وهل يكفي الرثاء.. له نسب ؟!

ما أن يحين الحين، مستذكرين (واقعة الطف)، في أربعينية أبي عبد الله الحسين (ع) مرتلا بموقفه، مجسدا عمق هيبته بأن:(هيهات منا الذلة) ليعود صداها أزليا مدويا، بزهو رمز النبل ضد الذل والهوان في أبهى مباهج الاعتراف باندحار سيف الظلم والطغيان،على نصال انتصار الدم طهوراً، صبوراً،  دؤوباً صوب مراقي وسلالم الخلود، نحو سنان الرفعة ومهابة السمو، في أن نعيد ملحمة وفحوى عمق زهو ذلك السؤال، ونكرره عزا و بهاء واستذكارا لعمق معنى الشهادة، كونه السؤال الصعب، لا بل الأصعب على جمرات وهج الزمان حين يعلو ويسمو مرددا: (من الأبقى في ضمير وعي التأريخ، الحسين .. أم قاتليه ؟!!). لتفيض المعاني بزهو توحدها، ولتدع الزمان نفسه يتهجى حروف نقاوة ذلك الرفض قائلا: (مزيد من الزمن.. لا يعني مزيدا من الخلود)، لتأخذ الدلالة معنى العبارة وتتسع الرؤية بحجم ملحمة الطف حتى تضيق كل وسائل التعبير كي توازي مع وهج الحقيقة، التي من أجلها ضحى الحسين وجاد بكل شيء، وأول مباهج تلك التضحيات، نفسه وطهارة دمه النقي كروحه المرفرفة في عليين، مدى الدهر، وهذا صوت الشاعر العراقي «د. حمد الدوخي» يلهج قائلا: (( ليس الحسين إماما …

بعض الحسين أئمة

قد جاء فردا…..

لوحده… وصار أمة

حتى بحالة جر..

ترى النون ضمة ))

فأي مدار يسير ويستقبل هذا الاحتدام المتآخي مع براءة وبها الروح الطاهرة حين تسكن على فوهة بركان بقلب صابر رحيم، واثق بحمل صولجان الخلود، وهي تداني بموقفها سموات الأساطير والملاحم رهن ربحها الأكيد لجوهرها..؟!

 وأي رثاء يوازي شرف الحسب والنسب والسبب في توثيق ذكرى استشهاد طيب الطيبين و أنقى أنقياء الله جل شأنه، وأحب وأبقى من يعيش العالم بفيوض ذكراه، حين يحين الحين، وتفتح الحياة أبوابها في استلهام ذلك النبأ العظيم، وها هنا يتهدج صوت «نزار قباني» في ملحمة رثاء أبي عبد الله الحسين، سخيا، مستهاما بطيب النسب وألق الشهادة وفجر الكبرياء هاتفا ملء المدى والضمير:

( إن لم يكن بين الحسين وبيننا……

نسب فيكفينا الرثاء له نسب)

 ويهيم الشاعر في نحت ذات الوجود مرتلا بطول قامة الدهر متسائلا بوثوق محب وهائم:

( لا ينقضي ذكر الحسين بثغرهم….

وعلى امتداد الدهر يوقد كاللهب

و كأن لا أكل الزمان على دم….

كدم الحسين بكربلاء ولا شرب

 أو لم يحن كف البكاء فم عسى…

يبدي ويجدي والحسين قد أحتسب)

 وليمتد روح القصيد بنسغ نبضاتها، في قيعان قصائد وقلائد حب الحسين كلما حان ويحين ذكرى قداسة جسده محمولا على أكتاف التأريخ – الذي أراده هو عليه أفضل السلام- في أنقى معالم رفضه للظلم أين ما حل وكان.

تظـاهـرة الانـبـار وأخـطـاء المـكـان والشـعـار

من نافل القول الإشارة إلى أن دستورنا: تعددي فيدرالي يضمن للمواطنين حرية الرأي ولكن في الوقت نفسه نصَّت المادة “36” بما لا يخل بالنظام العام والآداب أولاً: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل وثالثا: حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وينظم بقانون.

وقطع الطريق العام هو أخلال بالنظام

ومن يدعي غير ذلك لا يعرف النظام ولا يفهم في السياسة، بل أن قطع الطريق العام هو من أوضح صور الإخلال بالنظام العام لأنه يتسبب بما يلي:

1- قطع شريان حيوي من المواصلات التي تربط العراق بالخارج

2- إعاقة وصول المواد الغذائية وهي كثيرة المرور عبر هذا الطريق

3- إعاقة وصول المواد الإنشائية والمعدات التي تحتاجها السوق المحلية

4- منع المرضى من الوصول إلى المستشفيات والحصول على العلاج اللازم في الوقت المناسب.

5- منع وصول الحوامل من النساء واللواتي في حالة طلق ولادي إلى المستشفيات لتسهيل عملية الولادة وحماية الأم والجنين.

6- منع وصول طلاب المدارس إلى مدارسهم

7-    منع وصول طلاب الجامعات إلى جامعاتهم

8- إعطاء صورة سلبية عن البلد الذي لا يعرف أهله كيف يتظاهرون

9- إعطاء صورة سلبية عن ثقافة المواطن العراقي.

وشيء من هذه السلبيات تتعلق بالآداب العامة؛ فهذه التظاهرة وبالطريقة التي تجري فيها هي مخالفة للنظام العام مثلما هي مخلة بالآداب, وعليه يكون هذا العمل ممنوعا في الدستور العراقي طبقاً للمادة 36″ .

وبما أن التظاهرات رفعت شعارات مخلة بالنظام العام واستعملت كلمات مخلة بالأدب العام من خلال رفع العلم العراقي القديم – وهو مخالفة دستورية – مثلما رفع علم ما يسمى بالجيش الحر و- هي تسمية تنسب لطرف معارض في سوريا يمارس العمل المسلح يسمى بالجيش الحر تدعمه تركيا وتموله كل من قطر والسعودية وهو موضع إشكالية عند الشعب السوري – فكيف وما معنى أن يرفع هذا الشعار في تظاهرة عراقية؟

على كل من أيد تلك التظاهرة أو ساهم فيها أو دعا إليها أن يجيب عن هذا السؤال وهو سؤال عراقي بامتياز برسم كل من ذكرنا ويشمل هذا الرسم حتى الذين سكتوا مجاملة أو ممالئة.

إن الهتافات التي رفعت يعرف من يقف وراءها وهي تنسب لجماعة كانت تنتمي لحزب كان سببا في دمار العراق أرضا وشعبا.

ثم كيف تصبح الشعارات الطائفية متداولة وينادى بها علنا ولمصلحة من؟

ولمن ينكر ذلك عليه أن يراجع خطبة الجمعة يوم 21|12|2012 في مسجد مدينة تكريت وقد ألقاها معمم صغير السن تجاوز على مفتي أهل السنة في العراق مثلما تجاوز على وحدة الشعب العراقي عندما دعا إلى الشعارات الطائفية مثل “الأكثرية” ويقصد بها الأكثرية في العالم الإسلامي وهي معروفة والأقلية في العالم الإسلامي التي غمز من طرفها كثيرا وهي كذلك معروفة؟

أننا مع التظاهر الذي ينتصر لوحدة العراق, ومع التظاهر الذي ينتصر للمعتقلين المظلومين وليس لقتلة الشعب العراقي من الإرهابيين “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (سورة البقرة)”.

ولسنا مع التظاهر الذي يخلط الأوراق ليسوق الحال للوهابيين ولمن كان سببا في دمار العراق من منفذي سياسة تدمير منظومة القيم العراقية عبر “35” سنة من الحكم الهمجي الذي لم يشهد له العالم مثيلا, وهو من حظرت عمله المادة “7” من الدستور العراقي.

أننا نعاتب بعض شيوخ العشائر الذين اندفعوا لتأييد مثل هذه التظاهرة قبل أن يدرسوا الأمور جيدا وقبل أن يتبينوا ما وراءها من دس وفتنة، وأننا نعاتب وسائل الإعلام التي روجت لمثل هذه التظاهرة التي انحرفت عن هويتها الوطنية ولم تفرق ما بين حاجتنا للقضاء وما بين أخطاء القضاء مثلما لم تفرق ما بين حاجتنا للحكم وأخطاء الحكم.

إن السكوت تجاه هكذا تظاهرة هو خدمة مجانية لمن يريد تقسيم العراق ونحن لا نتكلم بلغة المؤامرة, ولكن لعبة الأمم أصبحت واضحة مقروءة “لنا الطاقة وأمن إسرائيل ولكم حكم السلفيين والوهابيين”؛ ومن لا يفهم هذه المعادلة لا يحق له أن يدعو إلى تظاهرة ولا يحق له أن يعمل في السياسة ولا يحق له أن يكون عضوا في البرلمان ولا عضوا في مجالس المحافظات.

