كنائس بلا نواقيس

لم يشترك المسيحيون في الفتنة الطائفية المتفجرة في العراق، ولم يكونوا طرفاً في النزاع السياسي القائم، ولم ينهبوا ثروات العراق، ولم يخربوا العراق، ولم يطمعوا في حكم العراق، ولم يتجسسوا على العراق، ولم يتواطأوا مع القوات التي غزت العراق وسرقت ثرواته، ولا مع القوى الإقليمية العابثة والمحرضة والحاقدة.
ظل المسيحيون منذ قرون وقرون وحتى يومنا هذا من أقوى رموز المحبة والسلام على أرض العراق. وأقوى رموز الوطنية الصادقة، وأقوى رموز التحضر والرقي، وعلامة فارقة من علامات الانتماء الحقيقي لبلاد ما بين النهرين بجذورهم الآشورية والكلدانية والسريانية والأكدية والبابلية، فلم تشفع لهم إنسانيتهم ولا وطنيتهم ولا براءتهم ولا نزاهتهم ولا عفتهم ولا استقامتهم في التمتع بأبسط حقوق العيش بأمان على الأرض التي ينتمون، فكان القتل والتعذيب والطرد والتهجير والتشريد والابتزاز من نصيبهم.
ظهرت داعش فجأة من أوكار المنظمات الظلامية لتنسف التاريخ المسيحي للعراق بذريعة تطبيق الشريعة الإسلامية على الطريقة المغولية، وبذريعة القضاء على المشركين من المسيحيين والأيزيديين على الطريقة النازية. في الوقت الذي تعالت فيها الصيحات التحريضية من أقبية الصوامع المؤمنة بثقافة الموت، فلاذ المثقفون والمفكرون بالصمت المطبق، وتجاهلت الفضائيات المحلية والإقليمية والعالمية ما حل بهم من مجازر ومآس وكوارث لم تخطر على بال هولاكو ولا على بال جنكيزخان. واكتفى الفاتيكان بالسكوت من دون أن يقرع ناقوساً واحداُ يوقظ به الضمائر المعطوبة.
كانت أمريكا في مقدمة البلدان التي سلمت رقابهم لسيوف الدواعش، وكانت تركيا وقطر والغجر في مقدمة المؤيدين لحملات الإبادة الجماعية، وكانت البلدان العربية في طليعة المصفقين لحملات تهديم كنائسهم وحرق أديرتهم.
ألا يحق لنا أن نتساءل: لماذا يسكت العالم على المأساة الإنسانية التي لحقت بالمسيحيين في العراق ؟، ولما يسكت على تهجيرهم وانتهاك كنائسهم وتحويلها إلا مقار وثكنات للقتلة والسفلة ؟، ما الذي يجري في العراق ؟. لماذا وقف زعماء العالم كالصم والبكم متفرجين حول ما يجري من تطهير عرقي بحق المسيحيين في هذا البلد ؟. أيعقل أنهم يتذكرون باستمرار المحارق والمجازر على مر التاريخ ويتناسون ما يحصل اليوم أمام أعينها ؟. ألا يرون أن الوضع أخطر بكثير مما يبدو.
لقد ترك المسيحيون بيوتهم وتنازلوا صاغرين عن ممتلكاتهم ونزحوا مذعورين من قراهم على غير هدى هربا وخوفا من بطش الضباع الداعشية المتعطشة لدماء الأبرياء. الكنائس كلها أغلقت أبوابها في المناطق الساخنة، وفر القساوسة والرهبان بحثا عن الملاذ الآمن، بينما اكتفت حكومات كوكب الأرض كلها بالوقوف على التل لمراقبة المأساة وكأنها لم تسمع صراخ النساء وعويل الأطفال في الكهوف الجبلية الباردة.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

