قبائل عربية احترفت الجنون

ما أكثر القبائل العربية التي امتهنت الجنون، وأصرت على العودة إلى العصور البدائية، واختارت العيش في عزلة تامة بين الكهوف والجبال والصحاري أو في أعماق المستنقعات النائية. وما أكثر القبائل التي ظلت تتصرف بهمجية مطلقة، وتتباهى بجهلها وتخلفها، معلنة رفضها لنداءات التحضر والتمدن.
في اليمن قبيلة (حميرية) قرر أبناؤها خلع ثيابهم والاحتفاظ بما يستر عوراتهم، والتجوال نصف عراة لأسباب لا تخطر على بال الهنود الحمر ولا على بال قبائل التوتسي والهوتو وقبائل البالوبا. لكنك ما أن تعرف السبب حتى تُصاب بالذهول، وربما تصاب بصدمة عنيفة تسقطك بالضربة الحضارية القاضية، فالناس هناك وعلى وجه التحديد في مدينة (تُلُّبْ) قرروا خلع ثيابهم لأن رئيس قبيلتهم أُصيب بمس من الجنون أفقده عقله، ثم عاد إلى قريته بعد سنوات طويلة أمضاها هائماً على وجهه في الوديان والبراري وهو حاسر الرأس، حافي القدمين، عاري الجسد، وقد أطلق العنان للحيته وشعره الكثيف على طريقة الأقوام الأسترالية البدائية، وما أن رأوه حتى خلعوا ثيابهم مثله، لأنه مثلهم الأعلى في كل شيء حتى في الجنون، وهكذا أصبح الجنون من خصالهم القبلية المتوارثة، التي ظلوا يتفاخرون بها ويتمسكون بها حتى يومنا هذا.
ثم يأتي دور شعراء القبائل ومغالاتهم في التلاعب بأعصاب المجانين والمخابيل فيمجدونهم ويعظمونهم ويرفعونهم إلى العلياء، عندئذ ينتفخ المجانين فيقفون على حافة الانتحار، وتصبح الرعونة رجولة، والتهور حكمة، والمجازفة شجاعة، فتضيع الحقوق، وتذوب الأعراف، ويتهشم العدل الإنصاف تحت أقدام القطعان البشرية الزاحفة على غير هدى نحو ارتكاب المزيد من الحماقات الموروثة. فتتوسع دوائر الشر وتتعمق جراحها يوم لا ينفع النصح ولا تجدي الموعظة، ويصبح التبجح بالجهل سمة المجانين، الذين ظلوا يتغنون بهذه الأبيات حتى يومنا هذا:
لَئِنْ كُنْتُ مُحْتَاجًا إِلَى الْحِلْمِ إِنَّنِي إِلَى الْجَهْلِ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ أَحْوَجُ/ وَلِي فَرَسٌ لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَمٌ وَلِي فَرَسٌ لِلْجَهْلِ بِالْجَهْلِ مُسْرَجُ/ فَمَنْ شَاءَ تَقْوِيمِي فَإِنِّي مُقَوَّمٌ وَمَنْ شَاءَ تَعْوِيجِي فَإِنِّي مُعَوَّجُ/ وَمَا كُنْتُ أَرْضَى الْجَهْلَ خِدْنًا وَلَا أَخًا ولَكِنَّنِي أَرْضَى بِهِ حِينَ أُحْوَجُ/ أَلَا رُبَّمَا ضَاقَ الْفَضَاءُ بِأَهْلِهِ وَأَمْكَنَ مِنْ بَيْنِ الْأَسِنَّةِ مَخْرَجُ/ فَإِنْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ سَمَاجَةٌ فَقَدْ صَدَقُوا وَالذُّلُّ بِالْحُرِّ أَسْمَجُ.
نتمنى أن نرى حداً لهذا الانزلاق الحضاري والسقوط الاجتماعي الذي أحدث شرخاً كبيراً في اللحمة الوطنية لمعظم البلدان العربية، ومزقها أشلاءً بين القبائل المستهترة. من هنا يتعين على الحكومات أن لا تكون طرفاً في تأصيل القبلية والعنصرية، وأن تقف وقفة صادقة في مواجهة دعاة الجنون القبلي. آملين أن تكون لمؤسساتنا الثقافية إسهامات تليق بنا كـأمة عريقة تتباهى بإنسانيتها وعدالتها ووعيها وعبقريتها، وتتفاخر بثقافتها وشموخها بين الشعوب والأمم، وأن لا نعود القهقرى نحو التعصب والجنون، وإلا فأن مصيرنا سيكون كمصير الديناصورات العظيمة التي قتلها طيشها وتهورها.

