اللغة الانجليزية !

 منذ عقود بعيدة وأنا أسير أحلام أربعة لم تفارق مخليتي، الاول لو ان امي أنجبتني في باريس قريبا من برج إيفل، ولكن المخاض جاءها في اليوسفية قريبا من مقبرة سيد عبد الله، والثاني: ان اكون مصمم ازياء نسائية مشهورا، وقد جربت وفشلت، لان العمل مع مزاج المرأة المتقلب يوجع القلب والرأس والعاطفة والثالث: ان اكون رئيس وزراء جمهورية العراق لمدة خمس دقائق فقط.. لكي الغي الدستور واحل البرلمان واصدر قرارا يقضي ببقائي في المنصب مدى العمر ولكنني لم اجرب ولم احاول خوفا على عنقي، والرابع ان اتعلم اللغة الانجليزية وهذا حلم في غاية البساطة ومقدور عليه غير انني كنت أتماهل وأتكاسل، واقول مازال أمامي متسع من الوقت بينما السنين تجري سريعا ولا اشعر بها ، إلى ان اكتشفت فجأة ان العمر يقترب من الشيخوخة والموت شيخوخة – لا حبا قاب قوسين ولكوني متشبثا بالحياة تشبث الدكتاتوري بإغراءات الكرسي فقد بدأت اعلم نفسي ذاتيا اشتريت قاموسا ومجموعة كتب تعليمية وعددا من القصص والروايات الانجليزية وحاولت ترجمتها بالاعتماد على القاموس (كانت ترجمتي مدعاة للضحك) مثلما حاولت الاستعانة من دون حرج بأصدقائي وأقاربي الذين يجيدون هذه اللغة وبالذات زوجتي التي تحمل شهادة الماجستير في اللغة الانجليزية، وفي الحقيقة كان إصراري عل ى تعلم اللغة نابعا من مشكلة صغيرة بيني وبين زوجتي اكثر من كونه حلما فقد كنت في لحظات الخصام معها اغضب وانفعل واشتمها باللهجة العراقية المعروفة وتكتفي هي بالرد علي بجملة انجليزية وهذا ما يثير غضبي اكثر، فلعها ترد على شتيمتي بشتيمة أقوى، وحين استفسر منها عن معنى الجميلة، تؤكد لي أنها قالت حسبي الله ونعم الوكيل بالانجليزية ولكن من يضمن حيل النساء؟! ولهذا لم يكن أمامي حل للوقوف على ردها سوى إتقان هذه اللغة!! 

ربما أصابني الهوس واندفعت اندفاعا جنونيا للتعلم بأسرع وقت ووضعت سقفا زمنيا محددا لا يتعدى عاما واحدا ومن هنا وصلت الليل بالنهار وانا اتابع واراجع القاموس وارجع الى الانترنيت والمصادر وأترجم واسأل عن هذا التركيب او المصطلح، ويبدو انني حققت هدفي قل انقضاء العام، وأتقنت الانجليزية اتقانا مذهلا دفعني الى الغرور بحث رحت اجتهد وأتوسع بمعاني الكلمات ومدلولاتها كما حصل على  سبيل المثال قبل أسبوعين حيث استوقفتني مفردة أكسباير وتابعت معناها الدقيق وأدركت ان المعنى العام لها يشير إلى انتهاء صلاحية المادة فالدواء (س) صالح للعلاج لمدى شهرين من فتح العبوة ولايجوز بعد ذلك استعماله لان مفعوله العلاجي انتهى وقد يؤدي الاستمرار في تعاطيه الى مضاعفات صحية لا تحمد عقباها ويجري المعنى ذاته على أنواع الاطعمة المعلبة وعبوات الألبان والماء والمشروبات الغازية وغيرها.. الا انني لم اكتف بهذا المعنى الشائع وحاولت التوسع والاجتهاد مع كوني مازلت في البيضة كما يقولون ورأيت ان مفردة اكسباير يمكن ان تمتد الى آفاق ارحب فتقول على سبيل المثال ان الدستور اصبح اكسباير  وان 99،9% من أنظمتنا العربية والإسلامية انتهى مفعولها وأصبحت اكسباير ووجودها في الكم إن لم يضر فهو لا ينفع!! 

ملاحظة : منذ أدركت زوجتي أنني أتقنت هذه اللغة، التزمت الصمت، ولم تعد تقول حسبي الله ونعم الوكيل باللغة الانجليزية.  

