كثر الحديث بشأن العرف العشائري في الدية الذي أصبح أي العرف العشائري هو البديل للدية الشرعية المقدرة في كتاب الله وسنة رسول الله “ص” حتى جاز لبعضهم أن يسموه “بالدية العشائرية” ويلاحظ أن الحديث يتشعب منطلقا من كمد وحزن وخسارة الضحية “المقتول” ولا سيما من جراء حوادث السير التي كثرت ومن جراء الخطأ في استعمال السلاح والأدوات الجارحة, ومع هذه الحوادث يقع كذلك القتل “العمد” وكل هذه الحوادث أصبحت تحسم بالحكم العشائري الذي يسمونه “العرف العشائري” ويسمونه “السانية العشائرية”.
ومما أود التأكيد عليه هنا ونحن في بداية الحديث عن موضوع هام من مواضيع واهتمامات المجتمع العراقي الذي أصبح يؤثر في حياة ومستقبل الأولاد والأرامل الذين يتركهم القتيل لاسيما عندما يكون هو المعيل الوحيد للعائلة, أن هذه الإيقاعات تجري بحسن نية يتوخى القائمون عليها والمشاركون بها التوصل للصلح بين الطرفين الذين يهمهم امر “الدية” , ولكن كما سنرى ان هناك إجحافا بحق القتيل وذريته حيث اصبحت “الدية” لا تمثل الحكم الشرعي في مثل هذه الحوادث, وسنرى تفاصيل الحكم الشرعي في القصاص والديات والحدود والتعزيرات, حتى نضع في خدمة القراء والمتابعين شيئا من الثقافة القانونية بمعناها الشرعي في إطار حاجة الناس العصرية للتعامل مع حكم السماء.
ولقد سألني بعض رؤساء العشائر في مؤتمر عشائري عام 2004 ومنهم الشيخ حاتم نايف الجريان رحمه الله والشيخ ماجد عن صحة ما يقوم به رؤساء العشائر من تقدير الدية العشائرية بطلب من الناس في الوقائع والحوادث التي تتسبب في وفاة الأشخاص واغلبها تقع تحت عنوان “القتل غير العمد” الخطأ”.
وقد اجبتهم في وقتها اذا اخذتم بنظر الاعتبار بيان الحكم الالهي في تقدير الدية التي سأذكرها مع بيان ما اعطي ولي الدم “ولي الأمر” من صلاحية اخذ كامل الدية او بعضا منها او العفو والتنازل عنها كليا برضاه فله ذلك لاسيما في القضايا التي تحدث للصبيان والاطفال الذين لم يتحملوا بعد مسؤولية عائلة.
ثم قلت لهم ان اجريتم “السانية العشائرية” او العرف العشائري” بعنوان رضا ولي الأمر بعد تحديد نصاب الحكم الشرعي فلا اشكال في الأمر وعملكم صحيح ومبرا للذمة, أما اذا أجريتم ذلك على انه من تقديركم ورأيكم بناء على العرف العشائري دون ان تذكروا الحكم الشرعي ونصابه, فعملكم باطل وغير مقبول لأنكم بذلك تعطلون حكما من أحكام الله.
ونصاب الحكم الشرعي في كل من :
1- القتل العمد: مائة بعير من مسان الإبل, او مائتا بقرة, او مائتا حلة من برود اليمن, او ألف دينار شرعي, والدينار الشرعي ثلاثة أرباع مثقال الذهب ومثقال الذهب أربعة غرامات ونصف الى خمسة غرامات من الذهب, او عشرة آلاف درهم, وتستادى في سنة واحدة – شرائع الإسلام ج8 ص 273 – الشيخ ابي القاسم نجم الدين محمد بن الحسن الهذلي – المحقق الحلي –
2- دية شبه العمد: ثلاث وثلاثون بنتا لبون, وثلاث وثلاثون حقة واربع وثلاثون ثنية طروقة الفحل “البالغة” وتستادى في سنتين – شرائع الإسلام ج8 ص 274 –
3- دية الخطأ: عشرون بنتا مخاض وعشرون ابنا لبونا, وثلاثون بنتا لبون, وثلاثون حقة, وتستادى في ثلاث سنين وهي على العاقلة ” أي العشيرة – شرائع الإسلام ج8 ص 276 –
ومن الضروري أن يعرف القراء أن القتل في الأحكام الفقهية التي استندت الى القران الكريم وقد اشرنا إليها في تسع آيات موزعة بين كل من سورة :
1- سورة البقرة
2- سورة النساء
3- سورة المائدة
وكذلك استندت الى السنة النبوية التي ترجمت معاني القصاص والدية والحدود والتعزيرات ونصاب كل منها لان النص القرآني ذكر الحكم مجملا والسنة فصلته, كما في الصلاة, وكما في الصيام وفي الحج والزكاة والخمس.
