لكل قاعدة استثناء، عادة ما يثير الفضول والانتباه والاستغراب، وثمة حقائق نفسية، تدعى (قوانين شد الانتباه)، والانتباه أنواع منه (الاختياري) هو ما نختاره وقت ما يشاء،ومنه (الاجباري) أي كل ما يجبرنا -غصبا- على النظر والتركيز مثلا -حدوث انفجار مفاجئ (ويا مكثرها في عراقنا اليوم).. حدث طارئ..اندلاع مشكلة آنية، أو خبر عاجل يومض سريعا أسفل شاشات التلفاز، أو ظاهرة شاذة.. مشهد غريب مثل تواجد امرأة لوحدها مع مجموعة رجال، أو وضع نقطة حمراء على سطح لوحة يحوي مجموعة نقاط بيض أو سود أو صفر أو(ليموني)، على من يتم التركيز -هنا- حصريا؟ نعم فالاجابة -قطعا- معروفة كالرد على أسئلة بسيطة، بل ساذجة تشبه أغلب الأسئلة التي تطلقها إحدى شركات هواتفنا النقالة على مشتركيها و(تثبرهم) -بعد ذلك- بسيل من رسائل تحفيزهم للفوز بجوائز وهمية (الحجي زين.. لو مو زين؟!).
لعل تعميم (القاعدة والاستثناء) -هنا- سينصب حول مقهى غريب جرى افتتاحه -مؤخرا-في(هونك كونك) هو (الاستثناء) كونه يختلف اختلافا جذريا، عما ألفناه في طبيعة عمل وواجبات المقاهي الاعتيادية والمألوفة، يقوم (مقهى الحزن) -وهذا هو اسمه- بتقديم خدماته اللازمة وفق طبيعة وهدف معينين، وقبل أن نتعرف جيدا، أود أن أعيد للذاكرة الثقافية والسياسية عن وجود مقهى في بغداد -ستينيات القرن العشرين- باسم (مقهى المعقدين) حيث كان يقع بداية شارع السعدون، وتعود تسميته بهذا الاسم الى اهتمام أغلب رواده (أدباء/مثقفين/وسياسيين) بموجات ما عرف -آنذاك- بالوجوديين واللامنتمين واليساريين، أيام كانت تلصق صفة -أقصد تهمة- (المعقد) بسلوك وأفكار وتصرفات المثقف الجدي، كما تلصق (لصقة جونسون) الشهيرة في المكان الذي توضع فيه.
الكثير من شعرائنا وقصاصينا كانوا قد كتبوا مستذكرين ذلك المقهى، أبرزهم المبدع (جمعة اللامي) -ربما- في مجموعته (من قتل حكمت الشامي) أو (اليشن)، كان مقهى بسيطا، يفتقر للكثير من محتويات المقاهي العامرة في تقديم الخدمات، لكنه ثريا بالثقافة الراسخة في ضمير وعينا ومنجما للإبداع، لكنه ضاع، كما ضاع الكثير من معالمنا ومقاهينا الفكرية والأدبية والفنية (حسن عجمي/الاعيان/البرلمان/البلدية //البرازيلية والسويسرية وغيرها، فيما لم يزل ينفرد (مقهى الحزن) هناك في هونك كونك،على تقديم المناديل والموسيقى (التي تفتفت الصخر وزيادة مناسيب الحزن والمناحة)، ويمتنع عن تقديم أية خدمات من شأنها رفع مستوى معنويات الرواد كي لا تنسيهم تعاستهم، فالمكان مخصص للتنفيس الرواد عما في دواخلهم بالفضفضة والحديث عن مشاكلهم، مقابل (6) دولارات، فقط عن الساعة الواحدة،فالغرض الأساسي من إنشاء هذا المقهى (الاستثنائي)- وفق دراسات علمية- هو العلاج النفسي للمكتئبين من العشاق ذوي التجارب الفاشلة في الحب والتجار المفلسين والأزواج الهاربين والفارين بجلودهم من أقفاص الزوجية، كما يوفر للزبائن فرصة سانحة للبكاء الجماعي، بتقديم البصل والفلفل الأحمر وزيت النعناع كمواد تحفيزية في تطبيق شعار المقهى(من أجل بكاء أمتع)، كذلك توفير الدمى الحاجيات للثأر منها وتخفيف حدة الحقد والغضب لدى روادها المكتئبين.
الفكرة نجحت .. يا جماعة الخير.. وأصحابها يفكرون بتعميمها في بلدان أخرى من العالم،فلماذا لا نفكر- نحن- بإنشاء مقاهي تمتص نقمة الشعب على الحكومة جراء استمرار ضعف الأمن ونقص الخدمات؟!