انطباعات من تونس

*  قبل فترة قريبة عدت من تونس بعد دعوة ادبية من ولاية سيدي بوزيد للمشاركة في مهرجانها الصيفي المنوّع؛ حتى اذا ما انتهت قراءاتي هناك؛ حملت رحلي الى العاصمة .

  وتونس تعني شرارة الربيع العربي الذي(اندلق) في الشوارع ف(تزحلق) الحكام والرعاة وسط ضحك ودموع الرعية والمحكومين.

ومن الطبيعي ان يحاول زائرها اكتشاف ماهية هذه المدينة الاعجوبة التي اشعلت الفتيل ولم تجلس متفرجة على حرائقه وانما بقيت تذكيه بمتغيراتها السياسية والثقافية والاجتماعية .

* ومثلما لكل المدن وجهان ؛ فلتونس- العاصمة- وجهان ايضا؛ الوجه الاول ممثل ب(المدينة القديمة) والتي لا يمكن لك ان تعرف تاريخ هذا البلد من دون ان تشمّ روائحها . والوجه الاخر هو الوجه السياحي؛ المقترن بالإسمنت والشوارع النظيفة وواجهات المقاهي المنتشرة على طول شارع(ابو رقيبة) الذي يشابه بالكثير من الوجوه شارع(الشانزليزيه) الفرنسي؛ لان الفرنسيين صمموه هكذا اثناء احتلالهم لهذا البلد؛ وليس الشارع وحسب؛ بل على مشارفه (حيث يقبع الحي العربي) نصبوا بوابة مستنسخة من بوابة النصر الباريسية .ما لفت انتباهي في تونس القديمة؛ هو المحافظة على طرازها العمراني القديم؛ سواء بالدرابين الضيقة.. بالمدارس الدينية(أبوابها العالية واطواقها الداخلية؛ ذكرتني بالمدرسة المستنصرية وان كانت لا تضاهيها عظمة او سعة في البناء؛ لكن الحكومة والاهالي حولوها الى معلم سياحي محافظ عليه ويستهوي الاخرين  لتلمس التاريخ عبر خشب الابواب وشقوق الحياطين )

في هذه الازقة قرأت اكثر من يافطة مكتوبة على الجدران بالسبريه او البويا: تونس الديمقراطية– من مشنقة بن علي الى لحية السلفي!!

لكن لحية السلفي تعاملت واقعيا مع طبيعة البلد وطبيعة الناس؛ فلم تحاول فرض(الحملة الايمانية) كما طبقها النظام السابق؛ وكما يسعى اليها الان بعض(متدينينا) دون ان يطبقوا الحلال والحرام على تعاملهم مع المال العام أولا!!

• ثمة مقهى اسمها(باريس كافيه) تتوسط شارع ابو رقيبة؛ دلني عليها الصديق والاستاذ الروائي عبد الرحمن الربيعي؛ لكون صالتها مبردة( وكنت قد جلبت الحر من العراق معي) كما ان بعض الادباء التوانسة والعرب يلتقون فيها ؛فاتخذتها محطتي الاثيرة حتى من دون الربيعي؛ ولم تغرني صالتها المبردة بقدر ما اغرتني كراسيها المتناثرة على الرصيف العام؛ إذ بإمكانك مراقبة السواح ومن كل جنسيات العالم؛ متلازمين..متلاصقين..متحاضنين؛ ببناطيل جينز؛ بشورتات قصيرة؛ بملابس بلا اكمام..بإكمام معلقة بخيوط فقط؛ وفي وسط هذا المشهد المتداخل؛ تمرّ بك بنات بحجاب اسلامي؛ ونساء محتشمات الى الاخر؛ يتنوّع المشهد : شباب بلحى وشباب مساطيل وشباب يعيدون اليك الايمو العراقي ولكن لا وجود لل(بلوكات)هنا!!

الرقابة ذاتية؛ والمعيار الاخلاقي لا تقرره الملابس.. وانما ثقافة التعامل مع الناس؛ واحترام قناعاتهم .

• تونس : مدينة اسطورية..لا تملك حقول نفط ولا كبريت ولا فوسفات ولا مخزون من الغاز؛ لكنها تملك(حضارة معاصرة) لا تشبه تلك التي نتباهى ب(قدمها) دون ان ينعكس ذلك على سلوكنا الاجتماعي.

حفظ الله تونس الخضراء.. وادام نعمة الخضار عليها .

سوريا.. والفقهاء !!

لا شيء أكثر من الدم في دمشق. لا شيء أكثر من السلاح، وأكثر المتفائلين في ربيع دمشق يصف أمرها “بالكارثة”، لكن الكارثة هنا تأخذ أكثر من معنى وتأويل، فطرفا نقيض الأزمة يتهم الآخر بحمّام الدم الذي يأبي أن يتوقّف.