متى نتعلم في مدرسة الحسين ؟

أين نحن من كل ما قدمه الشرفاء عبر التاريخ، أين نحن من تضحيات الحسين، الذي دفع دمه ودم أهل بيته الكرام ثمنا لحريتنا واستقلالنا؟.
فيا من تريدون فهم الحسين، وعطاء الحسين، وتعشقون نور الحسين، وتهيمون بعلياء الحسين، افتحوا أمام عقولكم مسارب الانطلاق إلى عوالم الحسين، واكسحوا من حياتكم تراكمات الزيف السياسي المقيت، وحرّروا أرواحكم من ثقل التيه في الكهوف المعتمة، عند ذلك تنفتح أمامكم دنيا الحسين، وتتجلى الرؤية، وتسمو النظرة، ويفيض العطاء، فأعظم بإنسان, جدّه محمد سيد المرسلين، وأبوه علي بطل الإسلام الخالد، وسيد الأوصياء، وأمه الزهراء فاطمة سيدة نساء العالمين، وأخوه السبط الحسن ريحانة الرسول، نسب مشرق وضّاء، ببيت زكي طهور.
اشهد انك يا سيدي كنت نورا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، لم تنجسك الجاهلية بانجاسها، ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها. كانت رسالتك يا سيدي رسالة السلام والحب والخير لبني البشر بعيدا عن العنف والإخضاع والتفرقة والتمييز. فقد كنت حريصا على إصلاح الفاسد من أمور المسلمين، وتقديم جميع الحلول الممكنة بعيدا عن التطرف والتعصب.
ما أحوجنا يا سيدي إلى إدراك معاني كلمتك التي قلت فيها: (أحذركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم فإنه لكم عدو مبين، فتكونوا كأوليائه)، وقلت في هذا (أيها الناس تنافسوا في المكارم وسارعوا في المغانم)، وكم كنت محقا حينما قلت: (أيها الناس لقد خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي. فتذكروا دوماً هدفي ومبدئي)، وقلت: (اللهم انك تعلم أنه لم يكن ما كان منا منافسة في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنُريَ المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسنن أحكامك).
تعلمتُ من نهضتك وثورتك انتصار النفس المطمئنة على النفس الأمارة،
وتيقنتُ أني لا استغني عنكَ يا سيدي. تعلمتُ منك أن أتدبر القرآن ومعانيه وأهدافه، وأتمسك بمدرسة الحق والهدى ولا أتخلى عنها، وأن أدافع عن عقيدتي وأخلاقي بالعلم والمعرفة والجهاد الأول لنفسي.
أنت يا سيدي تعيش في ضمير كل محروم ومظلوم في أرجاء المعمورة، وليس في عقول وضمائر المسلمين وحدهم، لأنك جسدت إرادة الخير والعدل والمساواة بين الناس. بعيدا عن انتمائهم وأحسابهم وأنسابهم، وكانت رسالتك في عاشوراء قائمة على أبعاد سلمية تتخذ من وسائل اللا عنف طريقا لنشر الهداية والرحمة، ومبنية على الاستقامة وإصلاح ذات البين، وتحقيق الحرية والعدالة، بما ينسجم مع رسالة المحبة والسلام، فما أحوجنا اليوم يا سيدي إلى العمل بوصيتك التي قلت فيها : (أأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وإلا ليسلطن الله عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وقلت: (ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه). فكانت دعوة الانطلاق إلى كربلاء أن (افشوا العدل في الناس فهم عبيد الله وانتم مثلهم). ما أعدلك يا سيدي حينما قلت لأنصارك في واقعة الطف: (اكره أن أبدأهم بقتال قط). فسلوك اللاعنف الذي تمسكت به هو مصداق، وامتداد واقعي لرسالة الإنسانية، فالإسلام يحرم الغدر، وينبذ كل ما يسمى اليوم بالعنف والإرهاب، فلا عنف في الإسلام، ولا يسمح الإسلام بأي عمل من أعمال العنف والترهيب والترويع الذي يوجب إيذاء الناس ومصادرة حرياتهم، وإزهاق أرواحهم، وتعذيبهم والغدر بهم وبحياتهم، أو يؤدي إلى تشويه سمعة الإسلام والمسلمين.

تركيا تعشق داعش

لم يعد لتركيا ما تخفيه خلف أقنعتها الأناضولية المُستَهلَكة، خصوصاً بعدما فشلت محاولاتها الحثيثة للجلوس على طاولة أقطار الاتحاد الأوربي. ثم جاء المد الأردوغاني ليدق آخر الخوازيق في جدران العلاقات الأوربية، ويُغرق سفنه الدبلوماسية التي حاولت عبور مضيق البوسفور نحو الضفة الغربية لاسطنبول. الأمر الذي اضطرها إلى إحياء أحلامها التوسعية بالعودة إلى ولايات الإمبراطورية العثمانية. فركبت بغال التطرف الديني لإشعال فتيل الأزمات مدفوعة الثمن. وكانت هي اللاعب الأكثر خُبثاً في تأجيج الفوضى الأمنية والسياسية في عواصم البلدان العربية الجمهورية، بينما كانت العواصم العربية الملكية والأميرية بمنأى عن الخراب والدمار.
لم تتدخل تركيا في شؤوننا منذ سقوط صولجان الرجل المريض وحتى وصول حزب العدالة والتنمية إلى عرش الأستانة، فتحالفت مع المتحالفين على العراق، واشتركت معهم بضرب بغداد، ثم أرسلت قواتها البرية والجوية والمخابراتية لتصول وتجول في جبال العراق ووديانه بذريعة مطاردة فلول حزب العمال، ووضعت ثكناتها الحربية في خدمة التنظيمات الهمجية المتطرفة، وفتحت حدودها لمرتزقة داعش، ووفرت لهم الغطاء الجوي، وسمحت لهم بقتل الناس بالجملة، بل سمحت لهم بقتل المدنيين الأتراك في القرى التركمانية العراقية والسورية، واشتركت مع داعش في نهب ثرواتنا النفطية، وهي الآن أكبر الرابحين من السوق السوداء للنفط الذي تسرقه عصابات داعش من حقولنا.
ثم جاء اليوم الذي عرف فيه العالم حقيقة المخططات التخريبية التركية، عندما ظهرت بوادر موافقاتها الرسمية لافتتاح سفارة داعشية في أنقرة، وافتتاح قنصليات لها في المدن القريبة من الحدود السورية والعراقية. جاء ذلك على لسان صحيفة (إدينلك ديلي) التركية، التي كشفت النوايا الادروغانية لافتتاح أول قنصلية لداعش لإصدار تأشيرات الدخول للراغبين بتدمير العراق والشام، وقد أطلقت القنصلية الداعشية بتركيا موقعاً الكترونياً لها على شبكة الإنترنت. أعلنت فيه أن من يرغب الحصول على تأشيرة يمكنه إرسال طلبه إلى البريد الإلكتروني
(isisturkey@gmail.com)، وأن عنوان مقر القنصلية الرسمي يقع في حي كانكايا التركي بأنقرة.
فوقع أردوغان في شر أعماله المتناقضة بين دوره الحربي في الناتو وتظاهره بمطاردة داعش، وبين إصراره على تقديم الدعم المطلق للتنظيمات الشاذة التي قتلت الناس في العراق وسوريا والبلدان العربية الأخرى. فأصبحت تركيا من البلدان الراعية للإرهاب بإيوائها الأوكار الإرهابية. وبناء عليه يتعين على العالم المتحضر أن يتعامل معها بحزم باعتبارها من الأقطار المراوغة الراعية للإرهاب. نظرا لدعمها المتواصل للتنظيمات الشيطانية، التي ارتكبت أبشع مجازرها الدموية في المدن العراقية والسورية، وحوّلت الانتفاضات العربية الشعبية إلى كوارث ونكبات بكل المقاييس.

