قبيـل الصـمـت

سعر بيع الصحيفة لا يغطي تكاليف إصدارها… وهو حال صحافة اليوم …وما لم يدعمها الإعلان فانه لا من يصدر صحيفة لأغراض البر والتثقيف وإعلان الحقائق ولأداء رسالة..  فهذا طرح من الماضي ..وفي عراق اليوم هو مزاح سمج وتهكم ثقيل …  إلا انه لا أكثر من الصحف العراقية …وبما يدفع للتساؤل والى الفضول عن مصادر تمويلها …وهذه ايضا باتت واضحة ومعروفة وعلنية …وقد لا يقترن الاعتراف بمصدر التمويل الخارجي اي حرج وحياء …الا ان ثمة فضيحة ربما فاتت على البعض البعيد عن هذا الحقل …وهي المساومات والصفقات بين الدوائر المعلنة وبين الصحيفة …فالمفروض ان يهدف الإعلان الوصول الى اكبر عدد من الناس وينتفعون منه ويتعاملون معه,  بينما الذي يحدث هو ان ما يحدد وسيلة النشر..  ما يقرر الصحيفة هو نتيجة المساومة ومقدار نفع المتساومين لا المصلحة العامة ولا غايات الإعلان… ولذا يمكن رؤية الاعلان منشورا في جريدة غير مقروءة …جريدة لا تطبع اكثر من مئات النسخ ,لا ملايين ,ولا الاف …وجريدة خاوية بائسة ..وبوسع الباحث عن اليقين ان يسأل شركات توزيع الصحف وكذا المطابع عما تطبعه  وان كانت المساومة ومنطق الصفقات قد شمل هذه المناحي …ولو قدر ان تقوم دولة تتحرى وتتابع وتحرص على الحقيقة وعلى المال العام وقومت وضع النشر واعلانات الدوائر والوزارات لأغلقت عشرات الصحف…  إلا أن الذي سيحدث هو ان الصحف الرصينة المخلصة لرسالتها الاعلامية هي التي ستضطر لخطوات لا تريدها وقرارات لا تتمناها.

اجل هناك صحف لا تتميز بكثرة إعلاناتها ولكنها مستمرة..  ومرفهة ماديا…  وسرها هذه المرة في لعبها على اللصوص وتوظيف فسادهم وذلك بابتزازهم …خبر بعيد ولا يثير اي انتباه غير انتباه وذعر اللص ,سارق اموال الدولة …ويعقب النشر مكالمة هاتفية او لقاء وكأنه بالمصادفة, وتبادل اطراف الحديث وصولا لتقاضي ثمن السكوت وعدم النشر …وهكذا تتعدد اساليب اللصوص وطرق نهب المال العام …ولو ولد الجهاز الرقابي الكفء ما كانت المرحلة من حصة المقاولين والمشاريع المغشوشة والأعمال المشوهة ولما صال وجال المحتالون وكناسة الشوارع …ولما رأينا صحيفة لا ترقى أن تكون نشرة مدرسية,  بينما تشكو صحف رصينة من شحة مواردها وقلة إعلاناتها ..وتشكو من قلق القرار الخطير الذي يرى بوضوح ان الإخلاص للرسالة الإعلامية والوطنية قد يفضي للموقف الحرج…  ويلوح ان قضية الإعلام هي قطرة الماء التي تعبر عن خواص كل مياه الأرض …واعلامنا يعبر عن خواص مرحلة المحاصصة..   وشموله بموجة الفساد التي تقدمت العالم …بيد ان النذر والعلامات ستكون من الاعلام عندما تضيق فرصة شطره الرصين ويرغم على القرار الصعب ..وهذا الشؤم سيتلاشى لو صار ما يتمناه العراقي الأصيل المحب لعراقه وللحياة وللمعرفة والجمال….

ميـلـيشيـات هنـديـة باللـون الـوردي

في سابقة غير مألوفة  عند جميع الأمم, ظهرت في الهند ميليشيات من النساء المضطهدات, تقودهن امرأة أسست ميليشياتها في مدينة (بونديلخاند) الفقيرة الواقعة شمالي مقاطعة (براديش) من المقاطعات الشمالية في الهند, وهي من الأقاليم الهندية الأكثر ازدحاما بالسكان, والأكثر اكتظاظا بالأحياء الفقيرة. 

في هذا الجزء المجهول من القارة الآسيوية ظهرت هذه الميليشيات لتذود بالدفاع عن مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة, فأطلقوا عليها ميليشيات (غولابي), ومفردة (غولابي) تعني (وردي) باللغة الهندية الرسمية, وتضم الآن نحو (10000) امرأة متزوجة, كلهن يرتدين الساري الوردي, ويحملن الهراوات الهندية (اللاثي Lathi), والتي نطلق عليها (الشوم), أو (الشومي) في أريافنا, وتعني العصا الغليظة المصنوعة من أغصان الأشجار, أما الساري فهو الزي الهندي الشائع في شبه القارة الهندية.  

ربما سارت هذه المرأة الحديدية على نهج نظيرتها الشابة الهندية السيدة (فولان ديفي Phoolan Devi), التي قادت أكبر عصابة للصوص, وفرضت سيطرتها على ثلاث ولايات هندية (هاريانا, يوبي, وبيهار), في حزام هندوسي تُعبد فيه قطعان البقر, يطلق عليه (Cow Belt), ثم توَّجتها الصحافة المحلية ملكة للصوص والحرامية بعد أن دوخت السلطات الهندية, ثم استقامت وانضمت فيما بعد إلى حزب (جاناتا بارتي Janata Party), فترشحت في الانتخابات لتحجز لها مقعداً في البرلمان الهندي, لكنها لقت مصرعها بعيارات نارية أطلقها عليها مجهول من مسدسه في الخامس والعشرين من تموز (يوليو) 2001.  

لا توجد في الهند كلها ميليشيات مسلحة على غرار المليشيات الطــــائفية أو العـرقية أو الأيديولوجية المنتشرة حول العالم, فالولايات الهندية على اختلاف طوائفها وقومياتها ولهجاتها تمثل أكبر المجتمعات الديمقراطية في العالم, وفيها نحو (714) مليون ناخب, أي أكثر من سكان أوربا, والنظام السياسي فيها مشرَّع, ويجمع تيارات سياسية متباينة, من اليمين المتشدد إلى اليسار المتطرف, والأحزاب فيها كثيرة ومتشعبة الأهداف, لكن قضائها مستقل, شأنه في هذا شأن الإعلام. 

وتكاد تكون المرأة الريفية هي الأكثر اضطهاداً وتعسفاً, وبخاصة في الأقاليم البعيدة, والقرى النائية, فولدت هذه المليـــشيات النسوية في تسعينــيات القرن الماضي لتجد في طريقها مجموعة من التحديات الاجتماعية والعقبات التشريعية, التي عارضت ولادتها جملة وتفصيلا.  