المعلومات التي باتت تنشرها الصحف الأجنبية عن الجيش الحر تبيّن أنه مخترق بالكامل، لا ينفي أحد الأصدقاء في المجلس الوطني السوري المعارض لنظام الأسد وجود أفراد من القاعدة تقاتل جنباً إلى جنب، في محافظة إدلب، ضدّ الجيش السوري النظامي، كما أنه لا ينفي، وجود أعلام للقاعدة ترفرف فوق محافظة أدلب وبعض أرياف محافظة حلب، أما عن نزاع طائفي وشيك، فهذا الأمر لا يتوانى عن القول أنه “أصبح وشيكاً”. 

صورٌ أخرى من مدن سورية تنقل احتفاظ السكّان بصورة “الداعية العرعور”، وهذا الداعية، ليس ثمّة آفة طائفية أكبر منه، فمن جهة يحرِّض على قتل “العلويين”، ومن جهة أخرى يدعو إلى دول إسلامية، فكيف حال دمشق في كلِّ هذا!. النظام السوري، على الرغم من استعراضه لعضلات بدأت تفقد بريقها بعد أن وصل الجيش الحر إلى مناطق في قلب العاصمة، هذا النظام، بدأ أيضاً يرتكب مجازر، لكن معركته تتلخّص بالبقاء، وللبقاء هنا تكاليف باهظة، والدم أرخصها!.

لكن في “ربيع دمشق”، أشياء لم يشهدها ربيع مرَّ قبله، الربيع هنا له رائحة الطائفية ودعوات وأدعية الموت؛ يتشبَّع هذا الربيع بعفونة الجثث، وبفوضى الأفكار، وبالتفاخر بالتقاتل، هكذا، ستدخل إليه أسماء ليست معنية بالسياسة، ولا بالمناصب، وإنما معنية بالموت وحده، الموت الذي لا يشاركه شيء، إنهم علي الربيعي، الذي دعا “التبرّع للجيش الحر ليندحر النظام الإيراني من سوريا”، أما عدنان العرعور، الملقّب بـ”أسد السُّنة”، فرائحة فتاواه ودعواته بدأت تزكم الأنوف مثلما هي رائحة الموت. ربيع الفقهاء هذا، حوّل الأمور إلى منحى آخر، العلمانية التي أدعتها الثورة في بدايتها ولّت. وأكثر المتفائلين بأمر دمشق بدأ الخوف يتسلّل إليه، ليس خشية فقط من اندلاع حرب أهليّة في سوريا، وإنما خوفاً من أن تمتدّ إلى دول أخرى لبنان ليس أبعدها ولا أوّلها.

هؤلاء الفقهاء، لم يتوانوا عن شتم المتخصِّص بالشؤون السورية، باتريك سيل، ولم يبتعدوا كثيراً عن وصفه بالمرتشي مرّة، وبالعميل مرّة أخرى. كلّ ما فعله سيل هو أنه كشف عن الدور الأميركي والأوربي في اللعبة السورية، أميركا لم تكن يوماً حامية للديمقراطية، ولا يهمّها أمر شعب بقدر ما تهمّها شؤون النفط وأمن إسرائيل، هذا ما حاول سيل أن يوصله إلى المجتمعات العربية من خلال مقاله الذي كتبه في صحيفة الحياة والذي أثار الفقهاء ضجّة بشأنه، الكل ذهب باتجاه الدفاع، الكلّ حاول تلميع الوجه الأميركي، الذي لا يزال سخام العراق على وجهه، نعم، سيل أكثر الخبراء بالشأن السوري، تبيّن هذا منذ مقاله الأوّل عن سوريا في الصحيفة نفسها، لم يكن سبيل سيل الدفاع عن النظام السوري، فهو نظام قمعي، وإنما هي محاولة لكشف أوجه الآخرين، وعلى سبيل الصدفة اتضح أن “الجحيم هم الآخرون” كما يقول سارتر، محاولات الإدارة الأميركية في دعم المعارضة السورية جاءت لضرب إيران وحزب الله اللذين يهدّدان أمن تل أبيب، والحكومات الخليجية، القطرية والسعودية، على وجه التحديد، يلعبان على حبل ويتأرجحان بين دعم إسرائيل تارة، وإبعاد الثورات العربية عن الخليج بإحداث فوضى في سوريا تارة أخرى. كتبت هنا، منذ شهور أن تشومسكي لا يشرب النفط، وباتريك سيل هو كذلك.