والسنة النبوية الشريفة هي التي قسمت القتل الى:
1- القتل العمد : وفيه القصاص
2- القتل شبه العمد
3- القتل الخطأ
وسأستعرض الآيات القرآنية الكريمة التي تحدثت عن القصاص واعتبرت ان حكم الله في مثل هذه الحوادث هو الذي يجب ان يطبق مصداقا للعدل بين الناس وترجمة للأمانة التي كلف بها الجميع.
“يا أيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف واداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اليم” – 178- البقرة.
“ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون” – 179- البقرة .
“إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى اهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا” – 58- النساء .
“فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما” – 65- النساء .
“إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ولا تكن للخائنين خصيما” – 105- النساء “يا أيها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” – 8- المائدة .
“إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون واحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون ” – 44- المائدة.
“وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون” – 45- المائدة .
“وليحكم أهل الأنجيل بما انزل الله فيه ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون” – 47- المائدة .
وبعد ان اطلعنا على سياق الآيات القرآنية الكريمة والتي عرفنا من خلالها ان من لم بما انزل الله يكون تحت المعاني التالية من المخالفة :
1- الكفر بحكم الله تعالى
2- الفسق عن حكم الله تعالى
3- الظلم للنفس وللناس نتيجة عدم تطبيق ما أمر الله به من أحكام.
ثم عرفنا أن الحكم بغير ما أمر الله به ليس فقط في مسائل الحكم بمعنى “السلطة” وانما بكل شيء ينتمي الى الحكم بين الأفراد في المسائل التي تخص شؤون حياتهم مثل التعيينات والترقيات والمكافآت وتوزيع الضرائب وتوزيع الثروة, وتقسيم الحصص المائية في المزارعة وحصص العلف للدواجن والمواشي ثم في قضايا القضاء بما يضمن العدل بين الناس. ومن العدل الذي دعت اليه الآيات القرآنية هو العدل والحكم الصحيح في القصاص والديات والحدود والتعزيرات.
وما يهمنا هنا هو الحكم الشرعي في موضوع دية القتل غير العمد “الخطأ” الذي يكثر في حوادث السير, وفي اطلاق الرصاص العشوائي في مناسبات الأفراح مثل الزواج, والمناسبات الوطنية وفوز الفريق الرياضي في الألعاب الدولية.
وقد بينا نصاب دية القتل الخطأ وغير العمد وهو اغلب ما يقع اليوم وتكثر حوادثه.
ولقد نقل لنا أكثر من طرف ممن تعرضوا لفقدان من يتصل بهم بالرحم من الأبناء والاباء والاخوة الى حوادث القتل الخطأ كحوادث السيارات والاطلاق العشوائي للرصاص او سوء استعمال الآلات الجارحة مثل كل من :
1- السيف
2- الخنجر
3- السكين
4- بقية الآلات الجارحة
5- سوء استخدام المواد السامة
6- سوء استخدام الأدوية
7- الجراحة الطبية وأخطاؤها
8- قصف الطيران الحربي خطأ
9- القصف المدفعي خطأ
وقد يلاحظ البعض ان نصاب الدية في الإسلام مبالغ فيه ويسبب للجاني حرجا وإرهاقا ماليا ، وهذا الرأي مردود للأسباب التالية:
1- إن دية القتل الخطأ تدفعها العاقلة وليس الجاني
2- أنها لا تدفع فورا كما يحدث وإنما على ثلاث سنوات
3- أنها مخففة في نصاب الإبل ففيها كل من :
ا- عشرون بنتا مخاض
ب- عشرون ابنا لبونا
ت- ثلاثون بنتا مخاض
ث- ثلاثون حقة
بينما في القتل العمد كامل عدد الإبل المائة بالغة, وتدفع من قبل الجاني, ولمدة سنة واحدة.
ثم أن الشريعة الإسلامية في قانونها هذا تراعي أمرين هما:
1- تشديد العقوبة حتى لا يستهين بها الناس
2- ضمان مصدر مالي للأطفال والأولاد غير البالغين والأرامل التي يتركها رب العائلة “المقتول”.
ولنا أن نعرف أن الدية في العرف العشائري وصلت في بعض الحالات إلى مستويات معيبة لا تتناسب مع كرامة الإنسان حيث بلغت بعض الديات كما اخبرني من حضر وقائعها إلى حدود ” مليون ونصف مليون دينار عراقي وهو مبلغ زهيد لا يساوي قيمة تكاليف “مجلس الفاتحة”.
