Placeholder

الأمن الوطني العراقي .. تحديات خطيرة … وتجاوزات عديدة … واختراقات متكررة!

 المستقبل العراقي/ حليم الاعرجي  

يقول الفيلسوف والحكيم المشهور “صن تزو” في كتابه “فن الحروب”: “اذا عرفت العدو وعرفت نفسك ، فليس هناك ما يدعو الى ان تخاف نتائج مائة معركة!! واذا عرفت نفسك ولم تعرف عدوك، فانك سوف تقاسي من هزيمة مقابل كل انتصار!! واذا لم تعرف نفسك ولم تعرف العدو فانك احمق وسوف تواجه الهزيمة في كل معركة”.

نصيحة صن تزو، لا تزال الى اليوم سليمة جدا كعهدها قبل 500 عام قبل الميلاد وارى انها مناسبة جدا لما نعاني منه الآن على صعيد الوضع الامني ، والتحديات التي يواجهها هذا الوضع في كل التفاصيل المتعلقة بنوع وحجم وطبيعة هذه التحديات.

يمكن القول: ان ما يجري ، معركة متواصلة ومستمرة ، تتعدد فيها وبها صفحات المواجهة التي تتضمن أشكالا مختلفة من عناصر الفعل والتخطيط والترتيب والاستهداف والاسلحة المستخدمة بذلك اضحت القضية مشكلة تواجه الشعب العراقي وحكومته في مرحلة، هي من دون ادنى شك ، واحدة من بين اخطر المراحل التاريخية التي واجهها العراق على مدى تاريخه المعاصر.

خصوصية ما يجري، هو ان المعركة بين العراقيين وأعدائهم، لا تخضع لمنطق الحروب العادية هي ليست حروب خنادق وليست حربا نظامية وهي ايضا ليست حرب عصابات، انها نوع من الحروب التي تعتمد على مبدأ “اضرب واهرب” المنفذ او المطبق لها يستفيد من عنصر “المبادرة” التي يملكها ، بحكم كونه يتحرك بالاعتماد على عنصر الاختفاء مستفيدا من ان الاجهزة الامنية لا تستطيع ان تطبق مبدأ “ان كل الناس  ارهابيون” فالمواطن بريء حتى تثبت ادانته ، والادانة لا تتم الا بعد التنفيذ الفعلي لعملية ” تخريب “.

الى جانب ذلك ، فان الارهابي يستفيد من ” ميزة ” اخرى تلك هي ، انه لا يرتبط بهدف محدد ومثبت مسبقا بل هو يحاول ان يختار الهدف “الممكن” ونادرا ما ينجح في استهداف هدف مخطط الوصول اليه والحاق الاذى به وقد لا يحصل شيء من هذا القبيل ، الا في اوقات متباعدة واماكن مدروسة ومهيأة فيها كل اسباب ووسائل التضليل والتعمية والخداع ، مع اعداد سبل ووسائل عمليات الانقاذ والاخفاء والاختفاء مع توفير الملاذات الامنة.

ويسعى الارهابيون ، الى الاستفادة القصوى من الاسلحة المستخدمة من قبلهم وكلما كانت هذه الاسلحة جديدة في تقنيتها وحديثة في فاعليتها ومؤثرة في قدرتها التدميرية كلما امكنها تحقيق عنصر المفاجأة.

الحديث عن طبيعة ما يجري ينبغي ان يرتكز اولا وقبل كل شيء على نقطة حيوية شكلت بوابة استمرار نزيف الدم والدمار كل هذا الوقت، تلك هي ان لكل معركة اسلحتها وظروفها ومعطياتها فإذا كان الإرهابيون استفادوا من الأسلحة المتاحة لهم والفرص التي يملكونها في إطار المبادرة والتمويل والمساعدات اللوجستية الخارجية فان الجانب الاخر واعني به، الحكومة الممثلة للشعب، وحامية لمصالح الشعب والساهرة على أمنه وسلامته واستقداره ظل سادرا في غياهب التبلد والغيبوبة موزع على:

1 ـ الجهل أو نقص الكفاءة وقلة التجربة وانعدام قدرة المتابعة مواكبة التطورات النوعية واللوجستية والأسلحة. 

2 ـ نقص المعلومات وغياب القدرة على معرفة ما يجري في الخفاء. 

3 ـ ضعف التحصين ضد الاختناقات وانعدام وجود منظومة مقاومة النشاط الاستخباري. 

4 ـ انعدام وجود مراكز البحث والتقييم والدارسة والتنبؤ والاستقصاء والتحليل .

5 ـ ضعف التعامل والتعاطي مع الملاذات الآمنة للارهابيين وتجريد الإرهابيين من الاقنعة والاردية والستائر والاغطية التي يستخدمها لإخفاء نواياه وجوهر اهدافه الشريرة بالضرب على وتر الطائفية البغيضة والتمسح بشعارات براقة وحجج واهية وتبريرات كاذبة ومسوغات واهية بيد أنها فعالة نتيجة ضعف إمكانية الآخر في التصدي لها وكشف خلفياتها وحقائقها لانعدام وجود الإعلام الحقيقي القادر على الإقناع والمتمكن من الحضور الفاعل الذي يحظى باحترام المتلقي الصديق وإجبار المتلقي المعادي على التعامل معه نتيجة شعوره من انه محاصر بالكلمة والصورة والحركة الصادقة والدقيقة والسريعة والمباشرة والبعيدة عن الخطاب المؤدلج.

ان معرفة العدو .. ومعرفة الذات هي القاعدة التي ينبغي أن ينطلق منها التصدي الناجح للعدو الإرهابي فهل حصل ذلك..؟ 

لقد درج المعنيون في الشأن الامني بشكل خاص، التركيز الواضح على الجانب السياسي للمشكلة من خلال اتهام دول الجوار ودول إقليمية اخرى بالتدخل السافر والمبطن بالشأن الداخلي وتسهيل الاختراقات للحدود ودعم الإرهاب بالأسلحة والمعدات والخبرات والتمويل والجوانب الفنية وغيرها. وفي نفس الوقت، ظل التركيز على الجانب العسكري ، ينطلق من قواعد تقليدية ، المتمثل في اعداد الجيش وقوى الامن الداخلي .. بالتدريب والتسليح والتهيئة والتخطيط، وكانت القضية تنهض على عقيدة الحروب التقليدية من خلال الانفتاح والانتشار والتموضع والاستعداد متناسين ان الحرب التي ينبغي ادارتها ، هي حرب “الفوضى” حرب تعتمد بالاساس على عنصرين مهمين لا ثالث لهما وهما:

1 ـ الحصول على المعلومة المؤهلة بمعرفة العدو معرفة دقيقة وتفصيلية مع قراءة واضحة لما ينوي القيام به وما يعاني منه من مشاكل ومعضلات وقدرات وما أضيف اليه من دعم لوجستي وأسلحة ومستوى الإقبال البشري على التطوع .

2 ـ امتلاك القدرة والاستطاعة لتفعيل الجانب الفكري والنفسي والاجتماعي والتربوي ذي الأثر الفاعل والدور الكبير في وجود ونمو  وتفاقم ظاهرة الإرهاب.

لقد كان من المحتم استخدام كافة الإمكانيات المادية والمعنوية وبأوسع معانيها وبادق عوامل التغيير في قدرتها على المجابهة وإسقاط أسلحة العدو ومحاصرته وعدم السماح له في استخدام ما متاح له من قدرات وإمكانيات. 

ان دراسة متأنية وموضوعية للسنوات التسع الماضية تشير بوضوح الى ان الاهمال وعدم الاكتراث والتجاهل بالأبعاد الفكرية والثقافية والنفسية للمسألة الأمنية ، فضلا عن وجود ظواهر ومظاهر مضرة لعبت دورا مساعدا تلك هي تفاقم مشكلة البطالة والأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الاحتلال وخصوصا في مجال تسريح الجيش وقوى الأمن الداخلي وعدم المبادرة الى إيجاد حلول صحيحة وواضحة تضمن للآلاف من العاملين في هذه المؤسسة الكبيرة والمتشعبة والخلط بين من كان بعثيا “بس بالاسم”!! واولئك الذين الحقوا الدمار وسفكوا الدماء البريئة والتعثر الذي اصاب عملية المصالحة التي كان ينبغي ان تكون الاداة الوسيلة الفعالة والقادرة على امتصاص كل الظواهر والمظاهر المحرضة على الإرهاب والميسرة على التمرد واللجوء الى العنف الدموي.

والعيب كل العيب فينا وليس في الآخر الجار، او الاخر الاقليمي ، اذ ان المرء اذا ما تمكن من تحصين نفسه والنأي بنفسه عن الضعف والتردي والانخطاط واغلق كل او اغلب الثغرات التي يتسلل منها الشر ويصل من خلالها اللص الى مبتغاه فانه عندها سيعيش مرتاح البال ولا يهمه جار سيئ او شرير متربص. صحيح ان العهد الصدامي ترك ارثا مدمرا زاده الاحتلال سوءا وقرفا وصحيح ان الجيران تخلو عن كل قطرة عرق في جباههم في اطار استغلال بشع لظرف طارئ مر به العراق ولكن الأصح ايضا هو اننا لم نفعل طوال التسع السنوات الماضية سوى الشيء القليل في هذا الميدان.

البعض يتعذر بالتكوين المتناقض والمثير للشكوك الذي ظهرت به العملية السياسية ابتداء من تشكيل مجلس الحكم الذي انطوى على تناقضات فكرية وشخصية واثنيه وقومية ومذهبية ودينية متناقضة. ولعل البعض يقول: ان العملية السياسية بما فيها مجلس الحكم، تعكس التركيبة والتكوين العرقي والمذهبي والديني والمناطقي والعشائري الذي يتكون منه الشعب العراقي، وهذا الامر كما يفترض يجسد طبيعة الائتلاف المطلوب الذي ناضل من اجله الشعب العراقي تحقيق لمبدأ الشراكة الحقيقية في حكم العراق وصنع القرار فيه بحيث لا يكون هناك تغييب او تهميش او نخبة من الاقلية تحكم باسلوب ديكتاتوري فردي.

كان ذلك صحيحا ولا خلاف عليه… بيد ان الخلاف في طبيعة اختيار الشخصيات التي مثلت هذه المكونات القومية والمذهبية والدينية والمناطقية فباستثناء أربعة او خمسة اشخاص ما زالوا موجودين يمارسون ادوارا معينة في العملية السياسية بينهم شخصيتان كرديتان يرتبط وجودهما بموقف الشعب الكردي حيالهما وهما يمثلانه بطريقة التواصل التاريخي مع الجذور والاصول المتصلة بالموقع الذي كانا ولا يزالان يحتلانه في الحركة الكردية.