جاء تشكيلها على يد السيدة (سامبات بال ديفي Sampat Pal Devi), وهي سيدة هندية مسيحية غير متعلمة, تجاوزت العقد الرابع من العمر (47 سنة), متزوجة ولها خمسة أطفال, ارتدت الساري الوردي, وطلبت من أعضاء عصابتها ارتداء الثياب التقليدية الوردية, فاللون الوردي هو لون الحياة الهانئة في التراث الهندوسي, ويتطابق تماما مع إستراتيجيتهن القتالية للذود بالدفاع عن حقوق المرأة داخل أسرتها وبيتها وفي مجال عملها, باعتبارها الزهرة الوردية النابضة بالحياة, ويفوح منها شذى العطر الذي يصنع البهجة والسعادة في المجتمعات. 

تنحدر الغالبية العظمى من نساء المليشيات الوردية من الطبقات الاجتماعية المسحوقة, أو من طبقة (الدالت Dalit) المنبوذة, وصادف أن تعرضت امرأة من طبـــقة المنبوذين للاغتصاب الجماعي على يد مجموعة من رجال الطبقات الارستقراطية العليا في مقاطعة (أتّار براديش), فلم تسجل الشرطة وقائع الاعتداء, ولم تدافع عن حقوق المجني عليها, على الرغم من تظاهر الناس في القرى القريبة من مكان الاعتداء, فقامت الشرطة باعتقال المتظاهرين, ومنعتهم من التظاهر, فتجمعت المليشيات الوردية وشنت هجوماً عاصفاً ضد مركز الشرطة, فحررت المعتقلين, وأرغمت مأمور المركز على قبول شكوى المجني عليها وتسجيلها.  

حققت الكتائب الوردية انتصارا شعبيا ساحقا عندما أغلقت إحدى المخازن التجارية, التي يمارس مالكها الغش التجارية, ويحتال على الأسر الفقيرة, فطاردته وألقت عليه القبض, وسلمته إلى مركز الشرطة, بعد أن نال حصته من الضربات والركلات والصفعات. 

تقول (سامبات بال ديفي): إن عناصرها المسلحة بالهراوات على أهبة الاستعداد لتأديب الأزواج الذين دأبوا على اضطهاد زوجاتهم والاعتداء عليهــــن بالضرب, فالهراوات موجودة وهي كفيلة بردع المعتدين. 

وتقول أيضا: إن هذه الميليشيات حققت نجاحا كبيرا في تأديب المفسدين في المـــــؤسسات الحكومية, وان صولات التأديب تتم دائما في الشارع العام خارج محرمات المؤسسة الفاسدة, حيث يلقى الموظف المفسد (علقة) ساخنة أمام المارة, يتلقى فيها ضربا مبرحاً بالعصي والحجارة, من دون حاجة إلى استعمال أسلحتهن الكيماوية, التي تتألف من مساحيق الفلفل الحار, المعدة مسبقا ليذر في عيون المفسدين. 

تنتقل عناصر الميليشيا الوردية من موقع إلى آخر بواسطة الدراجات الهوائية, ويتألف كل هجوم من مئة امرأة على أقل تقدير, كلهن مهيئات نفسيا وبدنيا لأداء واجباتهن في حماية المجتمع الهندي وردع المفسدين والمتجبرين والمقصرين, وتستمد الميليشيات الوردية مساعداتها اللوجستية من منظمات المجتمع المدني, ومن بعض المحسنين, والمؤسسات الدينية, ومن الدعم الشعبي المطلق. ختاما نقول: ألا يستحق مجتمعنا أن تظهر فيه ميليشيات وردية وبرتقالية وبنفسجية وحنقبازية وبكل ألوان الطيف الشمسي لتضاف إلى تشكيلات المليشيات الموجودة الآن في الساحة حتى تكتمل عندنا مشاهد الفوضى الخلاقة !. 

وداعاً معلمي …وداعاً.. محمد علي الخفاجي

صعقني خبر وفاة الشاعر الكبير (محمد علي الخفاجي) عبر رسالة نصية بعث بها الناطق باسم الاتحاد العام للأدباء والكتاب الزميل المثابر الشاعر (إبراهيم الخياط ) يهيب بأعضاء الاتحاد لحضور تشييع جثمان الراحل تمام التاسعة من صباح يوم الثلاثاء (18/كانون الأول الجاري) من مبنى الاتحاد قرب/ ساحة الأندلس ببغداد التي أحب، حسب وصية تركها هذا الشاعر الكربلائـي، أراد فيها أن نودعه منها إلى مثواه الأخير ….. ليس مفاضلة عن كربلاء المقدسة حيث ولد ودرس وعاش، بل صدق انتماء للحبيبة التي رعت وروت وغمرت بمياه حبها الحاني روح أعشابه البرية… روحه المخضبة بماء ورد الشعر، والمدهونة بمراهم الوجع والهيام بكل ما يمت للجمال والدلال والشباب بصلة عشق، ووشيجة احتراق عذب… مذاب بنقاء ينابيع (الخفاجي محمد علي) هذا الذي كحل عيني بـ(مرود) الشعر، بعيدا عن نصوص درس المطالعة، حين (درسني) بداية سبعينات القرن الفائت… سحر اللغة العربية، يوم كنت طالبا في الصف الأول- ثانوي في متوسطة الجزيرة للبنين في منطقة المشتل/ بغداد الجديدة، من هناك …. من فجر ذلك الاعتناء بمواهب كانت ولم تزل تحبو في محراب منجزات وعطاء هذا الأب والصديق العذب، الذي كنت قد أرخت يوم ميلادي (الشعري) من خلال حرصه وتوجيهه لي، حين تطاولت على كتابة (خرابيط وشخابيط)، أظنها خواطر مشوشة توهمتها شعرا، فتقدمت بها -بشقاوة مغامر وعناد مراهق لم يفكر أنه سيخسر شيئا أن تجرأ على نسج قصيدة بائسة… يائسة… تفحصها معلمي/مدرس اللغة العربية- في متوسطة الجزيرة- تارة باستغراب وأخرى بعين الرضا الشاحب وشجاعة التشجيع الواجب من قبل المربي (الخفاجي) الذي لم أكن أعرف أنه شاعر، فقد ربت على كتفي،ثم أهداني – في اليوم التالي،بعد نهاية الدرس- نسختين من ديوانه الأول (شباب و سراب) وديوانه الثاني بعنوان (لم يأت أمس.. سأقابله الليلة) وكتب في مستهل الصفحة الأولى، بعد الغلاف هذه الأبيات، وهي للشاعر التركي (ناظم حكمت) تقول:

   -(إن أجمل أطفالنا …. ذلك الذي لم يولد بعد/ وأن أجمل البحار…. تلك التي لم نرها بعد/ وأن أجمل الكلام…. ذلك الذي لم نقله بعد!)

 أتراني أكتب سطورا شخصية عن رحيل هذا المعلم/ الأب والصديق الأحب.. معلم -بحق ورفعة- وعلى طريقة (أفلاطون)؟ أم أحاول أن أنسج مجرد عمود رثاء، لا يتعدى بأن يجهش بالحب والشوق لمن كان يضيء لنا الدرب داخل الصف وخارجه؟ أم أعيد ترتيب قراءة خارطة الوعي بالشكل الذي يتناسب مع من منحنا هذا الوضوح والاعتداد بفكرة الجمال والوفاء لهذا الحد، الذي جعل من روح الشاعر ترفرف لتلامس أرواح الأحبة، وأن تحلق كي تستنشق هواء بغداد ملء رئتيها، ثم تعود الى  تراب كربلاء المقدسة بخشوع وجلال من كتب وخص شهيدها المهيب…مهابة الموت نفسه، عني مسرحية (محمد علي الخفاجي) سطعت باسم بهي هو (ثانية يجيء الحسين) وغيرها من أعمال ودواوين وسمت اسم معلمي بالمجدد والجريء..لمن..لمن بعدك سأقول وداعا ؟!

