كنا قد كتبنا عن مثقف ومناضل وله مؤلفات متنوعة.. ولكن لم نسمه.. وقد عرف انه المقصود ووردنا منه هذا التعقيب الحزين.. وبما يفسر انزواؤه وابتعاده عما كان ينتظره وهو من فصيل المعارضة قبل الاحتلال.. وشغل بصمت مواقع حكومية مهمة.. وربما ما زال.. وقلنا في مقالنا أن هذا الحالم بوطن قد أوهمه حلمه بان الساسة سينتقلون مما هم فيه الى النقيض بعد ان استنفذوا ما وضع العراق في صدارة الخراب.. فما تعليقه؟؟ السيد حاتم حسن….
التضليل يا سيدي في هذه البقعة من الأرض هو الحياة، جميعنا ضال ومضلل، أنا، أنت، هو، هم والجمع الغفير. يكذب من يدعي غير هذا، سيد قوم كان أو من العبيد.
الحاكم فينا ضل في دهاليز السلطة أو ضللته مغريات السلطة، فأعتقد أنه المنقذ الوحيد. والمحكوم هو الآخر ضلله وهم التقرب من السلطة فبقيّ جالسا في مكانه عقودا، ينتظر الفرج القريب.
الحب يا سيدي على هذه الأرض وَهمُ وضلالة وان كان لوطن عزيز. لأن الوطن الذي أريد له أن يبقى محبوبا يعطي الأبناء، يكبرهم، ويكبر بهم, يغفر خطاياهم، يساوي بينهم، يثيب العاشقين… وطننا الذي غرقنا في حبه، يرمينا في حفرة الرأي الواحد ويهيل علينا التراب، يحرمنا من ابسط معالم الحياة، يحاسبنا عن أخطاء أجدادنا الميتين.
وطننا لا يخضع لمنطق الحراك ولا لمعطيات علوم النفس والسلوك، فلا تعتب على من ترك تخصصه وسار في درب الحب الموهوم، ولا على من أعطى رأيا أقتبسه من نظريات نجح تطبيقها في كل الأوطان، إلا في وطننا السائر بالمقلوب، فالرجال في الأوطان الأخرى يا سيدي يصنعون السياسة فيبقون ويخلدون بانجازاتهم.. والسياسة في وطننا تشكل الرجال الساعين إلى التدمير بقصد الخلود. نعم تعلمنا أن المنابع يمكن أن تجف، ومسارب العدوان يمكن أن تنضب، والشبع يمكن أن يحدث تخمة، والعيون يمكن أن تمتلئ وتقل من أمامها مثيرات المال، إلا في العراق الوطن الأم لكل معززات التضليل، فكل شي فيه يسير بالمقلوب لإكمال فعل التضليل. وبالتالي سيكون الإنكار الكلي للقناعات والمحو الكلي للمعارف والنظريات، والعودة الى الأمية المعرفية هو الحل الملائم للتعامل مع سير المقلوب، وان كان عرضا من أعراض اليأس والجنون. بل وأكثر من هذا فالانفصال عن الواقع أو الجنون هو الحل الأسلم للبقاء في هذا الواقع المقلوب.
كيف لك أن تريد من الواحد أن يبقى عاقلا في وطن يُقتل فيه العالِم لعلمه، ويُغتال الضابط لتضحيته، وُتغتصب المرأة لانوثتها، وتعطل الدولة لنصف أيامها، ويطبق الكفرة والفاسدين شرائع الدين، ويحقد الموظف على مديره، والجندي على آمره ويخسر الأب ابناءه في وضح النهار.
دع مَن وصفته في مقالك هاربا، في أن يبقى كذلك مجنونا، فالجنون في زمننا عين العقل، ودعه في أن يبقى ممتطيا راحلته العرجاء يفتش عن وطن يحبه، أقسم أنه غير موجود، لأن الوطن الذي أحبه قد غاب في خلايا العقل المجنون.
سعد العبيدي
27 /12 /2012