ان الاخرين من الذين كانوا اعضاء في مجلس الحكم والعملية السياسية ولفترة عدة سنوات ، فقد تبخروا وصاروا جزءا من الماضي، لانهم لم يكونوا اصلا جديرين في احتلال مواقع كانت من حصة آخرين ربما كان في وسعهم ان يلعبوا دورا يمكن العراق من تجنب الكوارث التي حلت به لاحقا اذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: 

1 ـ احمد الجلبي 

2 ـ عدنان الباجه جي

3 ـ موفق الربيعي 

4 ـ محمد بحر العلوم 

5 ـ محسن عبد الحميد

6 ـ سونكول جبوك

7 ـ دارا نور الدين

8 ـ رجاء حبيب خزاعي

9 ـ صلاح الدين محمد بهاء الدين

10 ـ غازي عجيل الياور

وأتساءل ويتساءل غيري ايضا .. اين هؤلاء الآن ..؟ طبعا لم أتطرق لأولئك الذين فارقوا الحياة غيلة وغدرا ولكني أتساءل عن الذين ملأوا الدنيا ضجيجا بأسمائهم المدوية دون ان يتركوا بصماتهم التي يذكرها الشعب بالشكر والثناء … كيف طواهم النسيان؟ واين يعششون الآن وبأية ملايين من الدولارات يلعبون؟ كسبوها سحتا حراما وحتى الذين مازالوا باقين ، فأنهم يشكلون عبئا وثقلا على العملية ويضعون في طريقها العراقيين والمشاكل والتحديات المؤذية بعضهم يعيش بعقلية “نيرون” خارق روما .. وبعضهم يعيش بعقلية “القطة” التي تسرق بعد ان تغمض عينيها ظنا منها بان لا احد سيراها !!! واخرون بعقلية ” ليس بالامكان افضل مما كان” واخرون “يد على الشيطان ونصف يد على الرحمن والنصف الاخر معلقا بانتظار ” من ياخذ امي يصير عمي”. 

هكذا هو الحال .. وحتى لو افترضنا ان هناك من بين الموجود من هو جاد بوطنية حقيقية صادقة لإنقاذ البلد مما هو فيه ، فانه “ساع الى الهيجا بغير سلاح” طبعا لابد من القول: ان من حسن حظ العراقيين ، انهم بعيدون جدا عن اية حرب اهلية او طائفية او عنصرية او التجارب التاريخية كثيرة، ففي اعقاب انقلاب 8 شباط 1963 حاولت سلطة الانقلاب ان تحول “الخلاف ” الذي حصل بين حكومة عبد الكريم قاسم والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البارزاني ، الى صراع عرقي عنصري تحت شعار ” اخوتنه عليهم ” وكان اعلام السلطة قد استنفر كل ما فيه وما به من اجل “خلق حرب عنصرية” وزج في هذا المجال ميلشيات اسماها بمسميات تاريخية غير ان تلك المساعي باءت بالفشل الذريع وحصل نفس الشيء عندما عمد صدام حسين الى شن حرب ابادة وتطهير عرقي من خلال “الانفال” غير ان ما حصل في اعوام 2005 ـ 2008 حسم الامر بشكل قاطع فرغم كل ما انفقه الممولون الإقليميون الذي تجاوز إنفاقهم حدود المليارين من الدولارات ورغم ان نقص السيادة وانعدام وجود سلطة وطنية متكاملة ورغم وجود العديد من القوى المحلية الراغبة في اشعال فتيل الحرب الاهلية فان هذه  الحرب لم تحصل، وان كل المحاولات ذهبت ادراج الرياح وصمد التآخي والحب والود وظل النسيج الوطني للشعب قائما بقوة وصلابة لا تلين..

تلك واحدة من بين اهم العوامل المساعدة للاجهزة الامنية المتمكنة والقادرة على الاداء الامني الصحيح فهي تعمل في بيئة صديقة بصرف النظر عن  الموقع الجغرافي.. إذن اين المشكلة ..؟ ولماذا هذا القصور والتقصير الواضح ..؟

المطلوب الآن … والانطلاق في الرؤية من أرضية التفكير الاستراتيجي المحيط بالمسألة الامنية من جوانبها كافة .. في اطار فهم علمي وانساني لحاجات المواطن ومن بينها الحاجة الأمنية والأكثر اهمية وإلحاحا فالواجب الاول والذي لا يعلو عليه اي واجب اخر هو تأمين الانسان العراقي والمجتمع العراقي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفكريا ونفسيا واستخباريا وليس الانكباب على تأمين الكراسي وحماية الجيوب المنتفخة.

ان الامن الوطني، قضية ملحة ومهمة ترقى الى شرف الإنسان وقدسية معتقداته وفي عالم اليوم صار الأمن صناعة ترتكز على اساس واعتبارات ومفاهيم وعقول واجواء ومناخات وبيئات وأفكار وإبداع وخلق وتجديد صناعة بكل ما في هذه الكلمة من معنى وبالتالي فان غياب الرؤية الثاقبة، والبعد الستراتيجي ، والخبرة المتراكمة والمتجددة والحرفية العالية والاخلاص المتجذر لن يخلق انتاج بمواصفات قادرة على المنافسة والانتصار في اجتياح الصناعات الرديئة من ذلك كله نجد ان ما نعاني منه هو :

1 ـ فقدان الرؤية الواضحة والمحددة التي تعرف وتدرك حدود الأمن الوطني والتحديات الواجب مجابهتها ومصادر التهديد ونقاط التماس وطبيعة الجسور التي يمكن العبور عليها في الاتجاهين : الايجابي والسلبي.

2 ـ فقدان الإخلاص الحقيقي غير المفتعل والمجرب. 

3 ـ فقدان الكفاءة والتمكن وتعدد المهارات وتنوع الممارسات وقدرة صنع القرار المناسب في الوقت المناسب .

4 ـ انعدام وجود الخارطة الاجتماعية العراقية .

5 ـ التمكن من الاستخدام المتطور والسليم للتقنيات الحديثة .

6 ـ الولاء المطلق للوطن وليس للأشخاص للدولة وليس للحكومة للشعب وليس للأحزاب او الكتل او المكونات .

7 ـ  الانفتاح على تجارب الاخرين في العالم.

8 ـ البحث عن الكفاءات العلمية التي تمتاز بالذكاء وقدرة التحليل والدراية السليمة مع امكانية الاستنتاج .

ان اسوأ ما يعاني منه الامن الوطني الان هو مشكلة ” الخطوط المائلة ” او “ازدواجية العلاقة ” ولا يمكن توقع اي نجاح حقيقي للاجهزة الامنية ان لم تصل الى حل لهذه المشكلة بايجاد اسس وسبل كشف هذه الخطوط المائلة ذات الولاء المزدوج او ازدواجية العلاقة..

 ان ذلك لن يكون ممكننا الا عندما نتمكن من رسم مصادر الهوية العراقية الحقيقية على النحو التالي :

اولا : هناك اجتهادات في الدين الاسلامي شكلت وتشكل تيار المذاهب وهذه المذاهب طرق اجتهادية تختلف في الفرعيات وفي كل شيء يخضع للاجتهاد ، والاجتهاد لا يعني التناقض او التباغض او التقاطع او التعارض بل يعني التجديد والبحث عن الرؤية الافضل والأحسن، كما هو التعدد في تفسير القرآن الكريم ، او الاحاديث النبوية الشريفة وعلى ذلك فلا خلاف اما الطائفية فهي واجهة سياسية يراد بها الاتكاء على ” الدين المسيس” المعتمد على ” تكفير ” الاخر وتجريده من انتمائه الاسلامي ووصفه بوصف ” المرتد ” وهذا امر لا ينبغي له ان يكون ويتحتم استخدام كل المتيسر في الاعلام والخطابة والتوضيح والإرشاد والتركيز على هذه القضية المهمة بحيث نجنب شبابنا الوقوع فريسة الماكنة الدعائية الصهيونية والماسونية والارهابية والبهائية ، والتحذير من دس السموم وتكريس التفرقة بعمامة ” شيعية ” او جبة سنية .

ثانيا : اننا شعب واحد ، بعربة واكراده وتركمانه وكلدواشوريه وصابئته ومسيحية واسلامه لافرق بين هذا وذاك وان هذا البلد وجد من اجل ان يبقى هكذا ومن غير المسموح به الخروج عن صبغة الإخوة الوطنية والوحدة الوطنية ففي وجودهما ضمان لحقوق المواطنة وحرية الوجود وقدرة البناء وهذا ما ينبغي ان يكون واضحا للجميع، فالكردي الذي يدافع عن العراق، يدافع عن انجازاته ووجوده وقدرته على البناء والعطاء وتطوير ما توصل اليه وكذلك العربي، وبهذا المفهوم تتطابق الآمال القومية مع الآمال الوطنية.

ثالثا : ان يكون واضحا للجميع ان المنطقة تمر الآن باخطر منعطف تاريخي يقسم بما يلي:

1 ـ خيوط التناقضات المشتبكة الآن وانقلاب الطاولات وما اصاب التوازنات ونظم العلاقات من خلل هي الان بيد اسرائيل اولا واميركا ثانيا.

2 ـ تحويل انظمة الحكم في المنطقة الى مهددة ولا يمكن  مواجهة هذا التهديد الا بالدعم الامريكي.

3 ـ تحريك الاقليات القومية والدينية او تصعيد حدة هذه الخلافات. 

4 ـ تحريك ودعم الحركات المتطرفة .

5 ـ تغليب التناقضات الثانوية على التوافقات الرئيسية .

     

Placeholder

تمارين في الديمقراطية

حين سألت بعض أصدقائي الرياضيين والمهتمين بهذا الشأن عن أصل تسمية العاب الإحماء، أي تلك التمارين الأولية والبسيطة والتي يمكن أن يزاولها أي شخص بيسر وسهولة بالألعاب السويدية، أجاب من تسنى لي الثقة بمعلوماته، إنها جاءت بجهود الشخصية الرياضية الفذة (أكرم فهمي) مؤسس الألعاب الأولمبية في العراق، منذ عام/1948،أما تسميته تلك الألعاب بـ(السويدية)  فأنها تعود-أيضا-الى جهود الراحل (أكرم فهمي) حيث درس وتخصص بالتربية الرياضة -هناك- في السويد، وقام بنقلها إلينا -هنا- في العراق ،مشيرا وموجها الى ضرورة إدخالها ضمن المناهج الدراسية، أيام كان درس الرياضة لا يقل أهمية عن درس  الرياضيات، لان تلك الحركات التمهيدية تفيد لغرض الإحماء وتسخين الجسم عبر سلسلة تمارين عامة، تسبق أية ممارسة لاي نوع من أنواع الرياضات، كي تتهيأ وتنشط عضلات  الجسم والدماغ وباقي الأعضاء لاجراء تمارين وممارسات أصعب  واعقد منها.