مقارنات رقمية !!

لاشيء مثل علم الإحصاء ظل عصيّاً على فهمي، وخارج نطاق معلوماتي، ولابد أن طبيعة عمل الصحفي، تقتضي الإلمام بأكبر قدر من (الثقافة العامة)، لا يمكن لأحد غيره أن يمتلكها او يحيط بها، وهذا ما يجهله -أو يتغاضى عنه- مع الأسف، اغلب زملاء المهنة المحدثين على وجه الخصوص حيث يتوهمون ان الصحفي هو من يعرف أنواع الخبر، أو شروط التحقيق الاستقصائي.. أو يميز بين الحوار واللقاء.. الخ، فهذه المعارف هي من أبجديات المهنة وتخصصها، ولكن الصحفي لا يحق له الاكتفاء بالتخصص مثل طبية الأمراض النسائية، وليس أمامه خيار في الإطار العام، من أن يكون مطلعا على (شيء) من أمور السياسة والدين والفلسفة والتاريخ والجغرافيا واللغة والرياضيات والقنبلة الذرية وأعراض القولون والحمل وهوس الديمقراطية وجنون الكرسي وغنائم المنصب وعلوم الفلك والإحصاء.. الخ، وإلا كيف له ان يكتب او يحاور او يلتقي ناسا من شتى الاختصاصات والتوجيهات الفنية والأدبية والعلمية؟!

تحت هاجس الفضول المعرفي الذي استكمل به مقومات شخصيتي الصحفية لجأت الى صديق قديم، وهو أستاذ جامعي أمضى حياته الوظيفية في القضايا الإحصائية وإعداد الجداول والمقارنات الرقمية (وكانت هذه المقارنات هي اشد ما يؤرقني) الى غير ذلك من امور كنت اود الاستفسار عنها، وظننت انها اسهل من ان يدوخ بها صديقي، وهو يشرح لي ويعيد الشرح، وانا غير قادر على الاستيعاب، ولم تكن به حاجة لاتهامي بالغباء، فقد توصلت الى هذه الحقيقة قبله، ولان الاستاذ ادرك ان لا جدوى من ورائي.. قال لي (سأبسط لك الموضوع كما لو كان مسألة حسابية لتلامذة الرابع الابتدائي.. لنفترض انك متقاعد/ خريج كلية / خدمتك 26 سنة / راتبك التقاعدي 450 الف دينار، وبالمقابل هناك نائب متقاعد / خريج كلية/ خدمته 4 سنوات/ راتبه التقاعدي 6 ملايين دينار) وسحب ورقة ووضعها أمامي والقلم بيده، ثم اكمل حديثه (ولكي نعمل مقارنة احصائية لابد ان ندخل في التفاصيل ونقول: ان خدمتك الفعلية بالأيام = 26 سنة × 290 يوما) وقاطعته متسائلا:  (لماذا تحسب أيام السنة 290 يوما وليس 365 يوما؟) أجابني (على عهدك كان الدوام 6 ايام في الاسبوع.. ولما كانت السنة = 52 أسبوعا، فنضرب 52×6 =312، ونطرح من هذا الرقم 22 يوما كمعدل للأعياد والمناسبات، إذن فدوامك الفعلي هو 290 يوما في السنة، فإذا في 26 سنة، يكون الناتج (7540) يوما، هي المدة الفعلية التي خدمت فيها الدولة، ثم نبدأ بحساب الايام التي أمضاها النائب في الخدمة وهي 4 سنوات) قاطعته (الأمر واضح، نقوم بالعمليات نفسها)، أجابني (لا… الأمر مختلف، فالأسبوع بالنسبة للنائب 5 أيام وليس 6 أيام، وهو يتمتع زيادة على الاعياد والمناسبات، بأيام تأجيل الجلسات والعطل التشريعية، وحين نحسب ذلك كله، يكون دوامه السنوي 150 يوما في الحد الافتراضي الاعلى، نضربها ×4 سنوات، فتكون خدمته الفعلية هي (4×150=600 يوم) مقابل راتب تقاعدي يبلغ 6 ملايين دينار، بينما تتقاضى انت 450 الف دينار مقابل 7540 يوما، وهذا يعني ان خدمتك تزيد على خدمة البرلماني بـ13 ضعفا، اما راتبه فيزيد على راتبك بـ13 ضعفا، وبهذه الطريقة نتوصل الى المقارنات الرقمية.. مفهوم ؟!) 

قلت له: ليتني لم افهم..!!

وداعاً معلمي …وداعاً.. محمد علي الخفاجي

صعقني خبر وفاة الشاعر الكبير (محمد علي الخفاجي) عبر رسالة نصية بعث بها الناطق باسم الاتحاد العام للأدباء والكتاب الزميل المثابر الشاعر (إبراهيم الخياط ) يهيب بأعضاء الاتحاد لحضور تشييع جثمان الراحل تمام التاسعة من صباح يوم الثلاثاء (18/كانون الأول الجاري) من مبنى الاتحاد قرب/ ساحة الأندلس ببغداد التي أحب، حسب وصية تركها هذا الشاعر الكربلائـي، أراد فيها أن نودعه منها إلى مثواه الأخير ….. ليس مفاضلة عن كربلاء المقدسة حيث ولد ودرس وعاش، بل صدق انتماء للحبيبة التي رعت وروت وغمرت بمياه حبها الحاني روح أعشابه البرية… روحه المخضبة بماء ورد الشعر، والمدهونة بمراهم الوجع والهيام بكل ما يمت للجمال والدلال والشباب بصلة عشق، ووشيجة احتراق عذب… مذاب بنقاء ينابيع (الخفاجي محمد علي) هذا الذي كحل عيني بـ(مرود) الشعر، بعيدا عن نصوص درس المطالعة، حين (درسني) بداية سبعينات القرن الفائت… سحر اللغة العربية، يوم كنت طالبا في الصف الأول- ثانوي في متوسطة الجزيرة للبنين في منطقة المشتل/ بغداد الجديدة، من هناك …. من فجر ذلك الاعتناء بمواهب كانت ولم تزل تحبو في محراب منجزات وعطاء هذا الأب والصديق العذب، الذي كنت قد أرخت يوم ميلادي (الشعري) من خلال حرصه وتوجيهه لي، حين تطاولت على كتابة (خرابيط وشخابيط)، أظنها خواطر مشوشة توهمتها شعرا، فتقدمت بها -بشقاوة مغامر وعناد مراهق لم يفكر أنه سيخسر شيئا أن تجرأ على نسج قصيدة بائسة… يائسة… تفحصها معلمي/مدرس اللغة العربية- في متوسطة الجزيرة- تارة باستغراب وأخرى بعين الرضا الشاحب وشجاعة التشجيع الواجب من قبل المربي (الخفاجي) الذي لم أكن أعرف أنه شاعر، فقد ربت على كتفي،ثم أهداني – في اليوم التالي،بعد نهاية الدرس- نسختين من ديوانه الأول (شباب و سراب) وديوانه الثاني بعنوان (لم يأت أمس.. سأقابله الليلة) وكتب في مستهل الصفحة الأولى، بعد الغلاف هذه الأبيات، وهي للشاعر التركي (ناظم حكمت) تقول:

   -(إن أجمل أطفالنا …. ذلك الذي لم يولد بعد/ وأن أجمل البحار…. تلك التي لم نرها بعد/ وأن أجمل الكلام…. ذلك الذي لم نقله بعد!)