حماقات «المطيرﭼية» العرب

هذه حكاية مؤلمة عن التباين المزعج بين مطيرﭼية العراق ومطيرﭼية الخليج، فالعراقيون من هواة تربية الطيور والحمام الزاجل لا يحملون الضغائن لأقرانهم من أبناء دول الجوار و(خيرهم كافي شرهم). في حين تركت الأحقاد السياسية تداعياتها السلبية في نفوس مطيرﭼية الخليج، فانساقوا مع توجهات اعلامهم المعادي للعراق وأهله.
منذ أعوام وبينما كنت في عرض البحر. لاحت في الأفق حمامة مرهقة. ضلت طريقها نحو اليابسة بسبب تصاعد ذاريات الغبار القادم من شبه جزيرة الفاو، فشاهدتها تحوم حول السفن المبحرة. حتى خارت قواها لتسقط فوق السفينة التي كنت على ظهرها.
أمسكت بها ووفرت لها العناية، ثم قرأت أرقام الهواتف والعناوين المطبوعة على الحلقة المثبتة بأقدامها، وما أن رجعت إلى البصرة حتى اتصلت على الفور بمالكها الخليجي. قلت له: أبشر يا أخي، لقد عثرنا على حمامتك الثمينة، ونحن على أتم الاستعداد لإعادتها لك من دون مقابل. قال لي: أين هي الآن. قلت له: في البصرة. قال لي بلهجة خليجية متعالية: (خلي تولي). أي فلتذهب إلى الجحيم. قلت له: لماذا ؟. قال لأنها ارتكبت خيانة عظمى بوصولها إلى العراق، ولسنا بحاجة لها بعد الآن.
لم أرغب بالكتابة عن هذا الموضوع، لكنني وجدت نفسي مضطراً للحديث بعدما توسعت دوائر الفصل العنصري في سلوك المطيرﭼية العرب. كان آخرها الحادثة التي وقعت قبل بضعة أيام على ظهر سفينة تجارية مترددة على موانئ البصرة. إذ عثر ربانها، ذو القلب الطيب (سوري الجنسية)، على صقر خليجي مطوق بحجل رقمي، حملته الرياح العنيفة إلى مدخل شط العرب، فسقط مغشياً عليه فوق قمرة السفينة. قرأ الربان رقم الموبايل المسجل في الصفيحة الرقمية، وأتصل هاتفيا على مالك الصقر، واسمه (فايز).
سمعته يقول: أهلين فايز ؟. قال الخليجي: تفضل وش تبي (ماذا تريد). قال الربان: ابشر يا خيي وجدنا صقرك التائه. قال فايز: أين أنت الآن ؟. قال الربان: أنا في شط العرب – بين الفاو والبصرة). قال فايز: خلي يولي- ما أبيه (لا أريده). قال الربان: ليش يا عمي. قال فايز بعنجهية متشنجة: لأنه ارتكب خطأ فادحاً بلجوئه إلى العراق ووقوعه بيد مواطن سوري. توترت أعصاب الربان فرد عليه بغضب. قال له: لك يا عيب الشوم عليك، بس العتب عليَّ أنا لأني بحكي مع واحد تافه مثلك. ثم بادر إلى إطلاق سراح الطير الجارح وتحريره في الجو.
حتى الطيور يعاقبونها ويكسرون أجنحتها لأنها تحلق في سماء العراق، وهم الذين أقلعت من مطاراتهم كل القاصفات والراجمات التي دكت حصون مدننا في غاراتها اليومية المكثفة، فقلبت عاليها سافلها، وكانت مطاراتهم شاهدة على مسلسل التحليق والقصف الجوي المتواصل لغربان السوء. لقد تجحفلت على أرضهم أشرس القواعد الجوية المعادية للعراق وأوسعها، وما قواعد (العديد) و(السيلية) و(سنوبي) إلا أنموذجا حياً لتوجهات العقول الخليجية المشحونة بالحقد الأسود، والتي ما انفكت ترسل وطاويطها تحت جنح الظلام ليدمروا مدننا وينسفوا أسواقنا ومدارسنا بذرائع عدوانية لا تنتهي ووجوه لا تستحي.

عشتار تبكي وحدها

فضائية واحدة فقط من بين عشرات الفضائيات العراقيات هي التي ظلت تنوح وحدها الآن مع نواح الأسر المسيحية والأيزيدية المنكوبة. بينما انصرفت الفضائيات الأخرى نحو مهاتراتها السياسية وحملاتها التسقيطية وتهريجها الإعلامي، وانصرفت فئة منها نحو إقامة حفلات الدق والرقص في بلد يعيش أبناؤه خارج منازلهم.
لا حدود لوصف المصائب والويلات التي وقعت فوق رؤوس المسيحيين. شاهدوا قناة (عشتار) لتروا بأنفسكم حجم الفاجعة، وتتأكدوا من ملامح الوجه الحقيقي للمأساة. تابعوا على شاشتها مسلسل التشريد والتهجير والظلم والاضطهاد، ثم أبصقوا بوجه الذين اغتصبوا نساءهم وباعوا بناتهم في أسواق الدعارة الدينية المتفاخرة براياتها الداعشية المحرضة على العنف الطائفي لارتكاب المزيد من المجازر باسم الدين.
إبادات طائفية وجماعية تُرتكب الآن على مرأى ومسمع العالم كله، تمثلت باستيلاء الدواعش على بيوت المسيحيين وأعمالهم ودور عبادتهم وحرقها. إجبارهم على اعتناق الإسلام بالقوة، ومطالبتهم بدفع الجزية أو الرحيل. عدم التعامل معهم سواء بالبيع أو الشراء أو بالشارع، ومنع اختلاطهم مع المواطنين الموصليين الذين انقلبوا عليهم فور سقوط الموصل. حجب بطاقاتهم التموينية. مصادرة ممتلكاتهم بعد فرارهم من منازلهم. قتل كل المسيحيين الذي تجرأوا على الذهاب إلى أعمالهم. اغتصاب أعداد كبيرة من المسيحيات (انتحرت منهن العشرات). حرمان الطالبات المسيحيات والأيزيديات من الدراسة، واختطاف العدد الأكبر منهن. تدمير قبور المسيحيين وتدمير الصلبان التي عليها. طرد المسيحيين إلى القرى النائية بلا مأوى. المسيحيون اليوم بلا وطن يؤويهم وبلا قانون يحميهم. جميعهم يتمنون الفرار من العراق الذي كانوا هم سكانه الأصليين، وهم الذين وضعوا اللبنات الأولى لحضارته في مراحلها البابلية والكلدانية والأكدية والآشورية، فأصبحت بيوتهم اليوم أوكاراً للقتلة وملاذاً للسفلة القادمين من خارج العراق، هكذا تُقتلع جذور الأصلاء وتغرس مكانها مخالب الدُخلاء.
لقد فقدت المنظمات الظلامية آدميتها، وكشرت عن أنيابها الطائفية، وفقدت معظم الفضائيات العراقية عراقيتها بتجاهلها للمجازر والمآسي التي تعرض لها المسيحيون منذ سقوط الموصل وحتى يومنا هذا.منظمات عراقية (اجتماعية وإنسانية وحزبية) تقف للأسف الشديد كما الأصنام متفرجة على حملات التطهير الطائفي والعرقي، ومنظمات عربية وعالمية ظلت تعبر منذ الحرب العالمية الأولى عن تضافرها مع اليهود، وتتباكى على محارقهم النازية المزعومة، لكنها لم تذرف دمعة واحدة على مسيحيي الموصل، ولم تعبأ بالمجازر التي أبيدت فيها القرى الأيزيدية. لم نسمع بفتوى واحدة تدين جرائم داعش وتستنكرها. بل على العكس تماما فقد أطلق أبو إسحاق الحويني نداءاته الموتورة التي يحث فيها شباب مصر على سبي النساء المسيحيات باعتبارهن من السبايا والغنائم البشرية.
عشتار تبكي وحدها الآن والأشرار يطاردون المسيحيين في وطنهم، بينما تتعمد الفضائيات العراقية تجاهلهم، حتى قناة (الشرقية) موصلية الهوى تجاهلتهم هي الأخرى تماماً، وصارت تطلق عبارة (تنظيم الدولة الإسلامية) على العصابات الإجرامية.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