    يبدو أننا في العراق الجديد وبعد الإطاحة بكرسي الدكتاتورية وإسقاط نظام الطاغية، وبعد سير كل سنوات التغيير الماضية  من عمر وحياة دخولنا (عش الديمقراطية) وقفصها الذهبي، لم نزل نحبو نحو ممارسة نوع من تلك التمارين التي تشبه الألعاب السويدية، وأننا بحاجة الى تقوية عضلات مسؤولينا من السياسيين والبرلمانيين ومن هم بمرتبتهم، من أولئك الذين يسهمون بصنع القرارات الوطنية الكبرى والمصيرية بغية النهوض بالعملية السياسية، التي لم تزل تراوح في ساحات وميادين التشكيك والتناحر العلني والملموس، فلا يمر شهر أو شهرين -بل أقل- من عمر المصالحة الوطنية والأمل المرتجى بجني حصاد الشراكة، حتى تندلع نيران  الخلافات وتتعالى أدخنة الأزمات،وتتوالى زخات أمطار النار والثأر، لتعيدنا الى أقصى حافات المربع الأول من رقعة التنافس الملازم للعملية السياسية ملازمة المدافع للمهاجم الخصم في لعبة كرة القدم، مثلا،وسرعان ما تنفتح أبواب الحجج باللبس والتسويف والترويج لعدم فهم  طبيعة ومديات الصلاحيات الممنوحة لهذا الطرف،أو لذلك المنصب،أو عدم وضوح هذه الفقرة أو تلك من الدستور،والأدهى أن بعض الأطراف التي سهرت وساهمت بوضع دستورنا،هي أول من يعترض على بعض فقراته (حين يضمه الضيم،وتتقاطع مصالحة الآنية،مع جوهر تلك الفقرات)،الأمثلة كثيرة والمواقف والسوالف و(الدالغات) أكثر حول واقع نمو ديمقراطيتنا الناشئة بتحديث لافتات واهية، لاهية بأيامنا وأرواحنا تقف لتشير وتؤكد بأننا لم نزل في حاضنات الأطفال الخدج أو حديثي الولادة في مهودها،وأننا بحاجة الى رعاية وعناية كي ننمو بشكل صحيح وسليم،يناسب ثقل ووزن وحجم وهول ما تركه  فينا النظام السابق  طوال عقود حكمه الطاغي والباغي بحق الحياة الحرة وأساليب نحره لها، وأن علينا أن نوازي ونداني ما موجود في دول العالم المتقدمة من ديمقراطيات مختلفة منها التقليدية المعروفة،ومنها اللبيرالية الجديدة، وأخيرا، فثمة طريق ثالث لها يسمى بـ(الديمقراطية الاجتماعية)الساعية لتحقيق الحلم بالرفاهية الشاملة،عبر حماية المواطن من المهد الى اللحد،وما علينا سوى الصبر والمطاولة والتفاني بالاستمرار وإجراء التمارين الأولية اللازمة للوصول إلى طريقها الأول، برغم انه لم يزل بعيدا ونائيا عنا حتى الآن.

Placeholder

أعظم ابتكار!!

نحن مجموعة أصدقاء من كبار السن والمتقاعدين لا نجد ما نشغل به وقت فراغنا الممتد إلى 24 ساعة في اليوم.. سوى ان تبادل أخبار الصحف والفضائيات. 

ونتحاور في شتى المواضيع.. وغالبا مانحكم على (الصح والخطأ) بمعايير مرحلتنا وزماننا وهكذا كنا نسلي أنفسنا، بعد ان عزت علينا تسالي الشباب بالنقاش والمرح والمزاح والمناكدة والزعل والعبث الذي يقترب احيانا من عبث اطفال ونحن في ذلك كله مجبرون ولسنا مخيرين!! 

بعض حواراتنا لا تخلو من فائدة بالتأكيد لأنها غنية بالآراء الجديدة والمعلومات المتبادلة ولعل من طريف ما يحضرني الآن ذلك النقاش الطويل العريض حول أهم اكتشاف او اختراع في مسار البشرية وكما هو متوقع فقد اجتهدنا وشرّقنا وغربنا، وتوزعت قناعاتنا بين العجلة والحرف المسماري والزراعة وبناء الكوخ والكهرباء والتخدير الطبي «البنج» والجاذبية والطائرة ومكوك الفضاء والليزر والاستنساخ البشري والجينات الوراثية والذرة والشعر والموسيقى والزواج والمدرسة… الخ، ومع كثرة المبتكرات وكثرة الاختراعات والاكتشافات التي أتينا على ذكرها الا اننا لم نتفق على واحدة منها حتى اذا توقف الهرج والمرج الذي ساد النقاش، تدخّل زميلنا فاضل الشمري -وهو استاذ جامعي- لأول مرة وقال (ياجماعة… اختراع الورق هو اهم ما انجزته البشرية منذ عشرة الاف سنة) وقد أشار رأيه شيئا من اللغظ والسخرية والاستغراب غير ان الرجل بما عرف عنه من هدوء وعقل راجح ومعلومات دقيقة اوضح فكرته «ياجماعة الورقة كل شيء في حياة الانسان فهي ترافقه لحظة ولادته ولا يدفن بعد موته الا بها وتعرفون ان المدرسة ورقة وكذلك الجامعة الزواج والوظيفة والسفر، والتجارة والاستيراد والتصدير والمواثيق والعهود والاتفاقيات كلها تتوقف على وجود الورقة بل لا يتم الاعتراف بالإنسان إلا عبر مجموعة أوراق وأكثر من هذا فنحن نحصل على حصتنا التموينية وعلى أجورنا ورواتبنا وعلى الماء والكهرباء بواسطة الأوراق»!

 كنا نصغي إليه وقد اخذتنا الدهشة لأننا لم ننتبه إلى هذه الحقيقة البسيطة من قبل فيما كان هو يواصل حديثه ويضرب أمثلة لا اول لها ولا اخر فمن دونها لا يستطيع المواطن ان يبني دارا سكنية او يقود سيارة او يرقد في مستشفى او يعقد قرانا او يطلق زوجة او يقيم مشروعا صناعيا او يشتري ارضا او يفتح مطعما أو يؤسس حزبا او يصدر جريدة، ثم ختم كلامه قائلا: «يا جماعة لاحظوا معي جيدا ان الحكومة العراقية منذ تسع سنوات ونصف، وهي تلعب بذيلها، والبلد في مكانه، إن لم يتراجع سنة بعد سنة فهو لا يتقدم وفجأة تذكرت ان اية خطوة الى الامام ونحو النهوض لن يكتب لها النجاح الا بوجود الورق، وكذلك أصدرت ورقة الاصلاح السياسي ولكن السؤال المطروح هو كيف نسيت هذه الورقة المهمة وهي التي لا تسمح للمواطن ان يتظاهر مثلا.. إلا بورقة»؟!

 الحقيقة اذهلنا رأيه واقتنعنا بان أعظم اختراع توصلت اليه البشرية هو الورقة حتى لو كانت لأغراض الدعاية!

Placeholder

ثقوب في خيام الربيع البترولي .. غارات إسرائيلية تنتهك أجواء الشتات العربي

ثقوب مخجلة في فضاءات الهزائم العربية المتكررة, تسللت منها دبابير الشر بنجومها الهمجية السداسية لتلوي ذراع الخرطوم في ليلة سودانية الرقاد من ليالي الربيع البترولي المحترق بنفط الشيخ برميل. 

مرة أخرى تتصرف إسرائيل بمنطق الدولة العابثة المستهترة, التي لا رادع لعنجهيتها, ولا قيود جغرافية لقوتها العسكرية المتنامية في مسارات الطغيان والإجرام, فحدودها الهلامية أبعد من مضيق باب المندب, وأبعد من بحر قزوين, وابعد من (سنجار), و(قندهار), و(بنيد القار). 

 ثلاث غارات إسرائيلية شنتها طائراتها في الأسبوع الماضي في عمق الأراضي السودانية, كانت آخرها ليلة الأربعاء الماضية 31 تشرين الأول (أكتوبر), ثم عادت إلى قواعدها من دون خسائر لتزف البشائر إلى حكومة تل أبيب والحكومات العربية المؤيدة لها, وسط صمت عربي مشين, ومن دون أن تحتج الجامعة التي لا تجمع ولا تنفع, في الوقت الذي انشغلت فيه الفضائيات العربية بالبكاء على أنقاض القرى الأمريكية التي اكتسحتها (سالي) بإعصارها المدمر, لكنها لم تسأل (سالي) عن الغارات المباغتة, التي نفذتها عشر طائرات حربية إسرائيلية, وطائرتان سمتيتان حلقتا فوق مياه البحر الأحمر لتأمين الإسناد والمراقبة الالكترونية.

 استهدفت الغارة الأولى قافلة من الشاحنات التجارية شمال شرقي السودان بذريعة إنها كانت تنقل الذخيرة الحربية لعرب غزة, (عذر أقبح من فعل), واستهدفت الغارة الثانية قافلة أخرى للشاحنات عند مقتربات ميناء (بورت سودان), ثم نفذت غارتها الأخيرة, واستعانت فيها بثماني طائرات مقاتلة, وطائرتان سمتيتان, وطائرة من طائرات التموين الجوي, وأخرى من طائرات التدخل السريع كانت تحمل كتيبة مجوقلة, متأهبة للهبوط على الأرض السودانية عند تلقي أية إشارة من غرفة العمليات المركزية, التي تولت إدارة الغارة والإشراف عليها عبر نوافذ الأقمار الصناعية المحلقة في المدارات الإسرائيلية. 

نفذت إسرائيل عمليتها الجوية الأخيرة بدقة تامة, وقطعت طائراتها مسافة (1900) كيلومتر, حلقت خلالها بارتفاعات منخفضة جداً فوق مياه البحر الأحمر, واستعانت بأفضل التقنيات الحربية للتمويه والتشويش.

تعاملت العرب المتأمركة مع الغارات وكأنها حادثة أمنية عابرة, ولم تصدر بياناً واحداً من بياناتها الاستنكارية الروتينية, واكتفت الإذاعات والصحف العربية على اختلاف توجهاتها بنشر الخبر ليوم واحد فقط من دون أن تعلق عليه, ومن دون أن تعقد حلقة نقاشية على غرار الحلقات التحليلية الطويلة, التي اعتادت عليها لتحليل نتيجة اللقاء الكروي بين برشلونة وريال مدريد. 

 لم يرسل الملوك والرؤساء العرب برقية مواساة واحدة للبشير, ولم تدع الجامعة لعقد اجتماع طارئ حتى على مستوى اللجان الأولمبية لمناقشة الأضرار الكروية, التي تعرض لها نادي المريخ في الخرطوم, وفشلت الأحزاب العربية (الربيعية) في أول اختبار لها داخل حلبات السيرك السياسي المخجل, وظهر جليا إن معظم دعاة الانتفاضات البترولية هم من الأصدقاء المقربين للمحافل الماسونية, وصرح زعماء النظام السوداني المتدين بأن انفجارات أكداس العتاد في مجمع اليرموك كانت بسبب تماس كهربائي, وتبين إنهم لا يعلمون بأن الطائرات الإسرائيلية ضربت ضربتها الموجعة, وعادت إلى قواعدها سالمة حالمة بدولة عبرية من النيل إلى الفرات, في الوقت الذي وجدت فيه إسرائيل أوكاراً جديدة لها جنوب الخرطوم في ظل الحكومة المنفصلة عن الدولة الأم. 

استهدفت الغارة الأقطار العربية والإسلامية كلها, ولم يأت توقيتها في نهاية عيد الأضحى من باب الصدفة, وكانت تحمل تحت أجنحتها أكثر من رسالة تحذيرية صريحة عن التفوق العسكري الإسرائيلي, ورسالة أخرى إلى الحكومة الإيرانية, فالمسافة بين تل أبيب وطهران أقل بكثير من المسافة بينها وبين الخرطوم. .

وأثبتت الغارات الثلاث إن الأنظمة العربية متمسكة بصمتها الأبدي, ولن تحرك ساكناً مهما تطاولت عليها إسرائيل, ومهما استفزتها, ولن تقدم على مواجهة آلتها العسكرية في ظل انشغالها بالمهاترات الطائفية. وأثبتت الغارة أن الأقطار العربية والإسلامية لا علاقة لها بخراب السودان, ولا علاقة لها بدمار الخرطوم, وتركوا لحكومة البشير أمر الرد على إسرائيل إن استطاع إلى ذلك سبيلا. 

وحملت الغارة رسالة أخرى للتنظيمات الفلسطينية المسلحة تؤكد على عزم إسرائيل بتجفيف منابع الإمدادات الفلسطينية, أما الإدانة المصرية التي كانت خجولة ومسالمة فقد جاءت متناقضة مع ما حمله الخطاب الدبلوماسي المصري, الذي نشرته الصحف الإسرائيلية بصيغة الوئام والانسجام بين (الحميم والعظيم). 