 أتراني أكتب سطورا شخصية عن رحيل هذا المعلم/ الأب والصديق الأحب.. معلم -بحق ورفعة- وعلى طريقة (أفلاطون)؟ أم أحاول أن أنسج مجرد عمود رثاء، لا يتعدى بأن يجهش بالحب والشوق لمن كان يضيء لنا الدرب داخل الصف وخارجه؟ أم أعيد ترتيب قراءة خارطة الوعي بالشكل الذي يتناسب مع من منحنا هذا الوضوح والاعتداد بفكرة الجمال والوفاء لهذا الحد، الذي جعل من روح الشاعر ترفرف لتلامس أرواح الأحبة، وأن تحلق كي تستنشق هواء بغداد ملء رئتيها، ثم تعود الى  تراب كربلاء المقدسة بخشوع وجلال من كتب وخص شهيدها المهيب…مهابة الموت نفسه، عني مسرحية (محمد علي الخفاجي) سطعت باسم بهي هو (ثانية يجيء الحسين) وغيرها من أعمال ودواوين وسمت اسم معلمي بالمجدد والجريء..لمن..لمن بعدك سأقول وداعا ؟!

مقارنات رقمية !!

لاشيء مثل علم الإحصاء ظل عصيّاً على فهمي، وخارج نطاق معلوماتي، ولابد أن طبيعة عمل الصحفي، تقتضي الإلمام بأكبر قدر من (الثقافة العامة)، لا يمكن لأحد غيره أن يمتلكها او يحيط بها، وهذا ما يجهله -أو يتغاضى عنه- مع الأسف، اغلب زملاء المهنة المحدثين على وجه الخصوص حيث يتوهمون ان الصحفي هو من يعرف أنواع الخبر، أو شروط التحقيق الاستقصائي.. أو يميز بين الحوار واللقاء.. الخ، فهذه المعارف هي من أبجديات المهنة وتخصصها، ولكن الصحفي لا يحق له الاكتفاء بالتخصص مثل طبية الأمراض النسائية، وليس أمامه خيار في الإطار العام، من أن يكون مطلعا على (شيء) من أمور السياسة والدين والفلسفة والتاريخ والجغرافيا واللغة والرياضيات والقنبلة الذرية وأعراض القولون والحمل وهوس الديمقراطية وجنون الكرسي وغنائم المنصب وعلوم الفلك والإحصاء.. الخ، وإلا كيف له ان يكتب او يحاور او يلتقي ناسا من شتى الاختصاصات والتوجيهات الفنية والأدبية والعلمية؟!

تحت هاجس الفضول المعرفي الذي استكمل به مقومات شخصيتي الصحفية لجأت الى صديق قديم، وهو أستاذ جامعي أمضى حياته الوظيفية في القضايا الإحصائية وإعداد الجداول والمقارنات الرقمية (وكانت هذه المقارنات هي اشد ما يؤرقني) الى غير ذلك من امور كنت اود الاستفسار عنها، وظننت انها اسهل من ان يدوخ بها صديقي، وهو يشرح لي ويعيد الشرح، وانا غير قادر على الاستيعاب، ولم تكن به حاجة لاتهامي بالغباء، فقد توصلت الى هذه الحقيقة قبله، ولان الاستاذ ادرك ان لا جدوى من ورائي.. قال لي (سأبسط لك الموضوع كما لو كان مسألة حسابية لتلامذة الرابع الابتدائي.. لنفترض انك متقاعد/ خريج كلية / خدمتك 26 سنة / راتبك التقاعدي 450 الف دينار، وبالمقابل هناك نائب متقاعد / خريج كلية/ خدمته 4 سنوات/ راتبه التقاعدي 6 ملايين دينار) وسحب ورقة ووضعها أمامي والقلم بيده، ثم اكمل حديثه (ولكي نعمل مقارنة احصائية لابد ان ندخل في التفاصيل ونقول: ان خدمتك الفعلية بالأيام = 26 سنة × 290 يوما) وقاطعته متسائلا:  (لماذا تحسب أيام السنة 290 يوما وليس 365 يوما؟) أجابني (على عهدك كان الدوام 6 ايام في الاسبوع.. ولما كانت السنة = 52 أسبوعا، فنضرب 52×6 =312، ونطرح من هذا الرقم 22 يوما كمعدل للأعياد والمناسبات، إذن فدوامك الفعلي هو 290 يوما في السنة، فإذا في 26 سنة، يكون الناتج (7540) يوما، هي المدة الفعلية التي خدمت فيها الدولة، ثم نبدأ بحساب الايام التي أمضاها النائب في الخدمة وهي 4 سنوات) قاطعته (الأمر واضح، نقوم بالعمليات نفسها)، أجابني (لا… الأمر مختلف، فالأسبوع بالنسبة للنائب 5 أيام وليس 6 أيام، وهو يتمتع زيادة على الاعياد والمناسبات، بأيام تأجيل الجلسات والعطل التشريعية، وحين نحسب ذلك كله، يكون دوامه السنوي 150 يوما في الحد الافتراضي الاعلى، نضربها ×4 سنوات، فتكون خدمته الفعلية هي (4×150=600 يوم) مقابل راتب تقاعدي يبلغ 6 ملايين دينار، بينما تتقاضى انت 450 الف دينار مقابل 7540 يوما، وهذا يعني ان خدمتك تزيد على خدمة البرلماني بـ13 ضعفا، اما راتبه فيزيد على راتبك بـ13 ضعفا، وبهذه الطريقة نتوصل الى المقارنات الرقمية.. مفهوم ؟!) 

قلت له: ليتني لم افهم..!!