إلى منظمة المؤتمر الإسلامي

كنا ومازلنا وسنبقى نذود بالدفاع عن الإسلام والمسلمين، ونرى أنه من الجهل الفاضح والظلم البين أن يُتهم الإسلام بالإرهاب، وأن يُتهم بالتطرف والتعصب والرجعية والجمود والأصولية والتأخر والوحشية والبربرية والهمجية، إلى آخر هذه التهم المعلبة التي تُكال الآن للإسلام في الليل والنهار، ونعلم علم اليقين أن اللوبي الصهيوني هو الذي يتحكم الآن في كل بقاع الأرض بوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، فالإسلام دين التسامح والرحمة، ويكفي أن نعلم الحديث الذي رواه البخاري في التاريخ، والنسائي في السنن، وصححه الألباني في المجلد الثاني من صحيح الجامع من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أمن رجلاً على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافراً).
لكننا لا ندري حتى الآن ما الذي جرى لمنظمتكم، وكيف تعطلت عندها لغة الكلام فلم تستنكر ولم تشجب الجرائم التي ارتكبتها داعش باسم الإسلام. رغم أن الشجب والاستنكار والإدانة من أضعف أسلحة الاعتراض بالمقارنة مع حجم الممارسات الإجرامية المتكررة وبشاعتها ؟.
لقد اختارت الصحف الغربية صورة واحدة لداعشي قميء يطلق ابتسامة وقحة وهو يحمل رأس امرأة مسيحية مقطوعة الرأس، فأعادت نشرها مئات المرات لتؤجج علينا الرأي العام، وتقول للعالم: أنظروا إلى بشاعة المسلمين وبربريتهم، أنظروا إلى بربرينهم وكيف يتفاخرون بقطع رؤوس النساء المصونات. لا شك أنكم شاهدتم هذه الصورة، وشاهدتم غيرها، بل وشاهدتم عشرات الأفلام لسبي النساء المسيحيات والأيزيديات والتركمانيات، وشاهدتم كيف قطعوا أطرافهن ومثلوا بجثثهن، وكيف اغتصبوهن واحتفظوا بهن لتفريغ شحنات غرائزهم الحيوانية باسم الدين. كان يتعين عليكم أن تثوروا وتنتفضوا وتنفعلوا وتسارعوا لتحديد موقفكم من هذه الأعمال الشريرة، وأن لا تلوذوا بالصمت المطبق، ولا تتغاضوا عن جرائم داعش. لكنكم نسيتم أن بنود ميثاقكم توجب حماية صورة الإسلام الحقيقية والدفاع عنها، والتصدي لحملات تشويه صورة الإسلام وتشجيع الحوار بين الحضارات والأديان. وعلى الرغم من علمكم المسبق أن العصابات الإرهابية ارتكبت مجازرها باسم الإسلام، وقطعت رؤوس الأبرياء وساقت النساء في قوافل السبايا، واستولت على ممتلكات الناس وطاردتهم في البراري حفاة عراة، أو أجبرتهم على اعتناق الإسلام، وعلى الرغم من علمكم بأن تلك العصابات دمرت الكنائس والصوامع ودور العبادة، فمتى تشجبون تلك الأعمال المنافية لأخلاق الدين الحنيف ؟. أليست هذه المشاهد منافية لديننا ؟. أم أن دينكم يختلف عن ديننا. ثم كيف ستتحاورون مع الآخرين، ومن الذي سيتحاور معكم بعد الآن إذا كنتم تؤيدون داعش وأخواتها.
راجعوا المادة الأولى من معاهدتكم لمكافحة الإرهاب الدولي لسنة 1999، وانظروا إلى هذا النص المكتوب فيها: (عملا بتعاليم شريعتنا الإسلامية السمحاء التي تنبذ كل أشكال العنف والإرهاب، خاصة ما كان منه قائما على التطرف، وتدعو إلى حماية حقوق الإنسان، وهي الأحكام التي تتماشى معها مبادئ القانون الدولي وأسسه التي قامت على تعاون الشعوب من أجل إقامة السلام). أليست جرائم داعش ومجازرها تدخل ضمن العنف والإرهاب ؟. أم أنها مستثناة بموافقتكم ومباركتكم ؟؟؟.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