أعيدوا النظر في تظاهرة يشارك فيها الإرهابيون قتلة الشعب العراقي وأعيدوا النظر في تظاهرة يشارك فيها فلول الحزب البائد وأعيدوا النظر في تظاهرة يرفع فيها علم ما يسمى بـ”الجيش الحر” وأعيدوا النظر في تظاهرة يرفع فيها العلم العراقي الملغى دستوريا وأعيدوا النظر في تظاهرة يرفع فيها علم الإقليم صاحب الفتن التي تترى على العراق كقطع الليل المظلم.

الوالي والتموينية !

حدثني احد الزملاء الصحفيين، وقد بلغ به الانزعاج مبلغا عظيما، انه على مدى سبع سنوات متواصلة، وهو يكتب ويكتب عن البطاقة التموينية، ويدعو في كل مرة الى زيادة مفرداتها وتحسين نوعيتها، لأنها وسيلة جياع العراق الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، غير ان الحكومة بدلا من الاستماع اليه عمدت الى تقليص مفرداتها شيئا فشيئا، حتى وصل التقليص إلى مادة الشاي الذي يعد فاكهة العراقيين الفقراء وعنوان ضيافتهم، ولم تكتف الحكومة بذلك، بل أدخلت الناس في معمعة مضحكة، وهي تنوي إجراء استفتاء شعبي، وتشكيل مفوضية مستقلة لانتخاب  البطاقة، ومعرفة من يريد بقاءها، او القبول برشوة قدرها (15) الف دينار مقابل السكوت، وقد ذكرني هذا ـ والكلام ما زال لزميلي الصحفي-، بمواطن عراقي ايام الحكم العثماني، قصد الوالي وشكا له من بيته الصغير ذي الغرفة الواحدة، ومن كثرة عياله وطلب منه تخصيص دار اكبر، فسأله الوالي (هل تربي حيوانات في باحة بيتك؟!)، رد عليه المواطن (نعم.. عندي عشرون دجاجة، وثلاث نعاج، وبقرة) قال له الوالي (أمرنا ان تسكن انت وافراد اسرتك وحيواناتك في الغرفة الوحيدة، وسأبعث من يراقبك، ويداهم منزلك في ليل أو نهار، لكي يتأكد من التزامك بأمري، وحذار حذار ان تخالف، هيا اخرج ولن تأتي الى هنا إلا بعد سبعة أيام)! 

مرعوبا غادر المواطن العراقي، والتزم بامر الوالي لانه يعرف قسوة العقوبة، ولم تكد الأيام السبعة تمضي بما فيها من قرف واذى ودمار الا بشق الأنفس، وذهب الى الوالي الذي قال له: (تذهب الان الى منزلك وتعيد الدجاجات فقط الى قنها، وتعال بعد سبعة ايام) ونفذ الرجل الامر، وشعر بشيء من الارتياح لم يخفه عن الوالي عند لقائهما الجديد، ولكن النعاج والبقرة ما زالت تنغص عليه وعلى أسرته حياتهما، وامره الوالي ان يعيد النعاج الى زريبتها ويعود بعد أسبوع، ونفذ المواطن العراقي الأمر وهو سعيد للغاية، ولم يخف سعادته عن الوالي في لقائهما الجديد، ولكن وجود البقرة معهم في غرفة واحدة يسبب لهم شيئا من الانزعاج، وهنا امره الوالي  ان يعيد البقرة الى مكانها القديم، ثم يأتي بعد يومين !

لم يصدق الرجل عظمة السعادة التي غمرته، فقد تخلص من انزعاج حيواناته وقرفها، وتولى هو وافراد اسرته تنظيف الغرفة وفرشها وتعطيرها بماء الورد، وبعد يومين  ذهب الى الوالي، ونقل اليه دعاء زوجته ودعاء العائلة، ان يحفظ الله الوالي من كل سوء، بعد ان نعموا بغرفة نظيفة معطرة واسعة يطارد فيها الخيال، وكاد يبكي بين يديه من فرط فرحته، ومن كرم الوالي عليه، حتى اذا انتهى من تقديم آيات الشكر والثناء والامتنان، سأله الوالي (هل مازلت تريد منزلا اكبر ؟! انا حاضر!!)، فرد عليه المواطن (جزى الله الوالي الف خير، البيت يكفينا وزيادة) ثم انصرف الى حال سبيله مغمورا بالبهجة !

حين انتهى زميلي من كلامه قلت له مؤنبا (ليس هناك ربط بين الحكايتين، فالوالي لعب  بأعصاب المواطن، ثم أعاد اليه منزله كما هو، أما البطاقة فلم تعد كما كانت على الرغم من ان الحكومة لعبت بأعصاب المواطنين !) ويبدو ان تعقيبي على ما فيه من تأنيب ساخر قد أعجبه، لذلك انصرف هو الاخر الى حال سبيله مغمورا بالبهجة !!   

آخر إفرازات ظاهرة التأثيث السكاني في الخليج .. التـكــويــت والتـقـطــيـر والـتــقـمــيـر

ربما لا يعلم الناس إن الدويلات البترولية التي ولدت في رحم الخليج العربي بعد الحربين العالميتين, والتي وقفت في طليعة البلدان المحرضة ضد العراق, وبرعت بحشد الجيوش الجرارة من أجل تدميره, والإساءة لشعبه الصابر المكافح, ربما لا يعلمون إنها برعت أيضا في تبني سياسة التأثيث السكاني بأساليب مبتكرة لا تختلف كثيراً عن أساليب ربات البيوت في تغيير أثاث منازلهن, وتبديل أدوات وأطباق مطابخهن, فالرغبة بالتغيير هي التي تحكمت ببيانات وسجلات الأحول الشخصية.

مما لا ريب فيه إن اصطلاح (التكويت) معروف للقاصي والداني في لغة المقاهي الخليجية والهندية والفارسية ويعني: منح الجنسية الكويتية لغير الكويتيين, ويعني أيضا منحها لمن لا يستحقها من أصحاب الجنسيات المتعددة والولاءات المتجددة, وهي ظاهرة تتقاطع تماماً مع  ظاهرة (البدون), التي تجاهلت فيها الكويت حقوق أربعة أجيال من العدنانيين والقحطانيين, الذين أنجبتهم أمهاتهم الشمريات والعتيبيات والمطيريات والعنزيات على أديم الأرض الممتدة من (كاظمة) إلى (رأس الخفجي), فاستوطنوا هنا, وتناسلوا هنا, جيل بعد جيل, منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي وحتى يومنا هذا.  

ينظر المحللون إلى هذه الظاهرة على إنها نزوة ابتكرتها النخبة الكويتية المترفة لإرضاء رغبات التأثيث السكاني, وتحسين صورة المجتمع بأصول عرقية لا تنتمي وطنيا ولا روحيا إلى الكويت, وما أكثر الغرباء الذين حصلوا على الجنسية الكويتية بأيسر الطرق, أو بذريعة براعتهم في الألعاب الرياضية, وما أكثر الحالات التي طفحت فيها حكايات التأثيث السكاني على أحاديث الديوانيات والمجالس الشعبية. أما ظاهرة التقطير فهي حالة موازية للتكويت, تبنتها حكومة الدوحة عندما رغبت بتغيير طاقم قبيلة (الغفران), فرمتهم كلهم خارج حدودها, وتخلصت منهم إلى غير رجعة, في تناقض عجيب بين ما تدعو إليه قيادتها السياسية في نضالها البترولي المتلفز نحو صيانة الحريات المدنية وإرساء أبسط أسس العدالة والإنصاف, وبين ما ترتكبه على أرض الواقع من انتهاكات غير إنسانية, استخفت فيها بالجنس البشري, تمثلت بتهجير ستة آلاف مواطن دفعة واحدة, فاقتلعتهم من جذورهم, وألغت أوراقهم الثبوتية, ثم رمتهم خلف حدودها مع السعودية, في الزمن الذي صار فيه اللاعب الأمريكي الجنوبي (سباستيان سوريا) مواطناً قطرياُ من الدرجة الأولى, ومن الصنف المدلل, بينما شملت عجلة الحرمان اللاعب (فهد العنزي), الذي يعد من أفضل اللاعبين في المنتخب الوطني الكويتي لكرة القدم, باعتباره من فئة (البدون) المغضوب عليها, من فيكم يصدق ان (سباستيان سوريا) عربي الجنسية, و(فهد العنزي) من كوكب عطارد ؟؟. 

انظروا كيف يطردون المواطن العربي من وطنه, وكيف يصادرون حقوقه كلها, ويلغون سجله المدني, وكيف يشطبون تاريخ أجداده, ويطمسون مواقف عشيرته بناءً على رغبات الحاكم المستبد, وقراراته الارتجالية الطائشة. 