الكويت قبل ضياع الفرصة .. التيار السلفي التكفيري يستفيد من أخطاء الأسرة الحاكمة

ج 2

أن نهتم بما يجري في دولة الجارة العزيزة الكويت، فذلك امر غير مستغرب، بل ان عدم الاهتمام بما يجري في دولة جارة هو الامر المستغرب فما يحدث هناك، يؤثر  سلبا او ايجابا بشكل مباشر او غير مباشر على العراق وعلى غيره من دول الجوار لدولة الكويت

في غياب السياسة الرشيدة المنفتحة  باتجاه مد جسور الثقة والحبة والتعاون الوثيق المثمر والبناء من اجل خير الجميع ، وخصوصا بين الجارين الشقيقين العراق والكويت ، وفي ظل الازمة الخانقة التي تاخذ بخناق النظام داخل الكويت ، حيث يطرح التيار السلفي التكفيري الموجه من دول خليجية تعمل بالوكالة عن مخططات اسرائيلية تركية ، اقول : في كل ذلك وغيره ، فان الواقع يشير الى ان الكويت لاتعتمد الان على اية قوة ضامنة او حامية عبر الولايات المتحدة الامريكية وعلى نحو مطلق لارساء امنها  والمحافظة عليه ، ولكن اذا ذهب المعادل الموازن للامن الاقليمي في الكويت والذي جعلها قادرة على مواجهة اختلالات العلاقة .. بينها وبين المحيطين بها وتاثير ذلك على الوضع الداخلي ، لاصبحت الكويت لقمة سابقة لكل القوى الطامعة بها اقليميا ودوليا .

ربما يجد في هذا المدخل للحديث عن مستقبل الكويت ، طابع افتراضي قد يقترب الى درجة افتراض المستحيل ، رغم ان المستحيل في عالم السياسة ” مستحيل ” لعدة اسباب مهمة منها ان السياسة لا تعتمد اسلوب الثبات في الصدامات او العداوات انما هناك مصالح وطالما الامر كذلك ، فان السياسة الامريكية كانت ولا زالت وستظل تخضع لعامل المصلحة وليس اي شيء اخر .. ولذلك نجد ان التجارب العديدة في التاريخ تؤكد تلك الحقيقة ، وليس ادل على ذلك من عليها عن نظم وكيانات واشخاص ارتبطوا سياسيا وفكريا وسلوكيا بالولايات المتحدة الامريكية ، عندما وجدت ان مصالحها الوطنية والقومية العليا تتطلب هذا التخلي ، كما حصل مع انظمة حسني مبارك وعلي زين العابدين وعلي عبد الله صالح وكثيرون جدا تخلت عنهم الولايات المتحدة الامريكية دون اي تردد ..

وتاكيدا لما ذهبا اليه ، اشير هنا الى ما ذكرته صحف وشخصيات كويتية حول وجود مشروع امريكي بهذا الصدد ينهض على مبدا تخلي الولايات المتحدة الامريكية عن النظام الحالي للكويت لصالح العراق وفق الترتيبات التالية :

1 ـ تسيطر الحكومة العراقية على المنطقة المحصورة بين صفوان والمطلاع يمكن للعراق ان يستخدم المناطق المطلة منها على مياه الخليج ، كموانىء بحرية ، بما في ذلك وربه وبوبيان حيث تكون فيهما السيطرة المشتركة ، وسيمكن ذلك الحكومة العراقية من السيطرة على كافة الابار النفطية الموجودة في هذه المنطقة .

2 ـ ان تكون جزر الكويت ومدينة الكويت بالذات قواعد عسكرية لامريكا ولامد طويل جدا قد يصل الى عدة قرون ، وستكون الابار الواقعة خارج السيطرة العراقية من نصيب امريكا 

3 ـ يمكن للعراق ان يستفيد من بعض ارصفة ميناء الاحمدي .

وتقول مصادر دولية ان العراق وافق من حيث المبدا على هذا المشروع على مضض مؤكدة  لامريكا ان الموافقة النهائية التي ربما لا تحصل نهائيا ، ولايمكن الحصول عليها الا بعد الانتخابات القادمة وتشكيل حكومة منتخبه جديدة .

وتضيف هذه المصادر ان شكل النظام الذي سيحكم الكويت كما اقترحه المشروع الامريكي ، سيكون على نمط ” اقليم كردستان ” ترتبط بالعراق باتحاد فيدرالي ويشير المصدر الى ان الولايات المتحدة الامريكية ، تعتقد ان وجود الكويت تحت حكم اسرة ال الصباح ، قد بات يشكل الان تهديدا لطبيعة الوضع الجيوسياسي السائد في المنطقة ، فالتيارات المحكومة بصلات مباشرة بقوى اقليمية مؤثرة ، بات الان على وشك الاطاحة بنظام ال الصباح وهذا ما سيؤدي الى تغيير طبيعة التوازنات السياسية والامنية في المنطقة .. هذا فضلا عن حاجة المنطقة لتواجد امريكي مستمر ، يمكنه التحكم بالاوضاع السياسية في العراق وفي عموم منطقة الخليج ، كعامل مساعد جديد للتواجد العسكري الامريكي في السعودية وفي قطر ..

وبصرف النظر عما اذا كان هذا المشروع حقيقي او هو من نسج خيال البعض يمكن القول ان المستقبل بالنسبة للكويت فيه الشيء الكثير من الغموض وللاسف الشديد لايوجد في الكويت حتى هذه اللحظة ، مركز للدراسات الستراتيجية يعني بالدراسات المستقبلية ويمكن ان يقدم الصورة المستقبلية غير المرتشه بواقعية مجردة لمستقبل النظام ويضع الستراتيجيات التي يمكن من خلالها ان يستمد الامن الكويتي دون ان تشوبه شائبة .

نعم القيادة الكويتية كما هو معلوم ادركت الخطر ، غير انها اخطات وسائل المعالجة فابعدت اساليب ووسائل التعاطي والتعامل المبنية على الرغبة الحقيقية والصادقة في اقامة علاقات التعاون والبناء المثمر مع الاخرين ، معتمدة على اساليب ووسائل خلق المتاعب للاخر وزرع الازمات والمحن وتصدير ” فايروسات ” المشاغلة لخلق بؤر حاضنة للمشاكل وعوامل الاضعاف وتشتيت الجهد واضعاف القوة والقدرة .. على امل ان تبتعد هذه الوقى عن احتمال التهديد لامنها باعتبارها هي الاضعف بين ثلاث دول قوية ” ايران ، العراق ، السعودية ” لم يكن الانفتاح على الاخر وخصوصا العراق ، مفيدا ومطلوبا ، لجهة الوضع الامني للكويت وحسب ، بل وايضا كان سيؤدي حتما الى ضمان مستقبل الكويت على الصعيد الاقتصادي .. فالكويت دولة تعتمد اعتمادا كليا على النفط وقد رفضت وباستمرار اية امكانية في ايجاد تعاون اقتصادي جاد وصادق مفيد لكلا الطرفين ، من الكويت الاموال ومن العراق الارض والبشر والسوق ، بل ان الكويت رفضت حتى امكانية ايصال الماء العذب اليها بحجة الناى بالنفس عن الوقوع في ما اسماه بعضهم ” شرك ” الحاجة للعراق ، ولا احد يعرف لماذا هذا الموقف المتسم بالجمود والكراهية مع ان العاقل يدرك فورا ان الاعتماد على النفط غير واقعي وغير عملي بالتاكيد ، فالنفط اما ان ينفذ ا وان عصره سينتهي عبر اكتشاف مصادر جديدة ، اقل تكلفه واكثر فعالية ونظافة ، ورغم ان العلماء متفقين من حيث المبدا على هذه القضية ، بيد انهم مختلفون حول الوقت الذي سيحصل فيه احد هذين  السيناريوهين : انتهاء عصر النفط وموعد الانتهاء فالبعض يذهب الى القول بان عشرينات القرن الحالي ستشهد حتما  بدايات انتهاء عصر النفط ، في مجال الاستخدام الواسع النطاق لن يتجاوز حدود عام 2060 وتاتي هذه التوقعات والتخمينات من جملة اجراءات وخطوات وفعاليات اتخذت وتتخذ في مضمار ايجاد الارضية المناسبة لعملية الانتهاء من عصر النفط وقد تبلورت هذه الفعاليات والاجراءات بعدد من الخطوات الفعلية اتخذتها دول الاتحاد الاوربي كنموذج ومثال في هذا الميدان .. منها :

1 ـ اقرار الاتحاد الاوربي بالطاقة النظيفة المتجددة كبديل حقيقي وواقعي من خلال اصدار الاتحاد لقرار يلزم الدول الاوربية بتحقيق ما نسبته 20 بالمئة من خلال اعتمادها على الطاقة المتجددة عند حلول عام 2020 .

