ومعامل إنتاج الثلج, ومصانع المشروبات الغازية, التي كانت توزع مع قوالب الثلج بأسعار رمزية على دور العاملين بالموانئ.

وحظي النشاط الرياضي باهتمام ودعم مزهر الشاوي الذي تبنى استراتيجيه شاملة للنهضة الرياضية والشبابية, تكللت ببناء اكبر ملاعب كرة القدم في مدة الستينيات, وبناء صالات متكاملة لألعاب القوة, والعاب الساحة والميدان. وحققت فرق الموانئ الرياضية في زمنه أعلى الأرقام والنتائج على الصعيد المحلي والعربي والعالمي, وخير دليل على تلك المكاسب الرياضية هو الوسام الاولمبي الوحيد الذي حققه الرباع الدولي عبد الواحد عزيز في اولمبياد (روما), وعلى الرغم من كل الذي تناولته هنا, مازلت اشعر بالتقصير لعدم تمكني من تغطية قصة الازدهار الذي حققته الموانئ العراقية في زمن الأستاذ والشاعر والوطني المخلص, اللواء الركن مزهر الشاوي, الرجل النبيل الذي نقش اسمه في نفوس الفقراء, والذي ستقرع له الأجراس احتراما وتقديرا وتكريما ووفاء وعرفانا.

لمن تُقرع الأجراس؟

لا نريد أن نكتب قصة قصيرة ننافس فيها ارنست همنغواي برائعته الأدبية المشهورة (لمن تقرع الأجراس), لكننا استعرنا هذا السؤال الاستفزازي ليكون عنوانا للمقالة التي سنتحدث فيها عن الرجل الذي أسهم في غرس نواة السلطة البحرية العراقية, وازدهرت في زمنه النشاطات التجارية البحرية عبر خطوط الشحن الدولية.

سجلت (مصلحة الموانئ العراقية), وهو الاسم الأقدم للشركة العامة لموانئ العراق, في المدة من 17/7/1958 إلى 10/2/1963 قفزات نوعية هائلة, وحققت مكاسب مادية ومعنوية لم يحققها احد من قبل, وتسلقت سلم المجد حتى ارتقت إلى المرتبة الأولى عالميا من حيث الكفاءة والأداء, واتفق الناس على اختلاف مشاربهم على أن الموانئ العراقية بلغت أوج عظمتها في عصرها الذهبي أبان إدارة اللواء الركن مزهر الشاوي, الذي حفر اسمه في سجل الوطنية والشرف والتميز, وكانت أيامه صفحة مشرقة من صفحات التاريخ العراقي الزاخر بالخير والعطاء, فقد أسهمت انجازات هذا الرجل العملاق, في تفجير الإبداعات الوطنية المخلصة, وتنفيذ المشاريع الهندسية الساندة لعمل الموانئ, وبناء المجتمع العمالي المتحضر, ونجح في إرساء قواعد السلوك الإداري المتمرد على الأطر التقليدية والسياقات الروتينية, وأصبحت الموانئ العراقية بجهوده مؤسسة وطنية شبه مستقلة. وقادرة على الإنفاق على مشاريعها من مواردها الذاتية في كل الاتجاهات التطويرية, على وفق المعايير القياسية العالمية التي شجعت على استقطاب شركات خطوط الشحن البحري, واستقبال السفن الحديثة, ما أدى إلى إنعاش النشاطات التجارية عبر منافذنا البحرية, وتحقيق المزيد من المكاسب المالية, التي عادت بالنفع والخير والفوائد الجمة على جميع مرافق الموانئ والعاملين فيها. وسجلت رؤيته الثاقبة نجاحات لا تحصى في تحقيق النهضة الشاملة, وفي إدارة شؤون (مصلحة الموانئ العراقية) وفقا للمنهج الاقتصادي القويم. هذه كانت الأسس والركائز التي قام عليها كيان الموانئ العراقية بإشراف الوطني المبدع مزهر الشاوي, لتبدأ مرحلة الانتماء الاجتماعي للعاملين فيها , بإعدادهم وتأهيلهم علميا ومهنيا على نفقتها, وذلك بفتح مجالات التعليم البحري العالي لأبناء عمال الموانئ خارج العراق , وفي أرقى الجامعات والمعاهد البحرية الدولية. واستطاع أن يوفر العيش الكريم للطبقة العاملة. فقد كان مزهر الشاوي سباقا في تأسيس نظام الإسكان والتعمير, مستعينا بموارد الموانئ, ودعا إلى استثمارها في الأراضي المملوكة لها في كل ما يعود بالنفع على العاملين فيها, فشيد الأحياء السكنية الحديثة, وضمن لها أسباب الاستقرار, ووفر لها البنية الأساسية من طرق, ومدارس, وأسواق, ومساجد, وجمعيات تعاونية, وملاعب حديثة, وأحواض سباحة, وحدائق ومتنزهات, ومكتبات عامة, ونواد ترفيهية, ودور سينما, ووسائل الرعاية الصحية المجانية .