الحسين كلمة الحق

في هذه الأيام العظيمة، وبمناسبة الذكرى السنوية لفاجعة الطف، واستشهاد سيد شباب أهل الجنة، لم أتمالك نفسي وأنا أقرأ مسرحية (الحسين ثائراً) للشاعر الكبير عبد الرحمن الشرقاوي، والتي حاول من خلالها أن يقدم للمشاهد العربي أروع ملحمة بطولية عرفها التاريخ الإنساني. لم أتمالك نفسي إلا والدموع تنهمر على وجهي، وكنت أردد: اللهم أحشرنا مع الحسين وأنصار الحسين.
كتب الشرقاوي هذه المسرحية وأهداها إلى أمه التي علمته منذ طفولته أن يحب الحسين. ذلك الحب الحزين الذي يخالطه الإعجاب والإكبار والشجن، ويثير في النفس أسى غامضا وحنينا إلى العدل والحرية والإخاء وأحلام الإخلاص. يستعرض الشرقاوي في إحدى المشاهد مراوغات الوليد بن مروان، ومحاولاته لانتزاع البيعة من الحسين بن علي بن أبي طالب.
قال الوليد: نحن لا نطلب إلا كلمة فلتقل: بايعت، واذهب بسلام لجموع الفقراء، فلتقلها وانصرف يا ابن رسول الله حقنا للدماء فلتقلها. آه ما أيسرها. إن هي إلا كلمة. رد عليه الحسين: (منتفضا): كبرت كلمة، وهل البيعة إلا كلمة ؟. ما دين المرء سوى كلمة. ما شرف الرجل سوى كلمة. ما شرف الله سوى كلمة. أتعرف ما معنى الكلمة يا ابن مروان ؟. مفتاح الجنة في كلمة. دخول النار على كلمة. وقضاء الله هو الكلمة. الكلمة نور وبعض الكلمات قبور. بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل. الكلمة فرقان بين نبي وبغي. بالكلمة تنكشف الغمة. الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة. عيسى ما كان سوى كلمة أَضاء الدنيا بالكلمات، وعلمها للصيادين فساروا يهدون العالم. الكلمة زلزلت الظالم. الكلمة حصن الحرية. الكلمة مسؤولية. الكلمة شرف الإنسان. الكلمة نور الرحمن.
ثم قال الحسين: أتقتلني يا ابن الزرقاء بقولة جدي فيمن نافق ؟. أتزيف في كلمات رسول الله أمامي يا أحمق ؟. أتقتلني يا شر الخلق ؟. أتؤول في كلمات الله لتجعلها سوط عذاب تشرعه فوق امرئ صدق ؟.
رحل الشرقاوي إلى جوار ربه عام 1987، ولم يحالفه الحظ في مشاهدة مسرحيته التي كتب فصولها بدموعه فأهداها لأمه، كان أعداء الكلمة هم الذين أعلنوا وقوفهم ضد كلمة الحسين التي ظلت تصدح في أرجاء الكون كله. عندما خاطب مرتزقة يزيد بن معاوية: لا والله. لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد. ظلت كلمته كالمطر النازل من السماء. تسيل به الأودية. تفيض به العيون. تسقى به الأرض بعد موتها. ينتفع بها طلاب الحرية والإنعتاق من الظلم. أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
ما كانت كلمة الحسين تُقال لِتُقمَع. بل لكي يظهر أثرُها ويسْطَع. ويزهق الباطل ويُقلع. كانت كلمة نورانيَّة، وحجَّة ربانيَّة، ومنحة إلهيَّة، فالحق كلمة وصوت رباني في وجه الباطل. تُزلزل كيانه. تحطم أركانَه. تقهره وتُهلكه، حتَّى يصل الهلاك إلى دماغه، فيعطب ويتلف، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ. فالحق ناطق ساحق ماحق، والباطل مخبط مخلط زاهق. قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.

