نحن مجموعة أصدقاء من كبار السن والمتقاعدين لا نجد ما نشغل به وقت فراغنا الممتد إلى 24 ساعة في اليوم.. سوى ان تبادل أخبار الصحف والفضائيات. 

ونتحاور في شتى المواضيع.. وغالبا مانحكم على (الصح والخطأ) بمعايير مرحلتنا وزماننا وهكذا كنا نسلي أنفسنا، بعد ان عزت علينا تسالي الشباب بالنقاش والمرح والمزاح والمناكدة والزعل والعبث الذي يقترب احيانا من عبث اطفال ونحن في ذلك كله مجبرون ولسنا مخيرين!! 

بعض حواراتنا لا تخلو من فائدة بالتأكيد لأنها غنية بالآراء الجديدة والمعلومات المتبادلة ولعل من طريف ما يحضرني الآن ذلك النقاش الطويل العريض حول أهم اكتشاف او اختراع في مسار البشرية وكما هو متوقع فقد اجتهدنا وشرّقنا وغربنا، وتوزعت قناعاتنا بين العجلة والحرف المسماري والزراعة وبناء الكوخ والكهرباء والتخدير الطبي «البنج» والجاذبية والطائرة ومكوك الفضاء والليزر والاستنساخ البشري والجينات الوراثية والذرة والشعر والموسيقى والزواج والمدرسة… الخ، ومع كثرة المبتكرات وكثرة الاختراعات والاكتشافات التي أتينا على ذكرها الا اننا لم نتفق على واحدة منها حتى اذا توقف الهرج والمرج الذي ساد النقاش، تدخّل زميلنا فاضل الشمري -وهو استاذ جامعي- لأول مرة وقال (ياجماعة… اختراع الورق هو اهم ما انجزته البشرية منذ عشرة الاف سنة) وقد أشار رأيه شيئا من اللغظ والسخرية والاستغراب غير ان الرجل بما عرف عنه من هدوء وعقل راجح ومعلومات دقيقة اوضح فكرته «ياجماعة الورقة كل شيء في حياة الانسان فهي ترافقه لحظة ولادته ولا يدفن بعد موته الا بها وتعرفون ان المدرسة ورقة وكذلك الجامعة الزواج والوظيفة والسفر، والتجارة والاستيراد والتصدير والمواثيق والعهود والاتفاقيات كلها تتوقف على وجود الورقة بل لا يتم الاعتراف بالإنسان إلا عبر مجموعة أوراق وأكثر من هذا فنحن نحصل على حصتنا التموينية وعلى أجورنا ورواتبنا وعلى الماء والكهرباء بواسطة الأوراق»!

 كنا نصغي إليه وقد اخذتنا الدهشة لأننا لم ننتبه إلى هذه الحقيقة البسيطة من قبل فيما كان هو يواصل حديثه ويضرب أمثلة لا اول لها ولا اخر فمن دونها لا يستطيع المواطن ان يبني دارا سكنية او يقود سيارة او يرقد في مستشفى او يعقد قرانا او يطلق زوجة او يقيم مشروعا صناعيا او يشتري ارضا او يفتح مطعما أو يؤسس حزبا او يصدر جريدة، ثم ختم كلامه قائلا: «يا جماعة لاحظوا معي جيدا ان الحكومة العراقية منذ تسع سنوات ونصف، وهي تلعب بذيلها، والبلد في مكانه، إن لم يتراجع سنة بعد سنة فهو لا يتقدم وفجأة تذكرت ان اية خطوة الى الامام ونحو النهوض لن يكتب لها النجاح الا بوجود الورق، وكذلك أصدرت ورقة الاصلاح السياسي ولكن السؤال المطروح هو كيف نسيت هذه الورقة المهمة وهي التي لا تسمح للمواطن ان يتظاهر مثلا.. إلا بورقة»؟!

 الحقيقة اذهلنا رأيه واقتنعنا بان أعظم اختراع توصلت اليه البشرية هو الورقة حتى لو كانت لأغراض الدعاية!

التعليقات معطلة