وكثف جهوده من اجل تحسين أوضاع الفقراء قولا وعملا ومنهجا. ومازالت النصب التذكارية للحجر الأساسي في المدن والأحياء السكنية, وبخاصة في الأبلة, والكندي, وحطين, وحي طارق, وحي الشهداء, والحي المركزي, والجبيلة, والنجيبية, ودور شارع اليرموك, ودور أم قصر, ودور الفاو وغيرها, تشهد لهذا الرجل النبيل بالشكر والامتنان والعرفان. ولا نغالي إذا قلنا أن مدينة المعقل في البصرة كانت تعد من المناطق السياحية النادرة في عموم العراق كله. وكان الناس يقصدونها من الدول الخليجية القريبة للاستمتاع بمتنزهاتها ومناظرها الخلابة, وفي مقدمتها حدائق الأندلس , وحدائق الجمهورية, وجزيرة السندباد, ومتنزه البيت الصيني, ومشتل الداودية, ومشتل المطار, ومتنزه الشاطئ. وكانت هذه المتنزهات تعبق في المساء بشذى ملكة الليل, وتضوي بأريج أزهار النرجس والقرنفل والبنفسج. وبينما كانت النهضة الداخلية تتواصل من اجل إنعاش أوضاع الموانئ, وتنمية معيشة عمالها. كان مزهر الشاوي يواصل حصد النجاحات المينائية على المستوى العالمي. فقد برز دوره في تحسين سمعة الموانئ العراقية في المحافل الدولية. وتجسد هذا الدور من خلال تقديم أفضل الخدمات البحرية للسفن الوافدة, والتوسع في بناء الأرصفة الجديدة, وتجهيزها بأحدث المعدات والسقائف والرافعات. ومن خلال قيامه بالتعاقد على بناء السفن الخدمية, التي شملت الحفارات والساحبات البحرية, وسفن التنوير والمسح الهيدروغرافي, وتطوير عمل منظومات الاتصال اللاسلكية وأجهزة المراقبة الملاحية, وشراء حوض التسفين (اجنادين). وذهب – رحمه الله – إلى ابعد من ذلك عندما سارع إلى تجهيز عمال الأرصفة بأحدث الأدوات والمعدات المستخدمة في مناولة البضائع. وعمد إلى تعميم الزي الموحد على عمال الأرصفة, وتجهيزهم بالملابس الشتوية والصيفية المستوردة من أرقى مؤسسات الأزياء, وحرص على تزويدهم بأحذية السلامة من معامل (باتا) اللندنية, ووفر لهم الدراجات الهوائية من معامل شركة (فيليبس), لتسهيل انتقالهم من والى مواقع عملهم. وحرص مزهر الشاوي على مد جسور التعاون مع إدارات المواني الخليجية الفتية, ومساعدتها في مراحل البناء والتعمير كافة.

وتمكنت الموانئ في زمنه من إقامة قواعد كبيرة لورش الصيانة وإصلاح السفن, وإقامة المعامل الإنتاجية الصغيرة اللازمة لتغطية احتياجات مشاريع الموانئ, وشكلت تلك المعامل والورش حجر الزاوية في تكامل البنيان المينائي, وفي تنويع القطاعات الإنتاجية. فظهرت إلى الوجود معامل الإسفلت, ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية (الباور هاوس), ومعامل السباكة, ومعامل صيانة العوامات البحرية, ومعامل الخياطة, وورش الصيانة البحرية, وورش تعبيد الطرق, وورش إنشاء أبراج الفنارات البحرية, ومعامل صيانة وتصليح السيارات والآليات, والمطابع الحديثة, ومعامل إنتاج الثلج, ومصانع المشروبات الغازية, التي كانت توزع مع قوالب الثلج بأسعار رمزية على دور العاملين بالموانئ.

