في الخامس عشر من شعبان من عام 255 هجرية كانت ولادة الإمام محمد بن الحسن في سر من رأى ” سامراء ” الذي عرف بالمهدي المنتظر , والذي اختفى عن الأنظار عام 260 هجرية , وأصبح فيما بعد له وكلاء أربعة , لم يكونوا ممن يلقبوا بآيات الله العظام كما تجري تسميات البعض اليوم , كما لم يكونوا ممن يلقبوا بحجج الإسلام والمسلمين , وإنما كان بعضهم بائعا جوالا , وبعضهم سمانا , وبعضهم يكدح لتحصيل قوت عياله , هذه الصفوة المؤمنة استحقت ثقة الإمام المهدي الذي اوتي الحكم صبيا لأنهم وصلوا درجة الاستقامة ” ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ..” , وهو امر غير مستغرب فيما يخص الإمام المهدي المنتظر , كما يحدثنا القرآن عن النبي يحيى عليه السلام، او كما كان عيسى عليه السلام , قال تعالى :” ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين “- 46- آل عمران – وكما حدثنا عن ذي القرنين وكيف مكن الله له في الأرض , قال تعالى ” ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا ” -83- الكهف – إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا ” – 84- الكهف – والذي يؤمن بالقرآن ويتدبر آياته , لا يمكن ان يتخلف عن استيعاب قصة الإمام المهدي المنتظر الذي كان النبي “ص” يقول كما نقل ذلك ابو سعيد الخدري ورواه احمد بمسنده :” المهدي من ولدي .. يملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا ”

والغريب في قضية الإمام المهدي المنتظر , ان البعض يتعامل معها بخلاف الثقافة القرآنية , تلك الثقافة التي ركزت على مفهوم الاصطفاء , قال تعالى :” ان الله اصطفى ادم ونوحا و آل إبراهيم و آل عمران على العالمين ” – 33- آل عمران – كما ركز على نوع خاص من الذرية التي خصها بالاصطفاء , قال تعالى :” ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم” – 34- آل عمران –

بل ان موضوع الإمامة أصبح البعض يناقشه من خارج النص القرآني , ثم يستبعده على نفس الطريقة , وهذا الاستبعاد تركز على قضية المهدي المنتظر حتى عد القائلون بها من حيث التفصيل والتخصيص من أهل الغلو ، والغلو ظاهرة نفسية , يقوم صاحبها بتفخيم مواصفات من يحب بدون دليل وهذه الحالة لم تسلم منها ديانة من الديانات المعروفة , فاليهود غالوا في “العزير ” ” وقالت اليهود العزير ابن الله ” , والنصارى غالوا في المسيح عيسى ابن مريم ” لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من دون شيئا ان اراد ان يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير “- 117 – المائدة – ” وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما واليه المصير ” – 118 – المائدة – ومثلما أصيب أصحاب الديانات السابقة بالغلو , كذلك أصيب بعض المسلمين بالغلو , ولم يسلم مذهب من مذاهب المسلمين من وجود بعض الغلاة فيه , لذلك سلط المحققون الأضواء على الغلو والمغالين , واول من حذر من الغلو هو رسول الله “ص” عندما قال لعلي ابن ابي طالب عليه السلام : ياعلي هلك فيك رجلان :عدو قال , ومحب غال ” ولان الغلو حالة نفسية يمكن ان يصاب بها كل من لم يحسن تربية نفسه لا فرق بين من ينتمي لهذا المذهب او الى ذاك , وهذه الحقيقة المعرفية لم تؤخذ بعين الاعتبار في الفرز والتشخيص على القاعدة القرآنية ” ولا تبخسوا الناس اشياءهم ” لذلك وجدنا كثيرا من الإسراف والانحراف في التقييم , ومن اكثر القضايا التي نالها الإسراف والانحراف , هي قضية الإمام المهدي المنتظر , فبعض الشيعة أسرفوا , ومن هنا جاء القول ” شيعة شنيعة ” وبعض السنة تخلفوا عن استيعاب وتدبر قضية المهدي المنتظر حتى اصبح بعض الأمم غير المسلمة تتفهم قضية المخلص اكثر مما يتفهمها بعض أهل الإسلام لان القضية اتخذت عند البعض طابعا من التعقيد والانغلاق النفسي , ويقف وراء هذه الحالة بعض من كتبوا بسلبية شديدة البعد عن الثقافة الإسلامية في منطلقاتها النصية التي أسيئ فهمها مثل : قضية ” العصمة ” و” الشفاعة ” و ” الإمامة ” و ” التقية ” و “البداء ” و ” النسخ ” وهي كلها مصطلحات ونصوص قرآنية مباشرة مثل الإمامة والشفاعة والتقية والنسخ , وغير مباشرة كالعصمة التي جاءت في اية التطهير ,والبداء الذي جاء في آية ” يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب ” . والتقية مثلا اتهم بها الشيعة ظلما وتعسفا , بينما هي حالة سلوكية وموقف عقلي يحتاجه كل الناس , ولايوجد انسان يستطيع ان يتخلى عن موقف التقية في تفاصيل المواقف الحياتية التي يواجهها , بل ان استعمال التقية دليل الحكمة , واهمالها دليل التهور والحماقة والغباء , ولذلك قال تعالى ” الا ان تتقوا منهم تقاة ” وقال تعالى ” اتقوا الله حق تقاته ” وهي غير التقية في تجنب مطبات لاتحمد عقباها . ومثلما سفهت التقية بدون حق , كذلك ذهب البعض الى انكار الإمامة وتسفيهها بغير حق .ومثلما اعرض عن الإمام المهدي المنتظر وقضيته ” الانتظار ” أهملها البعض واستنكرها جهلا , ولو عادوا لاستنطاق النصوص القرآنية ابتداء من ” الاصطفاء ” و” الذرية المصطفاة ” مرورا بآية المباهلة التي خصصت الأبناء والنساء والأنفس التي نسبت لرسول الله “ص” في وضوح وانتماء لا غبار عليه لخصوصيات الرسالة , وليس لمسائل أخرى فليس في حياة النبي “ص” هوى لا ينتسب الى جوهر الرسالة وتحمل أعبائها وأمانتها التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال .

ان قضية الانتظار هي الأخرى من الحاجات الانسانية التي اراد البعض حرمان البشرية منها ,فالبشرية الباحثة عن العدالة التي تختزن : الحرية والحقوق , وهما اعز المطالب وأثمن الأشياء في حياة الناس , والتي لا يمكن تحققها الا من خلال تحقق العدالة التي عرفها الإمام علي عليه السلام :بأنها وضع الأشياء في نصابها في كل ما يحتاجه الإنسان والمخلوقات , وذلك ترجمة للآية القرآنية الكريمة ” لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ”

والقسط هنا هو العدل , وهو غاية الشريعة , وهدف الأنبياء والمرسلين , والأوصياء والصالحين ومن هم على آثارهم سائرين . والمجتمع الإنساني اليوم بعد ان جرب كل الأنظمة والعقائد , لايزال يبحث عن العدالة المفقودة , وبسبب ذلك ضاعت الحقوق وانتقصت حريات الناس , ولان الشريعة الاسلامية هي خاتمة الشرائع والرسالات السماوية ” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ” وإتمام النعمة لا يعني الأرزاق من طعام وثمر وزرع وماء , فهذه كانت موجودة منذ ان خلق الله السماوات والأرض وقدر في الارض أقواتها , ولكن النعمة الحقيقية هنا هي الولاية المختزنة في الإمامة ” قال اني جاعلك للناس إماما , قال ومن ذريتي , قال لا ينال عهدي الظالمين ” والإمامة امتداد للنبوة في تأويل أحكام ومفاهيم الرسالة ” لا يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم ” ولقد ثبت عن رسول الله “ص” وعن تجربة القرون الثلاثة , ان الراسخين في العلم هم أئمة أهل البيت عليهم السلام , اما عن رسول الله “ص” فقد قال عنهم ” لا تعلموهم فأنهم معلمون , ولا تتقدموا عليهم فتهلكوا , ولا تتاخروا عنهم فتندموا ” واما عن تجربة القرون

الثلاثة الاولى من تاريخ المسلمين , فلقد شهد كل من الإمام ابو حنيفة , والإمام احمد بن حنبل , والإمام مالك , والإمام الشافعي بذلك , ومما قاله الإمام الشافعي : يا اهل بيت رسول الله حبكم … فرض من الله في القران انزله كفاكم من عظيم الشأن إنكم … من لم يصل عليكم لا صلاة له

والمتأمل في أحوال المسلمين اليوم , لاسيما بعد ظهور وانتشار ظاهرة الارهاب وانقسام العلماء بين مؤيد ورافض لهذه الظاهرة الشاذة , حتى أصبح الجهال أمراء ينهون عن المعروف ويأمرون بالمنكر وهو قطع الرؤوس وشق الصدور واكل القلوب البشرية , وتدمير ممتلكات الناس والاغارة على الامنين , والاستعانة بالاجنبي وبالظالمين من الحكام , مع انتشار العقوق والفساد في كل شيئ وتهتك الاخلاق , وانتشار الإباحية حتى اصبح الزواج المثلي مباحا ومشرعا في بعض الدول , امام كل هذه الحالات من التناقض والخلاف الذي وصل اليه المجتمع البشري , والذي لايزال ينتظره الكثير من البلاء والابتلاء , حتى يصل الى درجة من الإحباط والخواء بعد ان تستهلكه الحروب

وتتفشى فيه الأمراض , ويقعده الفقر والعوز , ولكن الامل في الخلاص والتغيير يظل صفة ملازمة للفطرة البشرية التي نعبر عنها من زاوية علم الاجتماع وعلم النفس بالحاجة , وهذه الحاجة قاسم مشترك بين جميع البشر , وعلى ضوء هذه الحاجة , ياتي دور المخلص , ومن الناحية المعرفية , فالمخلص لابد ان يكون ممن يحمل مؤهلات التاويل والتفسير بحق , وهذا الشرط متوفر في بقية الله الصالحة ” الإمام المهدي المنتظر ” الذي مكن الله له كما مكن لذي القرنين , وأعطاه الحكم صبيا كما أعطى عيسى ويحيى , وسهل له أمره كما سهل لفتية اهل الكهف عندما انامهم الله أكثر من ثلاثمائة سنة ثم بعثهم وكما اثبت حجته على الذي أماته مائة عام , ثم بعثه ليقول لبثت يوما او بعض يوم

ان انتظار الإمام المهدي قضية معرفية وهي حاجة بشرية , تتضافر عوامل التدافع البشري , وعوامل التغير الكوني على تقريب استحقاقها , وهذه جميعا تبدو واضحة لمن له قلب وألقى السمع وهو شهيد .

التعليقات معطلة