اما (التقمير) فهو الاصطلاح الذي يتعذر عليكم العثور عليه في قواميس ومعاجم كوكب الأرض, لأنه وبكل بساطة من المفردات التي تتعامل بها الكائنات الفضائية التي استوطنت على سطح القمر, الأمر الذي دفع حكومة الإمارات العربية المتحدة إلى معالجة أوضاع فئة (البدون) المولودين على أرضها, وإعادتهم إلى جزر القمر باتفاقية ثنائية أبرمت بين البلدين, تبيع بموجبها فئة (البدون) بحوالي (250) مليون دولار, بما يعادل (50) ألف دولار عن كل (بدون) تعيده الإمارات إلى جزر القمر, نحن الآن أمام ظاهرة غريبة تقوم بها الدويلات الخليجية بتصدير مواطنيها, والتعامل معهم كبضاعة منتهية الصلاحية, أو كمادة مرفوضة وممنوعة من التداول, بانتظار شحنها على السفن المغادرة إلى جزر القمر, استمعوا إلى هذا التسجيل الوثائقي:-

ففي الثاني والعشرين من مايس (مايو) من العام الجاري (2012) أقدمت سلطات الهجرة في إمارة عجمان على اعتقال المواطن الإماراتي (أحمد عبد الخالق), الذي يعمل في منظمة (هيومن رايت ووتش), واقتاده إلى جهة مجهولة, ثم أعادت سيارته إلى عائلته, وأشعرتهم إنها قررت نفيه وتهجيره إلى جمهورية جزر القمر, باعتباره من المواطنين القمريين بدلالة جوازه القمري الذي جلبته له السلطات الإماراتية نفسها, فهي التي تحدد لمواطنيها انتماءاتهم الوطنية الجديدة, وتبعثهم إلى بلدانهم البديلة, في سابقة دولية خطيرة, لم تحدث في الكون كله, حتى في العصور الوحشية الغابرة, بمعنى انك تنام في سريرك وأنت أماراتي, لكنك تستيقظ صباح اليوم التالي لتكتشف انك من جزر القمر, فلا تندهش من تصرفات برامكة الغاز والألغاز, وتصرفات بطانتهم السيئة, الذين وهبوا حقوق التجنس إلى خدامهم من الهنود والبنغاليين, ومنحوها للأسيويين والأفارقة, الذين يعملون في حظائر الأبقار والأغنام, وإلى المطربات والراقصات, والأنكى من ذلك كله إن بعض الدويلات الخليجية دأبت منذ مدة على استجلاب اللقطاء بأعداد هائلة من المغرب العربي, ومنحتهم جنسيتها لتستكمل بهذه الخطوة مشاريعها التخريبية الرامية لتأثيث المدن الخليجية بطواقم بشرية جديدة من خارج الوسط الخليجي. . . 

من المفارقات المذهلة ان تلك الدويلات المتباهية بغرورها استهدفت فئة قليلة من العرب, حرمتهم من أبسط الحقوق التي يتمتع بها أبناء القارات الأخرى, الذين وفدوا إلى الخليج بحثا عن فرص العمل, ولم يحلموا أنهم سيحصلون على الجنسية بلمح البصر, بينما ظل أبناء (البدون) يعانون من الحرمان منذ أكثر من قرن, من دون أن تُحسم قضيتهم. .

فلا خير في الحكومات التي تتظاهر بالتمدن والتحضر, وتمعن في ممارسة أقصى طبائع الاستبداد والتعسف, ولا  خير في الأمم التي لا تكترث لأوجاع الناس وهمومهم. 

حكومات شملت برعايتها الأجانب والغرباء, وتركت المواطن الحقيقي يبحث عن هويته في ماراثون المطالبات الحثيثة, وهو الذي ضحى بروحه وعمره في الذود بالدفاع عن الأرض التي ولد عليها, وعاش عليها وأنهى خدمته القتالية في جبهاتها, فحفر قبره بيده ليستشهد من أجل عزتها ورفعتها, بينما فر الفارون, وهرب الهاربون بحثا عن الملاذ الآمن في ملاجئ المرافئ البعيدة, ورفعوا شعارات (يا روح ما بعدك روح), ثم عادوا ليتبجحوا في المسلسلات الرمضانية, ويرسموا على شاشات التزييف والتلفيق أقبح مشاهد الشجاعة في الجبهات الافتراضية, التي صنعتها استوديوهات قناة (الوطن) بالعنتريات السوبرمانية.

لقد غرقت الدوحة الآن بالوافدين إليها من كل حدب وصوب, حتى صار المواطن غريبا على أرضه, معتكفاً في منزله, وغرقت الكويت في خضم التعددية العرقية التي ابتلت بها البلاد المفتوحة للغرباء. 

 قبل بضعة أيام شاهدت مقابلة تلفزيونية مع شاب, يزعم انه كويتي, لكنه يعجز عن تكرار عبارة (أنا كويتي) بكل اللهجات العربية, فهي على لسانه أقرب ما تكون إلى اللغة الأوردية المكسرة, فيلفظها هكذا: (أنا كُفيتي) مع اهتزازة لا إرادية برأسه على الطريقة الهندية الموروثة, شاهدوا هذا المقطع رجاءً. 

لقد تحولت بعض الدويلات الخليجية إلى سيرك غير متجانس يعج بالبشر من كل لون وجنس ولسان, فضاع أبناء البلد في زحمة الوجوه الدخيلة, وتعطلت عندهم لغة الكلام بتداخل اللهجات الرطينة, بينما هيمن الغرباء على كل شيء تقريبا, وحشروا أنوفهم في الصغيرة والكبيرة بمباركة أمراء مجلس التهاون الخليجي, وسكوت كهنة الجامعة العربية، والله يستر من الجايات.

لاجئات عربيات..أم : سبايا للبيع !!؟

 قال لي (الأخضر بن يوسف) : بدلا من رايات الثورة

رفعوا رايات ذكورتهم !!

• وقالت لي الأخبار:

(إن رجال دين يدعمون الحركات الإسلامية المقاتلة في سوريا قد اصدروا فتوى تجيز ما سمي بـ جهاد المناكحة في سوريا، وتنص هذه الفتوى على إجازة أن يقوم المقاتلون ضد النظام السوري من غير المتزوجين أو من المتزوجين الذين لا يمكنهم ملاقاة زوجاتهم بإبرام عقود نكاح شرعية مع بنات أو مطلقات لمدد قصيرة لا تتجاوز الساعة أحيانا يتم بعدها الطلاق وذلك لإعطاء الفرصة الى مقاتل آخر بالمناكحة.

وذكر رجال الدين -الذين أفتوا بهذه الفتوى- أن الهدف منها هو تمكين المقاتلين من حقهم الشرعي بالمعاشرة وهو ما يزيد من عزائمهم ويرفع من معنوياتهم القتالية.

وقد شرع بنشر هذه الفتوى على نطاق محلي في المناطق التي سيطر عليها المقاتلون الاسلاميون من خلال حث الفتيات على هذا الجهاد واعتباره أفضل وسيلة لجهاد المرأة ضد النظام السوري.

ومن بين الشروط المطلوب توافرها في الفتيات المجاهدات بالنكاح هو ان تتم الـ14 من العمر أو مطلقة ترتدي النقاب أو الزي الشرعي، وقد اعتبروا ان هذا الجهاد هو جهاد في سبيل الله وفق الصيغ الشرعية يخول للقائمة به دخول الجنة!!)

• وفي الأخبار الطازجة والخارجة توا من أفران المجلس الخليجي المنعقد في البحرين هذه الأيام؛ أن احد الأمراء قد صرح بان أمارته: ستستضيف مؤتمرا للمانحين لجمع مساعدات إنسانية لسوريا بحلول نهاية كانون الثاني المقبل؛ ولذلك لقلقه الأميري –وقلق المجتمع الإنساني– على السوريين من برد الشتاء القادم؛وربما من هذا الباب فان(الدفء) المنتظر لابدّ وان يأتي من (الأحضان) و(الفراش) تماما كذاك الذي منحه أمراء القتل في العراق لمن غرر بهن من النسوة؛ فلا بطانيات او صوبات نفطية تعادل دفء الجهاديين الذين استبدلوا الحوريات السوريات بحوريات الله ؛ باعتبار ان(سورية) في اليد خير من (10 حوريات) في الجنة!!؟

ولم يكّذب الجماعة خبر الفتوى القذرة؛فنُهبت الصبيات السوريات بحجج الزواج وبابخس الأثمان؛وكأنّ بين الداعمين للربيع العربي السوري (سباق الشهوات الطويلة)!!

• أعراب من الخليج.. أعراب من ليبيا..أعراب من الجزائر..أعراب من المغرب..ومن تونس واليمن والسودان والأردن ولبنان؛ وكل الذين قال لي الأخضر بن يوسف عنهم؛ هبوا إلى مخيمات اللاجئين السوريين لينصبوا(رايات ذكورتهم) فوق تخوم الأجساد البضة التي أوقفها الزمن السافل على منصات البيع؛ كما كان يُفعل ذلك في زمن التتار والمغول؛ فالمهر المقدم للمشتراة ملاليم ليس الا؛ لان الغاية الأولى والأخيرة للجهاديين الجدد هو (الستر والحفاظ على الشرف العربي)!!