مصر تُدَرِّس أولادها أفكار داعش

لا تندهش أبداً إذا علمت أن الفكر التخريبي المدمر، الذي تحمله داعش بأحزمتها الناسفة، يُدرَّس رسمياً في المدارس المصرية، ولا تندهش إذا علمت أن المقررات الدراسية في مصر تُزيِّن للطلاب جرائم القتل والتشريد والترويع، وتحبب إليهم نشر الرعب والدمار في البلدان المجاورة، وتبرر قتل الناس وقطع رقابهم على الهوية، أو قتلهم على اللون، أو قتلهم على الانتماء الطائفي، أو العرقي، وتشرع لهم نهب أموالهم والاستيلاء عليها، واستعباد نسائهم حتى لو لم يكونوا عدوانيين.
لقد وردت هذه التوجهات العدوانية المنافية لدين المحبة والسلام في كتاب (الاختيار لتعليل المختار)، وهو من المقررات الدراسية للصف الثالث الثانوي (أزهري) وعلى وجه التحديد في الصفحة (298) وما بعدها. فقد جاء في الكتاب ما يلي: إذا فتح الإمام بلدة عنوة، ثم استولى على أموالها، فإن شاء قسَّمها بين الغانمين، وإن شاء أقر أهلها عليها ووضع عليهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج، وإن شاء أمر بقتل الأسرى أو إستَرَقَّهم (جعلهم رقيقاً وعبيداً) أو تركهم ذمة لمن يشاء، وإذا أراد الامام العودة من فتوحاته وكانت معه مواشي (أغنام وأبقار)، جاز له أن يذبحها أو يحرقها كلها، أما إذا عجز الأسرى والسبايا عن المسير فيحق له أن يقتلهم من دون سبب، أو يضعهم في أرض جرداء حتى يموتوا عطشاً وجوعاً، ولا يجوز له أن يقتل الأفاعي والعقارب والضواري حتى يكثر نسلها ويكثر أذاها للكافرين.
ترى كيف سيكون مصير هذه الأمة ومصير البشرية جمعاء. ماذا لو كان هؤلاء يمتلكون الأسلحة الجرثومية أو أسلحة التدمير الشامل ؟. هل سيقضون علينا ويدمرون العالم وينسفون كل شيء ثم من أين جاءوا بهذه الأفكار الهدامة والفتاوى المتناقضة مع مبادئ القرآن المجيد والسنة النبوية المطهرة ؟؟.
ووردت في الصفحة (326) من الكتاب نفسه، بعض الأفكار التي تجيز قتل المرتد وسفك دمه بعد ثلاثة أيام من ارتداده. أنظروا إلى هذه الأفكار الدموية التي تغذيها المقررات المدرسية، التي تبيح تكفير تارك الصلاة وقتله، وتناول لحمه مشوياً أو مقلياً.
من فيكم يصدق أن هذا الكلام التحريضي يُدرس الآن لصغار التلاميذ في المدارس المصرية ؟، ومن فيكم يصدق أن بذرة العدوانية مدسوسة في مقررات أولادنا هنا وهناك ؟، ولا ندري ما الذي تحتويه المقررات الدراسية المماثلة لها في البلدان الأخرى.
هنالك خروقات لا حصر لها تقف وراءها المنظمات الظلامية الضالعة في تشويه صور الإسلام والمسلمين، مستغلة عقول الناس ومداركهم البسيطة، التي لا قدرة لها على التحليل والمناقشة، وبالتالي تكون هي الوعاء الملائم لنشر الفكر المنحرف من دون مناقشته، ومن دون الاعتراض عليه. ثم تستفحل المصيبة، فتكبر وتكبر حتى يأتي اليوم الذي يقع فيه الفأس بالرأس، ونتحول إلى أمة عدوانية متقاطعة تماماً مع الناس، وغير مستعدة للتعايش مع الأقوام والطوائف الأخرى، وغير قادرة على التفاهم معهم في ظل هذه القيود التكفيرية المنفرة. وهكذا ولدت داعش في هذه الحاضنات المسمومة، ولا نستبعد أن تخرج علينا منظمات أخرى تضاهي هتلر وهولاكو والتتار في عدوانيتها وكراهيتها للجنس البشري.
والله يستر من الجايات