لقد اكتشفوا أمرنا.. اهربوا

أرسل الكاتب الأمريكي (مارك توين) رسالة مختصرة بهذا النص (أهرب لقد اكتشفوا أمرنا)، ثم أبرقها على سبيل الدعابة إلى عشر شخصيات سياسية كبيرة، وما أن بزغت شمس الصباح حتى كانوا جميعهم خارج أمريكا.
ترى ما الذي سيحدث في البلاد العربية لو أرسلنا مثل هذه الرسالة المفزعة إلى فقهاء الفتن، الذين أفتوا بسفك الدم الحرام، وما الذي سيحدث لو أرسلناها إلى فقهاء السوء, الذين شربوا من دماء الناس حتى الثمالة، أغلب الظن أنهم سيلوذون بالفرار، ويا روح ما بعدك روح.
فقهاء يتفننون بصناعة الموت باسم الدين، لكنهم عندما تحين ساعة الهرب يرتمون في أحضان أمريكا أو بريطانيا. لقد أدرك هؤلاء أن العمل التآمري في هذه المرحلة الفوضوية يتطلب خفة الحركة في المناورة والهرب، خصوصا بعدما افتضح أمرهم, وتكشفت ارتباطاتهم المريبة, فما بالك إذا وقعت الواقعة، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، ووقفوا يوم تُبلى السرائر مذعورين مهزومين.
وما الذي سيحدث لو أرسلنا هذه الرسالة إلى السياسيين، الذين تكشفت عوراتهم، وبانت سوءاتهم، بعدما خذلونا وفرطوا بمصالحنا الوطنية وتواطأوا مع شياطين الدواعش. أغلب الظن أنهم سيحملون جوازاتهم الاحتياطية, ويعودون مذعورين مدحورين إلى أوكارهم القديمة, ولعل أكثر الإجراءات ضماناً في الوقاية من هروبهم, هي استبعادهم من المواقع الحساسة, فما أسهل التملص من المساءلة القانونية عند الذين تشعبت ولاءاتهم الزئبقية, وما أبسط الرجوع إلى الحاضنات البديلة عند الذين تعددت ارتباطاتهم الدولية, لذا يتعين علينا توخي الحذر, حتى لا نقع في المطب, الذي وقعت فيه مصر عندما سجنت الدكتور (سعد الدين إبراهيم) حامل الجنسية الأمريكية, ويومها هددت واشنطن بوقف مساعداتها عن مصر ما لم يتم الإفراج عنه. وما أن أفرجوا عنه حتى لاذ بالفرار, وعاد مهرولاً إلى وطنه البديل, فتنكر لأمته, وقال في احتفالية أقيمت له في نيويورك: (أنا أقوى من مصر), وكان هذا هو ثمن الاتكال على أصحاب الوجوه الهلامية المزدوجة.
وبغض النظر عن الذين هربوا، والذين يخططون للهرب، فأن الخاسر الأكبر هم أولئك الذين وضعوا ثقتهم بأشخاص لا ينتمون إلى العراق وأهله. أشخاص يقبعون الآن في حاضناتهم الخليجية أو أوكارهم الغربية. فالتآمر علينا صار من الأساليب السياسية الرخيصة التي تبناها أصحاب التطلعات الوصولية والأهداف النفعية.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