لقد كشف لنا التهويل الإعلامي بخطر المد الإيراني واحدة من أهم أغراضه الخفية عبر هذه الغارة الجوية على السودان الغائب الحاضر, وحكومته الغارقة في الأزمات الراديكالية المعقدة. 

قديما كانت الحناجر العربية تهدر بالغضب من المضيق إلى المضيق, كنا نقف كلنا في خندق واحد, من الشام لبغدان, ومن نجدٍ إلى يمنٍ, إلى مصرَ فتطوانِ. نصدح بلسان حماسي واحد على إيقاعات قصيدة الشاعر كمال عبد الحليم المصري بصوت فايدة كامل, وبنبرتها الفولاذية الثورية الصادقة:

دع سمائي فسمائي محرقة

دع قنالي فمياهي مغرقة

وأحذر الأرض فأرضي صاعقة

هذه أرضي أنا وأبي ضحى هنا

وأبي قال لنا مزقوا أعدائنا

هذا ما كنا نردده في صغرنا, وعلى تلك المعاني تربينا, وبمثل هذه القيم والمبادئ نضجت مشاعرنا الوطنية, لكننا نشهد اليوم أبشع فصول مهازل الاستسلام والذل في زمن الخنوع والخضوع والشتات تحت دعاوى الواقعية والعقلانية, فتركت معظم الأقطار العربية كتاب الله وراء ظهورها, وسارت خلف سراب القوى الدولية الغاشمة, ولاذت تحت خيمة البنتاغون, وأمنت بتفوق الناتو, فغضت أبصارها عن جرائم الصهاينة, وتغافلت عن ثرواتنا المسروقة, وحدودنا المنتهكة, وصفقت للغزاة عبر فضائيات العرب المتهتكة.   نعيش اليوم في عصر الفساد والخيانة والتآمر, وعصر المهاترات الطائفية البليدة, صار الاستسلام سياسة, والتعامل مع العدو تحضر, وصارت الأرض العربية مقرا ومستقرا للقواعد الأمريكية المتجبرة بتأييد ودعم بعض الفقهاء المتأمركين والمتصهينين, وبذريعة الحفاظ على المكتسبات, من دون أن نعرف حتى الآن ماهية تلك المكتسبات, التي لم نلمسها ولم نحس بها حتى يومنا هذا. 

والله يستر من الجايات

Placeholder

الأمن الوطني العراقي .. تحديات خطيرة … وتجاوزات عديدة … واختراقات متكررة!

 المستقبل العراقي/ حليم الاعرجي  

يقول الفيلسوف والحكيم المشهور “صن تزو” في كتابه “فن الحروب”: “اذا عرفت العدو وعرفت نفسك ، فليس هناك ما يدعو الى ان تخاف نتائج مائة معركة!! واذا عرفت نفسك ولم تعرف عدوك، فانك سوف تقاسي من هزيمة مقابل كل انتصار!! واذا لم تعرف نفسك ولم تعرف العدو فانك احمق وسوف تواجه الهزيمة في كل معركة”.

نصيحة صن تزو، لا تزال الى اليوم سليمة جدا كعهدها قبل 500 عام قبل الميلاد وارى انها مناسبة جدا لما نعاني منه الآن على صعيد الوضع الامني ، والتحديات التي يواجهها هذا الوضع في كل التفاصيل المتعلقة بنوع وحجم وطبيعة هذه التحديات.

يمكن القول: ان ما يجري ، معركة متواصلة ومستمرة ، تتعدد فيها وبها صفحات المواجهة التي تتضمن أشكالا مختلفة من عناصر الفعل والتخطيط والترتيب والاستهداف والاسلحة المستخدمة بذلك اضحت القضية مشكلة تواجه الشعب العراقي وحكومته في مرحلة، هي من دون ادنى شك ، واحدة من بين اخطر المراحل التاريخية التي واجهها العراق على مدى تاريخه المعاصر.

خصوصية ما يجري، هو ان المعركة بين العراقيين وأعدائهم، لا تخضع لمنطق الحروب العادية هي ليست حروب خنادق وليست حربا نظامية وهي ايضا ليست حرب عصابات، انها نوع من الحروب التي تعتمد على مبدأ “اضرب واهرب” المنفذ او المطبق لها يستفيد من عنصر “المبادرة” التي يملكها ، بحكم كونه يتحرك بالاعتماد على عنصر الاختفاء مستفيدا من ان الاجهزة الامنية لا تستطيع ان تطبق مبدأ “ان كل الناس  ارهابيون” فالمواطن بريء حتى تثبت ادانته ، والادانة لا تتم الا بعد التنفيذ الفعلي لعملية ” تخريب “.

الى جانب ذلك ، فان الارهابي يستفيد من ” ميزة ” اخرى تلك هي ، انه لا يرتبط بهدف محدد ومثبت مسبقا بل هو يحاول ان يختار الهدف “الممكن” ونادرا ما ينجح في استهداف هدف مخطط الوصول اليه والحاق الاذى به وقد لا يحصل شيء من هذا القبيل ، الا في اوقات متباعدة واماكن مدروسة ومهيأة فيها كل اسباب ووسائل التضليل والتعمية والخداع ، مع اعداد سبل ووسائل عمليات الانقاذ والاخفاء والاختفاء مع توفير الملاذات الامنة.

ويسعى الارهابيون ، الى الاستفادة القصوى من الاسلحة المستخدمة من قبلهم وكلما كانت هذه الاسلحة جديدة في تقنيتها وحديثة في فاعليتها ومؤثرة في قدرتها التدميرية كلما امكنها تحقيق عنصر المفاجأة.

الحديث عن طبيعة ما يجري ينبغي ان يرتكز اولا وقبل كل شيء على نقطة حيوية شكلت بوابة استمرار نزيف الدم والدمار كل هذا الوقت، تلك هي ان لكل معركة اسلحتها وظروفها ومعطياتها فإذا كان الإرهابيون استفادوا من الأسلحة المتاحة لهم والفرص التي يملكونها في إطار المبادرة والتمويل والمساعدات اللوجستية الخارجية فان الجانب الاخر واعني به، الحكومة الممثلة للشعب، وحامية لمصالح الشعب والساهرة على أمنه وسلامته واستقداره ظل سادرا في غياهب التبلد والغيبوبة موزع على:

1 ـ الجهل أو نقص الكفاءة وقلة التجربة وانعدام قدرة المتابعة مواكبة التطورات النوعية واللوجستية والأسلحة. 

2 ـ نقص المعلومات وغياب القدرة على معرفة ما يجري في الخفاء. 

3 ـ ضعف التحصين ضد الاختناقات وانعدام وجود منظومة مقاومة النشاط الاستخباري. 

4 ـ انعدام وجود مراكز البحث والتقييم والدارسة والتنبؤ والاستقصاء والتحليل .

5 ـ ضعف التعامل والتعاطي مع الملاذات الآمنة للارهابيين وتجريد الإرهابيين من الاقنعة والاردية والستائر والاغطية التي يستخدمها لإخفاء نواياه وجوهر اهدافه الشريرة بالضرب على وتر الطائفية البغيضة والتمسح بشعارات براقة وحجج واهية وتبريرات كاذبة ومسوغات واهية بيد أنها فعالة نتيجة ضعف إمكانية الآخر في التصدي لها وكشف خلفياتها وحقائقها لانعدام وجود الإعلام الحقيقي القادر على الإقناع والمتمكن من الحضور الفاعل الذي يحظى باحترام المتلقي الصديق وإجبار المتلقي المعادي على التعامل معه نتيجة شعوره من انه محاصر بالكلمة والصورة والحركة الصادقة والدقيقة والسريعة والمباشرة والبعيدة عن الخطاب المؤدلج.

ان معرفة العدو .. ومعرفة الذات هي القاعدة التي ينبغي أن ينطلق منها التصدي الناجح للعدو الإرهابي فهل حصل ذلك..؟ 

لقد درج المعنيون في الشأن الامني بشكل خاص، التركيز الواضح على الجانب السياسي للمشكلة من خلال اتهام دول الجوار ودول إقليمية اخرى بالتدخل السافر والمبطن بالشأن الداخلي وتسهيل الاختراقات للحدود ودعم الإرهاب بالأسلحة والمعدات والخبرات والتمويل والجوانب الفنية وغيرها. وفي نفس الوقت، ظل التركيز على الجانب العسكري ، ينطلق من قواعد تقليدية ، المتمثل في اعداد الجيش وقوى الامن الداخلي .. بالتدريب والتسليح والتهيئة والتخطيط، وكانت القضية تنهض على عقيدة الحروب التقليدية من خلال الانفتاح والانتشار والتموضع والاستعداد متناسين ان الحرب التي ينبغي ادارتها ، هي حرب “الفوضى” حرب تعتمد بالاساس على عنصرين مهمين لا ثالث لهما وهما:

1 ـ الحصول على المعلومة المؤهلة بمعرفة العدو معرفة دقيقة وتفصيلية مع قراءة واضحة لما ينوي القيام به وما يعاني منه من مشاكل ومعضلات وقدرات وما أضيف اليه من دعم لوجستي وأسلحة ومستوى الإقبال البشري على التطوع .

2 ـ امتلاك القدرة والاستطاعة لتفعيل الجانب الفكري والنفسي والاجتماعي والتربوي ذي الأثر الفاعل والدور الكبير في وجود ونمو  وتفاقم ظاهرة الإرهاب.

لقد كان من المحتم استخدام كافة الإمكانيات المادية والمعنوية وبأوسع معانيها وبادق عوامل التغيير في قدرتها على المجابهة وإسقاط أسلحة العدو ومحاصرته وعدم السماح له في استخدام ما متاح له من قدرات وإمكانيات. 

ان دراسة متأنية وموضوعية للسنوات التسع الماضية تشير بوضوح الى ان الاهمال وعدم الاكتراث والتجاهل بالأبعاد الفكرية والثقافية والنفسية للمسألة الأمنية ، فضلا عن وجود ظواهر ومظاهر مضرة لعبت دورا مساعدا تلك هي تفاقم مشكلة البطالة والأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الاحتلال وخصوصا في مجال تسريح الجيش وقوى الأمن الداخلي وعدم المبادرة الى إيجاد حلول صحيحة وواضحة تضمن للآلاف من العاملين في هذه المؤسسة الكبيرة والمتشعبة والخلط بين من كان بعثيا “بس بالاسم”!! واولئك الذين الحقوا الدمار وسفكوا الدماء البريئة والتعثر الذي اصاب عملية المصالحة التي كان ينبغي ان تكون الاداة الوسيلة الفعالة والقادرة على امتصاص كل الظواهر والمظاهر المحرضة على الإرهاب والميسرة على التمرد واللجوء الى العنف الدموي.

والعيب كل العيب فينا وليس في الآخر الجار، او الاخر الاقليمي ، اذ ان المرء اذا ما تمكن من تحصين نفسه والنأي بنفسه عن الضعف والتردي والانخطاط واغلق كل او اغلب الثغرات التي يتسلل منها الشر ويصل من خلالها اللص الى مبتغاه فانه عندها سيعيش مرتاح البال ولا يهمه جار سيئ او شرير متربص. صحيح ان العهد الصدامي ترك ارثا مدمرا زاده الاحتلال سوءا وقرفا وصحيح ان الجيران تخلو عن كل قطرة عرق في جباههم في اطار استغلال بشع لظرف طارئ مر به العراق ولكن الأصح ايضا هو اننا لم نفعل طوال التسع السنوات الماضية سوى الشيء القليل في هذا الميدان.