هيلاري تعترف بتدمير العرب

قبل عشرة أعوام زعمت أمريكا أنها غزت العراق حتى يعم السلام في ربوع الشرق الأوسط، وها هي اليوم تعترف على لسان وزيرة خارجيتها بتفاصيل المخططات المعادية للإنسانية، والتي استهدفت تدمير الشرق الأوسط برمته ونشر الذعر في أرجائه.
وقبل عشرة أعوام فقط زعمت أمريكا أنها ماضية في خططها التعبوية لاجتثاث بؤر الإرهاب وردم منابعها، وها هي اليوم تعترف على لسان (هيلاري) باحتضانها لخلايا الإرهاب ودعمها لها.
لقد كشفت هيلاري كلينتون في كتابها الجديد (خيارات صعبة) عن خيوط التآمر الأمريكي ومخططات التقسيم والتجزئة القائمة على التنافر الطائفي والتناحر العرقي في البلدان العربية. وسلطت الأضواء على تورط أمريكا في نشأة الميليشيات (الإسلامية) المتطرفة، وضلوعها في تدريبها وتسليحها وتمويلها وتوجيهها.
لا نريد التحدث هنا بالتفصيل الممل عن عناوين تلك المليشيات وأفكارها وأوكارها وتحركاتها، حتى لا نكون طرفاً في المهاترات العقيمة مع الذين انحازوا إلى تلك العناوين الغارقة في صناعة الموت والدمار. فالقوم على دين قادة ميليشياتهم، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لكننا نلفت انتباههم إلى ضرورة قراءة هذا الكتاب من أجل الوقوف على الحقائق المرعبة المرتبطة بمصيرنا المظلم، ومن أجل الاطلاع على اعترافات هيلاري حول دور المخابرات الأمريكية في تهيئة الحاضنات الملائمة لتلاقح جينات الفكر التكفيري مع جينات الماسونية العالمية.
يتحدث الكتاب الذي جاء في أكثر من 632 صفحة عن حقبة سوداء في تاريخ السياسة الأمريكية، كانت هيلاري خلالها لاعبة أساسية في أروقة البيت الأبيض، ووزيرة للخارجية بين أعوام 2008 و 2013. كانت بالمرتبة (67) في تسلسل وزراء الخارجية منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، فتتحدث عن علاقتها بزعماء العالم والمواقف التي جمعتها بهم. تقول في كتابها: (نحن دائماً نقف في مواجهة الخيارات الصعبة)، ثم تعترف في مكان آخر بقولها: (أن الحكيم هو الذي يحسن اختيار الفرص، ويستثمر الظروف المؤاتية حتى لا يجد نفسه حائراً في نهاية النفق المظلم).
صدر كتابها في أواخر أبريل الماضي، وقد اصطف مئات الأشخاص في طوابير للحصول على نسخ موقعة بسعر 35 دولاراً، وتشمل الطبعة الأولى مليون نسخة. يتألف الكتاب من ستة أقسام تناولت الكثير من القضايا الداخلية والخارجية. يبدأ القسم الأول بلقاء هيلاري مع أوباما بعد خسارتها التصويت الداخلي للحزب الديمقراطي على بطاقة الترشح للانتخابات الرئاسية، وشغلها منصب وزيرة الخارجية في فريق أوباما بعد فوزه بالانتخابات.
ويتحدث القسم الثاني عن آسيا وقضاياها الشائكة، ويتناول القسم الثالث تداعيات الحرب في أفغانستان والباكستان، بينما يتناول القسم الرابع علاقات أمريكا بأوروبا وروسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وأبرز أحداث أوكرانيا والقرم.
أما القسم الخامس فهو الأكثر إثارة والأقرب إلى القارئ العربي، خصصته هيلاري للتحدث عن وقود (الربيع العربي) والفوضى العارمة التي اجتاحت تونس ومصر وليبيا واليمن، ودور أمريكا في تأجيج الاقتتال في سوريا، وأسرار السياسة الإيرانية، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتحدثت في القسم السادس عن رؤيتها للمستقبل الأمريكي المبني على تفتيت أقطار الشرق الأوسط.
تقول هيلاري: (نحن نعمل من أجل أن يشعر الساعي إلى إجراء أي إصلاحات في الشرق الأوسط كما لو أنه يضرب رأسه بالحائط). لذا فأنها تضع التبريرات غير المنطقية لسياسة التمزيق والتجزئة، التي برعت فيها أمريكا باستغلالها النعرات الطائفية وتأجيجها وتوظيفها بالاتجاه الذي يضمن إعادة رسم خارطة المنطقة بخناجر التنافر الموروث منذ القرن الهجري الأول، حتى باتت الكيانات العربية مثقلة بالنكبات، ومرهقة بالحروب الداخلية المتوالية، من دون أن تدرك ما فعلته بها حملات التضليل والتشفير.تقول (هيلاري): أنها قامت بجولات مكوكية حول العالم زارت فيها 112 دولة من أجل أقناع حلفاء أمريكا بشرعية المشاريع الطائفية التي نفذتها خلاياها الخبيثة في مصر وسوريا وليبيا والعراق والسودان واليمن وتونس ولبنان.ترى إلى أي مدى وصل بنا الانهيار والتفكك حتى تضحك علينا أمريكا بهذه البساطة ؟، وما الذي فعلته مؤسساتنا الوطنية حتى الآن في التصدي لمخططاتها ؟، ومن ذا الذي ينبري لكشف أهدافها العدوانية البغيضة ؟؟.