أجنحة الأسيرات العراقيات

هذه فضيحة إنسانية أخرى لم ترصدها الفضائيات العراقية حتى الآن. فضيحة توصلنا إليها عن طريق استقراء العام من الخاص واستنباط الخاص من العام، فالحقائق الملموسة والمتداولة الآن فوق أرض الموصل تشير إلى ما لا يقبل الشك والتأويل أن العراقيات اللواتي وقعن أسيرات بين مخالب القوى الشريرة بزعامة داعش، أصبحن الآن من ضحايا الأقطار التي وصل بها التمادي إلى أبعد الحدود في تعاطي الرذيلة السياسية بصيغتها المعلنة على لسان أئمة السوء وفقهاء الدعارة الطائفية.
الحقيقة الأولى: أن مرتزقة الدواعش استجابوا لنداءات الشيخ الحويني، التي أطلقها من منبره في مصر، عندما رفع عقيرته بالنواح والصياح مناشداً مرتزقته لمواصلة الغزو المسلح بذريعة الجهاد، وما نتج عن هذا (الجهاد) من سبي للنساء المسيحيات (اليهوديات غير مشمولات)، بتجديد حملات الرق والعبودية، والاستحواذ على العدد الأكبر من الجواري وبيعهن والانتفاع بأثمانهن.
الحقيقة الثانية: أن الدواعش طبقوا ما قاله لهم كبيرهم الذي علمهم الإجرام، فخطفوا المسيحيات العراقيات من بيوتهن ومدارسهن وكنائسهن. واعتبروهن من السبايا أو من غنائم التهتك الجهادي. فساقوهن أسيرات ذليلات بالمئات. أما الأيزيديات فقتلوهن على الفور باعتبارهن من ملة غير كتابية.
الحقيقة الثالثة: أن بورصة بيع النساء العراقيات في أسواق النخاسة توزعت على طول المسالك الممتدة من باب الطوب في نينوى إلى باب كيسان في الشام، وتراوحت أسعارهن المعلنة في ولاية الموصل أو في ولاية الفرات أو في ولاية درعا بين (50) و(600) دولار. وانهالت عليهن سياط الظلم والظلام في مسارات التسويق البشري في الألفية الثالثة في خرق سافر لحقوق الإنسان.
انتهت الحقائق الثلاث، وجاء دور التساؤلات المنطقية التي نبدأها في البحث عن الكيفية التي انتقلت بها أفواج السبايا من سهل نينوى إلى بقية البلدان العربية والإسلامية، وكيف عبرن المنافذ الحدودية من دون جوازات سفر ومن دون تأشيرات دخول ؟. ثم كيف تم إسكاتهن وكتم أنفاسهن ؟، وهل قطعن هذه المسافة الطويلة تحت تأثير التخدير بأقراص الهلوسة أم بجرعات الهيروين والكوكايين ؟، وكيف نفذوا عمليات انتقالهن عبر هذه العوائق الحدودية من دون تسهيلات ومن دون تواطؤ ومن دون تغاضي ؟. لابد أن تكون التسهيلات التي قدمتها تركيا وقطر لتغطية تحركات الدواعش من شتى أنحاء الكون والتوجه إلى العراق هي التي شملت أفواج السبايا حتى وصلن إلى أفغانستان وقرى الباكستان والقبائل الأفريقية، ولابد أن يكون الطيران القطري أو التركي أو السفن المبحرة من موانئ البلدان المؤازرة للدواعش هي التي تبرعت بنقل السبايا وتسويقهن في رحلة الذل والمهانة.
ينبغي طرح هذه التساؤلات المشروعة على منظمات حقوق الإنسان ومناقشتها مع اللجان المختصة في المحاكم الدولية، وينبغي التوجه على الفور نحو فضح الأقطار الغارقة والمتورطة في هذه الممارسات المعادية للجنس البشري. وفضح فقهاء السوء الذين سجلوا مواقفهم الخسيسة بالصوت والصورة عندما أباحوا لقرودهم خطف نساء القرى العراقية واغتصابهن وتعذيبهن وبيعهن في أسواق الغنائم البشرية المشرعنة على طريقة الشيخ الحويني وشراهته الحيوانية.
وسيأتي أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ

المسيحيون بخير والحمد لله

نتيجة لانزعاج بعض المتأسلمين العرب وتذمرهم من مقالاتي المناصرة للأقليات الإثنية في العراق، والتي وقفت فيها مع ضحايا الحملات العدوانية الظالمة، سأكتب مقالة أخرى أفصلها هذه المرة على مقاسات أذواقهم، أقول فيها:
يعيش المسيحيون أجمل أيامهم في الهواء الطلق، وعلى وجه التحديد في سفوح الجبال وبواطن الوديان ورمال البراري، فالعيش خارج منازلهم في الأجواء المفتوحة يمنحهم حرية الاستمتاع ببرودة الليالي المظلمة، والتعايش مع الذئاب والثعالب والدببة في الكهوف والأخاديد الجبلية. حيث يقطفون طعامهم من بقايا الثمار المتيبسة فوق الأغصان، ويشربون المياه الراكدة في قعر الجداول المتعرجة وفي قيعان الوديان السحيقة.
لقد عادوا الآن إلى الطبيعة البرية المفتوحة كما الهنود الحمر في أيامهم الأولى، ليمارسوا الأساليب البدائية التي اكتشفها أجدادهم في العصر الآشوري، فتركوا المعلبات والمرطبات والمشويات والمقليات، واستغنوا تماما عن بطاقاتهم التموينية التي أرهقتهم بالسمن النباتي والرز والنشويات والمساحيق الكيماوية، باعتبارها من الممنوعات المسببة لسلسة طويلة من أمراض الضغط والسكري والنقرس وزيادة الوزن، وفضلوا السير على أقدامهم حفاة عراة فوق الصخور الوعرة متجنبين استعمال سياراتهم التي تركوها وراءهم في بيوتهم المهجورة. فتخلصوا من منغصات التلوث التي كانت تجلبها لهم محركات البنزين والديزل. واكتشفوا أن المشي فوق الصخور يعد من الطرق الرياضة المعتمدة في تصحيح تشوهات العظام والعمود الفقري.
المسيحيون الآن يفترشون العشب الرطب ويتدثرون بمظلة السماء الملبدة بالغيوم، لا حاجة لهم بعد الآن للكهرباء وأجهزتها المرتبطة بشبكات الراديو والتلفزيون والانترنت، خصوصا بعدما تحولت قصتهم إلى مادة إعلامية نادرة تشبه مواد الناشيونال جيوغرافي، صاروا الآن فرجة لمن هب ودب في هذا الكون الفسيح.
أما المستشفيات والعقاقير والأقراص فليسوا بحاجة إليها هي الأخرى، فقد ساعدتهم جداتهم في العودة إلى الطب الأعشاب، فالغابات القريبة منهم عبارة عن صيدليات كبيرة فيها كل ما يحتاجه المريض من دون وصفات طبية.
يمضون أوقاتهم كلها في اللعب والمرح بين أشجار الجوز والبلوط والكروم، تحوم حولهم الطيور والزرازير بأصواتها العذبة. يؤنسهم البعوض الجبلي بمزاحه الثقيلة، وتداعبهم العقارب بلدغاتها الاستفزازية المفاجئة، فيتجمعون هربا منها حول حلقات النار، حيث الدفء والألفة التي يوفرها لهم الحطب الذي يجمعه صغارهم من الأشجار القريبة.
حتى المدارس والأعمال الروتينية غادروها ورفضوا العودة إليها، فالتعليم المفتوح يمنحهم فرصة كبيرة لتعلم دروس الجاذبية الأرضية من الصخور المتدحرجة والأغصان الساقطة فوق رؤوسهم، وربما يتعلمون الحساب من جمع حبات الحصى، وبيض طيور الكركي الجميل، ويمارسون رياضة الركض والهرولة صعودا ونزولا بحثاً عن الفطر البري بين الشقوق الصخرية.
أغلب الظن أنهم يحمدون الله ويشكرونه على هذه النعمة التي هبطت عليهم في ربوع وطنهم، ويسألون الله تعالى أن يوفر لأبناء القبائل العربية البدوية التي أسهمت في تفعيل رحلتهم البرية الجبلية، ويمن عليهم برحلات طويلة في صحراء الربع الخالي أو في جوف الخليج العربي وأمواجه المتلاطمة، ليعيشوا هم وعوائلهم في تلك الأجواء الطبيعية الحميمة، ويجربوا العيش مع السحالي والعرابيد والأفاعي.
ختاماً يتقدم المسيحيون بالشكر الجزيل إلى حكومة الرجب الطيب الأردوغان لمساعدته لهم في إرسال تعزيزات الدواعش الذين أفرغوا بيوتهم من محتوياتها، والشكر موصول إلى حكومة الدوحة التي منحتهم فرصة الهجرة الليلية القسرية.
اللهم لا تؤاخذنا بما فعله السفهاء منا يا رب