2 ـ العمل على تنويع مصادر الطاقة النظيفة : الشمس والرياح وحرارة المحيطات والمياه وغيرها .

3 ـ استغلال كل ما يمكن استغلاله بالابنية في اوربا لتوليد الطاقة وتوفيرها في المستقبل .

4 ـ تكثيف الجهود لتحقيق النتيجة المتوقعة للابحاث القائمة والتي يؤمل توصلها الى مشروع يوفر الطاقة ويساعد على تناقلها عبر شبكة الانترنيت !! اي ان هناك توجه علمي يستهدف التوصل الى اختراع شريحة تخزن الطاقة ويمكن شرائها وتداولها عبر الانترنيت .

من المؤكد ان ذلك بات الان احد اهم الهواجس التي تنتاب الكثيرين وخصوصا الدول المنتجة للنفط ويبقى السؤال ، ترى ماذا فعل هؤلاء المنتجين المتخمين حد الاختناق بثروة النفط التي ذهبت وتذهب الى التبذير والتبديد والضياع  وحرمان الاجيال المقبلة من خيرات ثروة هي لم تكن لجيل او جيلين او ثلاثة اجيال ، بل كانت ومنذ اكتشاف وجود واستغلالها لجميع الاجيال سواء تلك التي عاصرت ذلك او تلك التي تصلها الثمار على شكل رخاء وثروة متجددة ورفاهية .

الامر بالنسبة للكويت اكثر مرارة ، واشد وضوحا في مجال التقصير … رغم ان للكويت استثمارات ومشاركات في بنوك دولية وشركات عالمية ، بيد ان ذلك لن يكون في وسعه سد حاجة الكويت لتمويل الميزانية الاعتيادية وخطط التنمية والانفاق العام وتغطية ميادين التقدم والتطور العلمي مع زيادة سكانية محتملة لقد كان المفروض  ان تنتبه الكويت الى ما يحيط بها وبدلا من تذهب باتجاه التفكير بما يشغل الاخرين المحيطين بها عنها بازماتهم ومشاكلهم ، كان ينبغي ان تبحث عن اية امكانية باتجاه العمل البناء والمثمر على الصعيد الاقتصادي بحيث تبرز معالم التكامل والتعاون في كافة المجالات الحياتية .

لقد تم انفاق مئات بل الاف المليارات من قبل الكويت والعراق في عمليات الفعل ورد الفعل في مجال خلق الازمات والمحن والمازق لاضعاف الطرف الاخر ونملك الشيء الكثير من الاثباتات المؤكدة بالوثائق التي تعكس اهتمام الكويت الجدي في موضوع تدبير المؤامرات ضد العراق وخلق الكثير من البؤر والخلايا المتحركة والساكنة للعمل على جعل العراق يصاب بالوهن والعجز المستديم  وكل تلك الاموال التي ذهبت هدرا ،  كان يمكن ان تحيل الصحراء بين الكويت والعراق الى واحات غناء ، وكان يمكن ايجاد قناة جافة تعادل في قيمتها واهميتها الستراتيجية قناة السويس ،  بل يمكن ان تكون اكثر اهمية ، بسبب قرب المسافة بين شمال الخليج العربي ، واوربا عبر تركيا وهناك الكثير من المشاريع الستراتيجية كان يمكن التوجه صوبها باستغلال عناصر البناء وهي :

1 ـ البشر 

2 ـ المال 

3 ـ الارض

4 ـ الارادة والقرار السياسي

لقد توفرت وباستمرار العناصر الثلاث الاولى .. بيد ان الذي كانت تشل قدرة هذه العناصر على الصيرورة في اطار مشاريع للتعاون المثمر والبناء على طريق رفاهية وسعادة شعوب المنطقة ، فقدان الارادة والقرار السياسي الناضج والمعبر عن وطنية حقيقية ورغبة صادقة في خدمة شعوب المنطقة في حاضرها ومستقبلها هنا ، اجد ان فكرة ميناء مبارك الكبير هي فكرة  ايجابية وصحيحة في اطار تعاونها من خلال تكاملها مع مشروع الفاو الكبير .

 بارساء فكرة القناة الجافة على ارض الواقع وفي اطار من الجدية والصدقية المؤكدة وعلى نحو يخدم مشروع قيام منطقة اقتصادية متكاملة في شمال الخليج العربي تضطلع بمهمة بلورة التعاون الثنائي والجماعي في المجالين الاقتصادي والتجاري وبما يحقق للجميع الرخاء والرفاهية ..

لقد بدات فكرة الوحدة الاوربية باتفاقية كمركية بين الدول الاوربية.

سرعان ما تحولت الى ” سوق |” اوربية مشتركة ثم تحولت الى ” اتحاد” اوربي يقف تحت علم واحد وسياسية واحدة وقرار اقتصادي ومالي وتجاري واحد ، واليوم تدور الدراسات والبحوث والمحادثات والحواريات بين الاوربيين من اجل ان يتحول الاتحاد الى ” وحدة  ” اوربية .

 تلك هي الحقيقة الاقتصاد والمال  والتجارة هي العناصر الاساسية في صيرورة اي تجمع من اجل الخير ..