وهو ما أشار إليه الصحفي السعودي (محمد العصيمي) الذي كتب عن تحول الأمر إلى ظاهرة؛ وإلى درجة -كما قال- أن صاحب صفحة «سوريات مع الثورة»، أعلن لزوار صفحته الساعين بمنتهى (الحميمية) خلف شهواتهم، عدم قبول أي طلبات زواج راجيا من الجميع ألا يرسلوا هذه الرسائل «لأنه الوقت مو وقت زواج عنا..سوريا في حالة حرب».

• فتاوى سوداء؛ ورجال بلا لبسان؛ وشهوات تذكرنا بقطعان الذئاب المتربصة بالفرائس في الأفلام؛ أهذا ما بشرنا به الربيع الذي شوّهه العربان حتى بات صيفا قاحلا وبلا ملامح!!

• الله ايطيح حظج يا أمريكا.

لا شــبــع….

ضلله حبه للعراق وعماه, وقاده بعيدا عن تخصصه العلمي في النفس الإنسانية, والطبع الاجتماعي ..وبشغفه بالروح, وبدا مثل صبي, وجاهر بأمنياته وأوهامه قائلا إن العراقيين في حقل السياسة وميدان العدوان, وممارسات السلطة ونهب الثروة سينضبون. وتجف منابع العدوان, وتمتلئ العيون بالثروات, ويتجشأون ويصابون بالغثيان من لعبة السلطة والجاه والضوء…..انه ينكر قناعاته وما يمليه عليه تخصصه الأكاديمي العالي, ويعود أمياً جاهلا ويفتقد ابسط المعارف… ويظن ان أبطال الفساد والجريمة والجوع للسلطة قد اقتربوا من التخمة والملل وسينتقلون ,وفق قانون الديالكتيك الى النقيض …وتلك من اعراض اليأس او فقدان الصواب والجنون …فالعربي ,تأريخيا ,وبطبعه وتكوينه مهووس بالسلطة …ويسخر حتى المقدس للظفر بالسلطة  ..فالأولوية للسلطة وإنها التي تنتج البقية …وما زال هناك من يقولها على سبيل التندر من ان الريفي  وحالما يتيسر له ذلك حتى يعمد لاقتناء البندقية ثم الزواج بأخرى …والعربي بالمفهوم المعاصر ريفي وان حصل على أعلى الشهادات العلمية …وريفيته ثاوية فيه وهو في بون وباريس وأمستردام ..وسيسارع لرفس كل هناءات وامتيازات تلك المدن والعودة الى قريته مقابل منصب وسلطة. 

ومشهد الاقتتال على السلطة العربية بلا نظير في الأمم الأخرى… وتأمله بشجاعة ودقة قد يثير الفزع.

ولكن جوع عين العربي استثناء أيضاً.. وإذا كنا نقول باللسان ان عين الانسان لا تمتلئ الا بالتراب,  فان اليهودي ما زال يغلق عين الميت بذر التراب فيها…. وانها لقناعة بلهاء وخرقاء تلك التي ترى ان الدهماء قد نزفوا كراهيتهم وتخففوا من قيح قلوبهم..وطهروها من الظلام ومن النظرة السوداء للبشر وللحياة.

إنما انزلاق المختص الى الخرافة..  وتنكره لاختصاصه الأكاديمي العالي لا يعني غير اليأس الشامل وفقدان الصواب .وان الحالة العراقية ميؤوس منها لدى بعض المهمومين الموجوعين بما يحل بالعراق.

حتى الطفل الغرير يدرك أن من ركبوا الموجة الطائفية القذرة .. وتظاهروا بالشهامة والحمية والغيرة على طوائفهم.. إنما يسحقون على الإسلام كدين ,ويخلعون عليه اقذر الأردية من اجل ارضاء جوعهم للسلطة والثروة …فأهموا حتى العاقل الرصين المتعلم للاعتقاد ان السنوات العشر كافية لنزح الكراهية ..وللطفح بالسلطة  ولامتلاء الجيوب والمصارف والعيون المثقوبة ..وسيستفيق اللصوص ويستعيدوا وعيهم وتبدأ الحياة السوية ….ويعتذروا عن تجريم بعضهم للبعض ,وانهاء حياة بعضهم للبعض ,وكأن شيئا لم يكن ..ولا من سبقهم بهذا الحجم والقسوة ..وعفا الله عما سلف ….

هذا فكر يبعث على الحزن …ويحرضنا على تحريض ذوي الفكر الذي لم يتشوه بعد وحافظ على وضوحه وشجاعته لكي يكن نقطة الضوء تستقطب الامل  والعزم  وارادة العمل …وانهم كثرة ..وتكبر في كل لحظة في عيون العراقيين..

يبحثون ويكافحون من اجل سلطة الخير لا سلطة الكرسي ..ومن يحترمون الحياة ,كل الحياة وتقر عيونهم على رضا الله …وانهم اذ يحبون الحياة  ويتمتعون بها فللخير , وإلا..  فأنها شعرة مجذوم في إست خنزير …وهذا ما لا يفهمه جياع المال والجاه والسلطة ولن يكفوا أيديهم من تلقاء أنفسهم.

….المفكر يستدرك وكأنه يعتذر أو يوضح بأن للسياسي الشرير معين من الشر يأتيه من بعض المنابع الاجتماعية ولذلك سيكون عمره أطول.

كردستان العظمى ونوايا الانفصال .. ولادة قيصرية ثانية من رحم العراق

صرنا على مسافة قريبة جدا من العد التنازلي لليوم الموعود, الذي ستجرى فيه العملية القيصرية الثانية لولادة أخرى من رحم العراق, كانت الولادة القيصرية الأولى في التاسع عشر من حزيران (يونيو) عام 1961, عندما شهدت البصرة رسميا انفصال قضاء الكويت بمباركة بريطانية, بينما تتعالى اليوم الأصوات المطالبة بفصل إقليم كردستان من جسد العراق, وشهد العراقيون تجول رئيس الإقليم السيد مسعود البرزاني في زيارة تفقدية لقوات البيشمركة في كركوك, ظهر فيها نجله وهو يعتمر خوذته الفولاذية, ويحمل عدته الحربية استعداداُ لخوض معركته الانفصالية الحاسمة. 

لقد حذرت الصحف الغربية من ظهور دولة غير عربية في الشرق الأوسط, وجاءت التحذيرات بسلسلة من المقالات الاستقصائية, كان آخرها المقالة, التي كتبها الصحافي (اندريه أكولوف) نشرها موقع (strategic Culture), تجدونها على الرابطة التالية:-

http://www.strategic-culture.org/news/2012/11/29/greater-kurdistan-a-new-actor-on-middle-east-map.html

شهدت الأشهر الماضية زيارات دبلوماسية مكثفة, بدأت بزيارة الوفد الأوكراني للمنطقة الكردية, ثم تكررت بعدها زيارات الوفود الأمريكية والكندية, تلتها زيارة السفير الصيني, ثم جاءت زيارة وزير الخارجية التركي (أحمد داود أوغلو) لتضيف بعدا جديدا للدعم الذي تقدمه حكومة أنقرة ضد حكومة بغداد, وكانت أول زيارة يقوم بها دبلوماسي تركي لشمال العراق منذ (75) عاماً, من دون أن يستأذن الحكومة العراقية في زيارته, التي أبدى فيها استعداد بلاده لتقديم أقصى درجات الدعم والمؤازرة لإقليم كردستان, بضمنها الحماية التركية التي قد يحتاجها الإقليم إن لزم الأمر. 

كانت زيارة السيد مسعود لواشنطن في نيسان (أبريل) 2012 هي المعوَّل عليها في ترسيخ العلاقات (الكردية الأمريكية), التقى فيها الرئيس أوباما, ونائبه (جو بايدن), ووزير الدفاع (ليون بانيتا), شرح فيها نقاط الخلاف مع بغداد, والأفكار المطروحة لتجاوز الأزمات (الدستورية) المستعصية. 

كان السيد مسعود صريحا واضحا في لقائه المتلفز مع شبكة (BBC) في الشهر الأول من عام 2012, حين عبر عن رغبته الجامحة لفصل إقليم كردستان عن العراق, وحلمه بنيل الاستقلال الكامل, وبناء دولة كردستان. 

ثم قام رئيس الإقليم (نيجرفان برزاني) بزيارة رسمية لإيران في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي للتباحث مع حكومة أحمدي نجاد في العلاقات الثنائية بين كردستان وطهران, ومناقشة الملفات المشتركة (العالقة بينهما), زار بعدها تركيا للتحاور في المحاور الحساسة بين البلدين.