البعض يتعذر بالتكوين المتناقض والمثير للشكوك الذي ظهرت به العملية السياسية ابتداء من تشكيل مجلس الحكم الذي انطوى على تناقضات فكرية وشخصية واثنيه وقومية ومذهبية ودينية متناقضة. ولعل البعض يقول: ان العملية السياسية بما فيها مجلس الحكم، تعكس التركيبة والتكوين العرقي والمذهبي والديني والمناطقي والعشائري الذي يتكون منه الشعب العراقي، وهذا الامر كما يفترض يجسد طبيعة الائتلاف المطلوب الذي ناضل من اجله الشعب العراقي تحقيق لمبدأ الشراكة الحقيقية في حكم العراق وصنع القرار فيه بحيث لا يكون هناك تغييب او تهميش او نخبة من الاقلية تحكم باسلوب ديكتاتوري فردي.

كان ذلك صحيحا ولا خلاف عليه… بيد ان الخلاف في طبيعة اختيار الشخصيات التي مثلت هذه المكونات القومية والمذهبية والدينية والمناطقية فباستثناء أربعة او خمسة اشخاص ما زالوا موجودين يمارسون ادوارا معينة في العملية السياسية بينهم شخصيتان كرديتان يرتبط وجودهما بموقف الشعب الكردي حيالهما وهما يمثلانه بطريقة التواصل التاريخي مع الجذور والاصول المتصلة بالموقع الذي كانا ولا يزالان يحتلانه في الحركة الكردية.

ان الاخرين من الذين كانوا اعضاء في مجلس الحكم والعملية السياسية ولفترة عدة سنوات ، فقد تبخروا وصاروا جزءا من الماضي، لانهم لم يكونوا اصلا جديرين في احتلال مواقع كانت من حصة آخرين ربما كان في وسعهم ان يلعبوا دورا يمكن العراق من تجنب الكوارث التي حلت به لاحقا اذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: 

1 ـ احمد الجلبي 

2 ـ عدنان الباجه جي

3 ـ موفق الربيعي 

4 ـ محمد بحر العلوم 

5 ـ محسن عبد الحميد

6 ـ سونكول جبوك

7 ـ دارا نور الدين

8 ـ رجاء حبيب خزاعي

9 ـ صلاح الدين محمد بهاء الدين

10 ـ غازي عجيل الياور

وأتساءل ويتساءل غيري ايضا .. اين هؤلاء الآن ..؟ طبعا لم أتطرق لأولئك الذين فارقوا الحياة غيلة وغدرا ولكني أتساءل عن الذين ملأوا الدنيا ضجيجا بأسمائهم المدوية دون ان يتركوا بصماتهم التي يذكرها الشعب بالشكر والثناء … كيف طواهم النسيان؟ واين يعششون الآن وبأية ملايين من الدولارات يلعبون؟ كسبوها سحتا حراما وحتى الذين مازالوا باقين ، فأنهم يشكلون عبئا وثقلا على العملية ويضعون في طريقها العراقيين والمشاكل والتحديات المؤذية بعضهم يعيش بعقلية “نيرون” خارق روما .. وبعضهم يعيش بعقلية “القطة” التي تسرق بعد ان تغمض عينيها ظنا منها بان لا احد سيراها !!! واخرون بعقلية ” ليس بالامكان افضل مما كان” واخرون “يد على الشيطان ونصف يد على الرحمن والنصف الاخر معلقا بانتظار ” من ياخذ امي يصير عمي”. 

هكذا هو الحال .. وحتى لو افترضنا ان هناك من بين الموجود من هو جاد بوطنية حقيقية صادقة لإنقاذ البلد مما هو فيه ، فانه “ساع الى الهيجا بغير سلاح” طبعا لابد من القول: ان من حسن حظ العراقيين ، انهم بعيدون جدا عن اية حرب اهلية او طائفية او عنصرية او التجارب التاريخية كثيرة، ففي اعقاب انقلاب 8 شباط 1963 حاولت سلطة الانقلاب ان تحول “الخلاف ” الذي حصل بين حكومة عبد الكريم قاسم والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الملا مصطفى البارزاني ، الى صراع عرقي عنصري تحت شعار ” اخوتنه عليهم ” وكان اعلام السلطة قد استنفر كل ما فيه وما به من اجل “خلق حرب عنصرية” وزج في هذا المجال ميلشيات اسماها بمسميات تاريخية غير ان تلك المساعي باءت بالفشل الذريع وحصل نفس الشيء عندما عمد صدام حسين الى شن حرب ابادة وتطهير عرقي من خلال “الانفال” غير ان ما حصل في اعوام 2005 ـ 2008 حسم الامر بشكل قاطع فرغم كل ما انفقه الممولون الإقليميون الذي تجاوز إنفاقهم حدود المليارين من الدولارات ورغم ان نقص السيادة وانعدام وجود سلطة وطنية متكاملة ورغم وجود العديد من القوى المحلية الراغبة في اشعال فتيل الحرب الاهلية فان هذه  الحرب لم تحصل، وان كل المحاولات ذهبت ادراج الرياح وصمد التآخي والحب والود وظل النسيج الوطني للشعب قائما بقوة وصلابة لا تلين..

تلك واحدة من بين اهم العوامل المساعدة للاجهزة الامنية المتمكنة والقادرة على الاداء الامني الصحيح فهي تعمل في بيئة صديقة بصرف النظر عن  الموقع الجغرافي.. إذن اين المشكلة ..؟ ولماذا هذا القصور والتقصير الواضح ..؟

المطلوب الآن … والانطلاق في الرؤية من أرضية التفكير الاستراتيجي المحيط بالمسألة الامنية من جوانبها كافة .. في اطار فهم علمي وانساني لحاجات المواطن ومن بينها الحاجة الأمنية والأكثر اهمية وإلحاحا فالواجب الاول والذي لا يعلو عليه اي واجب اخر هو تأمين الانسان العراقي والمجتمع العراقي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفكريا ونفسيا واستخباريا وليس الانكباب على تأمين الكراسي وحماية الجيوب المنتفخة.

ان الامن الوطني، قضية ملحة ومهمة ترقى الى شرف الإنسان وقدسية معتقداته وفي عالم اليوم صار الأمن صناعة ترتكز على اساس واعتبارات ومفاهيم وعقول واجواء ومناخات وبيئات وأفكار وإبداع وخلق وتجديد صناعة بكل ما في هذه الكلمة من معنى وبالتالي فان غياب الرؤية الثاقبة، والبعد الستراتيجي ، والخبرة المتراكمة والمتجددة والحرفية العالية والاخلاص المتجذر لن يخلق انتاج بمواصفات قادرة على المنافسة والانتصار في اجتياح الصناعات الرديئة من ذلك كله نجد ان ما نعاني منه هو :

1 ـ فقدان الرؤية الواضحة والمحددة التي تعرف وتدرك حدود الأمن الوطني والتحديات الواجب مجابهتها ومصادر التهديد ونقاط التماس وطبيعة الجسور التي يمكن العبور عليها في الاتجاهين : الايجابي والسلبي.

2 ـ فقدان الإخلاص الحقيقي غير المفتعل والمجرب. 

3 ـ فقدان الكفاءة والتمكن وتعدد المهارات وتنوع الممارسات وقدرة صنع القرار المناسب في الوقت المناسب .

4 ـ انعدام وجود الخارطة الاجتماعية العراقية .

5 ـ التمكن من الاستخدام المتطور والسليم للتقنيات الحديثة .

6 ـ الولاء المطلق للوطن وليس للأشخاص للدولة وليس للحكومة للشعب وليس للأحزاب او الكتل او المكونات .

7 ـ  الانفتاح على تجارب الاخرين في العالم.

8 ـ البحث عن الكفاءات العلمية التي تمتاز بالذكاء وقدرة التحليل والدراية السليمة مع امكانية الاستنتاج .

ان اسوأ ما يعاني منه الامن الوطني الان هو مشكلة ” الخطوط المائلة ” او “ازدواجية العلاقة ” ولا يمكن توقع اي نجاح حقيقي للاجهزة الامنية ان لم تصل الى حل لهذه المشكلة بايجاد اسس وسبل كشف هذه الخطوط المائلة ذات الولاء المزدوج او ازدواجية العلاقة..

 ان ذلك لن يكون ممكننا الا عندما نتمكن من رسم مصادر الهوية العراقية الحقيقية على النحو التالي :

اولا : هناك اجتهادات في الدين الاسلامي شكلت وتشكل تيار المذاهب وهذه المذاهب طرق اجتهادية تختلف في الفرعيات وفي كل شيء يخضع للاجتهاد ، والاجتهاد لا يعني التناقض او التباغض او التقاطع او التعارض بل يعني التجديد والبحث عن الرؤية الافضل والأحسن، كما هو التعدد في تفسير القرآن الكريم ، او الاحاديث النبوية الشريفة وعلى ذلك فلا خلاف اما الطائفية فهي واجهة سياسية يراد بها الاتكاء على ” الدين المسيس” المعتمد على ” تكفير ” الاخر وتجريده من انتمائه الاسلامي ووصفه بوصف ” المرتد ” وهذا امر لا ينبغي له ان يكون ويتحتم استخدام كل المتيسر في الاعلام والخطابة والتوضيح والإرشاد والتركيز على هذه القضية المهمة بحيث نجنب شبابنا الوقوع فريسة الماكنة الدعائية الصهيونية والماسونية والارهابية والبهائية ، والتحذير من دس السموم وتكريس التفرقة بعمامة ” شيعية ” او جبة سنية .

ثانيا : اننا شعب واحد ، بعربة واكراده وتركمانه وكلدواشوريه وصابئته ومسيحية واسلامه لافرق بين هذا وذاك وان هذا البلد وجد من اجل ان يبقى هكذا ومن غير المسموح به الخروج عن صبغة الإخوة الوطنية والوحدة الوطنية ففي وجودهما ضمان لحقوق المواطنة وحرية الوجود وقدرة البناء وهذا ما ينبغي ان يكون واضحا للجميع، فالكردي الذي يدافع عن العراق، يدافع عن انجازاته ووجوده وقدرته على البناء والعطاء وتطوير ما توصل اليه وكذلك العربي، وبهذا المفهوم تتطابق الآمال القومية مع الآمال الوطنية.

ثالثا : ان يكون واضحا للجميع ان المنطقة تمر الآن باخطر منعطف تاريخي يقسم بما يلي:

1 ـ خيوط التناقضات المشتبكة الآن وانقلاب الطاولات وما اصاب التوازنات ونظم العلاقات من خلل هي الان بيد اسرائيل اولا واميركا ثانيا.

2 ـ تحويل انظمة الحكم في المنطقة الى مهددة ولا يمكن  مواجهة هذا التهديد الا بالدعم الامريكي.

3 ـ تحريك الاقليات القومية والدينية او تصعيد حدة هذه الخلافات. 

4 ـ تحريك ودعم الحركات المتطرفة .

5 ـ تغليب التناقضات الثانوية على التوافقات الرئيسية .