ربما غدا «الجمعة» نهاية العالـم

نهاية العالم…هو الاسم المستعار أو الوجه الآخر للآخرة أو(يوم القيامة) تقابله في اللغة الانكليزية هذه الكلمات (هير أفتر أي) التي أختارها المخرج العالمي (كلينت ايستوود) عنوانا لفيلمه الذي تناول كارثة اعصار تسونامي اليابانية عام/   2004التي وقعت في المحيط الهندي وراح ضحيتها أكثر من (230) ألف شخص. إذن، وفق تلك (التصانيف) يختلف أمر النظر الى معنى (نهاية العالم)، فهنالك من يريد التأشير به نحو كارثة أو مصيبة، معركة أو حرب طويلة كالحرب الكونية الأولى والثانية بسبب استخدام أسلحة ومعدات حربية فاقت الخيال، لما أحدثته من دمار وويلات ونكبات وخسائر لا عد لها ولا حصر بين صفوف المدنيين العزل وقوافل الجيوش من مختلف الأصناف، فضلا عن هدر اموال وثروات طبيعية، للحد الذي توجست دول العالم الكبرى بعدم احتمال نشوب مثل ذلك النوع من الحروب، لفداحة ما حملت من نواتج مريعة، لم يزل العالم يئن منها في عدد من دول أوربا واليابان، وبهذه المناسبة سئل (أينشتاين) مرة حول تصوراته فيما لو اندلعت حرب عالمية ثالثة -لا سمح الله- أجاب:(بأنها ستكون حربا بالهراوات والعصي) تعبيرا حتميا لعودة الحياة إلى بدائيتها وسيرتها الأولى، جراء التطور الهائل الذي شهده (عصر الذرة) الذي ساهم في تشيده (أينشتاين). و لأن الأمر لا يعدو أن يكون دعاية أو إعلاما عن ترويج تجاري أو سياحي يدر على أصحابه بأموال كبيرة وضخمة، دعت إحدى إدارات المنشآت السياحية في موسكو الراغبين بالنجاة -بجلدهم- من (نهاية العالم) أي يوم القيامة المتوقع حدوثه يوم غد (الجمعة) الموافق21/كانون الأول/2012 وبما يقابل أو يعادل يوم 12/12/ من العام (2125) حسب التقويم السنوي لشعوب (المايا) في أمريكا اللاتينية الواردة في تنبؤاتهم وتوقعات معتقداتهم، الأمر الذي خلق هواجس كبيرة وقلق متزايد لدى الكثير من الأوربيين ممن يؤمنون بقيام الساعة وأن العالم سيلقى حتفه في ذلك اليوم المشؤوم الموافق12/12/5125 (مايوية) على وزن السنة الميلادية. ولان السالفة -هنا- (متخالفة) تتراوح مابين مصدق ومكذب وبين من يريد الهرب بنفسه، فأن المعلومات تشير الى وجود منشأة تبعد (65) مترا تحت سطح الأرض ونحو(3) كيلومترات عن قصر الكرملين في موسكو، كانت تحمل أسم (مخبأ ستالين)،بدأ العمل بها في أربعينيات القرن الماضي تنفيذا لأوامر الزعيم السوفيتي/ستالين كملجأ أو مخبأ له، ثم اتخذها -فيما بعد- وزارة للدفاع، قبل أن تتحول إلى مطعم محصن (أكيد) حال شرائها من قبل شركة استثمارية خاصة عام/2006، تقف -اليوم- وراء تلك الدعوة الماكرة لحث وإغراء الراغبين بتأمين سبل النجاة من المصير الذي ينتظر العالم في الوعد المذكور، مقابل مبالغ باهظة جدا تصل الى حدود مليون ونصف المليون روبل بما يعادل (48847) دولارا للشخصيات الهامة و خمسمائة ألف روبل أي (16282) دولارا للمواطنين العاديين.!!

 لم تنس إدارة المنشأة المذكورة أن تذكر زبائنها -بعد تزايد أعدادهم بشكل لافت مع موعد ساعات الحسم- بأنها ستعيد لهم نصف المبلغ المدفوع إذا لم ينته العالم في موعده المحدد، لا تعليق لدي.. فالكلمة الأخيرة لكم… يا جماعة الخير؟!!

أفكار جهنمية!!

الساذج مثلي، وكذلك السياسي الغشيم، هو الذي يتفاعل مع الضجة الإعلامية الواسعة لتغطية فعاليات المصالحة والصلاة المشتركة بين أبناء الدين الواحد، وحين صحا السذج والسياسيون الغشم على زمانهم، وفطنوا الى ما يدبر لهم في ليل، اكتشفوا الحقيقة، وهي ان مسلمي الكاظمية والاعظمية، والموصل والبصرة، ليست بهم حاجة الى مثل هذه الفعاليات (الاعلامية) التي شغلتهم بها النخبة السياسية، لان آلاف السنة منذ فتحوا عيونهم على الدنيا، وهم يصلون في بيوت الله الشيعية، والشيعة سعداء لوقوف أخوتهم بين صفوفهم، متوجهين معا الى رب واحد وقبلة واحدة، ولان آلاف الشيعة منذ فتحوا عيونهم على الدنيا، وهم يصلون في بيوت الله السنية، والسنة سعداء لوقوف أخوتهم بين صفوفهم، متوجهين معا إلى رب واحد وقبلة واحدة، وكان اكتشافهم الأهم، ان تلك الصلوات المشتركة، لم تكن ذات طابع ديني خالص لوجه الله (إلا من انطلت عليه الأمور واختلطت)، وإنما كانت ذات طابع سياسي، وذات نوايا سياسية، ولكن أعظم اكتشافاتهم تمثل في التوصل إلى ان تلك الصلاة يقف وراءها تدبير مقصود تقوده (الحكومة والمعارضة) على حد سواء لايهام السذج والغشم، ان الناس قد تصالحت ، وهذا يعني (اعلاميا) ان البلد في خير، ومستقبل العملية السياسية، على افضل ما يرام، وكان دليل اكتشافهم الدافع، ان الله سبحانه وتعالى، لم يلتفت الى تلك الصلاة ما دامت النوايا غير سليمة، ولهذا انصرمت بضع سنوات من عمر العراقيين، وهم ينتظرون  نتائج  تلك الضجة الاعلامية، فإذا الأمور تعود الى نقطة الصفر، واذا الخصومة الحقيقية هي بين أطراف العملية السياسية، وليس بين السنة والشيعة، وكان من الطبيعي ان لا تتحسن لقمة عيش، ولا ينهض مصنع، ولا تتهيأ فرص عمل، ولا تتوقف سرقة، وازداد فقراء الشعب فقرا، واغنياء السياسة غنى!!! على ان اغرب ما اكتشفته الناس في هذا المشهد.. هو ان اطراف العملية السياسية كانت (تلعب) لعبتها المفضلة، فهي لا تنشد صلحا او مصالحة لنفسها، وإنها في الاصل ليست متخاصمة، وانها تسعى الى ابقاء الاحوال على حالها.. الا ان المشكلة هي في الوسيلة، وابتكرت عبقرية سياسيينا الوسيلة (اشغلوا الناس بأفكار جهنمية تشغلهم عن همومهم الحقيقية)، هكذا ولدت الصلاة المشتركة، وهكذا بدأت الافكار تنهال كالصواعق، بحيث لا نكاد نهضم فكرة تطرحها المعارضة لإحراج الحكومة.. حتى تفاجئنا الحكومة بفكرة مقابلة لإحراج المعارضة، ومضت الشهور على الشهور، ونحن نعيش زوبعة من التهديدات المتبادلة، أورثتنا  الخوف وعسر الهضم، ابتداء باتفاقية اربيل، وصولا الى حكومة الأغلبية، وما بينهما من دعوات لحل البرلمان والحكومة، ومن استجوابات وعضو عام وبنى تحتية وانتخابات مبكرة وأفكار يشيب لها رأس الرضيع، غير أن شيئا من هذا الهرج والمرج، والضجيج الإعلامي لم يحدث، ولم تتغير حجارة عن مكانها، وظلت الأمور على حالها وأحوالها كما أرادوا لها وخططوا وكل ما شهده العراق إن فقراء الشعب ازدادوا فقرا، وأغنياء السياسة غنى،  وهذا هو المطلوب، واللعبة ماشية وتحقق نجاحات باهرة، وما زلنا بانتظار صلاة مشتركة بين العرب والكرد، وبانتظار مزيد من الألعاب السحرية!!

شتـائـم كـويتـيـة لا مبـرر لهـا

لا نريد الرد على الشتائم الكويتية التي شنتها ضدنا مؤخراً جريدة الوطن الكويتية بعددها الصادر يوم الثلاثاء 11/12/2012, بمقالة كتبها (حسن علي كرم) كانت بعنوان: (الكويت ومقولة ابن عباس في العراقيين), ولا نريد التحاور معه بلغته التجريحية, فالرد عليه متروك للقارئ الكريم الذي نضع أمامه النص الحرفي للمقالة من دون تحريف أو إضافة مع الإشارة إلى الرابطة الالكترونية للموضوع, ونترك له حرية التعليق عليها حتى يتبين (الخيط الأبيض من الأسود), في ضوء ما ورد بالعبارة التي استهل بها الكاتب مقالته, لكننا نوجه كلامنا إلى بعض أهل الحل والعقد من الساسة ورجال الأعمال والأكاديميين العراقيين, وعلى وجه التحديد من الذين انحازوا بمواقفهم السرية والعلنية لصالح الكويت, ووقفوا ضد المطالب والحقوق العراقية جملة وتفصيلا.  

فنقول لهم: هذا صوت آخر من الأصوات التي نشأت في حاضنات الحقد الموروث, وتربت على البغضاء, وحملت جينات الكراهية المتأصلة في خلاياها وأوردتها وتلافيف أدمغتها, صوت يغوص في أعماق التاريخ, ليسترجع مقولة ابن عباس, قبل أن تظهر الكويت إلى الوجود بأكثر من أربعة عشر قرناً, ويعود للزمن الذي كانت فيه حدود العراق غير حدوده الآن, وكانت الأقوام التي استوطنته غير الأقوام التي ترزح الآن تحت مقصلة البند السابع. 

عادت جريدة الوطن كعادتها إلى الماضي السحيق مثلما عادت عام 2010 بمقالة كتبها (مفرج الدوسري) يبيح فيها دماء العراقيين, فاستنجد فيها بالحجاج بن يوسف الثقفي ليخرج من قعر جهنم, حتى يلبي الرغبات المكبوتة في قلوب العاملين في جريدة الوطن, فيستل سيفه ويقطع رقاب العراقيين بالجملة, من دون تفريق بين أحد. 

نقول للمنحازين للكويت ضد العراق, ألم تسمعوا هذه النداءات الكويتية التي تتغنى بكراهيتنا ؟, أليس في هذا العراق من روابط تربطكم بتربته, وتدعوكم لإخراس هذه الألسن الظالمة ؟, ألا تأخذكم الحمية في الدفاع عن الشعب العراقي, الذي مارست ضده الصحف الكويتية أبشع أساليب التشويه والتلفيق والافتراء ؟. 

أنا لا أقرأ الصحف الكويتية, لأنها لا تصل إلينا, ولم أعلم بما كتبه (حسن علي كرم), لكنني علمت بمقالته من رجل خليجي شريف, شرب ذات يوم من ينابيع دجلة والفرات, وتغذى من رحيق نخيلها على ضفاف شط العرب, وتعلم ألف باء القراءة والكتابة في ضواحي البصرة الفيحاء, فلم يتحمل هذا التطاول السافر على الشعب العراقي, وأبت نفسه الكريمة الاستماع إلى هذا التجني. 

رجل غيور يفيض بالأحاسيس العربية الأصيلة, رفض بمروءته الاستماع للشتائم التي ليس لها ما يبررها.  

عاد هذا الرجل الشريف إلى وطنه الأم منذ نصف قرن, لكنه حمل حب العراق في فؤاده ووجدانه, فما الذي دهاكم أنتم حتى وصل بكم الأمر إلى التغاضي عن هذه التجاوزات المنكرة, فتتجاهلون هذه الحملات الموتورة ؟؟. 

الكويت لها من يدافع عنها في مجلس التعاون الخليجي, وفي الأمم المتحدة, وفي البنتاغون, وفي حلف الناتو, جيشت من أجلها أمريكا الجيوش لتسحق العراق وتقلب عاليه سافله, ووقف معها مجلس الأمن الدولي, والأمم المتحدة, فرسموا لها حدودها, واستقطعوا لها الموارد المالية المجزية من ثرواتنا النفطية, وصرنا ندفع لها ضرائب الحروب التي كنا نحن أول ضحاياها, فمتى تنحازون أنتم إلينا ؟, ومن ذا الذي سيدافع عنا, ويسترد حقوقنا, ويقف إلى جانبنا في هذا الزمن الرديء ؟. 

ونتوجه أيضا إلى الشعب الكويتي الكريم, لنعاتبهم على تغاضيهم عن هذه الحملات الإعلامية الظالمة, فنقول لهم: ألستم أنتم ونحن من عرق واحد, ودين واحد, ودم واحد, وأسرة واحدة ؟؟, ألا ترون بأعينكم هذه الخناجر المسمومة, التي تغرزها الصحف الصفراء في خاصرة الشعب العراقي من دون أن يرتكب ذنبا أو يقترف إثماً ؟. 

سبحان الله. أي عالم هذا الذي صار فيه الكون كله ضد العراق, وأي عدالة هذه التي تقف فيها معظم دول الجوار ضد الشعب العراقي ؟, قديما كانوا يتذرعون ببغضهم للنظام السابق, ثم ظهر حقدهم على النظام اللاحق بكل تشكيلاته الدستورية المتعاقبة, وبكل تفاصيله النيابية المنتخبة, وأخيراً بزغت علينا شمس الحقيقة من صفحات جريدة الوطن الكويتية, وتبين إنهم يبغضوننا نحن الشعب العراقي, بدلالة استنجادهم بالحجاج الثقفي كي يسفك دماءنا, وعودتهم إلى استرجاع ما قاله ابن عباس قبل أربعة عشر قرناً, قبل ولادة الكويت, وقبل اكتشاف أمريكا التي استنجدوا بها لسحق بنيتنا الفوقية والتحتية, وقبل تأسيس مجلس الأمن, وقبل ولادة كل القادة الذين اشتركوا بالعدوان علينا ابتداءً من نورمان شوارسكوف, وديك تشيني, ورامزفيلد, وانتهاءً بالعفريت الأسود كولن باول وتابعته كوندي ؟.

اللهم أنصر الشعب العراقي, وأدحر الذين يبغضونه, واخزي المتواطئين ضده من من كل الأجناس والطوائف والفرق, اللهم يا منزل الكتاب, ويا مجري السحاب, ويا سريع الحساب, ويا هازم الأحزاب اهزم أعداء العراق, وأقذف الرعب في قلوبهم, اللهم أرنا بهم عجائب قدرتك, اللهم أن بالعراقيين من الحزن والضنك والضيق والألم ما لا نشكوه إلا إليك, يا رب العرش العظيم.