 يقدر الاحتياطي النفطي في إقليم كردستان بنحو (45) بليون برميل مضافا إليه خزين محافظة كركوك, ما يجعل الإقليم مرشحا لتبوأ المركز السادس في الترتيب العالمي بعد حصوله على الانسلاخ الكركوكي من العراق, الأمر الذي أغرى شركة أكسون موبيل الأمريكية بمغادرة حقول القرنة, والتوجه نحو حقول كردستان لإحراز قصب السبق في الاستثمارات المستقبلية الواعدة, ثم لحقت بها شركة (تشفرون), و(توتال), فأبرمت باقة من العقود النفطية, اعترضت عليها الحكومة المركزية, بينما تذرعت كردستان ببنود الدستور, وباشرت بتصدير شحناتها الأولى من النفوط المستخرجة من حقول الإقليم, بتحد واضح للحكومة المركزية, ومن دون الالتفات إلى احتجاجاتها المتكررة, فاستنفرت أساطيل الشاحنات الحوضية لنقل النفط الخام باتجاه الموانئ التركية والإيرانية, بكميات ضئيلة تقدر بنحو ألف طن كل يوم, بما يعادل (8000) برميل يومياً, ويرى المراقبون إن عجلة التصدير سترتفع في الأيام القليلة المقبلة لتصل إلى (1500) طن يومياً, ما يعادل (12000) برميل يوميا. 

لقد قطع إقليم كردستان شوطا كبيرا في تعزيز العلاقات الثنائية المتينة مع البيت الأبيض, وتعمقت تلك العلاقات بعد الغزو الأمريكي للعراق, وكانت جميع الفرص متاحة للارتقاء بقدرات ميليشيات البيشمركة إلى مستوى الجيوش النظامية المبنية على الأسس العسكرية الحديثة, من حيث التثقيف القومي العقائدي, ومن حيث التدريب الميداني العالي, ومن حيث التسليح التعبوي المتوافق مع التطلعات المستقبلية, ومن حيث تعداد الوحدات والأفراد الذين زاد عددهم على (200) ألف مقاتل. 

تتألف التركيبة السكانية لأكراد العراق من خمسة ملايين نسمة تقريبا, بينما تتوزع الغالبية العظمى منهم في المناطق الجبلية التركية والإيرانية والسورية, ومجاميع صغيرة منهم مبعثرة في المدن الأرمينية والجورجية واللبنانية والإسرائيلية والروسية والأذربيجانية, واستوطنت أعداد منهم في العقود القريبة الماضية في أوربا وأمريكا, بيد أن الملفت للأنظار إن أوضاع الكرد في العراق في المرحلة الراهنة تعد من أفضل ما تحلم به القومية الكردية بالمقارنة مع أوضاعهم القلقة في البلدان الأخرى, وهذا ما أكد عليه (خالد عزيزي) الناطق باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في تصريح له لجريدة الشرق الأوسط بعددها (10804), حين قال: ((النموذج الفيدرالي العراقي يعد من النماذج المثالية لما يتطلع إليه الأكراد في إيران)), معبراً عن رغبة حزبه بتحول إيران إلى دولة فيدرالية تمثل المجتمعات المتعددة الهويات والأعراق, كان (عزيزي) يتحدث بمنطق الحوار السياسي المقبول, في حين انشغلت ميليشيات (PJAK) المسلحة المدعومة من قبل إسرائيل بتنفيذ سلسلة من عمليات المقاومة داخل الأرض الإيرانية, وارتبطت فكريا وتعبويا بمنظمة حزب العمال الكردستاني المناوئ لتركيا (PKK), نحو شن الغارات المتواصلة في إيران وتركيا تمهيداً لنيل الحكم الذاتي على غرار ما نالته القومية الكردية في العراق, آخذين بنظر الاعتبار العمل من أجل ترسيخ الأهداف الإستراتيجية البعيدة الأمد, نحو بناء دولة (كردستان العظمى), التي تضم كامل الشرائح الكردية في المناطق العراقية والتركية والإيرانية والسورية, على أن يكون إقليم كردستان هو المنطلق نحو تحقيق الطموحات الكبيرة. 

ثم جاءت الأزمة  السورية لتقلب الطاولة على حكومة أنقرة في المبادرة التي تبناها الرئيس بشار الأسد بمنحه الأكراد حكماً ذاتياً, وهي أقرب ما تكون إلى الاستقلال, بدلالة عدم وجود أي تشكيل عسكري سوري داخل المرتفعات الكردية, وأناطت مهمة الدفاع عنها الآن بالكرد أنفسهم, فمنعوا التسلل من الأراضي التركية باتجاه الهضبة السورية, وكانوا خير عون لمليشيات حزب العمال الكردستاني في تركيا, التي صعدت عملياتها الانتقامية ضد أنفرة, وبينت صحيفة (حريت Hurriyet) في مقالة تحليلية كتبها (Semih Idiz) في 30/حزيران/2012, إن الرئيس رجب طيب أردوغان أصبح في موقف لا يحسد عليه, لتورطه في موقفين متناقضين, فهو مطالب بدعم الانتفاضة السورية ضد دمشق, ومطالب في الوقت نفسه بردع الانتفاضة الكردية في هضبة الأناضول, تارة يصف المليشيات العربية المعادية لسوريا بقوات التحرير, وتارة أخرى ينعت المليشيات الكردية المعادية لتركيا بالإرهاب, فظهر أمام الرأي العام العالمي متأرجحا في سياسته المتناقضة مع أبسط الثوابت السياسية.  اللافت للنظر إن مسألة قيام دولة (كردستان العظمى) تلقى معارضة شديدة من البلدان المحيطة بإقليم كردستان العراق, ويكاد يكون الموقف التركي متطابق تماما مع الموقف الإيراني في رفض مناقشة هذا الموضوع جملة وتفصيلا, ناهيك عن خشيتهما من تفاقم قوة الأكراد في سوريا, وانضمامها لقوة الأكراد في العراق بما يمنحهما القوة الكافية لخوض الصراع المستقبلي مع إحدى الدولتين, اما تركيا أو إيران, خصوصا بعد أن ضمن أكراد سوريا مستقبلهم في كلتا الحالتين (بوجود الأسد أو في غيابه), فإذا سقط النظام السوري كان التقسيم العرقي من صالحهم, وإذا صمد فأن الحكم الذاتي سيكون من نصيبهم, أما إذا نجحت تركيا بجلب قوات الناتو إلى حدودها المشتركة مع سوريا, فان الأبواب ستكون مفتوحة على مصاريعها لأكراد تركيا لإحراج الموقف الدولي بسبب تورط الناتو المفضوح في تبني المعايير المزدوجة, ووقوفه مع تركيا التي سلبت حقوق الأكراد واضطهدتهم, وشنت ضدهم أبشع الغارات الحربية الدامية, فالذي يطالب بحقوق المنتفضين ضد النظام السوري ينبغي أن لا يلغي حقوق المنتفضين ضد النظام التركي, وهذه هي المعادلة الحسابية التي أضعفت الموقف التركي, واستفزت الموقف الإيراني, فالأوراق الكردية هي الأوراق اللاعبة على  طاولات المقامرات والمغامرات السياسية. 

في العقود الماضية كان العراق من أقرب أصدقاء الاتحاد السوفيتي, فكان الرئيس (ريتشارد نكسون) أول من فكر بلعب الأوراق الكردية عندما دعمهم ماليا وعسكريا وحرضهم ضد العراق, في الوقت الذي لم تكن لديه أية رغبة باستقلالهم, وهذا ما أورده الكاتب (ستيفن هينتر Stephen Hunter) عام 1998 في كتابه الموسوم (صلاح الدين الثاني The second Saladin). 

 ثم لعبت إيران في زمن الشاه بالأوراق نفسها, فوفرت للكرد الدعم التعبوي واللوجستي, وفقد العراق خيرة أبنائه من العرب والأكراد في معارك داخلية استنزفت الطاقات, وتعطلت فيها عجلة النمو الحضاري, وزُهقت فيها الأرواح,  حتى انتهت بتنازل العراق عن نصف شط العرب, في معاهدة خبيثة كانت عبارة عن فوهة من فوهات الجحيم, فتحت الأبواب لحرب ضروس دامت ثماني أعوام, لم تكن المنطقة الكردية بمنأى من كوارثها, فكان الموت والدمار من نصيب الجميع. 

ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 لتتظاهر تركيا بعدم رغبتها بالسماح لقوات التحالف بشن غاراتها على العراق انطلاقا من أراضيها, لكنها سارعت إلى تقديم أقصى درجات الدعم الحربي للأكراد, وسمحت بانطلاق طائرات الهارير لنقل المظليين وإنزالهم شمال أربيل, فاشتركت معهم ميليشيات البيشمركة, وأبدت تعاونها معهم, وربما كان انسحاب قوات الاحتلال من العراق بسبب خسائرها المتلاحقة في المدن العراقية العربية, وربما لأنها لم تتعرض في إقليم كردستان لمثل ما تعرضت له في المدن العربية.  في عام 2006 نشر (رالف بيتر) خارطة جديدة للشرق الأوسط على صفحات المجلة العسكرية التي يصدرها البنتاغون بعددها الصادر في حزيران (يونيو). 

http://www.oilempire.us/new-map.html وأعاد نشرها في العام نفسه في كتابة الموسوم (Never Quit the Fight), والعجيب بالأمر إنه أطلق عليها خارطة (حدود الدم Blood Borders).  وهذا ما أكدت عليه العمة كوندي (كونداليزا رايس) بخطاباتها النارية المتكررة في تل أبيب, والتي دعت فيها لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد, على وفق التحديدات التي بينتها خارطة الدم وتقسيماتها العرقية والطائفية. 

يؤكد الكاتب (أندريه أكولوف) في مقالته المشار إليها آنفاً على أن إسرائيل كان لها حضورها الاستخباراتي والتجاري والدبلوماسي في إقليم كردستان, وأنها وسعت أنشطتها في المنطقة بعد عام 2003, وعبرت إسرائيل أكثر من مرة عن تعاطفها مع حكومة الإقليم, ويضيف (أكولوف): ((إن إسرائيل شيدت لها في إقليم كردستان محطة لطائراتها التجسسية الموجهة بالسيطرة النائية (بدون طيار), وإنها حصلت على الإذن من القيادة الكردية بإطلاقها في أجواء المنطقة من دون حاجة إلى أخذ موافقة الحكومة المركزية, وإنها سمحت بتوغل عناصر الموساد في مدن محافظة الموصل)), شاهدوا هذا التقرير الإخباري. 

وفي الخامس والعشرين من آذار (مارس), نشرت صحيفة (Sunday Times) مقالة تطرقت فيها إلى تواجد عناصر الموساد على الحدود الإيرانية العراقية في إقليم كردستان, وان مهماتهم التجسسية انحصرت في البحث عن أدلة موثقة للمفاعلات النووية الإيرانية, بما يسمى (البحث عن دلائل  smocking gun).  وفي التاسع من كانون الثاني (يناير) 2012, نشرت صحيفة (ليفيغارو) الفرنسية مقالة بعنوان (إيران تتحدى أمريكا), تطرقت فيها لأنشطة الموساد الموجهة ضد إيران من إقليم كردستان في العراق. 

 ختاما يقول (أكولوف): ((إن إقليم كردستان يمتلك الآن كل المقومات السياسي والحربية والاقتصادية والدستورية والحدودية للانفصال عن العراق وإعلان الاستقلال التام, بيد أن المسارات الوعرة لإقامة كردستان العظمى مازالت  بعيدة المنال, محفوفة بالمخاطر, مشحونة بالألغام, تحيط بها البراكين المتفجرة بالمصائب والويلات)).

لاجئات عربيات..أم : سبايا للبيع !!؟

 قال لي (الأخضر بن يوسف) : بدلا من رايات الثورة

رفعوا رايات ذكورتهم !!

• وقالت لي الأخبار:

(إن رجال دين يدعمون الحركات الإسلامية المقاتلة في سوريا قد اصدروا فتوى تجيز ما سمي بـ جهاد المناكحة في سوريا، وتنص هذه الفتوى على إجازة أن يقوم المقاتلون ضد النظام السوري من غير المتزوجين أو من المتزوجين الذين لا يمكنهم ملاقاة زوجاتهم بإبرام عقود نكاح شرعية مع بنات أو مطلقات لمدد قصيرة لا تتجاوز الساعة أحيانا يتم بعدها الطلاق وذلك لإعطاء الفرصة الى مقاتل آخر بالمناكحة.

وذكر رجال الدين -الذين أفتوا بهذه الفتوى- أن الهدف منها هو تمكين المقاتلين من حقهم الشرعي بالمعاشرة وهو ما يزيد من عزائمهم ويرفع من معنوياتهم القتالية.

وقد شرع بنشر هذه الفتوى على نطاق محلي في المناطق التي سيطر عليها المقاتلون الاسلاميون من خلال حث الفتيات على هذا الجهاد واعتباره أفضل وسيلة لجهاد المرأة ضد النظام السوري.

ومن بين الشروط المطلوب توافرها في الفتيات المجاهدات بالنكاح هو ان تتم الـ14 من العمر أو مطلقة ترتدي النقاب أو الزي الشرعي، وقد اعتبروا ان هذا الجهاد هو جهاد في سبيل الله وفق الصيغ الشرعية يخول للقائمة به دخول الجنة!!)

• وفي الأخبار الطازجة والخارجة توا من أفران المجلس الخليجي المنعقد في البحرين هذه الأيام؛ أن احد الأمراء قد صرح بان أمارته: ستستضيف مؤتمرا للمانحين لجمع مساعدات إنسانية لسوريا بحلول نهاية كانون الثاني المقبل؛ ولذلك لقلقه الأميري –وقلق المجتمع الإنساني– على السوريين من برد الشتاء القادم؛وربما من هذا الباب فان(الدفء) المنتظر لابدّ وان يأتي من (الأحضان) و(الفراش) تماما كذاك الذي منحه أمراء القتل في العراق لمن غرر بهن من النسوة؛ فلا بطانيات او صوبات نفطية تعادل دفء الجهاديين الذين استبدلوا الحوريات السوريات بحوريات الله ؛ باعتبار ان(سورية) في اليد خير من (10 حوريات) في الجنة!!؟

ولم يكّذب الجماعة خبر الفتوى القذرة؛فنُهبت الصبيات السوريات بحجج الزواج وبابخس الأثمان؛وكأنّ بين الداعمين للربيع العربي السوري (سباق الشهوات الطويلة)!!

• أعراب من الخليج.. أعراب من ليبيا..أعراب من الجزائر..أعراب من المغرب..ومن تونس واليمن والسودان والأردن ولبنان؛ وكل الذين قال لي الأخضر بن يوسف عنهم؛ هبوا إلى مخيمات اللاجئين السوريين لينصبوا(رايات ذكورتهم) فوق تخوم الأجساد البضة التي أوقفها الزمن السافل على منصات البيع؛ كما كان يُفعل ذلك في زمن التتار والمغول؛ فالمهر المقدم للمشتراة ملاليم ليس الا؛ لان الغاية الأولى والأخيرة للجهاديين الجدد هو (الستر والحفاظ على الشرف العربي)!!

وهو ما أشار إليه الصحفي السعودي (محمد العصيمي) الذي كتب عن تحول الأمر إلى ظاهرة؛ وإلى درجة -كما قال- أن صاحب صفحة «سوريات مع الثورة»، أعلن لزوار صفحته الساعين بمنتهى (الحميمية) خلف شهواتهم، عدم قبول أي طلبات زواج راجيا من الجميع ألا يرسلوا هذه الرسائل «لأنه الوقت مو وقت زواج عنا..سوريا في حالة حرب».

• فتاوى سوداء؛ ورجال بلا لبسان؛ وشهوات تذكرنا بقطعان الذئاب المتربصة بالفرائس في الأفلام؛ أهذا ما بشرنا به الربيع الذي شوّهه العربان حتى بات صيفا قاحلا وبلا ملامح!!

• الله ايطيح حظج يا أمريكا.

لا شــبــع….

ضلله حبه للعراق وعماه, وقاده بعيدا عن تخصصه العلمي في النفس الإنسانية, والطبع الاجتماعي ..وبشغفه بالروح, وبدا مثل صبي, وجاهر بأمنياته وأوهامه قائلا إن العراقيين في حقل السياسة وميدان العدوان, وممارسات السلطة ونهب الثروة سينضبون. وتجف منابع العدوان, وتمتلئ العيون بالثروات, ويتجشأون ويصابون بالغثيان من لعبة السلطة والجاه والضوء…..انه ينكر قناعاته وما يمليه عليه تخصصه الأكاديمي العالي, ويعود أمياً جاهلا ويفتقد ابسط المعارف… ويظن ان أبطال الفساد والجريمة والجوع للسلطة قد اقتربوا من التخمة والملل وسينتقلون ,وفق قانون الديالكتيك الى النقيض …وتلك من اعراض اليأس او فقدان الصواب والجنون …فالعربي ,تأريخيا ,وبطبعه وتكوينه مهووس بالسلطة …ويسخر حتى المقدس للظفر بالسلطة  ..فالأولوية للسلطة وإنها التي تنتج البقية …وما زال هناك من يقولها على سبيل التندر من ان الريفي  وحالما يتيسر له ذلك حتى يعمد لاقتناء البندقية ثم الزواج بأخرى …والعربي بالمفهوم المعاصر ريفي وان حصل على أعلى الشهادات العلمية …وريفيته ثاوية فيه وهو في بون وباريس وأمستردام ..وسيسارع لرفس كل هناءات وامتيازات تلك المدن والعودة الى قريته مقابل منصب وسلطة. 