     

Placeholder

تمارين في الديمقراطية

حين سألت بعض أصدقائي الرياضيين والمهتمين بهذا الشأن عن أصل تسمية العاب الإحماء، أي تلك التمارين الأولية والبسيطة والتي يمكن أن يزاولها أي شخص بيسر وسهولة بالألعاب السويدية، أجاب من تسنى لي الثقة بمعلوماته، إنها جاءت بجهود الشخصية الرياضية الفذة (أكرم فهمي) مؤسس الألعاب الأولمبية في العراق، منذ عام/1948،أما تسميته تلك الألعاب بـ(السويدية)  فأنها تعود-أيضا-الى جهود الراحل (أكرم فهمي) حيث درس وتخصص بالتربية الرياضة -هناك- في السويد، وقام بنقلها إلينا -هنا- في العراق ،مشيرا وموجها الى ضرورة إدخالها ضمن المناهج الدراسية، أيام كان درس الرياضة لا يقل أهمية عن درس  الرياضيات، لان تلك الحركات التمهيدية تفيد لغرض الإحماء وتسخين الجسم عبر سلسلة تمارين عامة، تسبق أية ممارسة لاي نوع من أنواع الرياضات، كي تتهيأ وتنشط عضلات  الجسم والدماغ وباقي الأعضاء لاجراء تمارين وممارسات أصعب  واعقد منها.

    يبدو أننا في العراق الجديد وبعد الإطاحة بكرسي الدكتاتورية وإسقاط نظام الطاغية، وبعد سير كل سنوات التغيير الماضية  من عمر وحياة دخولنا (عش الديمقراطية) وقفصها الذهبي، لم نزل نحبو نحو ممارسة نوع من تلك التمارين التي تشبه الألعاب السويدية، وأننا بحاجة الى تقوية عضلات مسؤولينا من السياسيين والبرلمانيين ومن هم بمرتبتهم، من أولئك الذين يسهمون بصنع القرارات الوطنية الكبرى والمصيرية بغية النهوض بالعملية السياسية، التي لم تزل تراوح في ساحات وميادين التشكيك والتناحر العلني والملموس، فلا يمر شهر أو شهرين -بل أقل- من عمر المصالحة الوطنية والأمل المرتجى بجني حصاد الشراكة، حتى تندلع نيران  الخلافات وتتعالى أدخنة الأزمات،وتتوالى زخات أمطار النار والثأر، لتعيدنا الى أقصى حافات المربع الأول من رقعة التنافس الملازم للعملية السياسية ملازمة المدافع للمهاجم الخصم في لعبة كرة القدم، مثلا،وسرعان ما تنفتح أبواب الحجج باللبس والتسويف والترويج لعدم فهم  طبيعة ومديات الصلاحيات الممنوحة لهذا الطرف،أو لذلك المنصب،أو عدم وضوح هذه الفقرة أو تلك من الدستور،والأدهى أن بعض الأطراف التي سهرت وساهمت بوضع دستورنا،هي أول من يعترض على بعض فقراته (حين يضمه الضيم،وتتقاطع مصالحة الآنية،مع جوهر تلك الفقرات)،الأمثلة كثيرة والمواقف والسوالف و(الدالغات) أكثر حول واقع نمو ديمقراطيتنا الناشئة بتحديث لافتات واهية، لاهية بأيامنا وأرواحنا تقف لتشير وتؤكد بأننا لم نزل في حاضنات الأطفال الخدج أو حديثي الولادة في مهودها،وأننا بحاجة الى رعاية وعناية كي ننمو بشكل صحيح وسليم،يناسب ثقل ووزن وحجم وهول ما تركه  فينا النظام السابق  طوال عقود حكمه الطاغي والباغي بحق الحياة الحرة وأساليب نحره لها، وأن علينا أن نوازي ونداني ما موجود في دول العالم المتقدمة من ديمقراطيات مختلفة منها التقليدية المعروفة،ومنها اللبيرالية الجديدة، وأخيرا، فثمة طريق ثالث لها يسمى بـ(الديمقراطية الاجتماعية)الساعية لتحقيق الحلم بالرفاهية الشاملة،عبر حماية المواطن من المهد الى اللحد،وما علينا سوى الصبر والمطاولة والتفاني بالاستمرار وإجراء التمارين الأولية اللازمة للوصول إلى طريقها الأول، برغم انه لم يزل بعيدا ونائيا عنا حتى الآن.

Placeholder

أعظم ابتكار!!

نحن مجموعة أصدقاء من كبار السن والمتقاعدين لا نجد ما نشغل به وقت فراغنا الممتد إلى 24 ساعة في اليوم.. سوى ان تبادل أخبار الصحف والفضائيات. 

ونتحاور في شتى المواضيع.. وغالبا مانحكم على (الصح والخطأ) بمعايير مرحلتنا وزماننا وهكذا كنا نسلي أنفسنا، بعد ان عزت علينا تسالي الشباب بالنقاش والمرح والمزاح والمناكدة والزعل والعبث الذي يقترب احيانا من عبث اطفال ونحن في ذلك كله مجبرون ولسنا مخيرين!! 

بعض حواراتنا لا تخلو من فائدة بالتأكيد لأنها غنية بالآراء الجديدة والمعلومات المتبادلة ولعل من طريف ما يحضرني الآن ذلك النقاش الطويل العريض حول أهم اكتشاف او اختراع في مسار البشرية وكما هو متوقع فقد اجتهدنا وشرّقنا وغربنا، وتوزعت قناعاتنا بين العجلة والحرف المسماري والزراعة وبناء الكوخ والكهرباء والتخدير الطبي «البنج» والجاذبية والطائرة ومكوك الفضاء والليزر والاستنساخ البشري والجينات الوراثية والذرة والشعر والموسيقى والزواج والمدرسة… الخ، ومع كثرة المبتكرات وكثرة الاختراعات والاكتشافات التي أتينا على ذكرها الا اننا لم نتفق على واحدة منها حتى اذا توقف الهرج والمرج الذي ساد النقاش، تدخّل زميلنا فاضل الشمري -وهو استاذ جامعي- لأول مرة وقال (ياجماعة… اختراع الورق هو اهم ما انجزته البشرية منذ عشرة الاف سنة) وقد أشار رأيه شيئا من اللغظ والسخرية والاستغراب غير ان الرجل بما عرف عنه من هدوء وعقل راجح ومعلومات دقيقة اوضح فكرته «ياجماعة الورقة كل شيء في حياة الانسان فهي ترافقه لحظة ولادته ولا يدفن بعد موته الا بها وتعرفون ان المدرسة ورقة وكذلك الجامعة الزواج والوظيفة والسفر، والتجارة والاستيراد والتصدير والمواثيق والعهود والاتفاقيات كلها تتوقف على وجود الورقة بل لا يتم الاعتراف بالإنسان إلا عبر مجموعة أوراق وأكثر من هذا فنحن نحصل على حصتنا التموينية وعلى أجورنا ورواتبنا وعلى الماء والكهرباء بواسطة الأوراق»!

 كنا نصغي إليه وقد اخذتنا الدهشة لأننا لم ننتبه إلى هذه الحقيقة البسيطة من قبل فيما كان هو يواصل حديثه ويضرب أمثلة لا اول لها ولا اخر فمن دونها لا يستطيع المواطن ان يبني دارا سكنية او يقود سيارة او يرقد في مستشفى او يعقد قرانا او يطلق زوجة او يقيم مشروعا صناعيا او يشتري ارضا او يفتح مطعما أو يؤسس حزبا او يصدر جريدة، ثم ختم كلامه قائلا: «يا جماعة لاحظوا معي جيدا ان الحكومة العراقية منذ تسع سنوات ونصف، وهي تلعب بذيلها، والبلد في مكانه، إن لم يتراجع سنة بعد سنة فهو لا يتقدم وفجأة تذكرت ان اية خطوة الى الامام ونحو النهوض لن يكتب لها النجاح الا بوجود الورق، وكذلك أصدرت ورقة الاصلاح السياسي ولكن السؤال المطروح هو كيف نسيت هذه الورقة المهمة وهي التي لا تسمح للمواطن ان يتظاهر مثلا.. إلا بورقة»؟!

 الحقيقة اذهلنا رأيه واقتنعنا بان أعظم اختراع توصلت اليه البشرية هو الورقة حتى لو كانت لأغراض الدعاية!

Placeholder

ثقوب في خيام الربيع البترولي .. غارات إسرائيلية تنتهك أجواء الشتات العربي

ثقوب مخجلة في فضاءات الهزائم العربية المتكررة, تسللت منها دبابير الشر بنجومها الهمجية السداسية لتلوي ذراع الخرطوم في ليلة سودانية الرقاد من ليالي الربيع البترولي المحترق بنفط الشيخ برميل. 

مرة أخرى تتصرف إسرائيل بمنطق الدولة العابثة المستهترة, التي لا رادع لعنجهيتها, ولا قيود جغرافية لقوتها العسكرية المتنامية في مسارات الطغيان والإجرام, فحدودها الهلامية أبعد من مضيق باب المندب, وأبعد من بحر قزوين, وابعد من (سنجار), و(قندهار), و(بنيد القار). 

 ثلاث غارات إسرائيلية شنتها طائراتها في الأسبوع الماضي في عمق الأراضي السودانية, كانت آخرها ليلة الأربعاء الماضية 31 تشرين الأول (أكتوبر), ثم عادت إلى قواعدها من دون خسائر لتزف البشائر إلى حكومة تل أبيب والحكومات العربية المؤيدة لها, وسط صمت عربي مشين, ومن دون أن تحتج الجامعة التي لا تجمع ولا تنفع, في الوقت الذي انشغلت فيه الفضائيات العربية بالبكاء على أنقاض القرى الأمريكية التي اكتسحتها (سالي) بإعصارها المدمر, لكنها لم تسأل (سالي) عن الغارات المباغتة, التي نفذتها عشر طائرات حربية إسرائيلية, وطائرتان سمتيتان حلقتا فوق مياه البحر الأحمر لتأمين الإسناد والمراقبة الالكترونية.

 استهدفت الغارة الأولى قافلة من الشاحنات التجارية شمال شرقي السودان بذريعة إنها كانت تنقل الذخيرة الحربية لعرب غزة, (عذر أقبح من فعل), واستهدفت الغارة الثانية قافلة أخرى للشاحنات عند مقتربات ميناء (بورت سودان), ثم نفذت غارتها الأخيرة, واستعانت فيها بثماني طائرات مقاتلة, وطائرتان سمتيتان, وطائرة من طائرات التموين الجوي, وأخرى من طائرات التدخل السريع كانت تحمل كتيبة مجوقلة, متأهبة للهبوط على الأرض السودانية عند تلقي أية إشارة من غرفة العمليات المركزية, التي تولت إدارة الغارة والإشراف عليها عبر نوافذ الأقمار الصناعية المحلقة في المدارات الإسرائيلية. 

نفذت إسرائيل عمليتها الجوية الأخيرة بدقة تامة, وقطعت طائراتها مسافة (1900) كيلومتر, حلقت خلالها بارتفاعات منخفضة جداً فوق مياه البحر الأحمر, واستعانت بأفضل التقنيات الحربية للتمويه والتشويش.

تعاملت العرب المتأمركة مع الغارات وكأنها حادثة أمنية عابرة, ولم تصدر بياناً واحداً من بياناتها الاستنكارية الروتينية, واكتفت الإذاعات والصحف العربية على اختلاف توجهاتها بنشر الخبر ليوم واحد فقط من دون أن تعلق عليه, ومن دون أن تعقد حلقة نقاشية على غرار الحلقات التحليلية الطويلة, التي اعتادت عليها لتحليل نتيجة اللقاء الكروي بين برشلونة وريال مدريد. 