عقوبات دولية تنتظر العرب

ببركات الفقه التكفيري المنحرف وسيوف أعداء الرحمة وخصوم الإنسانية زُلزلت الأرض تحت أقدام المسيحيين، واُقتلعت جذورهم من سهل نينوى الذي أصلحه أجدادهم منذ فجر التاريخ، فهاموا على وجوههم في الجبال والوديان والبراري. تهدمت كنائسهم القديمة. أُزيلت صوامعهم. تبعثرت قبور موتاهم. أحرقت حقولهم. صُودرت أموالهم. أُتلفت وثائقهم الثبوتية. طُردوا من وظائهم بالركل والضرب المبرح. ثم استحوذ التكفيريون على بيوتهم وممتلكاتهم، وكتبوا على بواباتها حرف (ن) وتعني نصراني، فعزلوهم ونبذوهم وحرموا الاحتكاك بهم، وأطلقوا ضباعهم الكاسرة للممارسة نزواتهم الشاذة، في استهتار ما بعده استهتار، ووقاحة ما بعدها وقاحة.كانت كاميرات الدواعش هي التي تسجل تفاصيل كل فقرة من فقرات أفعالهم الدنيئة ضد المسيحيين والأيزيديين لأمر مُخطط له مسبقاُ، وبإصرار مريب يشبع المهزلة تأكيداً وتوثيقاً، ويدعم فكرة إصدار العقوبات الدولية ضد البلدان التي أسهمت وشاركت في تنفيذ المجازر العرقية والطائفية.أنظروا إلى الأبعاد الخطيرة لخروج المسيحيين مذعورين بأعداد غفيرة من العراق، وخروجهم على دفعات من سوريا ولبنان ومصر، وانظروا إلى المجازر التي تُرتكب ضدهم الآن، وانظروا إلى أعراضهم المنتهكة وأملاكهم المغتصبة وحقوقهم الضائعة، وانظروا إلى صبر القوى المسيحية المنتشرة في أرجاء الكون وهي تراقب صمت مؤسساتنا الدينية الساكتة، وترصد غيبوبة جامعتنا العربية التي لم تستنكر حتى الآن ولم تعترض على جرائم داعش. لقد اشتركت 99% من فضائياتنا العربية في هذا الصمت المطبق. هل تظنون أن مجلس الأمن الدولي سيتغافل عن مسلسل جرائم الاغتصاب والخطف والقتل والنهب والسلب والتشريد والتهجير والتعذيب والتعسف والاضطهاد ؟. الفاتيكان ورابطة الكنائس الأوربية جمعوا الآن كل الوثائق التي صورتها كاميرات الدواعش، وأعدوا ملفاً كبيراً مدعماً بالأفلام واللقطات والفتاوى والخطب والرسائل والتصريحات التي حرضت هؤلاء على قتل المسيحيين وشجعتهم على اغتصاب نسائهم واقتلاعهم من أوطانهم. تحولت الوثائق الآن إلى مجلدات ضخمة تشتمل على كم هائل من الحقائق الدامغة المعززة بالأدلة القاطعة. سيضعونها كلها أمام أنظار المحاكم الدولية للخروج بعقوبات ثقيلة يفرضونها على البلدان المؤازرة لداعش على غرار العقوبات الدولية التي فرضوها ضد ألمانيا النازية على خلفية محارق الهولوكوست، التي التهمت اليهود بنيرانها المشحونة بجنون التصفيات العرقية والدينية. ربما سيطردون أبناء تلك البلدان من أوربا وأمريكا وأستراليا والبلدان المسيحية الأخرى (المعاملة بالمثل)، وإن كانت هذه الاحتمالات مستبعدة في الوقت الحاضر على أقل تقدير فالأقطار الأوربية ليست بهذه الدونية من التعصب الديني والتطرف العرقي، لكنه يبقى من الاحتمالات الواردة، لأن التكفيريين ومن يقف خلفهم من الأنظمة الظلامية نسفوا مبادئ التعدد الثقافي والديني والعرقي، وأطاحوا بركائز التعايش السلمي. وربما يتبنى مجلس الأمن سلسلة من القرارات تلزمهم بدفع فواتير التعويضات على غرار الغرامات الهائلة التي دفعتها ألمانيا لإسرائيل، أو على غرار الغرامات التي دفعها العراق للكويت. يتعين على العالم الإسلامي أن يتنبه قبل فوات الأوان لهذا الإسراف في القتل والدمار، ويعلن رفضه للممارسات الإجرامية، التي ماانفكت تستهدف المسيحيين وتطاردهم دون رأفة وتقتلهم دون تردد.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