وحظي النشاط الرياضي باهتمام ودعم مزهر الشاوي الذي تبنى استراتيجيه شاملة للنهضة الرياضية والشبابية, تكللت ببناء اكبر ملاعب كرة القدم في مدة الستينيات, وبناء صالات متكاملة لألعاب القوة, والعاب الساحة والميدان. وحققت فرق الموانئ الرياضية في زمنه أعلى الأرقام والنتائج على الصعيد المحلي والعربي والعالمي, وخير دليل على تلك المكاسب الرياضية هو الوسام الاولمبي الوحيد الذي حققه الرباع الدولي عبد الواحد عزيز في اولمبياد (روما), وعلى الرغم من كل الذي تناولته هنا, مازلت اشعر بالتقصير لعدم تمكني من تغطية قصة الازدهار الذي حققته الموانئ العراقية في زمن الأستاذ والشاعر والوطني المخلص, اللواء الركن مزهر الشاوي, الرجل النبيل الذي نقش اسمه في نفوس الفقراء, والذي ستقرع له الأجراس احتراما وتقديرا وتكريما ووفاء وعرفانا.

أبواق التكفير والفتنة

من الحقائق المفزعة, التي لم يستشعرها الناس بعد, أن الفضائيات العربية تكاثرت بالانشطار, كما تتكاثر الخلايا السرطانية الخبيثة, حتى بلغ تعدادها (700) قناة فضائية, تبثها (398) هيأة, منها (372) هيأة تابعة للقطاع الخاص, و(26) هيأة حكومية فقط, تبث برامجها على (17) قمراً اصطناعياً, منها (نور سات), و(نايل سات), و(عرب سات), على ترددات (عرب شتات), و(عرب سبات).

إن هذه الأرقام قد ترصد أحد وجوه الحقيقة, لكن الحقيقة المرة قد تأتي حين تجتمع الوجوه كلها لتدق نواقيس الخطر, وتحذر الناس من تسونامي التشرذم, الذي يوشك أن يندلع ويتفجر قريبا من قيعان البحار الفاسدة.

كان من المفترض أن تكون هذه القنوات عاملا ايجابياً من عوامل التثقيف والتوعية, ووسيطاً إعلاميا نحو بناء المجتمعات المتحضرة, لكنها للأسف الشديد راحت تزرع ألغام التعتيم في حقول الظلام, وتنثر بذور الجهل في ليل التخلف الدامس, فتحول معظمها إلى منابر لنشر ثقافة الترفيه الرخيص, وتسفيه عقول الناس, أو لترويج السحر والشعوذة, ونشر الغيبيات المنبعثة من مستنقعات الدجل والخرافة, ناهيك عن انضمام الكثير منها إلى الجحافل التي تطوعت, في هذه المرحلة القلقة الحرجة, للقيام بمهام الشحن والتحريض, وإثارة النعرات الطائفية, وإنتاج فقه التفكك والتباعد والتناحر, وظهرت علينا فضائيات (دينية) تخلت نهائيا عن رسالتها الإعلامية, وذهبت بعيداً في تطرفها, فانغمست في البحث عمّا يفرق الناس, لا عمّا يجمعهم ويلم شملهم, ووصل الأمر ببعضها إلى درجة التحريض على القتل على الهوية, وانحرفت أبواق الفتنة باتجاه نشر الكراهية والبغضاء, ووجهت بوصلة النزاع باتجاه أكثر المراحل قتامة في التاريخ الإسلامي, وظهرت علينا فضائيات طائفية من كل لون وصنف ونوع, فضائيات سنية تكفيرية موتورة, وأخرى شيعية مغالية إلى درجة التخريف والإسفاف, وثالثة تتستر بالحياد الفكري لإخفاء تعصبها وتطرفها, فاشتركت جميعها في خلق حالة خطيرة من الاحتقان والتراشق, وتبادل الاتهامات بين طائفتي السنة والشيعة, وإذكاء نيران الأحقاد الدفينة, من دون أن تعير اهتماماً بما حل بالأمة من ويلات ونكبات ومصائب, أو بما يحاك ضدها من مؤامرات معادية للإسلام والمسلمين, فلا الفضائيات الشيعية المتشنجة خدمت منهج أهل البيت, ولا الفضائيات السنية المتعصبة خدمت السلفيين, بينما تتلقى هذه الفضائيات الدعم والإسناد لتواصل بث سمومها, وتستمد قوتها من الأموال الطائلة التي تتلقاها في الخفاء, فهناك دائما من يدفع لهؤلاء, ويغدق عليهم العطاء, ليسخنوا الأجواء تمهيدا لارتكاب اكبر مجزرة طائفية تستهدف الإسلام نفسه, كما استهدفت الكنيسة في أوربا عقب الاقتتال الكاثوليكي البروتستانتي.

إن من يتابع ما تبثه الفضائيات المتطرفة من سموم وأحقاد سيكتشف بنفسه بأن هناك قوى خفية تعمل على تأجيج الصراع الطائفي, وتسعى لتشويه صورة الإسلام, وإظهارنا أمام العالم كأمة ممزقة متناحرة مفككة.