ومشهد الاقتتال على السلطة العربية بلا نظير في الأمم الأخرى… وتأمله بشجاعة ودقة قد يثير الفزع.

ولكن جوع عين العربي استثناء أيضاً.. وإذا كنا نقول باللسان ان عين الانسان لا تمتلئ الا بالتراب,  فان اليهودي ما زال يغلق عين الميت بذر التراب فيها…. وانها لقناعة بلهاء وخرقاء تلك التي ترى ان الدهماء قد نزفوا كراهيتهم وتخففوا من قيح قلوبهم..وطهروها من الظلام ومن النظرة السوداء للبشر وللحياة.

إنما انزلاق المختص الى الخرافة..  وتنكره لاختصاصه الأكاديمي العالي لا يعني غير اليأس الشامل وفقدان الصواب .وان الحالة العراقية ميؤوس منها لدى بعض المهمومين الموجوعين بما يحل بالعراق.

حتى الطفل الغرير يدرك أن من ركبوا الموجة الطائفية القذرة .. وتظاهروا بالشهامة والحمية والغيرة على طوائفهم.. إنما يسحقون على الإسلام كدين ,ويخلعون عليه اقذر الأردية من اجل ارضاء جوعهم للسلطة والثروة …فأهموا حتى العاقل الرصين المتعلم للاعتقاد ان السنوات العشر كافية لنزح الكراهية ..وللطفح بالسلطة  ولامتلاء الجيوب والمصارف والعيون المثقوبة ..وسيستفيق اللصوص ويستعيدوا وعيهم وتبدأ الحياة السوية ….ويعتذروا عن تجريم بعضهم للبعض ,وانهاء حياة بعضهم للبعض ,وكأن شيئا لم يكن ..ولا من سبقهم بهذا الحجم والقسوة ..وعفا الله عما سلف ….

هذا فكر يبعث على الحزن …ويحرضنا على تحريض ذوي الفكر الذي لم يتشوه بعد وحافظ على وضوحه وشجاعته لكي يكن نقطة الضوء تستقطب الامل  والعزم  وارادة العمل …وانهم كثرة ..وتكبر في كل لحظة في عيون العراقيين..

يبحثون ويكافحون من اجل سلطة الخير لا سلطة الكرسي ..ومن يحترمون الحياة ,كل الحياة وتقر عيونهم على رضا الله …وانهم اذ يحبون الحياة  ويتمتعون بها فللخير , وإلا..  فأنها شعرة مجذوم في إست خنزير …وهذا ما لا يفهمه جياع المال والجاه والسلطة ولن يكفوا أيديهم من تلقاء أنفسهم.

….المفكر يستدرك وكأنه يعتذر أو يوضح بأن للسياسي الشرير معين من الشر يأتيه من بعض المنابع الاجتماعية ولذلك سيكون عمره أطول.

كردستان العظمى ونوايا الانفصال .. ولادة قيصرية ثانية من رحم العراق

صرنا على مسافة قريبة جدا من العد التنازلي لليوم الموعود, الذي ستجرى فيه العملية القيصرية الثانية لولادة أخرى من رحم العراق, كانت الولادة القيصرية الأولى في التاسع عشر من حزيران (يونيو) عام 1961, عندما شهدت البصرة رسميا انفصال قضاء الكويت بمباركة بريطانية, بينما تتعالى اليوم الأصوات المطالبة بفصل إقليم كردستان من جسد العراق, وشهد العراقيون تجول رئيس الإقليم السيد مسعود البرزاني في زيارة تفقدية لقوات البيشمركة في كركوك, ظهر فيها نجله وهو يعتمر خوذته الفولاذية, ويحمل عدته الحربية استعداداُ لخوض معركته الانفصالية الحاسمة. 

لقد حذرت الصحف الغربية من ظهور دولة غير عربية في الشرق الأوسط, وجاءت التحذيرات بسلسلة من المقالات الاستقصائية, كان آخرها المقالة, التي كتبها الصحافي (اندريه أكولوف) نشرها موقع (strategic Culture), تجدونها على الرابطة التالية:-

http://www.strategic-culture.org/news/2012/11/29/greater-kurdistan-a-new-actor-on-middle-east-map.html

شهدت الأشهر الماضية زيارات دبلوماسية مكثفة, بدأت بزيارة الوفد الأوكراني للمنطقة الكردية, ثم تكررت بعدها زيارات الوفود الأمريكية والكندية, تلتها زيارة السفير الصيني, ثم جاءت زيارة وزير الخارجية التركي (أحمد داود أوغلو) لتضيف بعدا جديدا للدعم الذي تقدمه حكومة أنقرة ضد حكومة بغداد, وكانت أول زيارة يقوم بها دبلوماسي تركي لشمال العراق منذ (75) عاماً, من دون أن يستأذن الحكومة العراقية في زيارته, التي أبدى فيها استعداد بلاده لتقديم أقصى درجات الدعم والمؤازرة لإقليم كردستان, بضمنها الحماية التركية التي قد يحتاجها الإقليم إن لزم الأمر. 

كانت زيارة السيد مسعود لواشنطن في نيسان (أبريل) 2012 هي المعوَّل عليها في ترسيخ العلاقات (الكردية الأمريكية), التقى فيها الرئيس أوباما, ونائبه (جو بايدن), ووزير الدفاع (ليون بانيتا), شرح فيها نقاط الخلاف مع بغداد, والأفكار المطروحة لتجاوز الأزمات (الدستورية) المستعصية. 

كان السيد مسعود صريحا واضحا في لقائه المتلفز مع شبكة (BBC) في الشهر الأول من عام 2012, حين عبر عن رغبته الجامحة لفصل إقليم كردستان عن العراق, وحلمه بنيل الاستقلال الكامل, وبناء دولة كردستان. 

ثم قام رئيس الإقليم (نيجرفان برزاني) بزيارة رسمية لإيران في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي للتباحث مع حكومة أحمدي نجاد في العلاقات الثنائية بين كردستان وطهران, ومناقشة الملفات المشتركة (العالقة بينهما), زار بعدها تركيا للتحاور في المحاور الحساسة بين البلدين.

 يقدر الاحتياطي النفطي في إقليم كردستان بنحو (45) بليون برميل مضافا إليه خزين محافظة كركوك, ما يجعل الإقليم مرشحا لتبوأ المركز السادس في الترتيب العالمي بعد حصوله على الانسلاخ الكركوكي من العراق, الأمر الذي أغرى شركة أكسون موبيل الأمريكية بمغادرة حقول القرنة, والتوجه نحو حقول كردستان لإحراز قصب السبق في الاستثمارات المستقبلية الواعدة, ثم لحقت بها شركة (تشفرون), و(توتال), فأبرمت باقة من العقود النفطية, اعترضت عليها الحكومة المركزية, بينما تذرعت كردستان ببنود الدستور, وباشرت بتصدير شحناتها الأولى من النفوط المستخرجة من حقول الإقليم, بتحد واضح للحكومة المركزية, ومن دون الالتفات إلى احتجاجاتها المتكررة, فاستنفرت أساطيل الشاحنات الحوضية لنقل النفط الخام باتجاه الموانئ التركية والإيرانية, بكميات ضئيلة تقدر بنحو ألف طن كل يوم, بما يعادل (8000) برميل يومياً, ويرى المراقبون إن عجلة التصدير سترتفع في الأيام القليلة المقبلة لتصل إلى (1500) طن يومياً, ما يعادل (12000) برميل يوميا. 

لقد قطع إقليم كردستان شوطا كبيرا في تعزيز العلاقات الثنائية المتينة مع البيت الأبيض, وتعمقت تلك العلاقات بعد الغزو الأمريكي للعراق, وكانت جميع الفرص متاحة للارتقاء بقدرات ميليشيات البيشمركة إلى مستوى الجيوش النظامية المبنية على الأسس العسكرية الحديثة, من حيث التثقيف القومي العقائدي, ومن حيث التدريب الميداني العالي, ومن حيث التسليح التعبوي المتوافق مع التطلعات المستقبلية, ومن حيث تعداد الوحدات والأفراد الذين زاد عددهم على (200) ألف مقاتل. 

تتألف التركيبة السكانية لأكراد العراق من خمسة ملايين نسمة تقريبا, بينما تتوزع الغالبية العظمى منهم في المناطق الجبلية التركية والإيرانية والسورية, ومجاميع صغيرة منهم مبعثرة في المدن الأرمينية والجورجية واللبنانية والإسرائيلية والروسية والأذربيجانية, واستوطنت أعداد منهم في العقود القريبة الماضية في أوربا وأمريكا, بيد أن الملفت للأنظار إن أوضاع الكرد في العراق في المرحلة الراهنة تعد من أفضل ما تحلم به القومية الكردية بالمقارنة مع أوضاعهم القلقة في البلدان الأخرى, وهذا ما أكد عليه (خالد عزيزي) الناطق باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في تصريح له لجريدة الشرق الأوسط بعددها (10804), حين قال: ((النموذج الفيدرالي العراقي يعد من النماذج المثالية لما يتطلع إليه الأكراد في إيران)), معبراً عن رغبة حزبه بتحول إيران إلى دولة فيدرالية تمثل المجتمعات المتعددة الهويات والأعراق, كان (عزيزي) يتحدث بمنطق الحوار السياسي المقبول, في حين انشغلت ميليشيات (PJAK) المسلحة المدعومة من قبل إسرائيل بتنفيذ سلسلة من عمليات المقاومة داخل الأرض الإيرانية, وارتبطت فكريا وتعبويا بمنظمة حزب العمال الكردستاني المناوئ لتركيا (PKK), نحو شن الغارات المتواصلة في إيران وتركيا تمهيداً لنيل الحكم الذاتي على غرار ما نالته القومية الكردية في العراق, آخذين بنظر الاعتبار العمل من أجل ترسيخ الأهداف الإستراتيجية البعيدة الأمد, نحو بناء دولة (كردستان العظمى), التي تضم كامل الشرائح الكردية في المناطق العراقية والتركية والإيرانية والسورية, على أن يكون إقليم كردستان هو المنطلق نحو تحقيق الطموحات الكبيرة. 

ثم جاءت الأزمة  السورية لتقلب الطاولة على حكومة أنقرة في المبادرة التي تبناها الرئيس بشار الأسد بمنحه الأكراد حكماً ذاتياً, وهي أقرب ما تكون إلى الاستقلال, بدلالة عدم وجود أي تشكيل عسكري سوري داخل المرتفعات الكردية, وأناطت مهمة الدفاع عنها الآن بالكرد أنفسهم, فمنعوا التسلل من الأراضي التركية باتجاه الهضبة السورية, وكانوا خير عون لمليشيات حزب العمال الكردستاني في تركيا, التي صعدت عملياتها الانتقامية ضد أنفرة, وبينت صحيفة (حريت Hurriyet) في مقالة تحليلية كتبها (Semih Idiz) في 30/حزيران/2012, إن الرئيس رجب طيب أردوغان أصبح في موقف لا يحسد عليه, لتورطه في موقفين متناقضين, فهو مطالب بدعم الانتفاضة السورية ضد دمشق, ومطالب في الوقت نفسه بردع الانتفاضة الكردية في هضبة الأناضول, تارة يصف المليشيات العربية المعادية لسوريا بقوات التحرير, وتارة أخرى ينعت المليشيات الكردية المعادية لتركيا بالإرهاب, فظهر أمام الرأي العام العالمي متأرجحا في سياسته المتناقضة مع أبسط الثوابت السياسية.  اللافت للنظر إن مسألة قيام دولة (كردستان العظمى) تلقى معارضة شديدة من البلدان المحيطة بإقليم كردستان العراق, ويكاد يكون الموقف التركي متطابق تماما مع الموقف الإيراني في رفض مناقشة هذا الموضوع جملة وتفصيلا, ناهيك عن خشيتهما من تفاقم قوة الأكراد في سوريا, وانضمامها لقوة الأكراد في العراق بما يمنحهما القوة الكافية لخوض الصراع المستقبلي مع إحدى الدولتين, اما تركيا أو إيران, خصوصا بعد أن ضمن أكراد سوريا مستقبلهم في كلتا الحالتين (بوجود الأسد أو في غيابه), فإذا سقط النظام السوري كان التقسيم العرقي من صالحهم, وإذا صمد فأن الحكم الذاتي سيكون من نصيبهم, أما إذا نجحت تركيا بجلب قوات الناتو إلى حدودها المشتركة مع سوريا, فان الأبواب ستكون مفتوحة على مصاريعها لأكراد تركيا لإحراج الموقف الدولي بسبب تورط الناتو المفضوح في تبني المعايير المزدوجة, ووقوفه مع تركيا التي سلبت حقوق الأكراد واضطهدتهم, وشنت ضدهم أبشع الغارات الحربية الدامية, فالذي يطالب بحقوق المنتفضين ضد النظام السوري ينبغي أن لا يلغي حقوق المنتفضين ضد النظام التركي, وهذه هي المعادلة الحسابية التي أضعفت الموقف التركي, واستفزت الموقف الإيراني, فالأوراق الكردية هي الأوراق اللاعبة على  طاولات المقامرات والمغامرات السياسية. 

في العقود الماضية كان العراق من أقرب أصدقاء الاتحاد السوفيتي, فكان الرئيس (ريتشارد نكسون) أول من فكر بلعب الأوراق الكردية عندما دعمهم ماليا وعسكريا وحرضهم ضد العراق, في الوقت الذي لم تكن لديه أية رغبة باستقلالهم, وهذا ما أورده الكاتب (ستيفن هينتر Stephen Hunter) عام 1998 في كتابه الموسوم (صلاح الدين الثاني The second Saladin). 

 ثم لعبت إيران في زمن الشاه بالأوراق نفسها, فوفرت للكرد الدعم التعبوي واللوجستي, وفقد العراق خيرة أبنائه من العرب والأكراد في معارك داخلية استنزفت الطاقات, وتعطلت فيها عجلة النمو الحضاري, وزُهقت فيها الأرواح,  حتى انتهت بتنازل العراق عن نصف شط العرب, في معاهدة خبيثة كانت عبارة عن فوهة من فوهات الجحيم, فتحت الأبواب لحرب ضروس دامت ثماني أعوام, لم تكن المنطقة الكردية بمنأى من كوارثها, فكان الموت والدمار من نصيب الجميع. 

ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 لتتظاهر تركيا بعدم رغبتها بالسماح لقوات التحالف بشن غاراتها على العراق انطلاقا من أراضيها, لكنها سارعت إلى تقديم أقصى درجات الدعم الحربي للأكراد, وسمحت بانطلاق طائرات الهارير لنقل المظليين وإنزالهم شمال أربيل, فاشتركت معهم ميليشيات البيشمركة, وأبدت تعاونها معهم, وربما كان انسحاب قوات الاحتلال من العراق بسبب خسائرها المتلاحقة في المدن العراقية العربية, وربما لأنها لم تتعرض في إقليم كردستان لمثل ما تعرضت له في المدن العربية.  في عام 2006 نشر (رالف بيتر) خارطة جديدة للشرق الأوسط على صفحات المجلة العسكرية التي يصدرها البنتاغون بعددها الصادر في حزيران (يونيو). 

http://www.oilempire.us/new-map.html وأعاد نشرها في العام نفسه في كتابة الموسوم (Never Quit the Fight), والعجيب بالأمر إنه أطلق عليها خارطة (حدود الدم Blood Borders).  وهذا ما أكدت عليه العمة كوندي (كونداليزا رايس) بخطاباتها النارية المتكررة في تل أبيب, والتي دعت فيها لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد, على وفق التحديدات التي بينتها خارطة الدم وتقسيماتها العرقية والطائفية. 

يؤكد الكاتب (أندريه أكولوف) في مقالته المشار إليها آنفاً على أن إسرائيل كان لها حضورها الاستخباراتي والتجاري والدبلوماسي في إقليم كردستان, وأنها وسعت أنشطتها في المنطقة بعد عام 2003, وعبرت إسرائيل أكثر من مرة عن تعاطفها مع حكومة الإقليم, ويضيف (أكولوف): ((إن إسرائيل شيدت لها في إقليم كردستان محطة لطائراتها التجسسية الموجهة بالسيطرة النائية (بدون طيار), وإنها حصلت على الإذن من القيادة الكردية بإطلاقها في أجواء المنطقة من دون حاجة إلى أخذ موافقة الحكومة المركزية, وإنها سمحت بتوغل عناصر الموساد في مدن محافظة الموصل)), شاهدوا هذا التقرير الإخباري. 

وفي الخامس والعشرين من آذار (مارس), نشرت صحيفة (Sunday Times) مقالة تطرقت فيها إلى تواجد عناصر الموساد على الحدود الإيرانية العراقية في إقليم كردستان, وان مهماتهم التجسسية انحصرت في البحث عن أدلة موثقة للمفاعلات النووية الإيرانية, بما يسمى (البحث عن دلائل  smocking gun).  وفي التاسع من كانون الثاني (يناير) 2012, نشرت صحيفة (ليفيغارو) الفرنسية مقالة بعنوان (إيران تتحدى أمريكا), تطرقت فيها لأنشطة الموساد الموجهة ضد إيران من إقليم كردستان في العراق. 

 ختاما يقول (أكولوف): ((إن إقليم كردستان يمتلك الآن كل المقومات السياسي والحربية والاقتصادية والدستورية والحدودية للانفصال عن العراق وإعلان الاستقلال التام, بيد أن المسارات الوعرة لإقامة كردستان العظمى مازالت  بعيدة المنال, محفوفة بالمخاطر, مشحونة بالألغام, تحيط بها البراكين المتفجرة بالمصائب والويلات)).