الرقيب.. بين صورتين

مع تشكل اول نواة لوحدة اجتماعية بشرية، تشكلت معها منظومة قيمية اخلاقية، لتحفظ اولا العقد الاجتماعي لتلك الوحدة من الانفراط، ومن ثم لتحفظ سيرورة تلك الجماعة من الناحية التاريخية بكل اوصافها الاجتماعية والانسانية والطبيعية.ومع تطور حال البشر اجتماعيا تطورت تلك المنظومة الاخلاقية واخذت تتجسد بمسميات متعددة بدأت بمفردة الضمير ومرت بمفردات عدة منها الاعراف والتقاليد والنواميس الانسانية والدينية والعشائرية وغيرها من المفردات، حتى وصلت المجتمعات البشرية الى ما توافقت عليه في رحاب مفردة القانون والتي لم تترك منحى اوحيز يخص الانسان فعلا وأنفعالا به أو معه أو فيه إلا ونهض القانون بتأطيره بالحدود المناسبة من معادلة الحقوق والواجبات.ويتفق معظم المفكرين بالاستناد الى معطيات الابحاث والكشوفات العلمية على حقيقة، ربما سوف يستغرب من معرفتها البعض، الا وهي الحقيقة القائلة ان الطبيعة في الكون عموما ومن ضمنها الطبيعة البشرية ميالة الى التمرد على السائد وكسر الاعتياد، والامثلة كثيرة في الطبيعة، الزلازل/ البراكين/ الاعاصير/ الفيضانات/النيازك/وغيرها من الظواهر الطبيعية، التي وجد لها الانسان تفسيرا، أو تلك التي لم تزل لغزا مستغلقا عليه حتى هذه الساعة..أما فيما يخص الطبيعة البشرية فأن هناك العشرات من الامثلة على تمرداتها، التي ربما تبدأ بمشاكسات طفولية وتتطور لتمر بحالات الخروج على الانماط الاجتماعية بصور مختلفة، من مثل (شقي المحلة) اوقطاع الطرق او الشطار والعيارين ابان عصر الدولة العباسية وما بعدها، وصولا الى حالات متقدمة من التمرد تمثلت باصحاب الدعوات(الهدامة)التي كنت تحض على شق عصا الطاعة على أولي الامر، وكذلك الثوار والمتصوفة و(المجانين)بأصنافهم المعترف بها رسميا، وغير المعترف بها..وظلت حتى هذه الساعة الضمانة الوحيدة الكافلة لوحدة المجتمع وسلامه الاهلي منظومة القوانين والتشريعات التي تنظم أدق تفاصيل الحياة اليومية للافراد بوصفهم اعضاء في وحدات اجتماعية معينة. ولكن لابد من رقيب كامل الصلاحية لممارسة وظيفة المتابعة والمراقبة لسلامة تطبيق تلك القوانين والتشريعات، وقد لعب الرقيب ادوارا مختلفة ومتعددة في ادائه لتلك الوظيفة، وغالبا ماكانت تلك الادوار تنطوي على ظلم فادح يروح ضحيته على الدوام الشرائح الاكثر عددا والاكثر فقرا، من مايدعى السواد الاعظم، وظل الرقيب يكتسي بالحتم والضرورة برداء الحاكم في عصره وزمانه، ولم تزل صورة الشرطي الصدامي ورجل الامن الصدامي والمخابراتي الصدامي وغيرها من الالقاب والمسميات الصدامية الاخرى، البالغة الشراسة والحيوانية، لم تزل ،حتى بعد اندحار فقيهها الاعظم وزوال سلطانها الغاشم،تخلف في النفس غصة مرة لايمكن ان تمحى من ذاكرة اي عراقي او عراقية . وبالاجمال مثل الرقيب الصدامي الصورة الابلغ قبحا وجرما لوظيفة الرقيب،فيما تلك الوظيفة اليوم، وكما هو مفترض بها ومأمول منها، تمثل الضامن الوحيد لأقامة وديمومة سلطة العدل التي يمثلها القانون المشتق من حجر الاساس في وحدة وازدهار المجتمع العراقي ألا وهو الدستور قانون القوانين.بالتأكيد لسنا واهمين، أننا سننعم اليوم بالتعامل مع رقيب مثالي مطابق لمواصفات الرقيب الذي يحلم بوجوده اليومي المواطن العراقي في كل زاوية ومنحنى من زوايا هيكلية الدولة وزوايا هيكلية المجتمع ، وهكذا حلم ليس ببعيد مادمنا خطونا الى العتبة الاولى في مشوار سلم المجتمع الديمقراطي التعددي الفيدرالي، يحدونا الامل بوفرة وجود الشرفاء الامناء على مصلحة ومستقبل العراق الجديد.

كرة ثلج

ليس معروفا على وجه الدقة تاريخا محددا لظهور اول حالة كذب في عمر البشرية ، غير ان ما تشير اليه وقائع التاريخ اذا سلمنا بوقائعيتها ان الكذب ومنذ ان وجدت اول وحدة اجتماعية ، ظل رديفا لافكاك له لظاهرة القسر بشتى تصانيفها ومسمياتها بدءا من قسر الاعراف والتقاليد مرورا بقسر المعتقدات الميثولوجية ومن ثم الدينية حتى عهد سن القوانين والتشريعات .