في الأخير، ثمّة سيناريوهات كثيرة تكتب لسوريا، ولا يبتعد أحدها عن الفوضى أبداً.

اللغة الانجليزية !

 منذ عقود بعيدة وأنا أسير أحلام أربعة لم تفارق مخليتي، الاول لو ان امي أنجبتني في باريس قريبا من برج إيفل، ولكن المخاض جاءها في اليوسفية قريبا من مقبرة سيد عبد الله، والثاني: ان اكون مصمم ازياء نسائية مشهورا، وقد جربت وفشلت، لان العمل مع مزاج المرأة المتقلب يوجع القلب والرأس والعاطفة والثالث: ان اكون رئيس وزراء جمهورية العراق لمدة خمس دقائق فقط.. لكي الغي الدستور واحل البرلمان واصدر قرارا يقضي ببقائي في المنصب مدى العمر ولكنني لم اجرب ولم احاول خوفا على عنقي، والرابع ان اتعلم اللغة الانجليزية وهذا حلم في غاية البساطة ومقدور عليه غير انني كنت أتماهل وأتكاسل، واقول مازال أمامي متسع من الوقت بينما السنين تجري سريعا ولا اشعر بها ، إلى ان اكتشفت فجأة ان العمر يقترب من الشيخوخة والموت شيخوخة – لا حبا قاب قوسين ولكوني متشبثا بالحياة تشبث الدكتاتوري بإغراءات الكرسي فقد بدأت اعلم نفسي ذاتيا اشتريت قاموسا ومجموعة كتب تعليمية وعددا من القصص والروايات الانجليزية وحاولت ترجمتها بالاعتماد على القاموس (كانت ترجمتي مدعاة للضحك) مثلما حاولت الاستعانة من دون حرج بأصدقائي وأقاربي الذين يجيدون هذه اللغة وبالذات زوجتي التي تحمل شهادة الماجستير في اللغة الانجليزية، وفي الحقيقة كان إصراري عل ى تعلم اللغة نابعا من مشكلة صغيرة بيني وبين زوجتي اكثر من كونه حلما فقد كنت في لحظات الخصام معها اغضب وانفعل واشتمها باللهجة العراقية المعروفة وتكتفي هي بالرد علي بجملة انجليزية وهذا ما يثير غضبي اكثر، فلعها ترد على شتيمتي بشتيمة أقوى، وحين استفسر منها عن معنى الجميلة، تؤكد لي أنها قالت حسبي الله ونعم الوكيل بالانجليزية ولكن من يضمن حيل النساء؟! ولهذا لم يكن أمامي حل للوقوف على ردها سوى إتقان هذه اللغة!! 

ربما أصابني الهوس واندفعت اندفاعا جنونيا للتعلم بأسرع وقت ووضعت سقفا زمنيا محددا لا يتعدى عاما واحدا ومن هنا وصلت الليل بالنهار وانا اتابع واراجع القاموس وارجع الى الانترنيت والمصادر وأترجم واسأل عن هذا التركيب او المصطلح، ويبدو انني حققت هدفي قل انقضاء العام، وأتقنت الانجليزية اتقانا مذهلا دفعني الى الغرور بحث رحت اجتهد وأتوسع بمعاني الكلمات ومدلولاتها كما حصل على  سبيل المثال قبل أسبوعين حيث استوقفتني مفردة أكسباير وتابعت معناها الدقيق وأدركت ان المعنى العام لها يشير إلى انتهاء صلاحية المادة فالدواء (س) صالح للعلاج لمدى شهرين من فتح العبوة ولايجوز بعد ذلك استعماله لان مفعوله العلاجي انتهى وقد يؤدي الاستمرار في تعاطيه الى مضاعفات صحية لا تحمد عقباها ويجري المعنى ذاته على أنواع الاطعمة المعلبة وعبوات الألبان والماء والمشروبات الغازية وغيرها.. الا انني لم اكتف بهذا المعنى الشائع وحاولت التوسع والاجتهاد مع كوني مازلت في البيضة كما يقولون ورأيت ان مفردة اكسباير يمكن ان تمتد الى آفاق ارحب فتقول على سبيل المثال ان الدستور اصبح اكسباير  وان 99،9% من أنظمتنا العربية والإسلامية انتهى مفعولها وأصبحت اكسباير ووجودها في الكم إن لم يضر فهو لا ينفع!! 

ملاحظة : منذ أدركت زوجتي أنني أتقنت هذه اللغة، التزمت الصمت، ولم تعد تقول حسبي الله ونعم الوكيل باللغة الانجليزية.