ختاما نقول: ألا يكفينا ما يجتاحنا من أخطار خارجية لنغذيها بما تضيفه إلينا أبواق الفتنة من عبوات فكرية ناسفة, قد تفجر الأوضاع في حرب طائفية محتملة, لا تبقي ولا تذر, وليس فيها منتصر وإن غلب.

أبواق التكفير والفتنة

من الحقائق المفزعة, التي لم يستشعرها الناس بعد, أن الفضائيات العربية تكاثرت بالانشطار, كما تتكاثر الخلايا السرطانية الخبيثة, حتى بلغ تعدادها (700) قناة فضائية, تبثها (398) هيأة, منها (372) هيأة تابعة للقطاع الخاص, و(26) هيأة حكومية فقط, تبث برامجها على (17) قمراً اصطناعياً, منها (نور سات), و(نايل سات), و(عرب سات), على ترددات (عرب شتات), و(عرب سبات).

إن هذه الأرقام قد ترصد أحد وجوه الحقيقة, لكن الحقيقة المرة قد تأتي حين تجتمع الوجوه كلها لتدق نواقيس الخطر, وتحذر الناس من تسونامي التشرذم, الذي يوشك أن يندلع ويتفجر قريبا من قيعان البحار الفاسدة.

كان من المفترض أن تكون هذه القنوات عاملا ايجابياً من عوامل التثقيف والتوعية, ووسيطاً إعلاميا نحو بناء المجتمعات المتحضرة, لكنها للأسف الشديد راحت تزرع ألغام التعتيم في حقول الظلام, وتنثر بذور الجهل في ليل التخلف الدامس, فتحول معظمها إلى منابر لنشر ثقافة الترفيه الرخيص, وتسفيه عقول الناس, أو لترويج السحر والشعوذة, ونشر الغيبيات المنبعثة من مستنقعات الدجل والخرافة, ناهيك عن انضمام الكثير منها إلى الجحافل التي تطوعت, في هذه المرحلة القلقة الحرجة, للقيام بمهام الشحن والتحريض, وإثارة النعرات الطائفية, وإنتاج فقه التفكك والتباعد والتناحر, وظهرت علينا فضائيات (دينية) تخلت نهائيا عن رسالتها الإعلامية, وذهبت بعيداً في تطرفها, فانغمست في البحث عمّا يفرق الناس, لا عمّا يجمعهم ويلم شملهم, ووصل الأمر ببعضها إلى درجة التحريض على القتل على الهوية, وانحرفت أبواق الفتنة باتجاه نشر الكراهية والبغضاء, ووجهت بوصلة النزاع باتجاه أكثر المراحل قتامة في التاريخ الإسلامي, وظهرت علينا فضائيات طائفية من كل لون وصنف ونوع, فضائيات سنية تكفيرية موتورة, وأخرى شيعية مغالية إلى درجة التخريف والإسفاف, وثالثة تتستر بالحياد الفكري لإخفاء تعصبها وتطرفها, فاشتركت جميعها في خلق حالة خطيرة من الاحتقان والتراشق, وتبادل الاتهامات بين طائفتي السنة والشيعة, وإذكاء نيران الأحقاد الدفينة, من دون أن تعير اهتماماً بما حل بالأمة من ويلات ونكبات ومصائب, أو بما يحاك ضدها من مؤامرات معادية للإسلام والمسلمين, فلا الفضائيات الشيعية المتشنجة خدمت منهج أهل البيت, ولا الفضائيات السنية المتعصبة خدمت السلفيين, بينما تتلقى هذه الفضائيات الدعم والإسناد لتواصل بث سمومها, وتستمد قوتها من الأموال الطائلة التي تتلقاها في الخفاء, فهناك دائما من يدفع لهؤلاء, ويغدق عليهم العطاء, ليسخنوا الأجواء تمهيدا لارتكاب اكبر مجزرة طائفية تستهدف الإسلام نفسه, كما استهدفت الكنيسة في أوربا عقب الاقتتال الكاثوليكي البروتستانتي.

إن من يتابع ما تبثه الفضائيات المتطرفة من سموم وأحقاد سيكتشف بنفسه بأن هناك قوى خفية تعمل على تأجيج الصراع الطائفي, وتسعى لتشويه صورة الإسلام, وإظهارنا أمام العالم كأمة ممزقة متناحرة مفككة.

ختاما نقول: ألا يكفينا ما يجتاحنا من أخطار خارجية لنغذيها بما تضيفه إلينا أبواق الفتنة من عبوات فكرية ناسفة, قد تفجر الأوضاع في حرب طائفية محتملة, لا تبقي ولا تذر, وليس فيها منتصر وإن غلب.