ولم تكن ظاهرة الكذب نتاجا خيطيا لظاهرة القسر حصرا ، بل تضافرت مولدات عدة في صنعها ، نفسية واجتماعية وبيولوجية ايضا ، غير ان ما يعنينا منها هنا تتبع اثارها السياسية وحصرا السلطوية من اجل حصر اضرارها الفادحة التي باتت تهشم في الصميم توازن وسلامة الشخصية العراقية وبالتالي النسيج الطبيعي للمجتمع العراقي .

الامر اللافت قوة وفاعلية الخطاب السلطوي السياسي عبر التاريخ في التاثير الضار لتعضيد ظاهرة الكذب، وقد حفل تاريخنا بنماذج عدة من الحكام الذين اختطوا سياقات وانماط لتلك الظاهرة بل ابدعوا في خلقها ايما ابداع وظلت المفارقة الحادة بين القول عبر انواع الدعاية السياسية لصالح الحكام والفعل عبر سلوكهم اليومي في تضاد تام لفحوى تلك الدعاية .. كما ظلت تلك المفارقة مهيمنة تاريخية دائبة الفعل والتاثير وبنحو بالغ السوء في مصائر الناس وحيواتهم .

يحكى ان رجل دين يدعي العفة والورع امام الناس ويقيم علاقة خاطئة مع احداهن في الخفاء، ذات يوم وبينما هو منهمك بفعل الخطيئة معها ، اخبرته ان  الناس باتوا  يتهمونها بعلاقتها الخاطئة معه .. رد عليها رجل الدين وهو منشغل بها : انتخي بالله ان يقتص لي ولك منهم … مع ملاحظة الوظيفة التبريرية لدين السلطة على مر التاريخ .

وبتاثير الية التشبه بالمثل فقد قدم الحاكم نفسه على الدوام مثالا ينبغي ان يحتذى بوصفه ايضا قد حذا حذو الاله ، من قبل ، في سماته جميعها حتى اختاره خليفة له على الارض، بغض النظر عن الاعتبار لتمظهرات الفكرة ذاتها وقد وجد من بعده كثرة كاثرة ممن راحت تحذوا حذوه، فانتجت فكرة الحاكم، وهو في الاغلب الاعم مستبد وطاغية/  مستبدين وطغاة صغار. الامر الذي بتنا نعايشه يوميا ايام طاغية العراق المقبور ، واصبحنا نعايش الصورة ذاتها بعد زلزال 9 / 4 / 2003 حتى اللحظة. وعند البحث المتريث عن السر في استمرارية تناسل الطغاة على اختلاف يافطاتهم وهيئاتهم سنجد ان الظاهرة ذاتها ، ظاهرة الكذب ما فتئت تتغذى وتغذي في الوقت عينه ذلك التناسل المستمر .

هل يمكن ان نقول ان لهذا الحديث صلة ما بما نحن مقبلون  عليه ، من استعدادات وتحالفات مبكرة نوعا ما بتشكيلة حكومية يجري التناحر بشأنها ويخرج من بين يديها مستقبل البلاد لاربع سنوات قابلة … في الاقل لنقل هذا ، ولكن هل ستتوقف اوضاعنا عن التدحرج نحو الهاوية ومعها هل ستتوقف عن  التدحرج والتضخم المستمر ايضا كرة ثلج الكذب ؟

 سؤال تتوقف على الاجابة عنه احوال ثلاثين مليون مصير من مصائر العراقيين .

كرة ثلج

ليس معروفا على وجه الدقة تاريخا محددا لظهور اول حالة كذب في عمر البشرية ، غير ان ما تشير اليه وقائع التاريخ اذا سلمنا بوقائعيتها ان الكذب ومنذ ان وجدت اول وحدة اجتماعية ، ظل رديفا لافكاك له لظاهرة القسر بشتى تصانيفها ومسمياتها بدءا من قسر الاعراف والتقاليد مرورا بقسر المعتقدات الميثولوجية ومن ثم الدينية حتى عهد سن القوانين والتشريعات .

ولم تكن ظاهرة الكذب نتاجا خيطيا لظاهرة القسر حصرا ، بل تضافرت مولدات عدة في صنعها ، نفسية واجتماعية وبيولوجية ايضا ، غير ان ما يعنينا منها هنا تتبع اثارها السياسية وحصرا السلطوية من اجل حصر اضرارها الفادحة التي باتت تهشم في الصميم توازن وسلامة الشخصية العراقية وبالتالي النسيج الطبيعي للمجتمع العراقي .

الامر اللافت قوة وفاعلية الخطاب السلطوي السياسي عبر التاريخ في التاثير الضار لتعضيد ظاهرة الكذب، وقد حفل تاريخنا بنماذج عدة من الحكام الذين اختطوا سياقات وانماط لتلك الظاهرة بل ابدعوا في خلقها ايما ابداع وظلت المفارقة الحادة بين القول عبر انواع الدعاية السياسية لصالح الحكام والفعل عبر سلوكهم اليومي في تضاد تام لفحوى تلك الدعاية .. كما ظلت تلك المفارقة مهيمنة تاريخية دائبة الفعل والتاثير وبنحو بالغ السوء في مصائر الناس وحيواتهم .