وسبب هذا التدني في نصاب الدية العشائرية هو كل من :
1- الأعراف العشائرية وهي في اغلبها لا تأخذ بعين الاعتبار نصاب الدية الشرعية في القانون الإسلامي “فقه القصاص والديات”.
2- غلبة المحسوبيات والمنسوبيات على مجالس حسم نصاب دية القتيل, وهذه المحسوبيات تتمثل في كل من:
ا- حضور بعض السادة الذين ينتمون بالنسب إلى أهل البيت عليهم السلام ثم الى رسول الله “ص” عن طريق فاطمة الزهراء , ورغم ان رسول الله قد قال : “آتوني بأعمالكم وليس بأنسابكم” الا ان طغيان هذه الظاهرة في المسائل الاجتماعية تأخذ مدى يتجاوز الحدود الشرعية أحيانا حتى وصل الأمر ببعض الأسر الى أن لا تزوج بناتها لغير السيد في عرفهم وهو حرام من الناحية الشرعية الإسلامية حيث قال رسول الله “ص”: ” إذا جاءكم من ترتضون دينه فزوجوه” ب – حضور بعض رؤساء العشائر وتدخلهم في التنقيص من “الدية” معتبرين ذلك من باب الوجاهة لهم بين الحاضرين ولو على حساب حق من يرث “المقتول”.
ج – حضور بعض الوجهاء الذين يجلبهم أهل القاتل “الجاني” في سبيل التدخل لدى اهل “المقتول” للتنقيص من نصاب “الدية”
التي قلنا نتيجة هذه التدخلات تصبح أحيانا لا تساوي تكاليف مصروفات ونفقات مجلس الفاتحة، وبهذه المناسبة لابد من القول أن مجالس الفواتح عموما يلاحظ عليها ما يلي :
1- ميل البعض إلى الإسراف بدون مبرر
2- يطغى على اغلب مجالس الفواتح الاهتمام بالجوانب المادية والمظاهر الشخصية دون الحرص على الجوانب الشرعية وما ينعكس على روح المتوفي.
3- لا يبدو في الكثير من مجالس الفواتح احترام خصوصية الموت والميت, فقراءة القران لا يستمع لها, وينشغل الحاضرون بأحاديث الدنيا بحيث لا يصغون الى ما يقرأ من القرآن. 4- تصرف فيها أموال كثيرة ربما تكون عائلة المتوفى بأمس الحاجة لها وهذا هو الإنفاق غير المحبب والمرفوض والذي قالت عنه الآية القرآنية المباركة: ” والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما” ومن الملاحظات التي نقدمها في هذا السياق هو أن الله تعالى الذي فرض هذا النصاب من الدية هو اعرف بخصوصيتها وفوائدها وأسرارها منا لأنه الأعلم بمستقبل ما يتركه الضحية “المقتول” من عائلة فيها الصغار والأولاد والشباب والبنات وما ينتظرهم من حوادث ومتطلبات, ومن هذا المعنى لا يجوز الاعتراض على نصاب الدية الشرعية بملاكها التام . ثم لماذا لا ننظر في عصرنا هذا ما تأخذه الدول من أموال كتعويض عن قتلاهم كما جرى في حادثة “لوكربي” حيث اجبروا النظام الليبي في وقتها “أيام معمر القذافي” من دفع تعويضات لضحايا طائرة لوكربي “عشرة ملايين دولا للشخص الواحد”, وكذلك لو تذكرنا التعويضات التي فرضت على العراق بعد حادثة غزو الكويت وكيف بالغوا فيها مما جعل العراق يئن تحت الفصل السابع إلى الآن مع فاتورة ديون طويلة ومكلفة. وفي نفس الوقت إذا تذكرنا كيف كان الأمريكيون أيام الاحتلال يعوضون ضحاياهم من العراقيين كما جرى في ضحايا ابناء مدينة “المحمودية” والذين دفع الأمريكيون تعويضا مهينا لعوائلهم قدره “2000 دولار للشخص لواحد. اذكر هذه الحوادث والوقائع المؤلمة عما جرى للعراقيين من عدم عدالة وسوء معاملة تخل بكرامة الإنسان الذي هو أكرم ما في الوجود عند الله تعالى . والخلاصة نوصي جميع إخواننا وعشائرنا ومن يشاركون في مجالس الديات أن تذكروا حكم الله في مثل هذه الحالات وان لا يجتهدوا بآرائهم الخاصة فيقعوا في الإثم والمخالف , ونذكرهم بالقاعدة الفقهية: ” لا اجتهاد في مقابل النص”.