 لم يرسل الملوك والرؤساء العرب برقية مواساة واحدة للبشير, ولم تدع الجامعة لعقد اجتماع طارئ حتى على مستوى اللجان الأولمبية لمناقشة الأضرار الكروية, التي تعرض لها نادي المريخ في الخرطوم, وفشلت الأحزاب العربية (الربيعية) في أول اختبار لها داخل حلبات السيرك السياسي المخجل, وظهر جليا إن معظم دعاة الانتفاضات البترولية هم من الأصدقاء المقربين للمحافل الماسونية, وصرح زعماء النظام السوداني المتدين بأن انفجارات أكداس العتاد في مجمع اليرموك كانت بسبب تماس كهربائي, وتبين إنهم لا يعلمون بأن الطائرات الإسرائيلية ضربت ضربتها الموجعة, وعادت إلى قواعدها سالمة حالمة بدولة عبرية من النيل إلى الفرات, في الوقت الذي وجدت فيه إسرائيل أوكاراً جديدة لها جنوب الخرطوم في ظل الحكومة المنفصلة عن الدولة الأم. 

استهدفت الغارة الأقطار العربية والإسلامية كلها, ولم يأت توقيتها في نهاية عيد الأضحى من باب الصدفة, وكانت تحمل تحت أجنحتها أكثر من رسالة تحذيرية صريحة عن التفوق العسكري الإسرائيلي, ورسالة أخرى إلى الحكومة الإيرانية, فالمسافة بين تل أبيب وطهران أقل بكثير من المسافة بينها وبين الخرطوم. .

وأثبتت الغارات الثلاث إن الأنظمة العربية متمسكة بصمتها الأبدي, ولن تحرك ساكناً مهما تطاولت عليها إسرائيل, ومهما استفزتها, ولن تقدم على مواجهة آلتها العسكرية في ظل انشغالها بالمهاترات الطائفية. وأثبتت الغارة أن الأقطار العربية والإسلامية لا علاقة لها بخراب السودان, ولا علاقة لها بدمار الخرطوم, وتركوا لحكومة البشير أمر الرد على إسرائيل إن استطاع إلى ذلك سبيلا. 

وحملت الغارة رسالة أخرى للتنظيمات الفلسطينية المسلحة تؤكد على عزم إسرائيل بتجفيف منابع الإمدادات الفلسطينية, أما الإدانة المصرية التي كانت خجولة ومسالمة فقد جاءت متناقضة مع ما حمله الخطاب الدبلوماسي المصري, الذي نشرته الصحف الإسرائيلية بصيغة الوئام والانسجام بين (الحميم والعظيم). 

لقد كشف لنا التهويل الإعلامي بخطر المد الإيراني واحدة من أهم أغراضه الخفية عبر هذه الغارة الجوية على السودان الغائب الحاضر, وحكومته الغارقة في الأزمات الراديكالية المعقدة. 

قديما كانت الحناجر العربية تهدر بالغضب من المضيق إلى المضيق, كنا نقف كلنا في خندق واحد, من الشام لبغدان, ومن نجدٍ إلى يمنٍ, إلى مصرَ فتطوانِ. نصدح بلسان حماسي واحد على إيقاعات قصيدة الشاعر كمال عبد الحليم المصري بصوت فايدة كامل, وبنبرتها الفولاذية الثورية الصادقة:

دع سمائي فسمائي محرقة

دع قنالي فمياهي مغرقة

وأحذر الأرض فأرضي صاعقة

هذه أرضي أنا وأبي ضحى هنا

وأبي قال لنا مزقوا أعدائنا

هذا ما كنا نردده في صغرنا, وعلى تلك المعاني تربينا, وبمثل هذه القيم والمبادئ نضجت مشاعرنا الوطنية, لكننا نشهد اليوم أبشع فصول مهازل الاستسلام والذل في زمن الخنوع والخضوع والشتات تحت دعاوى الواقعية والعقلانية, فتركت معظم الأقطار العربية كتاب الله وراء ظهورها, وسارت خلف سراب القوى الدولية الغاشمة, ولاذت تحت خيمة البنتاغون, وأمنت بتفوق الناتو, فغضت أبصارها عن جرائم الصهاينة, وتغافلت عن ثرواتنا المسروقة, وحدودنا المنتهكة, وصفقت للغزاة عبر فضائيات العرب المتهتكة.   نعيش اليوم في عصر الفساد والخيانة والتآمر, وعصر المهاترات الطائفية البليدة, صار الاستسلام سياسة, والتعامل مع العدو تحضر, وصارت الأرض العربية مقرا ومستقرا للقواعد الأمريكية المتجبرة بتأييد ودعم بعض الفقهاء المتأمركين والمتصهينين, وبذريعة الحفاظ على المكتسبات, من دون أن نعرف حتى الآن ماهية تلك المكتسبات, التي لم نلمسها ولم نحس بها حتى يومنا هذا. 

والله يستر من الجايات

Placeholder

الديّة الشرعية.. والعرف العشائري

كثر الحديث بشأن العرف العشائري في الدية الذي أصبح أي العرف العشائري هو البديل للدية الشرعية المقدرة في كتاب الله وسنة رسول الله “ص” حتى جاز لبعضهم أن يسموه “بالدية العشائرية” ويلاحظ أن الحديث يتشعب منطلقا من كمد وحزن وخسارة الضحية “المقتول” ولا سيما من جراء حوادث السير التي كثرت ومن جراء الخطأ في استعمال السلاح والأدوات الجارحة, ومع هذه الحوادث يقع كذلك القتل “العمد” وكل هذه الحوادث أصبحت تحسم بالحكم العشائري الذي يسمونه “العرف العشائري” ويسمونه “السانية العشائرية”.

ومما أود التأكيد عليه هنا ونحن في بداية الحديث عن موضوع هام من مواضيع واهتمامات المجتمع العراقي الذي أصبح يؤثر في حياة ومستقبل الأولاد والأرامل الذين يتركهم القتيل لاسيما عندما يكون هو المعيل الوحيد للعائلة, أن هذه الإيقاعات تجري بحسن نية يتوخى القائمون عليها والمشاركون بها التوصل للصلح بين الطرفين الذين يهمهم امر “الدية” , ولكن كما سنرى ان هناك إجحافا بحق القتيل وذريته حيث اصبحت “الدية” لا تمثل الحكم الشرعي في مثل هذه الحوادث, وسنرى تفاصيل الحكم الشرعي في القصاص والديات والحدود والتعزيرات, حتى نضع في خدمة القراء والمتابعين شيئا من الثقافة القانونية بمعناها الشرعي في إطار حاجة الناس العصرية للتعامل مع حكم السماء. 

ولقد سألني بعض رؤساء العشائر في مؤتمر عشائري عام 2004 ومنهم الشيخ حاتم نايف الجريان رحمه الله والشيخ ماجد عن صحة ما يقوم به رؤساء العشائر من تقدير الدية العشائرية بطلب من الناس في الوقائع والحوادث التي تتسبب في وفاة الأشخاص واغلبها تقع تحت عنوان “القتل غير العمد” الخطأ”.

وقد اجبتهم في وقتها اذا اخذتم بنظر الاعتبار بيان الحكم الالهي في تقدير الدية التي سأذكرها مع بيان ما اعطي ولي الدم “ولي الأمر” من صلاحية اخذ كامل الدية او بعضا منها او العفو والتنازل عنها كليا برضاه فله ذلك لاسيما في القضايا التي تحدث للصبيان والاطفال الذين لم يتحملوا بعد مسؤولية عائلة.

ثم قلت لهم ان اجريتم “السانية العشائرية” او العرف العشائري” بعنوان رضا ولي الأمر بعد تحديد نصاب الحكم الشرعي فلا اشكال في الأمر وعملكم صحيح ومبرا للذمة, أما اذا أجريتم ذلك على انه من تقديركم ورأيكم بناء على العرف العشائري دون ان تذكروا الحكم الشرعي ونصابه, فعملكم باطل وغير مقبول لأنكم بذلك تعطلون حكما من أحكام الله.  

ونصاب الحكم الشرعي في كل من :

1- القتل العمد:  مائة بعير من مسان الإبل, او مائتا بقرة, او مائتا حلة من برود اليمن, او ألف دينار شرعي, والدينار الشرعي ثلاثة أرباع مثقال الذهب ومثقال الذهب أربعة غرامات ونصف الى خمسة غرامات من الذهب, او عشرة آلاف درهم, وتستادى في سنة واحدة – شرائع الإسلام ج8 ص 273 – الشيخ ابي القاسم نجم الدين محمد بن الحسن الهذلي – المحقق الحلي –

2-  دية شبه العمد: ثلاث وثلاثون بنتا لبون, وثلاث وثلاثون حقة واربع وثلاثون ثنية طروقة الفحل “البالغة” وتستادى في سنتين – شرائع الإسلام ج8 ص 274 –

3- دية الخطأ: عشرون بنتا مخاض وعشرون ابنا لبونا, وثلاثون بنتا لبون, وثلاثون حقة, وتستادى في ثلاث سنين وهي على العاقلة ” أي العشيرة  – شرائع الإسلام ج8 ص 276 –

ومن الضروري أن يعرف القراء أن القتل في الأحكام الفقهية التي استندت الى القران الكريم وقد اشرنا إليها في تسع آيات موزعة بين كل من سورة :

1-  سورة البقرة

2-  سورة النساء

3-  سورة المائدة

وكذلك استندت الى السنة النبوية التي ترجمت معاني القصاص والدية والحدود والتعزيرات ونصاب كل منها لان النص القرآني ذكر الحكم مجملا والسنة فصلته, كما في الصلاة, وكما في الصيام وفي الحج  والزكاة والخمس.

والسنة النبوية  الشريفة هي التي قسمت القتل الى:

1-  القتل العمد : وفيه القصاص

2-  القتل شبه العمد

3-  القتل الخطأ

وسأستعرض الآيات القرآنية الكريمة التي تحدثت عن القصاص واعتبرت ان حكم الله في مثل هذه الحوادث هو الذي يجب ان يطبق مصداقا للعدل بين الناس وترجمة للأمانة التي كلف بها الجميع.

  “يا أيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف واداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اليم” – 178- البقرة.

“ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون” – 179- البقرة .

“إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى اهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا” – 58- النساء .

“فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما” – 65- النساء .

“إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ولا تكن للخائنين خصيما” – 105- النساء  “يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” – 8- المائدة .

“إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون واحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون ” – 44- المائدة.

“وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون” – 45- المائدة .

“وليحكم أهل الأنجيل بما انزل الله فيه ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون” – 47- المائدة .  

وبعد ان اطلعنا على سياق الآيات القرآنية الكريمة والتي عرفنا من خلالها ان من لم بما انزل الله يكون تحت المعاني التالية من المخالفة :

1- الكفر بحكم الله تعالى

2- الفسق عن حكم الله تعالى

3- الظلم للنفس وللناس نتيجة عدم تطبيق ما أمر الله به من أحكام.

ثم عرفنا أن الحكم بغير ما أمر الله به ليس فقط في مسائل الحكم بمعنى “السلطة” وانما بكل شيء ينتمي الى الحكم بين الأفراد في المسائل التي تخص شؤون حياتهم مثل التعيينات والترقيات والمكافآت وتوزيع الضرائب وتوزيع الثروة, وتقسيم الحصص المائية في المزارعة وحصص العلف للدواجن والمواشي ثم في قضايا القضاء بما يضمن العدل بين الناس. ومن العدل الذي دعت اليه الآيات القرآنية هو العدل والحكم الصحيح في القصاص والديات والحدود والتعزيرات.

