لاشيء مثل علم الإحصاء ظل عصيّاً على فهمي، وخارج نطاق معلوماتي، ولابد أن طبيعة عمل الصحفي، تقتضي الإلمام بأكبر قدر من (الثقافة العامة)، لا يمكن لأحد غيره أن يمتلكها او يحيط بها، وهذا ما يجهله -أو يتغاضى عنه- مع الأسف، اغلب زملاء المهنة المحدثين على وجه الخصوص حيث يتوهمون ان الصحفي هو من يعرف أنواع الخبر، أو شروط التحقيق الاستقصائي.. أو يميز بين الحوار واللقاء.. الخ، فهذه المعارف هي من أبجديات المهنة وتخصصها، ولكن الصحفي لا يحق له الاكتفاء بالتخصص مثل طبية الأمراض النسائية، وليس أمامه خيار في الإطار العام، من أن يكون مطلعا على (شيء) من أمور السياسة والدين والفلسفة والتاريخ والجغرافيا واللغة والرياضيات والقنبلة الذرية وأعراض القولون والحمل وهوس الديمقراطية وجنون الكرسي وغنائم المنصب وعلوم الفلك والإحصاء.. الخ، وإلا كيف له ان يكتب او يحاور او يلتقي ناسا من شتى الاختصاصات والتوجيهات الفنية والأدبية والعلمية؟!

تحت هاجس الفضول المعرفي الذي استكمل به مقومات شخصيتي الصحفية لجأت الى صديق قديم، وهو أستاذ جامعي أمضى حياته الوظيفية في القضايا الإحصائية وإعداد الجداول والمقارنات الرقمية (وكانت هذه المقارنات هي اشد ما يؤرقني) الى غير ذلك من امور كنت اود الاستفسار عنها، وظننت انها اسهل من ان يدوخ بها صديقي، وهو يشرح لي ويعيد الشرح، وانا غير قادر على الاستيعاب، ولم تكن به حاجة لاتهامي بالغباء، فقد توصلت الى هذه الحقيقة قبله، ولان الاستاذ ادرك ان لا جدوى من ورائي.. قال لي (سأبسط لك الموضوع كما لو كان مسألة حسابية لتلامذة الرابع الابتدائي.. لنفترض انك متقاعد/ خريج كلية / خدمتك 26 سنة / راتبك التقاعدي 450 الف دينار، وبالمقابل هناك نائب متقاعد / خريج كلية/ خدمته 4 سنوات/ راتبه التقاعدي 6 ملايين دينار) وسحب ورقة ووضعها أمامي والقلم بيده، ثم اكمل حديثه (ولكي نعمل مقارنة احصائية لابد ان ندخل في التفاصيل ونقول: ان خدمتك الفعلية بالأيام = 26 سنة × 290 يوما) وقاطعته متسائلا:  (لماذا تحسب أيام السنة 290 يوما وليس 365 يوما؟) أجابني (على عهدك كان الدوام 6 ايام في الاسبوع.. ولما كانت السنة = 52 أسبوعا، فنضرب 52×6 =312، ونطرح من هذا الرقم 22 يوما كمعدل للأعياد والمناسبات، إذن فدوامك الفعلي هو 290 يوما في السنة، فإذا في 26 سنة، يكون الناتج (7540) يوما، هي المدة الفعلية التي خدمت فيها الدولة، ثم نبدأ بحساب الايام التي أمضاها النائب في الخدمة وهي 4 سنوات) قاطعته (الأمر واضح، نقوم بالعمليات نفسها)، أجابني (لا… الأمر مختلف، فالأسبوع بالنسبة للنائب 5 أيام وليس 6 أيام، وهو يتمتع زيادة على الاعياد والمناسبات، بأيام تأجيل الجلسات والعطل التشريعية، وحين نحسب ذلك كله، يكون دوامه السنوي 150 يوما في الحد الافتراضي الاعلى، نضربها ×4 سنوات، فتكون خدمته الفعلية هي (4×150=600 يوم) مقابل راتب تقاعدي يبلغ 6 ملايين دينار، بينما تتقاضى انت 450 الف دينار مقابل 7540 يوما، وهذا يعني ان خدمتك تزيد على خدمة البرلماني بـ13 ضعفا، اما راتبه فيزيد على راتبك بـ13 ضعفا، وبهذه الطريقة نتوصل الى المقارنات الرقمية.. مفهوم ؟!) 

قلت له: ليتني لم افهم..!!

التعليقات معطلة