المجزرة تلد مجازر في دمشق. رائحة الموت العفن تخيّم على كلّ شيء، هذا ما تتناقله وسائل الإعلام، وما يقوله السوريون على مواقع التواصل الاجتماعي. حظرٌ للتجوال في المناطق الموالية والمعارضة للنظام، وخوف من حرب أهليّة وشيكة لاسيما وأن الخطاب الطائفي بدا متصاعداً بين عامّة الناس وزعماء المعارضة وقيادات النظام السوري؛ هذا مشهد عام لـ”الأزمة” السورية التي بدأت تتلبّس أسماء أخرى ليس آخرها “الحرب الأهليّة المقبلة”.
وبالرغم من أن هذه العناوين تعطي دليلاً واضحاً على حجم المأساة التي تتناطح مع الحياة في الشوارع السورية، إلا أن الإعلام بدا في الآونة الأخيرة مأساوياً أكثر، ودموياً فوق العادة، ووصفه بالـ”مازوشي” ليس مبالغة، خاصّة وأن مراسلة قناة الدنيا الشابّة أعطت دليلاً دامغاً على “مازوشيتها”، وإصابتها بعطش الدم: تتحرك المراسلة بتؤدة إلى إمرأة عجوز كساها الغبار وسندت رأسها إلى قبر لتسألها عمّا رأته، العجوز تلفظ أنفاسها بينما المراسلة الفاتنة تحاول أخذ التصريح الذي يبرأ النظام من الموت الجماعي!. مشهد آخر يبدو أكثر رعباً، المراسلة تحاور طفلين يتكآن على خاصرة أمهما القتيلة، لم تُدفن الأمُّ بعد، ولم تُسحب الطفلة قبل التصوير كي لا تصبح “سكينة” جديدة يُعاد أحياؤها من أجل تبرأ كفّة قاتل على حساب قاتل أخرى.
بعد الآن، لن يكرم الميّت في سوريا بدفنه إلا بعد تصويره، الكاميرا هنا برهان على البراءة! برهان سيخلّف أجيالاً كاملة من الحقد، الحقد على طرفي نقيض الأزمة السورية. قناة “الدنيا” شبه الرسمية دخلت على خط الموت، أجرت سباقاً محموماً مع قنوات الجزيرة والعربية وما لفّ لفيفهما، دخلت في مرثون الدم السوري، الكل فائز فيه ولا خاسر غير الشعب.
لا يهمُّ في هذه القضيّة السياسة، الذي يعني في هذا المحلّ الإنسان وما يُعاملُ به.
قبل أن تدخل قناة “الدنيا” إلى داريا، كانت الفضائيات العربية تنقل صوراً لا تقلُّ بشاعة عمّا يحدث، الفارق الذي أجّج الأمر، إن من يصوّر الجرحى والقتلى في تلك المعارك أناس من العامّة، أما ما حدث في مجزرة داريا فإن مراسلة صحفية جميلة هي من أعدّت التغطية ضاربة عرض الحائط كل الأخلاق المهنية.