وما يهمنا هنا هو الحكم الشرعي في موضوع دية القتل غير العمد “الخطأ” الذي يكثر في حوادث السير, وفي اطلاق الرصاص العشوائي في مناسبات الأفراح مثل الزواج, والمناسبات الوطنية وفوز الفريق الرياضي في الألعاب الدولية.

وقد بينا نصاب دية القتل الخطأ وغير العمد وهو اغلب ما يقع اليوم وتكثر حوادثه.

ولقد نقل لنا أكثر من طرف ممن تعرضوا لفقدان من يتصل بهم بالرحم من الأبناء والاباء والاخوة الى حوادث القتل الخطأ كحوادث السيارات والاطلاق العشوائي للرصاص او سوء استعمال الآلات الجارحة مثل كل من :

1-  السيف

2-  الخنجر

3-  السكين

4-  بقية الآلات الجارحة

5-  سوء استخدام المواد السامة

6-  سوء استخدام الأدوية 

7-  الجراحة الطبية وأخطاؤها

8-  قصف الطيران الحربي خطأ

9-  القصف المدفعي خطأ

وقد يلاحظ البعض ان نصاب الدية في الإسلام مبالغ فيه ويسبب للجاني حرجا وإرهاقا ماليا ، وهذا الرأي مردود للأسباب التالية: 

1-  إن دية القتل الخطأ تدفعها العاقلة وليس الجاني

2-  أنها لا تدفع فورا كما يحدث وإنما على ثلاث سنوات

3-   أنها مخففة في نصاب الإبل ففيها كل من :

ا‌- عشرون بنتا مخاض

ب‌- عشرون ابنا لبونا

ت‌- ثلاثون بنتا مخاض

ث‌- ثلاثون حقة

بينما في القتل العمد كامل عدد الإبل المائة بالغة, وتدفع من قبل الجاني, ولمدة سنة واحدة.

ثم أن الشريعة الإسلامية في قانونها هذا تراعي أمرين هما:

1-  تشديد العقوبة حتى لا يستهين بها الناس

2-  ضمان مصدر مالي للأطفال والأولاد غير البالغين والأرامل التي يتركها رب العائلة “المقتول”.

ولنا أن نعرف أن الدية في العرف العشائري وصلت في بعض الحالات إلى مستويات معيبة لا تتناسب مع كرامة الإنسان حيث بلغت بعض الديات  كما اخبرني من حضر وقائعها إلى حدود ” مليون ونصف مليون دينار عراقي وهو مبلغ زهيد لا يساوي قيمة تكاليف “مجلس الفاتحة”.

وسبب هذا التدني في نصاب الدية العشائرية هو كل من :

1- الأعراف العشائرية وهي في اغلبها لا تأخذ بعين الاعتبار نصاب الدية الشرعية في القانون الإسلامي “فقه القصاص والديات”.

2-  غلبة المحسوبيات والمنسوبيات على مجالس حسم نصاب دية القتيل, وهذه المحسوبيات تتمثل في كل من:

ا‌- حضور بعض السادة الذين ينتمون بالنسب إلى أهل البيت عليهم السلام ثم الى رسول الله “ص” عن طريق فاطمة الزهراء , ورغم ان رسول الله قد قال : “آتوني بأعمالكم وليس بأنسابكم” الا ان طغيان هذه الظاهرة في المسائل الاجتماعية تأخذ مدى يتجاوز الحدود الشرعية أحيانا حتى وصل الأمر ببعض الأسر الى أن لا تزوج بناتها لغير السيد في عرفهم وهو حرام من الناحية الشرعية الإسلامية حيث قال رسول الله “ص”: ” إذا جاءكم من ترتضون دينه فزوجوه” ب – حضور بعض رؤساء العشائر وتدخلهم في التنقيص من  “الدية” معتبرين ذلك من باب الوجاهة لهم  بين الحاضرين ولو على حساب حق من يرث “المقتول”.

ج – حضور بعض الوجهاء الذين يجلبهم أهل القاتل “الجاني” في سبيل التدخل لدى اهل “المقتول” للتنقيص من نصاب “الدية”

التي قلنا نتيجة هذه التدخلات تصبح أحيانا لا تساوي تكاليف مصروفات ونفقات مجلس الفاتحة، وبهذه المناسبة لابد من القول أن مجالس الفواتح عموما يلاحظ عليها ما يلي :

1-  ميل البعض إلى الإسراف بدون مبرر

2-  يطغى على اغلب مجالس الفواتح الاهتمام بالجوانب المادية والمظاهر الشخصية دون الحرص على الجوانب الشرعية وما ينعكس على روح المتوفي.

3- لا يبدو في الكثير من مجالس الفواتح احترام خصوصية الموت والميت, فقراءة القران لا يستمع لها, وينشغل الحاضرون بأحاديث الدنيا بحيث لا يصغون الى ما يقرأ من القرآن.   4- تصرف فيها أموال كثيرة ربما تكون عائلة المتوفى بأمس الحاجة لها وهذا هو الإنفاق غير المحبب والمرفوض والذي قالت عنه الآية القرآنية المباركة:  ” والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما” ومن الملاحظات التي نقدمها في هذا السياق هو أن الله تعالى الذي فرض هذا النصاب من الدية هو اعرف بخصوصيتها وفوائدها وأسرارها منا لأنه الأعلم بمستقبل ما يتركه الضحية  “المقتول” من عائلة فيها الصغار والأولاد والشباب والبنات وما ينتظرهم من حوادث ومتطلبات, ومن هذا المعنى لا يجوز الاعتراض على نصاب الدية الشرعية بملاكها التام . ثم لماذا لا ننظر في عصرنا هذا ما تأخذه الدول من أموال كتعويض عن قتلاهم كما جرى في حادثة “لوكربي” حيث اجبروا النظام الليبي في وقتها “أيام معمر القذافي” من دفع تعويضات لضحايا طائرة لوكربي “عشرة ملايين دولا للشخص الواحد”, وكذلك لو تذكرنا التعويضات التي فرضت على العراق بعد حادثة غزو الكويت وكيف بالغوا فيها مما جعل العراق يئن تحت الفصل السابع إلى الآن مع فاتورة ديون طويلة ومكلفة.   وفي نفس الوقت إذا تذكرنا كيف كان الأمريكيون أيام الاحتلال يعوضون ضحاياهم من العراقيين كما جرى في ضحايا ابناء مدينة “المحمودية” والذين دفع الأمريكيون تعويضا مهينا لعوائلهم قدره “2000  دولار للشخص لواحد.   اذكر هذه الحوادث والوقائع المؤلمة عما جرى للعراقيين من عدم عدالة وسوء معاملة تخل بكرامة الإنسان الذي هو أكرم ما في الوجود عند الله تعالى . والخلاصة نوصي جميع إخواننا وعشائرنا ومن يشاركون في مجالس الديات أن  تذكروا حكم الله في مثل هذه الحالات وان لا يجتهدوا بآرائهم الخاصة فيقعوا في الإثم والمخالف , ونذكرهم بالقاعدة الفقهية: ” لا اجتهاد في مقابل النص”.

Placeholder

الربان والبشبش!

أبو مصطفى، جاري (الحائط على الحائط)، إنسان (مستور)، ليس له شرّ على احد، ولا تسمع له صوتا، يذهب إلى عمله ويعود إلى بيته مثل النسمة، ولكنه لم يكن ميسور الحال، فهو يلهث وراء خبزته حيثما توفرت، من سائق تاكسي إلى بائع فواكه، ومن كاتب عرائض إلى عامل بناء، على الرغم من انه خريج كلية الآداب ـ قسم اللغة الانجليزية، وقد رفض التعيين الحكومي قبل السقوط، لأن الراتب شحيح مخجل، ورفضت الحكومة تعيينه بعد السقوط، لأنه ركب رأسه، ولم ينتم إلى أي حزب من أحزابها المتنفذة !

منذ ربع قرن وانا اعرف الرجل اكثر ممّا اعرف نفسي، وعلاقتي وطيدة به، انه إنسان عصامي نزيه، لا يشكو ولا يتشكى مهما ألمت به النوائب، وفوق هذا وذاك، كنت احبه واحترمه لأسباب اخرى في مقدمتها، إن اللغة الانجليزية بالنسبة له، ليست شهادة معلقة على الجدار، بل هي جزء من شخصيته الثقافية، لأنه قارئ نهم للمسرح والقصة والرواية والفلسفة بهذه اللغة، ولهذا غالبا ما كانت تتسرب مفرداتها إلى لهجته العامية !!

قبل أسبوعين، حدث شيء لا يصدق، فلأول مرة على مدى 25 سنة اسمع صوته يعلو بطريقة غير مسبوقة، وهو يتشاجر مع زوجه، بحيث سمعت كل كلمة من كلماته بوضوح، وقلت مع نفسي، الرجل معذور، فقد طفح الكيل عنده، ولكن الذي أثار استغرابي، أن جزءا كبيرا من حديثه لم يكن مفهوما، وكأنه خليط من العربية والانجليزية والكردية والهندية، وقد علقت في ذهني وذاكرتي العبارات التالية (يا بولاي الرحبة الرحبة، باذا يبكن للبرء يا ابرأة ان يعبل، وتأبين العقبة التي لب يبسسها الحراب، ابست اصعب بن الوصول الى القبر، ونحن بنذ اعواب نأكل التبن على التبن، لا لحبة ولا شحبة ولا ربانة ولا بشبشة، هذا كل باقدبته التبوينية لنا وللبواطن البحروب، احبديه على دواب النعبه)!! 

ولأنني مواطن صالح، قمت بدور المخبر السري واتصلت على الفور بالجهات الامنية، وأخبرتهم ان جاري يقول كلاما غريبا وكأنه يتصل بجهات أجنبية، ويتحدث معهم بلغة الرمز والتشفير، وربما يكون إرهابيا، وقد سارعت قوة مجهولة الهوية إلى الحضور وداهمت منزله وألقت القبض عليه وفتشت كل ركن من أركان البيت وحققت معه، وهددته بان عدم الاعتراف ليس من مصلحته فهناك شهود (لم يذكروا اسمي طبعا) ولكنهم أطلقوا سراحه بعد ساعتين، ثم اتصلوا بي وشكروني بدلا من معاقبتي عن إدلائي بمعلومات غير دقيقة، واخبروني أن الرجل يعاني من زكام صيفي حاد جعله يقلب (حرف الميم باء)، عندها فقط أدركت لماذا أصبح المخبر السري كارثة على الابرياء، ولكي اتأكد ويطمئن قلبي، عدت الى عباراته وحاولت قراءتها بعد اعادة (الباء) الى (ميم) من دون زكام، فظهرت على النحو التالي (يا مولاي الرحمة الرحمة، ماذا يمكن للمرء يا امرأة أن يعمل، وتأمين اللقمة التي لم يمسسها الحرام، أمست أصعب من الوصول الى القمر، ونحن منذ أعوام نأكل التمن على التمن، لا لحمة ولا شحمة ولا رمانة ولا مشمشة، هذا كل ما قدمته التموينية لنا وللمواطن المحروم، احمديه على دوام النعمة)، وكم ندمت ووبخت نفسي، فكيف اشغل الاجهزة الامنية بمعلومات تقوم على الشك، وكيف اتسبب في ايذاء جاري، وانا اعرفه واعرف طيبته حق المعرفة، وهل يليق هذا التصرف المتهور الذي أقدمت عليه بإنسان يزعم انه مواطن صالح؟!