يحكى ان رجل دين يدعي العفة والورع امام الناس ويقيم علاقة خاطئة مع احداهن في الخفاء، ذات يوم وبينما هو منهمك بفعل الخطيئة معها ، اخبرته ان  الناس باتوا  يتهمونها بعلاقتها الخاطئة معه .. رد عليها رجل الدين وهو منشغل بها : انتخي بالله ان يقتص لي ولك منهم … مع ملاحظة الوظيفة التبريرية لدين السلطة على مر التاريخ .

وبتاثير الية التشبه بالمثل فقد قدم الحاكم نفسه على الدوام مثالا ينبغي ان يحتذى بوصفه ايضا قد حذا حذو الاله ، من قبل ، في سماته جميعها حتى اختاره خليفة له على الارض، بغض النظر عن الاعتبار لتمظهرات الفكرة ذاتها وقد وجد من بعده كثرة كاثرة ممن راحت تحذوا حذوه، فانتجت فكرة الحاكم، وهو في الاغلب الاعم مستبد وطاغية/  مستبدين وطغاة صغار. الامر الذي بتنا نعايشه يوميا ايام طاغية العراق المقبور ، واصبحنا نعايش الصورة ذاتها بعد زلزال 9 / 4 / 2003 حتى اللحظة. وعند البحث المتريث عن السر في استمرارية تناسل الطغاة على اختلاف يافطاتهم وهيئاتهم سنجد ان الظاهرة ذاتها ، ظاهرة الكذب ما فتئت تتغذى وتغذي في الوقت عينه ذلك التناسل المستمر .

هل يمكن ان نقول ان لهذا الحديث صلة ما بما نحن مقبلون  عليه ، من استعدادات وتحالفات مبكرة نوعا ما بتشكيلة حكومية يجري التناحر بشأنها ويخرج من بين يديها مستقبل البلاد لاربع سنوات قابلة … في الاقل لنقل هذا ، ولكن هل ستتوقف اوضاعنا عن التدحرج نحو الهاوية ومعها هل ستتوقف عن  التدحرج والتضخم المستمر ايضا كرة ثلج الكذب ؟

 سؤال تتوقف على الاجابة عنه احوال ثلاثين مليون مصير من مصائر العراقيين .

مفارقـــة

اذا ماقورنت(استلابات) الاجيال اللاحقة ب(أمتيازات) جيلنا نحن المولودين ابان خمسينيات القرن الماضي، حين كنا ننعم ببعض صور(الترف) النسبي في مناحي الحياة العامة، يمكن لنا ان نصفها في ابسط الاحوال امتيازات عيش انسانية…سنلمس مفارقة واضحة ولكنها مؤسفة مع ماحصلت عليه اجيال الثمانينيات والتسعينيات ومابعدهما حتى اللحظة الراهنة.

ومازالت ذاكرتنا ندية بحدائق بغداد العامة سواء الرئيسة الموزعة على اكثر من بقعة في مركز بغداد، او تلك المنتشرة في مختلف مناطق العاصمة ايضا، مازالنا نتذكر حديقة الامة واشجارها الوارفة التي تضلل خمائل الجوري والرازقي التي يغسلها طوال النهار رذاذ النوافير المتدفقة، مثلما نتذكر متنزه بارك السعدون والمتع التي لايمكن ان تمحى من ذاكرة العوائل البغدادية، ومن ثم المساحات الخضر الواسعة لمتنزه الزوراء، ومن ثم جاءت بعدهما جزيرة بغداد وجزيرة الاعراس وغيرها من المتنزهات العامة والخاصة، ولم يك الامر مقتصرا على الحدائق والمتنزهات،بل كان في حوزتنا خيارات باذخة، ونحن نتجول في شارع الرشيد او شارع السعدون اوشوارع وساحات الباب الشرقي او في منطقة العلاوي  ، ننتقي فيلمنا المفضل لنشاهده بين عشرات العروض السينمائية التي تتبارى دور العرض المنتشرة بكثافة في تلك الشوارع والساحات، بل يتعدى الامر ذلك الى انتشار تلك الدور السينمائية في معظم المناطق السكنية في صوبي بغداد، كرخ ورصافة، ولن تقف المتعة عند هذا الحد بل تمضي ابعد من ذلك لتمضي سهرة مبهجة انت وعائلتك، متفرجين متفاعلين مع احد العروض المسرحية التي كانت مسارح بغداد تحفل بها، فهنا مسرح الستين كرسي، وهناك قاعة الخلد وهنا قاعة الشعب وهناك خشبة مسرح بغداد، وخشبتي مسرح الرشيد والمسرح الوطني فيما بعد، فضلا عن قاعات العروض المسرحية المنتشرة في اروقة الجامعات وبنايات الثانويات بل حتى بعض المدارس الابتدائية.

ولم يعدم عشاق الرياضة اماكن فارهة الى حد ما لممارسة هواياتهم الرياضية، فالملاعب كانت تنتشر كما النبت الطبيعي في كل ارجاء بغداد، سواء تلك التي تعود الى الدولة او تلك التي يصنعها الشباب الطافح بالفتوة في المساحات الفارغة بين الاحياء السكنية، لتقام عليها كرنفالات الفرق الشعبية التي لايجتمع فيها هواة الرياضة ومشجعيهم من الذكور فحسب، بل كانت هناك ايضا بنات المحلة المتحمسات لفريقهن المفضل والذي يضم بنحو اكيد الاخ والحبيب وابن المحلة ايضا..