الباحثون عن خبز العراق

ربما تظنون أن مفردة (خبز) تعني رغيف الدقيق والحنطة والشعير، لكن معاجم اللغة تؤكد على أن الفعل (خبز) يعني: ضرب، وأن جملة (خبزه على ظهره) تعني: ضربه بقوة، فرغيف القمح يُضرَب مرات ومرات حتى يتمدد ويتسع، ونحن ضربنا الدهر على ظهورنا مئات المرات فتبعثرنا في المخابز المليونية نبحث عن لقمة العيش بين منعطفات مدن العراق الواسعة الفسيحة الرحبة، وبين أرضه المعطاء التي قال عنها الأنبياء: لن يجوع في أرض العراق فقير. فمنابتنا قصب، وأنهارنا عجب، وثمارنا رطب، وماؤنا عذب، وعيشنا خصب، وحقولنا ذهب. لكن العجب كل العجب عندما يهيم العراقيون على وجوههم خوفاً من بطش الدواعش، أو خوفاً من همجية الغارات العشوائية، أو هرباً من التصفيات العرقية والطائفية والمناطقية. في حي الجامعة ببغداد يقف المشردون والمهجّرون والنازحون في طوابير ليستلموا الخبز بالمجان. أثرياء ووجهاء وأغنياء ضربتهم عواصف التقلبات السياسية فهاموا على وجوههم في البوادي والوديان حتى استقرت بهم أجنحة النوى في قلب بغداد.
البغداديون لم يتخلفوا لحظة واحدة عن مؤازرتهم ومواساتهم، وظهرت في أسواق العراق أسعار مخفضة للضيوف، لكن الطامة الكبرى أن منظمات المجتمع المدني والوزارات المعنية بأمور النازحين والمتضررين لم تتفاعل كما ينبغي مع تداعيات هذه المصائب والويلات.
أعراقيون يبحثون في العراء عن الملاذ الآمن، ويفتشون عن رغيف الخبز في الأفران والمخابز. من فيكم يصدق هذا الكلام ؟. لكن دهشتكم ستنفجر بصوت مدو إذا علمتم أن ميزانية العراق بلغت في العام الماضي (138) ترليوناً، و(424) بليوناً، و(608) ملايين من الدنانير العراقية، بما يعادل (125) مليار دولار أمريكي. تكفي لشراء كل الخبز المخبوز في كوكب الأرض منذ السنوات العجاف التي ضربت مصر في زمن سيدنا يوزرسيف الابن البكر للصابرة راحيل، وحتى يوم رحيلنا الذي صارت فيه منظمة اليونيسيف تتصدق علينا.
الفقراء في بلادي كثيرون ويتكاثرون، والنازحون في بلادي كثيرون ويتكاثرون. ما مر عام والعراق ليس فيه جوع. فقراؤه يموتون جوعاً ويتقاسمون رغيف الفقر في مكبات القمامة، وزعماء القوم غارقون في ممارسة الرذيلة السياسية.
كيف يغفر الضعفاء لمن سرقوا منهم حقوق الأمن والأمان، وسرقوا منهم لقمة العيش ؟. وكيف يغفر الله لمن سرق مستقبل أرض الحضارات، واقتلع جذور الميزوبوتاميا، وأغرق سفينة أحفاد أتونابشتم في المأساة الأخيرة للطوفان الفوضوي، وطغيانه الطائفي المدمر ؟.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين