أسئلـة مسـننـة

بأسئلة بحافات حادة قادرة على اختراق الكثير من الإجابات والممارسات التي حصلت وتحصل وقد تحصل ان بقي السكوت عليها قائما ومتخذا عدة أشكال وعناوين وتصريحات وتلميحات رأينا وسمعنا بمن يمارسها حسب مصالحه  ومنافعه، بسبل متعرجة،متداخلة،متشابكة وحريصة على ابقاء صاحبها على كراس ومنصات المسؤوليات، مهما اشتد وطيس السعي بين جميع القوى المتصارعة (فرقاء أم شركاء) في حلبات السياسة أرضا وواقعا بعد زوال شبح الحكم الشمولي وصنم الديكتاتورية وانهياره الكلي. فقد تفرخت وزقزقت وغردت أحزاب وكيانات وشخصيات إلى جانب ما كان موجودا منها ومشهودا له بالنضال والكفاح ضد ذلك النظام المقيت قبل بدء  مرحلة التغيير بأن تكون البلاد منابع ومنابت لنمو السعادة وتبرعمات للرخاء وفضاءات واسعة، ساشعة للأمن والأمان، وقبل أن أطلق سهام أسئلتي المسننة بحوافها الحادة، دون انتظار لإجابات متوقعة سلفا (مسلفا) بعناية التبرير لكل من له طرف علاقة، قد تزيد من تعقيد المشهد في عراق اليوم، أقول ما كان يردده زعيم الهند وموحدها العظيم (غاندي): «أهلا … أهلا… بالتغيير شريطة أن لا يقتلع سقف بيتي». هل كنا -جميعا- بمستوى سلامة ذلك الحلم مشفوعا برياح التغيير… وبالشكل الذي تحول عن حقيقة مجراه ليصل مصب ما نحن فيه وما نحن عليه، منذ قبل قرابة عشرة أعوام، هي أعوام ولادة ذلك الطوفان الذي اجتاحنا أملا بحياة ومعنى ذات شكل وطعم ولون جديد، يناسب شكل وطعم ولون ذلك الحلم المرتجى بعد طول انتظارات صعبة ومرهقة ؟!

-هل كان مستوى تفكير و اداء قادة التغيير وطرق معالجاتهم لطوارئ واحتمالات ما كان يمكن أن يحدث ويرافق تلك الاحداث ليتم تجاوزها وتعبيد مسالكها وصولا الى ما كان يلزمنا من أسباب الفهم والعلم بجوانب تحسين تلك المقاصد لاكمال ذلك المشوار صوب حياة أفضل وأنبل وأشمل تسع الجميع ممن يستحقها ويعمل على انجاحها وفق معايير الوطن والمواطنة الحقة؟

-إذن لماذا ترهق،بل تزهق روح المواطن حال مراجعته أية دائرة طالبا ساعيا لانجاز معاملة بسيطة لا يتجاوز زمن انجازها شرب قدح ماء ؟

– لماذا تتصاعد حمى خلافات وصرعات أطراف العملية السياسية، سرا وعلنا كلما أقترب أو حان موعد الانتخابات… سواء البرلمانية أو مجالس المحافظات؟

– لماذا نحن على خلاف دائم مع بعضنا، ولا نجرؤ على نقد ذواتنا بالشكل والطريقة التي تتبعها شعوب العالم المتحضرة بتجاوزها الخطأ وتعميقها وتعميمها للصح؟!

سألني صديقي الطبيب العراقي المقيم في بريطانيا -بحرج وخشوع- بعد أن أسمعني سيل من إشادات وإطراءات وقدح ومدح لكل ما سمعه من كلام وأفكار وطروحات كل من التقاهم بهم من مسؤولين كبار وصغار ومواطنين من مختلف الشرائح طوال فترة زيارته للوطن الأم.

– لماذا أنتم بهذا الحال أذن؟! 

فلم أجد أية إجابة سوى الصمت المطبق وإطراق طرف العين، بسبب حادة نصال ذلك السؤال المسنن. 

فقه السياسة الدولية .. حكم العــالم لهـم وحكم الحــزب والقـبيلة لنا ؟

تجري الأحداث من حولنا بسرعة، يستثمرها من يعرف صناعتها. وها نحن عدنا مثلما كنا أطفالا او بدون معرفة: نختلف حول كروية الارض ونحسب ان الجبال جامدة. وحتى عندما قال لنا القرآن: “إنها تمر مر السحاب” لم نعمل تفكيرنا في الجاذبية ومصير الحركة الكونية 

من لايعرف مصير الكون لا يكون شريكا في تحريك الاحداث حتى وان اخطأ النتائج ولكنه شارك في الفعل باتجاه المستقبل. وهذا النوع من التفكير “أي المشاركة في الفعل باتجاه المستقبل ” هو الذي يرسم سياسة المحاور الدولية اليوم. 

فالقوم في الناتو اتفقوا على القاعدة التالية: ” لنا الطاقة وامن إسرائيل” ولكم مادون ذلك.

ومادون ذلك محكوم بإيقاع ماكر، وذلك الإيقاع الماكر هو: ” ترك خيار الحكم للسلفي الذي يحب “رقصة التنورة ” ويعشق مجالس الغيبوبة باسم الذكر ” وفي مصر شيء كثير من ذلك مما يجعل الإخوان المسلمين حيارى بين “رقصة التنورة وغيبوبتها” وبين انتحارية التكفيري الوهابي وجهاديته المفرغة من مفهوم الجهاد.

ولكن رغبة الوصول للحكم الذي حرموا منه لعقود طويلة جعلتهم ينزلوا على رغبة من يقول: ” لنا الطاقة وامن اسرائيل “.

ولذلك لم يعترض الاخوان المسلمون القادمون لحكم مصر على اتفاقية “كامب ديفيد”، وعدم الاعتراض هذا سرى بسرعة للتنظيمات المرتبطة بهم في الدول العربية والاسلامية ولاسيما الاجنحة العسكرية التي راح البعض منها يحنث بعهوده ومواثيقه السابقة وهو كمين اعد بمكر ومهارة سياسية لتوهين مصداقيتهم.

مثلما اعد كمين بالغ الخطورة في إيقاع تنظيم القاعدة في ممارسة هواية القتل في العراق حتى انهكت قوى تنظيم القاعدة وخسر اشهر قياداته في العراق مثلما خسر آماله في شعبية لم تتبلور ميدانيا رغم ما أغدق عليها من مال وتهويل إعلامي.

ثم استكمل الكمين في سورية حيث دار قتال شرس بين نظام يمتلك مبررات الدفاع الموضوعية محاطا بشعبية ترفع من رصيده القانوني رغم قساوة المعركة وآثارها على الشعب وبنيته التحتية التي دمرت بفعل رعونة وحماقة من زج في حرب مع الجيش السوري باسم الثورة والمعارضة التي فقدت مصداقيتها من الأيام الأولى التي كان يقف وراء تحريضها من عرف اعلاميا “بشاهد عيان” لم يتقن مهارة تقنيات التصوير للحدث الميداني مما اوقعه في الغش والادعاء فسقطت مصداقيته.

ثم تلاحقت ارقام فشل مصداقية المعارضة بوجود عناصر غير عراقية تنفذ عمليات تفجير ارهابية راح ضحيتها الآلاف من ابناء الشعب العراقي يقوم بها انتحاريون من الاردن مثل تفجير العيادات الشعبية في الحلة، وعمليات إرهابية أخرى القي القبض على منفذيها والمشتركين فيها وكانوا من السعودية وتونس ومصر وأفغانستان، واصبحت الصورة اكثر وضوحا وافتضاحا في سورية عندما قامت الجماعات المسلحة بحرق جثث القتلى من غير السوريين حتى لا تنكشف حقيقتهم وتتزيف دعاوى معارضتهم. 

ثم كان الحدث الاعلامي القاتل للمعارضة السورية والذي لم يسلط عليه الاعلام ضوءا يستحق دلالاته وهو قيام القناة التلفزيونية الثانية الاسرائيلية ومراسلها “ايتان انغلي” باجراء مقابلة مع عنصر مسلح في ريف ادلب على الحدود السورية التركية وكان تصريح ذلك المسلح لمراسل القناة الاسرائيلية يتضمن خطأين قاتلين للمعارضة المسلحة السورية اولهما ان المراسل الاسرائيلي دخل الاراضي السورية من جهة تركيا اي بمساعدة من الحكومة التركية واستقبال من المعارضة السورية المسلحة وهذا خطأ ستراتيجي لا يغتفر عقائديا ووطنيا واخلاقيا، ثم يستكمل هذا الخطأ القاتل بقول ذلك المسلح: “إن شارون اذا صار ضد بشار الاسد فهو على الراس والعين”.

ويكاد يكون هذا التصريح فضيحة سياسية للمعارضة المسلحة السورية لا توازيها بقية الفضائح التي مارستها هذه المعارضة والتي تمثلت في كل من: 

1- الاعتداء على مقام السيدة زينب في ريف دمشق.

2- الاعتداء على مستشفى يعالج فقراء الناس في منطقة الديابية.

3- الاعتداء بالقتل والنهب على العراقيين المقيمين في سورية لعشرات السنين.

4- الاعتداء على سكان مخيم اليرموك من الفلسطينيين وذلك بالقتل والتهجير والنهب، ومما يزيد من حماقة المعارضة السورية في الخارج ويكشف غباءها ما صرح به جورج صبرا الذي عين اخيرا في مؤتمر الدوحة من قبل الأمريكيين رئيسا للمجلس الوطني السوري، حيث صرح جرج صبرا حول احداث مخيم اليرموك قائلا: ان معركتنا لتحرير دمشق واسقاط النظام تبدا من مخيم اليرموك.

ولم يكن هذا هو التصريح الوحيد لجورج صبرا وانما هناك من تصريحاته ولاسيما في الأيام الاخيرة ومن على قناة الميادين حيث قال: لم يضرب مسيحي واحد كف من قبل المعارضة السورية. وهذا كلام باطل تكذبه الأحداث الميدانية لا يجرؤ على التصريح به الا رجل مغفل.

فأين رجل الدين المسيحي الذي اختطف وقتل في حلب وأين القرية المسيحية التي تقع بالقرب من الحدود السورية اللبنانية والتي اختطف منها “200” مواطن سوري مسيحي، ثم اين صارت تفجيرات القصاع في دمشق والتي راح ضحيتها العشرات من المسيحيين والمسلمين ثم تفجيرت جرمانا التي يسكنها غالبية من المسيحيين هذا ناهيك عن التفجيرات التي طالت بعض الكنائس المسيحية في سورية، فهل يعقل ان يكون جورج صبرا لا يدري بكل ذلك. ام انه ممنوع عليه أن يتحدث الا بمثل هذا الكلام الذي يريده أصحاب قاعدة “لنا الطاقة وامن إسرائيل” ولكم مادون ذلك ايها السلفيون والإرهابيون المغرمون بكرسي الحكم ولو على جماجم الناس.

ومما يوازي تصريح جورج صبرا من على قناة الميادين الفضائية، ما نقلته الفضائيات عن تصريح “أحمد معاذ الخطيب” الذي عين هو الآخر رئيسا للائتلاف الوطني السوري في اجتماع الدوحة وذلك بسبب موقف الولايات المتحدة الامريكية من “جبهة النصرة” واعتبارها منظمة ارهابية وسأبيّن للقارئ والمتابع سبب الموقف الأميركي هذا، ولكن بعد أن استعرض ما صرح به احمد معاذ الخطيب وهو محسوب على تنظيم الإخوان المسلمين في سورية والذي قال في تصريحه في اجتماع مراكش لمؤتمر ما يسمى بأصدقاء الشعب السوري وهو عنوان مضلل يأتي على قاعدة ” لنا الطاقة وامن اسرائيل ولكم مادون ذلك ” حيث طلب احمد معاذ الخطيب بخجل واستحياء ورجاء متعثر بالخيبة الحقيقة المفارقة لهوية الوطن ودماء الناس من ضحايا تفجيرات جبهة النصرة، ومضمون طلب احمد معاذ الخطيب هو مراجعة امريكا قرارها في اعتبار جبهة النصرة من المنظمات الارهابية.

وحقا من يستمع لتصريحات جورج صبرا واحمد معاذ الخطيب يكتشف مقدار خبث ودهاء من جلب هؤلاء الى واجهة المعارضة التي لم تستبقي حقا وطنيا لاهل سورية الا وفرطت به، فالدعوات الصريحة للتدخل الاجنبي والارتماء في احضان خدمة المشروع التوراتي من امراء قطر والسعودية وحكومة اوردغان التي خدعوها بوعود براقة في اتفاقية الدوحة السرية والتي نشرنا تفاصيلها في صحيفة المستقبل العراقي وفي كل المواقع والمدونات التي تأخذ عنا.

ولكن اوردغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو صاحب نظرية “صفر مشاكل” والتي انقلبت الى ” صفر استقرار ” فراحوا يستعينوا بصواريخ “الباتريوت” المسماة بالقبة الحديدية والتي لم تفلح بصد صواريخ غزة على تواضعها فكيف بها اذا اختلطت الأوراق كما يريدها صاحب مقولة ” لنا الطاقة وامن اسرائيل ” اذا استوجبت الظروف انطلاق صواريخ حزب الله صاحب طائرة الاستطلاع ” ايوب ” التي اخترقت المجال الأمني الاسرائيلي وصورت مفاعل ديمونا الذري. 

او اذا انطلقت الصواريخ الإيرانية، او اذا استعمل صاروخ ” اسكندر ” المرعب الذي اصبح بحوزة الجيش السوري.

ان القرار الامريكي باعتبار جبهة النصرة تنظيما ارهابيا ينطوي على مضامين في الصراع على المنطقة والعالم لايفقهها من دخل سرادقات الحكم بدون مؤهلات، ومن اريد له ان يكون معارضا بالمقاولة والمساومة، وليس بالمقاومة والممانعة وهم بقية السيف.

ومن تلك المضامين:-

1- اعطاء شهادة تزكية واعتراف لبقية اطراف المعارضة المسلحة السورية

2- وبناء على ذلك ثم الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري.

3- اعطاء اشارة الى ثأر أمريكي دفين تجاه جبهة النصرة لانها بالاصل تابعة لتنظيم دولة العراق الاسلامية الوهابية، وهذا الثأر يطال كل من تسبب بخسار او اذى للجانب الامريكي حيث كان الامريكيون في العراق يتابعون من كل من اعتدى على امريكي ويتركون من اعتدى على العراقيين ولو كان على مرأى ومسمع منهم وهذا ماعرفه العراقيون في احداث مثلث الموت في اللطيفية وجرف الصخر وحرف دجلة المتصل بالفلوجة. ومن هنا ينصب جام غضبهم على ايران من ايام احتجاز الرهائن في السفارة الامريكية بطهران وحادثة طبس، ثم غضبهم على حزب الله في لبنان من ايام تفجير مقر المارينز الامريكي وتهديدهم المباشر للامن الاسرائيلي.

4- اشاعة الخوف والرعب في صفوف الاحزاب والكتل وانظمة الحكم في المنطقة حتى لاتفكر في عدم الانصياع للارادة الأمريكية التي انتقلت من قاعدة اعطاء الضوء ” للقبيلة والحزب ” الى قاعدة جديدة اليوم هي استبدال القبيلة والحزب ” بالسلفي والوهابي التكفيري ” الذي يتظاهر بتطبيق الشريعة وهم لا يملكون مقومات تلبية حاجات الناس التي تنطلق من مقولة:” قبل ان تتفلسف يجب ان تعيش ” وقد سبق هذه المقولة تاسيس فكري عقائدي للامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول فيه: “لولا الخبز لما صمنا ولا صلينا ولا ادينا الواجبات” وهو سبق فكري لمقولة الديالكتيك وصراع الطبقات بمفهومه المادي. 

فمصر التي انتخبت محمد مرسي الإخواني ثم انقسمت عليه تجد نفسها اليوم تئن تحت وطأة الفقر والعوز تحاصرها الديون والحاجة لتوفير خبز الناس الذي لاينفع معه مواعيد صندوق النقد الدولي ولا منح السعودية وقطر التي يراد لها ان تدير شؤون مصر كما تريد هذه الانظمة لاكما يريد الشعب المصري.

ثم ان السباق الهامشي بين تركيا ومصر حول من يفوز ” رقصة المولوي التركية ” ام رقصة التنورة المصرية ” وكلاهما امتداد لفسلفة الصوفية واسترخائها التنويمي الذي لم يفق من غيبوبته منذ ان دعا ابن عربي لسكرة الروح واعقبها الخيام بسكرة الجمال التي حلقت مع قصائد سعدي الشيرازي:

الا يا ايها الساقي…… ادر كـأسا وناولها.

فلا الساقي توقف ولا المتناول افاق حتى غزتنا امم عرفت أخطاءنا قبل ان نعرفها واكتشفت ثرواتنا قبل ان نكتشفها فأصبحت مالكة لرقبة الانتاج والتصدير واصبحنا نتفرج ونكتفي بفتات ما تعطيه لنا شركاتهم ونقنع بما يقوله لنا خبراؤهم، حتى لا نصحو الا على مقولة من قال “انا رب الشويهة والبعير” وسباق الهجن من شواهد العجز البدوي تجاه سباق الفضاء ومنظومة الصواريخ العابرة للقارات، وأساليب الحرب الناعمة التي تدهمنا اليوم جولاتها على قاعدة:” الطاقة لنا وامن اسرائيل” ولكم حكم السلفية والوهابية ” وهو عقاب لهذه الأمة التي ضحكت من جهلها الأمم.

فالطاقة هي مصدر القوة، ونحن نسينا الخطاب القرآني صاحب السبق في ذلك النداء عندما قال: “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ” واذا بنا نحول القوة الى الى سهام نوجهها الى صدورنا، يقتل بعضنا بعضا، نستحل الأعراض، وندمر الممتلكات، ونقتل المستقبل، ونعيش في كهوف الماضي لا نحرص الا على لحى طويلة سائبة ونلوك شعارات خالية من المضامين، لا تشبع جائعا وعندنا جياع كثر ولا تستر فقيرا محتاجا وعندنا منهم الكثير ولاترحم يتيما ولا تحشم ارملة ولا توقر شيخا وهم الغالبية عندنا، ولا تحترم مسجدا ولا دورا للعبادة وبذلك قطعت علاقتها بالسماء، وارتبطت باهل الارض من دعاة ” الطاقة لنا ” لأنهم عرفوا اي اولئك الدول سر الغلبة وذاقوا طعم النصر، وعرفوا من هو الخطر عليهم ومن هو الذي لايشكل خطرا عليهم فمدوا له يد الدهاء وموائد الاغراء.

وخططوا للذي يشكل عليهم خطرا بالاقصاء والمحاصرة والتشويه واستعملوا سياسة التشهير والتسقيط، وحصروا كل ذلك بمن هو مع منهج ” الانتظار ” الذي يختزن وعي التاريخ وفلسفة الكون كما فسره اينشتاين في مفهوم ” الكون الأحدب” ونظرية السفر في الزمان، ونظرية انبساط الوقت، وهي مفاهيم ورؤى تنتمي لعالم الكون المتدين ” وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم ” والتي يختصرها الخطاب القرآني المتكرر عبر سور المسبحات ” يسبح لله ما في السماوات وما في الارض “.

والذين غابوا عن هذه المفاهيم هم الذين أصبحوا اليوم سفراء لصاحب قاعدة ” الطاقة لنا ” منهم انظمة حكم ذليلة، ومنهم احزاب ضيعت بوصلة المسير، ومنهم جماعات هوى اصبحوا صرعى غوايات طائشة وبرامج بائسة وشعارات يائسة يتساوى في ذلك العلماني المتخم بالمادة والمتدين الذي لايملك من الدين الا قشرته فكان منهم الذي يقول: ” الشريعة قشرة والطريقة لب ” ومنهم من يقول ان محمدا “ص” هو ابن عبد المطلب وليس بن عبدالله. ومنهم من يقول: لا يوجد اقتصاد في الاسلام، ومنهم من انكر سورة الفيل ومنهم من سخر من الجنة، ومنهم من نسب القرآن الى غير عصره، ومنهم من عظم اللذة واتخذ من المتعة المادية الجسدية بديلا عن متع الروح، فاجتمع كل هؤلاء ليشكلوا طابورا يؤتمر بأوامر صاحب قاعدة ” الطاقة لنا ” وهو الذي جعل من حرب العراق مفتاحا لحروب الطاقة التي اعقبها حروب مايسمى بالربيع العربي والتي ترجمتها احداث سورية، حيث حان اشتباك المحاور الدولية التي اقتربت من ساعة الصفر، ولذلك بدا كل منهم يشحذ قواه ويهيا وسائله ويحرك اساطيله فهذه الصين للمرة الاولى تبحث عن الوصول الى البر والى شرق المتوسط وهذه روسيا الاتحادية تسارع بوارجها وسفنها الحربية الى موانئ طرطوس والاذقية وهذه ايران تحذر تركيا من صواريخ باتريوت، وهذه امريكا تعين وزيرا جديدا لخارجيتها وهو من منظري سياسة الحلول السلمية وهو ” جون كيري ” وقبل ذلك اقالت الجنرال بترايوس مدير ” السي اي اي ” الامريكية بأسباب ليست هي من اخلاقيات من يهنئ الزواج المثلي ويشجعه.

ان فقه السياسة الدولية يحتاج الى معرفة تفصيلية بمفاهيم العمل السياسي الذي يمتلك القدرة على فهم العالم من خلال فهم الكون واحداثه المسيرة بمرجعية واحدة ” كل إلينا راجعون” و”وان عدتم عدنا” و ” لخلق السماوات والارض اكبر من خلق الناس”.

ويبقى حيرة الناس مما يجري حولهم هذه الايام هو عدم معرفتهم بخيارات الدول الكبرى التي عرفت خياراتها في الامساك بالطاقة وامن اسرائيل وترك الحكم المحلي هذه المرة للسلفيين والوهابين حتى لاتستقر المنطقة، مثلما اعطوها في سايكس بيكو الأولى إلى حكم القبيلة والحزب فظلت المنطقة تغلي بالصراعات ولم تجن إلا التخلف.

رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

ALITAMIMI5@yahoo.com

حليـب أطفـال !

للوظيفة أحكامها وأقدارها، وها هو قدري الوظيفي يحملني إلى مدينة أربيل مطلع عام 1981، وكان علي ان ابدأ تاريخا جديدا من العلاقات والصداقات، وسرعان ما تحقق هذا التاريخ، واتسعت دائرة معارفي وأصدقائي لتشمل أطيافاً منوعة من أبناء المجتمع الكردي، وقد خدمني في ذلك من دون شك وضعي الصحفي، وتحركاتي الكثيرة واتصالاتي اليومية، بحثا عن تحقيق او موضوع صحفي في قلعة المدينة او فولكلورها او اسواقها او معالمها أو متاعب خدماتها واعتقد قبل ذلك ان الفضل الاول في بناء تاريخ شخصي مع المدينة اعتز به عظيم الاعتزاز.. يعود إلى أهالي أربيل أنفسهم، فقد كانوا صورة مشرقة من صور العراقيين، كرما وطيبة وضيافة، فما شعرت يوما طوال وجودي بينهم، إلا كما يشعر المرء وهو بين أهله وأقاربه وعشيرته.

طبيب كردي، هو واحد من أهم معارفي، حيث تفتحت صداقتي معه وامتدت إلى حدود العلاقة العائلية.. وطالما دعاني الى بيته حتى أصبحت احد أفراد الأسرة، وكان هذا الرجل توأما للمرح والمزاح والضحك والمقالب، بحيث لا يجد جرحا في تدبير مقلب على والدته أو زوجه، من دون ان تكون المقالب بالطبع مؤذية، ولكنها تثير جواً لطيفا من الدعابة.

مرة شكوت من الم في المعدة، وشيء من الغثيان، فقصدت عيادته وشرحت له حالتي، وكان الرجل على عادته في أي لقاء يجمعنا، يشجعني على التحدث باللغة الكردية لكي أتعلمها، ويخاطبني بالمقابل، باللغة الكردية ولم أكن بعد مضي اشهر قلائل على استقراري في أربيل، قد أتقنت لغة المدينة، ولكنني تعلمت الكثير من المفردات التي يصعب علي صياغتها في جمل مفيدة، وبعد أن انتهيت من شرح حالتي المرضية بلغة عربية مطعمة بمفردات كردية، سألني سؤالا غريبا لا علاقة له بسبب مراجعتي، وفحوى السؤال الذي طرحه باللغة الكردية كما فهمته، يتعلق بالمدة التي أمضيتها في أربيل، فأجبته على ما اذكر (أربعة أشهر)، وكانت اجابتي بالكردية، لان عبارة (أربعة أشهر) ليست صعبة، ولا تقتضي تكوين جملة!  

كتب لي الرجل (وصفة)، وطمأنني إلى أن الحالة بسيطة جدا، وتمنى لي السلامة، وهكذا غادرت العيادة، وذهبت الى الصيدلية واشتريت العلاج، ولكنني فوجئت إن علاجي هو علبة حليب أطفال، ولهذا عدت إليه لأسأله وأتأكد، فربما يكون هو قد أخطأ او الصيدلي، غير انه قال لي بثقة عالية في النفس، وبوجه صارم جاء (هذا هو علاجك بالضبط، حليب أطفال)، وقرأ الاستغراب الشديد في عيني، وقبل أن استوضح، لم يحتمل نفسه وأطلق ضحكة مكبوتة ثم اخبرني قائلا (كاكه حسن.. لقد سألتك كم عمرك؟… فأجبتني: أربعة أشهر، وهذا هو العلاج المناسب لهذا العمر)!! 

ضحكنا معا كما لم نضحك من قبل، ثم ناولني شريطا من الأقراص هيأه لي، فقد كان واثقا من عودتي اليه للاستفسار عن حليب الأطفال، ومنذ ذلك العام والى يومنا هذا، ما زال يسألني كلما التقينا عن سنوات عمري، ثم يأخذني بالأحضان وهو يضحك!!

أسئلـة مسـننـة

بأسئلة بحافات حادة قادرة على اختراق الكثير من الإجابات والممارسات التي حصلت وتحصل وقد تحصل ان بقي السكوت عليها قائما ومتخذا عدة أشكال وعناوين وتصريحات وتلميحات رأينا وسمعنا بمن يمارسها حسب مصالحه  ومنافعه، بسبل متعرجة،متداخلة،متشابكة وحريصة على ابقاء صاحبها على كراس ومنصات المسؤوليات، مهما اشتد وطيس السعي بين جميع القوى المتصارعة (فرقاء أم شركاء) في حلبات السياسة أرضا وواقعا بعد زوال شبح الحكم الشمولي وصنم الديكتاتورية وانهياره الكلي. فقد تفرخت وزقزقت وغردت أحزاب وكيانات وشخصيات إلى جانب ما كان موجودا منها ومشهودا له بالنضال والكفاح ضد ذلك النظام المقيت قبل بدء  مرحلة التغيير بأن تكون البلاد منابع ومنابت لنمو السعادة وتبرعمات للرخاء وفضاءات واسعة، ساشعة للأمن والأمان، وقبل أن أطلق سهام أسئلتي المسننة بحوافها الحادة، دون انتظار لإجابات متوقعة سلفا (مسلفا) بعناية التبرير لكل من له طرف علاقة، قد تزيد من تعقيد المشهد في عراق اليوم، أقول ما كان يردده زعيم الهند وموحدها العظيم (غاندي): «أهلا … أهلا… بالتغيير شريطة أن لا يقتلع سقف بيتي». هل كنا -جميعا- بمستوى سلامة ذلك الحلم مشفوعا برياح التغيير… وبالشكل الذي تحول عن حقيقة مجراه ليصل مصب ما نحن فيه وما نحن عليه، منذ قبل قرابة عشرة أعوام، هي أعوام ولادة ذلك الطوفان الذي اجتاحنا أملا بحياة ومعنى ذات شكل وطعم ولون جديد، يناسب شكل وطعم ولون ذلك الحلم المرتجى بعد طول انتظارات صعبة ومرهقة ؟!

-هل كان مستوى تفكير و اداء قادة التغيير وطرق معالجاتهم لطوارئ واحتمالات ما كان يمكن أن يحدث ويرافق تلك الاحداث ليتم تجاوزها وتعبيد مسالكها وصولا الى ما كان يلزمنا من أسباب الفهم والعلم بجوانب تحسين تلك المقاصد لاكمال ذلك المشوار صوب حياة أفضل وأنبل وأشمل تسع الجميع ممن يستحقها ويعمل على انجاحها وفق معايير الوطن والمواطنة الحقة؟

-إذن لماذا ترهق،بل تزهق روح المواطن حال مراجعته أية دائرة طالبا ساعيا لانجاز معاملة بسيطة لا يتجاوز زمن انجازها شرب قدح ماء ؟

– لماذا تتصاعد حمى خلافات وصرعات أطراف العملية السياسية، سرا وعلنا كلما أقترب أو حان موعد الانتخابات… سواء البرلمانية أو مجالس المحافظات؟

– لماذا نحن على خلاف دائم مع بعضنا، ولا نجرؤ على نقد ذواتنا بالشكل والطريقة التي تتبعها شعوب العالم المتحضرة بتجاوزها الخطأ وتعميقها وتعميمها للصح؟!

سألني صديقي الطبيب العراقي المقيم في بريطانيا -بحرج وخشوع- بعد أن أسمعني سيل من إشادات وإطراءات وقدح ومدح لكل ما سمعه من كلام وأفكار وطروحات كل من التقاهم بهم من مسؤولين كبار وصغار ومواطنين من مختلف الشرائح طوال فترة زيارته للوطن الأم.

– لماذا أنتم بهذا الحال أذن؟! 

فلم أجد أية إجابة سوى الصمت المطبق وإطراق طرف العين، بسبب حادة نصال ذلك السؤال المسنن. 

فقه السياسة الدولية .. حكم العــالم لهـم وحكم الحــزب والقـبيلة لنا ؟

تجري الأحداث من حولنا بسرعة، يستثمرها من يعرف صناعتها. وها نحن عدنا مثلما كنا أطفالا او بدون معرفة: نختلف حول كروية الارض ونحسب ان الجبال جامدة. وحتى عندما قال لنا القرآن: “إنها تمر مر السحاب” لم نعمل تفكيرنا في الجاذبية ومصير الحركة الكونية 

من لايعرف مصير الكون لا يكون شريكا في تحريك الاحداث حتى وان اخطأ النتائج ولكنه شارك في الفعل باتجاه المستقبل. وهذا النوع من التفكير “أي المشاركة في الفعل باتجاه المستقبل ” هو الذي يرسم سياسة المحاور الدولية اليوم. 

فالقوم في الناتو اتفقوا على القاعدة التالية: ” لنا الطاقة وامن إسرائيل” ولكم مادون ذلك.

ومادون ذلك محكوم بإيقاع ماكر، وذلك الإيقاع الماكر هو: ” ترك خيار الحكم للسلفي الذي يحب “رقصة التنورة ” ويعشق مجالس الغيبوبة باسم الذكر ” وفي مصر شيء كثير من ذلك مما يجعل الإخوان المسلمين حيارى بين “رقصة التنورة وغيبوبتها” وبين انتحارية التكفيري الوهابي وجهاديته المفرغة من مفهوم الجهاد.

ولكن رغبة الوصول للحكم الذي حرموا منه لعقود طويلة جعلتهم ينزلوا على رغبة من يقول: ” لنا الطاقة وامن اسرائيل “.

ولذلك لم يعترض الاخوان المسلمون القادمون لحكم مصر على اتفاقية “كامب ديفيد”، وعدم الاعتراض هذا سرى بسرعة للتنظيمات المرتبطة بهم في الدول العربية والاسلامية ولاسيما الاجنحة العسكرية التي راح البعض منها يحنث بعهوده ومواثيقه السابقة وهو كمين اعد بمكر ومهارة سياسية لتوهين مصداقيتهم.

مثلما اعد كمين بالغ الخطورة في إيقاع تنظيم القاعدة في ممارسة هواية القتل في العراق حتى انهكت قوى تنظيم القاعدة وخسر اشهر قياداته في العراق مثلما خسر آماله في شعبية لم تتبلور ميدانيا رغم ما أغدق عليها من مال وتهويل إعلامي.

ثم استكمل الكمين في سورية حيث دار قتال شرس بين نظام يمتلك مبررات الدفاع الموضوعية محاطا بشعبية ترفع من رصيده القانوني رغم قساوة المعركة وآثارها على الشعب وبنيته التحتية التي دمرت بفعل رعونة وحماقة من زج في حرب مع الجيش السوري باسم الثورة والمعارضة التي فقدت مصداقيتها من الأيام الأولى التي كان يقف وراء تحريضها من عرف اعلاميا “بشاهد عيان” لم يتقن مهارة تقنيات التصوير للحدث الميداني مما اوقعه في الغش والادعاء فسقطت مصداقيته.

ثم تلاحقت ارقام فشل مصداقية المعارضة بوجود عناصر غير عراقية تنفذ عمليات تفجير ارهابية راح ضحيتها الآلاف من ابناء الشعب العراقي يقوم بها انتحاريون من الاردن مثل تفجير العيادات الشعبية في الحلة، وعمليات إرهابية أخرى القي القبض على منفذيها والمشتركين فيها وكانوا من السعودية وتونس ومصر وأفغانستان، واصبحت الصورة اكثر وضوحا وافتضاحا في سورية عندما قامت الجماعات المسلحة بحرق جثث القتلى من غير السوريين حتى لا تنكشف حقيقتهم وتتزيف دعاوى معارضتهم. 

ثم كان الحدث الاعلامي القاتل للمعارضة السورية والذي لم يسلط عليه الاعلام ضوءا يستحق دلالاته وهو قيام القناة التلفزيونية الثانية الاسرائيلية ومراسلها “ايتان انغلي” باجراء مقابلة مع عنصر مسلح في ريف ادلب على الحدود السورية التركية وكان تصريح ذلك المسلح لمراسل القناة الاسرائيلية يتضمن خطأين قاتلين للمعارضة المسلحة السورية اولهما ان المراسل الاسرائيلي دخل الاراضي السورية من جهة تركيا اي بمساعدة من الحكومة التركية واستقبال من المعارضة السورية المسلحة وهذا خطأ ستراتيجي لا يغتفر عقائديا ووطنيا واخلاقيا، ثم يستكمل هذا الخطأ القاتل بقول ذلك المسلح: “إن شارون اذا صار ضد بشار الاسد فهو على الراس والعين”.

ويكاد يكون هذا التصريح فضيحة سياسية للمعارضة المسلحة السورية لا توازيها بقية الفضائح التي مارستها هذه المعارضة والتي تمثلت في كل من: 

1- الاعتداء على مقام السيدة زينب في ريف دمشق.

2- الاعتداء على مستشفى يعالج فقراء الناس في منطقة الديابية.

3- الاعتداء بالقتل والنهب على العراقيين المقيمين في سورية لعشرات السنين.

4- الاعتداء على سكان مخيم اليرموك من الفلسطينيين وذلك بالقتل والتهجير والنهب، ومما يزيد من حماقة المعارضة السورية في الخارج ويكشف غباءها ما صرح به جورج صبرا الذي عين اخيرا في مؤتمر الدوحة من قبل الأمريكيين رئيسا للمجلس الوطني السوري، حيث صرح جرج صبرا حول احداث مخيم اليرموك قائلا: ان معركتنا لتحرير دمشق واسقاط النظام تبدا من مخيم اليرموك.

ولم يكن هذا هو التصريح الوحيد لجورج صبرا وانما هناك من تصريحاته ولاسيما في الأيام الاخيرة ومن على قناة الميادين حيث قال: لم يضرب مسيحي واحد كف من قبل المعارضة السورية. وهذا كلام باطل تكذبه الأحداث الميدانية لا يجرؤ على التصريح به الا رجل مغفل.

فأين رجل الدين المسيحي الذي اختطف وقتل في حلب وأين القرية المسيحية التي تقع بالقرب من الحدود السورية اللبنانية والتي اختطف منها “200” مواطن سوري مسيحي، ثم اين صارت تفجيرات القصاع في دمشق والتي راح ضحيتها العشرات من المسيحيين والمسلمين ثم تفجيرت جرمانا التي يسكنها غالبية من المسيحيين هذا ناهيك عن التفجيرات التي طالت بعض الكنائس المسيحية في سورية، فهل يعقل ان يكون جورج صبرا لا يدري بكل ذلك. ام انه ممنوع عليه أن يتحدث الا بمثل هذا الكلام الذي يريده أصحاب قاعدة “لنا الطاقة وامن إسرائيل” ولكم مادون ذلك ايها السلفيون والإرهابيون المغرمون بكرسي الحكم ولو على جماجم الناس.

ومما يوازي تصريح جورج صبرا من على قناة الميادين الفضائية، ما نقلته الفضائيات عن تصريح “أحمد معاذ الخطيب” الذي عين هو الآخر رئيسا للائتلاف الوطني السوري في اجتماع الدوحة وذلك بسبب موقف الولايات المتحدة الامريكية من “جبهة النصرة” واعتبارها منظمة ارهابية وسأبيّن للقارئ والمتابع سبب الموقف الأميركي هذا، ولكن بعد أن استعرض ما صرح به احمد معاذ الخطيب وهو محسوب على تنظيم الإخوان المسلمين في سورية والذي قال في تصريحه في اجتماع مراكش لمؤتمر ما يسمى بأصدقاء الشعب السوري وهو عنوان مضلل يأتي على قاعدة ” لنا الطاقة وامن اسرائيل ولكم مادون ذلك ” حيث طلب احمد معاذ الخطيب بخجل واستحياء ورجاء متعثر بالخيبة الحقيقة المفارقة لهوية الوطن ودماء الناس من ضحايا تفجيرات جبهة النصرة، ومضمون طلب احمد معاذ الخطيب هو مراجعة امريكا قرارها في اعتبار جبهة النصرة من المنظمات الارهابية.

وحقا من يستمع لتصريحات جورج صبرا واحمد معاذ الخطيب يكتشف مقدار خبث ودهاء من جلب هؤلاء الى واجهة المعارضة التي لم تستبقي حقا وطنيا لاهل سورية الا وفرطت به، فالدعوات الصريحة للتدخل الاجنبي والارتماء في احضان خدمة المشروع التوراتي من امراء قطر والسعودية وحكومة اوردغان التي خدعوها بوعود براقة في اتفاقية الدوحة السرية والتي نشرنا تفاصيلها في صحيفة المستقبل العراقي وفي كل المواقع والمدونات التي تأخذ عنا.

ولكن اوردغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو صاحب نظرية “صفر مشاكل” والتي انقلبت الى ” صفر استقرار ” فراحوا يستعينوا بصواريخ “الباتريوت” المسماة بالقبة الحديدية والتي لم تفلح بصد صواريخ غزة على تواضعها فكيف بها اذا اختلطت الأوراق كما يريدها صاحب مقولة ” لنا الطاقة وامن اسرائيل ” اذا استوجبت الظروف انطلاق صواريخ حزب الله صاحب طائرة الاستطلاع ” ايوب ” التي اخترقت المجال الأمني الاسرائيلي وصورت مفاعل ديمونا الذري. 

او اذا انطلقت الصواريخ الإيرانية، او اذا استعمل صاروخ ” اسكندر ” المرعب الذي اصبح بحوزة الجيش السوري.

ان القرار الامريكي باعتبار جبهة النصرة تنظيما ارهابيا ينطوي على مضامين في الصراع على المنطقة والعالم لايفقهها من دخل سرادقات الحكم بدون مؤهلات، ومن اريد له ان يكون معارضا بالمقاولة والمساومة، وليس بالمقاومة والممانعة وهم بقية السيف.

ومن تلك المضامين:-

1- اعطاء شهادة تزكية واعتراف لبقية اطراف المعارضة المسلحة السورية

2- وبناء على ذلك ثم الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري.

3- اعطاء اشارة الى ثأر أمريكي دفين تجاه جبهة النصرة لانها بالاصل تابعة لتنظيم دولة العراق الاسلامية الوهابية، وهذا الثأر يطال كل من تسبب بخسار او اذى للجانب الامريكي حيث كان الامريكيون في العراق يتابعون من كل من اعتدى على امريكي ويتركون من اعتدى على العراقيين ولو كان على مرأى ومسمع منهم وهذا ماعرفه العراقيون في احداث مثلث الموت في اللطيفية وجرف الصخر وحرف دجلة المتصل بالفلوجة. ومن هنا ينصب جام غضبهم على ايران من ايام احتجاز الرهائن في السفارة الامريكية بطهران وحادثة طبس، ثم غضبهم على حزب الله في لبنان من ايام تفجير مقر المارينز الامريكي وتهديدهم المباشر للامن الاسرائيلي.

4- اشاعة الخوف والرعب في صفوف الاحزاب والكتل وانظمة الحكم في المنطقة حتى لاتفكر في عدم الانصياع للارادة الأمريكية التي انتقلت من قاعدة اعطاء الضوء ” للقبيلة والحزب ” الى قاعدة جديدة اليوم هي استبدال القبيلة والحزب ” بالسلفي والوهابي التكفيري ” الذي يتظاهر بتطبيق الشريعة وهم لا يملكون مقومات تلبية حاجات الناس التي تنطلق من مقولة:” قبل ان تتفلسف يجب ان تعيش ” وقد سبق هذه المقولة تاسيس فكري عقائدي للامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول فيه: “لولا الخبز لما صمنا ولا صلينا ولا ادينا الواجبات” وهو سبق فكري لمقولة الديالكتيك وصراع الطبقات بمفهومه المادي. 

فمصر التي انتخبت محمد مرسي الإخواني ثم انقسمت عليه تجد نفسها اليوم تئن تحت وطأة الفقر والعوز تحاصرها الديون والحاجة لتوفير خبز الناس الذي لاينفع معه مواعيد صندوق النقد الدولي ولا منح السعودية وقطر التي يراد لها ان تدير شؤون مصر كما تريد هذه الانظمة لاكما يريد الشعب المصري.

ثم ان السباق الهامشي بين تركيا ومصر حول من يفوز ” رقصة المولوي التركية ” ام رقصة التنورة المصرية ” وكلاهما امتداد لفسلفة الصوفية واسترخائها التنويمي الذي لم يفق من غيبوبته منذ ان دعا ابن عربي لسكرة الروح واعقبها الخيام بسكرة الجمال التي حلقت مع قصائد سعدي الشيرازي:

الا يا ايها الساقي…… ادر كـأسا وناولها.

فلا الساقي توقف ولا المتناول افاق حتى غزتنا امم عرفت أخطاءنا قبل ان نعرفها واكتشفت ثرواتنا قبل ان نكتشفها فأصبحت مالكة لرقبة الانتاج والتصدير واصبحنا نتفرج ونكتفي بفتات ما تعطيه لنا شركاتهم ونقنع بما يقوله لنا خبراؤهم، حتى لا نصحو الا على مقولة من قال “انا رب الشويهة والبعير” وسباق الهجن من شواهد العجز البدوي تجاه سباق الفضاء ومنظومة الصواريخ العابرة للقارات، وأساليب الحرب الناعمة التي تدهمنا اليوم جولاتها على قاعدة:” الطاقة لنا وامن اسرائيل” ولكم حكم السلفية والوهابية ” وهو عقاب لهذه الأمة التي ضحكت من جهلها الأمم.

فالطاقة هي مصدر القوة، ونحن نسينا الخطاب القرآني صاحب السبق في ذلك النداء عندما قال: “واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ” واذا بنا نحول القوة الى الى سهام نوجهها الى صدورنا، يقتل بعضنا بعضا، نستحل الأعراض، وندمر الممتلكات، ونقتل المستقبل، ونعيش في كهوف الماضي لا نحرص الا على لحى طويلة سائبة ونلوك شعارات خالية من المضامين، لا تشبع جائعا وعندنا جياع كثر ولا تستر فقيرا محتاجا وعندنا منهم الكثير ولاترحم يتيما ولا تحشم ارملة ولا توقر شيخا وهم الغالبية عندنا، ولا تحترم مسجدا ولا دورا للعبادة وبذلك قطعت علاقتها بالسماء، وارتبطت باهل الارض من دعاة ” الطاقة لنا ” لأنهم عرفوا اي اولئك الدول سر الغلبة وذاقوا طعم النصر، وعرفوا من هو الخطر عليهم ومن هو الذي لايشكل خطرا عليهم فمدوا له يد الدهاء وموائد الاغراء.

وخططوا للذي يشكل عليهم خطرا بالاقصاء والمحاصرة والتشويه واستعملوا سياسة التشهير والتسقيط، وحصروا كل ذلك بمن هو مع منهج ” الانتظار ” الذي يختزن وعي التاريخ وفلسفة الكون كما فسره اينشتاين في مفهوم ” الكون الأحدب” ونظرية السفر في الزمان، ونظرية انبساط الوقت، وهي مفاهيم ورؤى تنتمي لعالم الكون المتدين ” وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم ” والتي يختصرها الخطاب القرآني المتكرر عبر سور المسبحات ” يسبح لله ما في السماوات وما في الارض “.

والذين غابوا عن هذه المفاهيم هم الذين أصبحوا اليوم سفراء لصاحب قاعدة ” الطاقة لنا ” منهم انظمة حكم ذليلة، ومنهم احزاب ضيعت بوصلة المسير، ومنهم جماعات هوى اصبحوا صرعى غوايات طائشة وبرامج بائسة وشعارات يائسة يتساوى في ذلك العلماني المتخم بالمادة والمتدين الذي لايملك من الدين الا قشرته فكان منهم الذي يقول: ” الشريعة قشرة والطريقة لب ” ومنهم من يقول ان محمدا “ص” هو ابن عبد المطلب وليس بن عبدالله. ومنهم من يقول: لا يوجد اقتصاد في الاسلام، ومنهم من انكر سورة الفيل ومنهم من سخر من الجنة، ومنهم من نسب القرآن الى غير عصره، ومنهم من عظم اللذة واتخذ من المتعة المادية الجسدية بديلا عن متع الروح، فاجتمع كل هؤلاء ليشكلوا طابورا يؤتمر بأوامر صاحب قاعدة ” الطاقة لنا ” وهو الذي جعل من حرب العراق مفتاحا لحروب الطاقة التي اعقبها حروب مايسمى بالربيع العربي والتي ترجمتها احداث سورية، حيث حان اشتباك المحاور الدولية التي اقتربت من ساعة الصفر، ولذلك بدا كل منهم يشحذ قواه ويهيا وسائله ويحرك اساطيله فهذه الصين للمرة الاولى تبحث عن الوصول الى البر والى شرق المتوسط وهذه روسيا الاتحادية تسارع بوارجها وسفنها الحربية الى موانئ طرطوس والاذقية وهذه ايران تحذر تركيا من صواريخ باتريوت، وهذه امريكا تعين وزيرا جديدا لخارجيتها وهو من منظري سياسة الحلول السلمية وهو ” جون كيري ” وقبل ذلك اقالت الجنرال بترايوس مدير ” السي اي اي ” الامريكية بأسباب ليست هي من اخلاقيات من يهنئ الزواج المثلي ويشجعه.

ان فقه السياسة الدولية يحتاج الى معرفة تفصيلية بمفاهيم العمل السياسي الذي يمتلك القدرة على فهم العالم من خلال فهم الكون واحداثه المسيرة بمرجعية واحدة ” كل إلينا راجعون” و”وان عدتم عدنا” و ” لخلق السماوات والارض اكبر من خلق الناس”.

ويبقى حيرة الناس مما يجري حولهم هذه الايام هو عدم معرفتهم بخيارات الدول الكبرى التي عرفت خياراتها في الامساك بالطاقة وامن اسرائيل وترك الحكم المحلي هذه المرة للسلفيين والوهابين حتى لاتستقر المنطقة، مثلما اعطوها في سايكس بيكو الأولى إلى حكم القبيلة والحزب فظلت المنطقة تغلي بالصراعات ولم تجن إلا التخلف.

رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية

ALITAMIMI5@yahoo.com

حليـب أطفـال !

للوظيفة أحكامها وأقدارها، وها هو قدري الوظيفي يحملني إلى مدينة أربيل مطلع عام 1981، وكان علي ان ابدأ تاريخا جديدا من العلاقات والصداقات، وسرعان ما تحقق هذا التاريخ، واتسعت دائرة معارفي وأصدقائي لتشمل أطيافاً منوعة من أبناء المجتمع الكردي، وقد خدمني في ذلك من دون شك وضعي الصحفي، وتحركاتي الكثيرة واتصالاتي اليومية، بحثا عن تحقيق او موضوع صحفي في قلعة المدينة او فولكلورها او اسواقها او معالمها أو متاعب خدماتها واعتقد قبل ذلك ان الفضل الاول في بناء تاريخ شخصي مع المدينة اعتز به عظيم الاعتزاز.. يعود إلى أهالي أربيل أنفسهم، فقد كانوا صورة مشرقة من صور العراقيين، كرما وطيبة وضيافة، فما شعرت يوما طوال وجودي بينهم، إلا كما يشعر المرء وهو بين أهله وأقاربه وعشيرته.

طبيب كردي، هو واحد من أهم معارفي، حيث تفتحت صداقتي معه وامتدت إلى حدود العلاقة العائلية.. وطالما دعاني الى بيته حتى أصبحت احد أفراد الأسرة، وكان هذا الرجل توأما للمرح والمزاح والضحك والمقالب، بحيث لا يجد جرحا في تدبير مقلب على والدته أو زوجه، من دون ان تكون المقالب بالطبع مؤذية، ولكنها تثير جواً لطيفا من الدعابة.

مرة شكوت من الم في المعدة، وشيء من الغثيان، فقصدت عيادته وشرحت له حالتي، وكان الرجل على عادته في أي لقاء يجمعنا، يشجعني على التحدث باللغة الكردية لكي أتعلمها، ويخاطبني بالمقابل، باللغة الكردية ولم أكن بعد مضي اشهر قلائل على استقراري في أربيل، قد أتقنت لغة المدينة، ولكنني تعلمت الكثير من المفردات التي يصعب علي صياغتها في جمل مفيدة، وبعد أن انتهيت من شرح حالتي المرضية بلغة عربية مطعمة بمفردات كردية، سألني سؤالا غريبا لا علاقة له بسبب مراجعتي، وفحوى السؤال الذي طرحه باللغة الكردية كما فهمته، يتعلق بالمدة التي أمضيتها في أربيل، فأجبته على ما اذكر (أربعة أشهر)، وكانت اجابتي بالكردية، لان عبارة (أربعة أشهر) ليست صعبة، ولا تقتضي تكوين جملة!  

كتب لي الرجل (وصفة)، وطمأنني إلى أن الحالة بسيطة جدا، وتمنى لي السلامة، وهكذا غادرت العيادة، وذهبت الى الصيدلية واشتريت العلاج، ولكنني فوجئت إن علاجي هو علبة حليب أطفال، ولهذا عدت إليه لأسأله وأتأكد، فربما يكون هو قد أخطأ او الصيدلي، غير انه قال لي بثقة عالية في النفس، وبوجه صارم جاء (هذا هو علاجك بالضبط، حليب أطفال)، وقرأ الاستغراب الشديد في عيني، وقبل أن استوضح، لم يحتمل نفسه وأطلق ضحكة مكبوتة ثم اخبرني قائلا (كاكه حسن.. لقد سألتك كم عمرك؟… فأجبتني: أربعة أشهر، وهذا هو العلاج المناسب لهذا العمر)!! 

ضحكنا معا كما لم نضحك من قبل، ثم ناولني شريطا من الأقراص هيأه لي، فقد كان واثقا من عودتي اليه للاستفسار عن حليب الأطفال، ومنذ ذلك العام والى يومنا هذا، ما زال يسألني كلما التقينا عن سنوات عمري، ثم يأخذني بالأحضان وهو يضحك!!

موقف مشرف مع النساء السجينات

بين المخبر السري (ذلك الكائن الخرافي المدجج بالضغينة والتوق الى تعذيب الناس) وبين ضعاف النفوس من جميع شرائح المجتمع ( سجانون – محققون – حراس –  مدعون بلا ضمير) تعيش السجينات العراقيات اقسى ظروف الذلة والمهانة وكأنهن لا ينتمين الى هذه البلاد او هذه الارض ؛ وكأن أخطاءهن خلاصة اخطاء العالم التي يجب ان تعالج باجتثاثهن والإيغال بالتنكيل .

.. هل لأحد منا ان يتصور ما هي قوة السجينة لتدفع بها ظلم المجتمع او تقاوم بها شهوانية حارس قذر سواء كان ضابطا او منتسبا بلا رتبة؛ حين يتصور ان هذا الكائن الذي اعلى الرحمن شأنه حد ان وضع الجنة تحت اقدامه ؛ هو ملك يمينه ويستطيع ان يفعل به ما يشاء ؛ من دون خوف عقاب اداري او تأنيب ضمير . 

•  قبل ازمة الحكومة مع وزير ماليتها التي لا يبدو ان لها نهاية وشيكة ؛ ثارت ثائرة منظمات حقوق الانسان ؛ واللجان البرلمانية المختصة ؛ ووصلت الاحتدامات بين مصدق ومكذب الى حد الاشتباك بالأيدي تحت قبة البرلمان ؛ اما الموضوع المثير للجدل فهو ( ملف السجينات وتعرضهن للتعذيب والاغتصاب ) .

تصوروا .. امرأة عراقية يلقيها القدر – وغالبا ما ندفعها نحن كمجتمع وكأفراد – الى طريق خاطئ ؛ فتبرز – عندها – كل عضلات القضاء وعضلات العشائر وعضلات الاعراف وعضلات التقاليد ؛ لتجد المسكينة نفسها مثل طريدة غضة في غاب اسود او تجمعات ضباع ؛ في حين يمرّ الخاطئ والسارق منا – نحن الرجال – بين صفين من الاكف المصفقة ؛ ولا ادل من ذلك : الوزراء الفاسدون ؛ والمستشارون الحكوميون ؛ والمقربون من هذا وذاك .

•  صديقتنا الكاتبة والاعلامية (ز . الكعبي – وانا هنا انشر الحرف الاول من اسمها واللقب باتفاق معها) خذلها الحظ؛ وعدم شجاعة الخصم للاعتراف بان ما جرى ليس سوى تمثيلية هزلية – مبكية؛ لكنها اطاحت بأحلام أُم ..وسمعة انسانة كانت – وما تزال – من ارق واكثر الزميلات انسانية ونظافة؛ فكان عليها ان تخوض معركة الدفاع عن نفسها وعن السجينات الاخريات المظلومات مثلها (ولسن اللواتي يحملن الاحزمة الناسفة او اللواتي لهن ولوغ في دم الابرياء) عبر الرسائل والمناشدات والاستنجاد بذوي المعروف من البرلمانيين وأصحاب الكتل الفاعلة في القرار السياسي ؛ وفعلا وجدت صدى شجاعا يجب الاشادة به والاشارة اليه؛ فقد استجابت قوى سياسية مؤثرة (لولا الانتخابات القريبة لذكرناها) لتتبنى قضايا السجينات ؛ والسعي الى اعادة محاكماتهن ؛ وبما لا يخذل القانون العراقي ولا يبطش بالعراقيات اللواتي لا ظهر لهن في واقع الحيتان هذا .

•  خطوة نبيلة ومسعى مبارك ؛ عسى ان يردع من ماتت ضمائرهم وهم ينفردون بنساء عزّل لا يملكن ما يدفعن به عن أنفسهن سوى الدعاء على الظالم ؛ ويا له من دعاء تهتز له اركان السماوات. 

قبيـل الصـمـت

سعر بيع الصحيفة لا يغطي تكاليف إصدارها… وهو حال صحافة اليوم …وما لم يدعمها الإعلان فانه لا من يصدر صحيفة لأغراض البر والتثقيف وإعلان الحقائق ولأداء رسالة..  فهذا طرح من الماضي ..وفي عراق اليوم هو مزاح سمج وتهكم ثقيل …  إلا انه لا أكثر من الصحف العراقية …وبما يدفع للتساؤل والى الفضول عن مصادر تمويلها …وهذه ايضا باتت واضحة ومعروفة وعلنية …وقد لا يقترن الاعتراف بمصدر التمويل الخارجي اي حرج وحياء …الا ان ثمة فضيحة ربما فاتت على البعض البعيد عن هذا الحقل …وهي المساومات والصفقات بين الدوائر المعلنة وبين الصحيفة …فالمفروض ان يهدف الإعلان الوصول الى اكبر عدد من الناس وينتفعون منه ويتعاملون معه,  بينما الذي يحدث هو ان ما يحدد وسيلة النشر..  ما يقرر الصحيفة هو نتيجة المساومة ومقدار نفع المتساومين لا المصلحة العامة ولا غايات الإعلان… ولذا يمكن رؤية الاعلان منشورا في جريدة غير مقروءة …جريدة لا تطبع اكثر من مئات النسخ ,لا ملايين ,ولا الاف …وجريدة خاوية بائسة ..وبوسع الباحث عن اليقين ان يسأل شركات توزيع الصحف وكذا المطابع عما تطبعه  وان كانت المساومة ومنطق الصفقات قد شمل هذه المناحي …ولو قدر ان تقوم دولة تتحرى وتتابع وتحرص على الحقيقة وعلى المال العام وقومت وضع النشر واعلانات الدوائر والوزارات لأغلقت عشرات الصحف…  إلا أن الذي سيحدث هو ان الصحف الرصينة المخلصة لرسالتها الاعلامية هي التي ستضطر لخطوات لا تريدها وقرارات لا تتمناها.

اجل هناك صحف لا تتميز بكثرة إعلاناتها ولكنها مستمرة..  ومرفهة ماديا…  وسرها هذه المرة في لعبها على اللصوص وتوظيف فسادهم وذلك بابتزازهم …خبر بعيد ولا يثير اي انتباه غير انتباه وذعر اللص ,سارق اموال الدولة …ويعقب النشر مكالمة هاتفية او لقاء وكأنه بالمصادفة, وتبادل اطراف الحديث وصولا لتقاضي ثمن السكوت وعدم النشر …وهكذا تتعدد اساليب اللصوص وطرق نهب المال العام …ولو ولد الجهاز الرقابي الكفء ما كانت المرحلة من حصة المقاولين والمشاريع المغشوشة والأعمال المشوهة ولما صال وجال المحتالون وكناسة الشوارع …ولما رأينا صحيفة لا ترقى أن تكون نشرة مدرسية,  بينما تشكو صحف رصينة من شحة مواردها وقلة إعلاناتها ..وتشكو من قلق القرار الخطير الذي يرى بوضوح ان الإخلاص للرسالة الإعلامية والوطنية قد يفضي للموقف الحرج…  ويلوح ان قضية الإعلام هي قطرة الماء التي تعبر عن خواص كل مياه الأرض …واعلامنا يعبر عن خواص مرحلة المحاصصة..   وشموله بموجة الفساد التي تقدمت العالم …بيد ان النذر والعلامات ستكون من الاعلام عندما تضيق فرصة شطره الرصين ويرغم على القرار الصعب ..وهذا الشؤم سيتلاشى لو صار ما يتمناه العراقي الأصيل المحب لعراقه وللحياة وللمعرفة والجمال….

ميـلـيشيـات هنـديـة باللـون الـوردي

في سابقة غير مألوفة  عند جميع الأمم, ظهرت في الهند ميليشيات من النساء المضطهدات, تقودهن امرأة أسست ميليشياتها في مدينة (بونديلخاند) الفقيرة الواقعة شمالي مقاطعة (براديش) من المقاطعات الشمالية في الهند, وهي من الأقاليم الهندية الأكثر ازدحاما بالسكان, والأكثر اكتظاظا بالأحياء الفقيرة. 

في هذا الجزء المجهول من القارة الآسيوية ظهرت هذه الميليشيات لتذود بالدفاع عن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة, فأطلقوا عليها ميليشيات (غولابي), ومفردة (غولابي) تعني (وردي) باللغة الهندية الرسمية, وتضم الآن نحو (10000) امرأة متزوجة, كلهن يرتدين الساري الوردي, ويحملن الهراوات الهندية (اللاثي Lathi), والتي نطلق عليها (الشوم), أو (الشومي) في أريافنا, وتعني العصا الغليظة المصنوعة من أغصان الأشجار, أما الساري فهو الزي الهندي الشائع في شبه القارة الهندية.  

ربما سارت هذه المرأة الحديدية على نهج نظيرتها الشابة الهندية السيدة (فولان ديفي Phoolan Devi), التي قادت أكبر عصابة للصوص, وفرضت سيطرتها على ثلاث ولايات هندية (هاريانا, يوبي, وبيهار), في حزام هندوسي تُعبد فيه قطعان البقر, يطلق عليه (Cow Belt), ثم توَّجتها الصحافة المحلية ملكة للصوص والحرامية بعد أن دوخت السلطات الهندية, ثم استقامت وانضمت فيما بعد إلى حزب (جاناتا بارتي Janata Party), فترشحت في الانتخابات لتحجز لها مقعداً في البرلمان الهندي, لكنها لقت مصرعها بعيارات نارية أطلقها عليها مجهول من مسدسه في الخامس والعشرين من تموز (يوليو) 2001.  

لا توجد في الهند كلها ميليشيات مسلحة على غرار المليشيات الطــــائفية أو العـرقية أو الأيديولوجية المنتشرة حول العالم, فالولايات الهندية على اختلاف طوائفها وقومياتها ولهجاتها تمثل أكبر المجتمعات الديمقراطية في العالم, وفيها نحو (714) مليون ناخب, أي أكثر من سكان أوربا, والنظام السياسي فيها مشرَّع, ويجمع تيارات سياسية متباينة, من اليمين المتشدد إلى اليسار المتطرف, والأحزاب فيها كثيرة ومتشعبة الأهداف, لكن قضائها مستقل, شأنه في هذا شأن الإعلام. 

وتكاد تكون المرأة الريفية هي الأكثر اضطهاداً وتعسفاً, وبخاصة في الأقاليم البعيدة, والقرى النائية, فولدت هذه المليـــشيات النسوية في تسعينــيات القرن الماضي لتجد في طريقها مجموعة من التحديات الاجتماعية والعقبات التشريعية, التي عارضت ولادتها جملة وتفصيلا.  

جاء تشكيلها على يد السيدة (سامبات بال ديفي Sampat Pal Devi), وهي سيدة هندية مسيحية غير متعلمة, تجاوزت العقد الرابع من العمر (47 سنة), متزوجة ولها خمسة أطفال, ارتدت الساري الوردي, وطلبت من أعضاء عصابتها ارتداء الثياب التقليدية الوردية, فاللون الوردي هو لون الحياة الهانئة في التراث الهندوسي, ويتطابق تماما مع إستراتيجيتهن القتالية للذود بالدفاع عن حقوق المرأة داخل أسرتها وبيتها وفي مجال عملها, باعتبارها الزهرة الوردية النابضة بالحياة, ويفوح منها شذى العطر الذي يصنع البهجة والسعادة في المجتمعات. 

تنحدر الغالبية العظمى من نساء المليشيات الوردية من الطبقات الاجتماعية المسحوقة, أو من طبقة (الدالت Dalit) المنبوذة, وصادف أن تعرضت امرأة من طبـــقة المنبوذين للاغتصاب الجماعي على يد مجموعة من رجال الطبقات الارستقراطية العليا في مقاطعة (أتّار براديش), فلم تسجل الشرطة وقائع الاعتداء, ولم تدافع عن حقوق المجني عليها, على الرغم من تظاهر الناس في القرى القريبة من مكان الاعتداء, فقامت الشرطة باعتقال المتظاهرين, ومنعتهم من التظاهر, فتجمعت المليشيات الوردية وشنت هجوماً عاصفاً ضد مركز الشرطة, فحررت المعتقلين, وأرغمت مأمور المركز على قبول شكوى المجني عليها وتسجيلها.  

حققت الكتائب الوردية انتصارا شعبيا ساحقا عندما أغلقت إحدى المخازن التجارية, التي يمارس مالكها الغش التجارية, ويحتال على الأسر الفقيرة, فطاردته وألقت عليه القبض, وسلمته إلى مركز الشرطة, بعد أن نال حصته من الضربات والركلات والصفعات. 

تقول (سامبات بال ديفي): إن عناصرها المسلحة بالهراوات على أهبة الاستعداد لتأديب الأزواج الذين دأبوا على اضطهاد زوجاتهم والاعتداء عليهــــن بالضرب, فالهراوات موجودة وهي كفيلة بردع المعتدين. 

وتقول أيضا: إن هذه الميليشيات حققت نجاحا كبيرا في تأديب المفسدين في المـــــؤسسات الحكومية, وان صولات التأديب تتم دائما في الشارع العام خارج محرمات المؤسسة الفاسدة, حيث يلقى الموظف المفسد (علقة) ساخنة أمام المارة, يتلقى فيها ضربا مبرحاً بالعصي والحجارة, من دون حاجة إلى استعمال أسلحتهن الكيماوية, التي تتألف من مساحيق الفلفل الحار, المعدة مسبقا ليذر في عيون المفسدين. 

تنتقل عناصر الميليشيا الوردية من موقع إلى آخر بواسطة الدراجات الهوائية, ويتألف كل هجوم من مئة امرأة على أقل تقدير, كلهن مهيئات نفسيا وبدنيا لأداء واجباتهن في حماية المجتمع الهندي وردع المفسدين والمتجبرين والمقصرين, وتستمد الميليشيات الوردية مساعداتها اللوجستية من منظمات المجتمع المدني, ومن بعض المحسنين, والمؤسسات الدينية, ومن الدعم الشعبي المطلق. ختاما نقول: ألا يستحق مجتمعنا أن تظهر فيه ميليشيات وردية وبرتقالية وبنفسجية وحنقبازية وبكل ألوان الطيف الشمسي لتضاف إلى تشكيلات المليشيات الموجودة الآن في الساحة حتى تكتمل عندنا مشاهد الفوضى الخلاقة !. 

موقف مشرف مع النساء السجينات

بين المخبر السري (ذلك الكائن الخرافي المدجج بالضغينة والتوق الى تعذيب الناس) وبين ضعاف النفوس من جميع شرائح المجتمع ( سجانون – محققون – حراس –  مدعون بلا ضمير) تعيش السجينات العراقيات اقسى ظروف الذلة والمهانة وكأنهن لا ينتمين الى هذه البلاد او هذه الارض ؛ وكأن أخطاءهن خلاصة اخطاء العالم التي يجب ان تعالج باجتثاثهن والإيغال بالتنكيل .

.. هل لأحد منا ان يتصور ما هي قوة السجينة لتدفع بها ظلم المجتمع او تقاوم بها شهوانية حارس قذر سواء كان ضابطا او منتسبا بلا رتبة؛ حين يتصور ان هذا الكائن الذي اعلى الرحمن شأنه حد ان وضع الجنة تحت اقدامه ؛ هو ملك يمينه ويستطيع ان يفعل به ما يشاء ؛ من دون خوف عقاب اداري او تأنيب ضمير . 

•  قبل ازمة الحكومة مع وزير ماليتها التي لا يبدو ان لها نهاية وشيكة ؛ ثارت ثائرة منظمات حقوق الانسان ؛ واللجان البرلمانية المختصة ؛ ووصلت الاحتدامات بين مصدق ومكذب الى حد الاشتباك بالأيدي تحت قبة البرلمان ؛ اما الموضوع المثير للجدل فهو ( ملف السجينات وتعرضهن للتعذيب والاغتصاب ) .

تصوروا .. امرأة عراقية يلقيها القدر – وغالبا ما ندفعها نحن كمجتمع وكأفراد – الى طريق خاطئ ؛ فتبرز – عندها – كل عضلات القضاء وعضلات العشائر وعضلات الاعراف وعضلات التقاليد ؛ لتجد المسكينة نفسها مثل طريدة غضة في غاب اسود او تجمعات ضباع ؛ في حين يمرّ الخاطئ والسارق منا – نحن الرجال – بين صفين من الاكف المصفقة ؛ ولا ادل من ذلك : الوزراء الفاسدون ؛ والمستشارون الحكوميون ؛ والمقربون من هذا وذاك .

•  صديقتنا الكاتبة والاعلامية (ز . الكعبي – وانا هنا انشر الحرف الاول من اسمها واللقب باتفاق معها) خذلها الحظ؛ وعدم شجاعة الخصم للاعتراف بان ما جرى ليس سوى تمثيلية هزلية – مبكية؛ لكنها اطاحت بأحلام أُم ..وسمعة انسانة كانت – وما تزال – من ارق واكثر الزميلات انسانية ونظافة؛ فكان عليها ان تخوض معركة الدفاع عن نفسها وعن السجينات الاخريات المظلومات مثلها (ولسن اللواتي يحملن الاحزمة الناسفة او اللواتي لهن ولوغ في دم الابرياء) عبر الرسائل والمناشدات والاستنجاد بذوي المعروف من البرلمانيين وأصحاب الكتل الفاعلة في القرار السياسي ؛ وفعلا وجدت صدى شجاعا يجب الاشادة به والاشارة اليه؛ فقد استجابت قوى سياسية مؤثرة (لولا الانتخابات القريبة لذكرناها) لتتبنى قضايا السجينات ؛ والسعي الى اعادة محاكماتهن ؛ وبما لا يخذل القانون العراقي ولا يبطش بالعراقيات اللواتي لا ظهر لهن في واقع الحيتان هذا .

•  خطوة نبيلة ومسعى مبارك ؛ عسى ان يردع من ماتت ضمائرهم وهم ينفردون بنساء عزّل لا يملكن ما يدفعن به عن أنفسهن سوى الدعاء على الظالم ؛ ويا له من دعاء تهتز له اركان السماوات.