اما عشاق التشكيل فلا تفوقهم فئة من فئات عشاق اصناف الفن والابداع في ممارسة عشقهم على صالات الغاليرهات سواء المملوكة للدولة ام تلك التي يمتلكها بعض عشاق الفن الرفيع، فهنا قاعة كولبنكيان وهناك قاعة الاورفلي وهنا قاعة الرواق وهناك قاعة الرواد وهناك قاعة جمعية التشكيليين فضلا عن قاعات الكليات والمعاهد وكذلك اسيجة المتنزهات والحدائق لتقام عليها معارض في الهواء الطلق.  

لقد كان زمنا مكتنزا بالمتعة توجته اماكن اللهو الليلية من بارات ونواد ومراقص شكلت متنفسا صحيا لطاقاتنا يوم كنا نضج حياة وتوقا، فمابالنا اليوم، واقولها بمرارة، نغطس بالاحزان بل ونلتذ بتبكيت النفس، ونسكن في مستنقعات مآسينا خانعين طائعين من دون حول او قوة؟ وما الذنب الذي اقترفته اجيالنا الحاضرة من الشباب لتقمع تطلعاتها بهذ النحو الوحشي المدمر؟ 

اسئلة تبحث عن اجابات حرى…

مفارقـــة

اذا ماقورنت(استلابات) الاجيال اللاحقة ب(أمتيازات) جيلنا نحن المولودين ابان خمسينيات القرن الماضي، حين كنا ننعم ببعض صور(الترف) النسبي في مناحي الحياة العامة، يمكن لنا ان نصفها في ابسط الاحوال امتيازات عيش انسانية…سنلمس مفارقة واضحة ولكنها مؤسفة مع ماحصلت عليه اجيال الثمانينيات والتسعينيات ومابعدهما حتى اللحظة الراهنة.

ومازالت ذاكرتنا ندية بحدائق بغداد العامة سواء الرئيسة الموزعة على اكثر من بقعة في مركز بغداد، او تلك المنتشرة في مختلف مناطق العاصمة ايضا، مازالنا نتذكر حديقة الامة واشجارها الوارفة التي تضلل خمائل الجوري والرازقي التي يغسلها طوال النهار رذاذ النوافير المتدفقة، مثلما نتذكر متنزه بارك السعدون والمتع التي لايمكن ان تمحى من ذاكرة العوائل البغدادية، ومن ثم المساحات الخضر الواسعة لمتنزه الزوراء، ومن ثم جاءت بعدهما جزيرة بغداد وجزيرة الاعراس وغيرها من المتنزهات العامة والخاصة، ولم يك الامر مقتصرا على الحدائق والمتنزهات،بل كان في حوزتنا خيارات باذخة، ونحن نتجول في شارع الرشيد او شارع السعدون اوشوارع وساحات الباب الشرقي او في منطقة العلاوي  ، ننتقي فيلمنا المفضل لنشاهده بين عشرات العروض السينمائية التي تتبارى دور العرض المنتشرة بكثافة في تلك الشوارع والساحات، بل يتعدى الامر ذلك الى انتشار تلك الدور السينمائية في معظم المناطق السكنية في صوبي بغداد، كرخ ورصافة، ولن تقف المتعة عند هذا الحد بل تمضي ابعد من ذلك لتمضي سهرة مبهجة انت وعائلتك، متفرجين متفاعلين مع احد العروض المسرحية التي كانت مسارح بغداد تحفل بها، فهنا مسرح الستين كرسي، وهناك قاعة الخلد وهنا قاعة الشعب وهناك خشبة مسرح بغداد، وخشبتي مسرح الرشيد والمسرح الوطني فيما بعد، فضلا عن قاعات العروض المسرحية المنتشرة في اروقة الجامعات وبنايات الثانويات بل حتى بعض المدارس الابتدائية.

ولم يعدم عشاق الرياضة اماكن فارهة الى حد ما لممارسة هواياتهم الرياضية، فالملاعب كانت تنتشر كما النبت الطبيعي في كل ارجاء بغداد، سواء تلك التي تعود الى الدولة او تلك التي يصنعها الشباب الطافح بالفتوة في المساحات الفارغة بين الاحياء السكنية، لتقام عليها كرنفالات الفرق الشعبية التي لايجتمع فيها هواة الرياضة ومشجعيهم من الذكور فحسب، بل كانت هناك ايضا بنات المحلة المتحمسات لفريقهن المفضل والذي يضم بنحو اكيد الاخ والحبيب وابن المحلة ايضا..

اما عشاق التشكيل فلا تفوقهم فئة من فئات عشاق اصناف الفن والابداع في ممارسة عشقهم على صالات الغاليرهات سواء المملوكة للدولة ام تلك التي يمتلكها بعض عشاق الفن الرفيع، فهنا قاعة كولبنكيان وهناك قاعة الاورفلي وهنا قاعة الرواق وهناك قاعة الرواد وهناك قاعة جمعية التشكيليين فضلا عن قاعات الكليات والمعاهد وكذلك اسيجة المتنزهات والحدائق لتقام عليها معارض في الهواء الطلق.  

لقد كان زمنا مكتنزا بالمتعة توجته اماكن اللهو الليلية من بارات ونواد ومراقص شكلت متنفسا صحيا لطاقاتنا يوم كنا نضج حياة وتوقا، فمابالنا اليوم، واقولها بمرارة، نغطس بالاحزان بل ونلتذ بتبكيت النفس، ونسكن في مستنقعات مآسينا خانعين طائعين من دون حول او قوة؟ وما الذنب الذي اقترفته اجيالنا الحاضرة من الشباب لتقمع تطلعاتها بهذ النحو الوحشي المدمر؟ 

اسئلة تبحث عن اجابات حرى…