Pdf copy 1

مازلت مؤمنا, أن لا شيء أنهى هيبة الصحافة العراقية، ووجّه إليها الطعنة الموجعة مثل بدعة «التكريمات» التي تحولت إلى ظاهرة في الثمانينات، وبلغت أعلى مستوى لها في التسعينات، ومع أنني من الداعين الى ضرورة قيام الدولة بتكريم مبدعيها ورعايتهم، ولكن الذي حصل في العراق عبر هذين العقدين، لم يكن تكريم دولة ولم يكن على قاعدة الإبداع، فقد طبعت التكريمات من ناحية بطابع شخصي، حتى بات اسمها الشائع (تكريمات صدام)، ومن ناحية أخرى وهي الأشد إيذاءً، فان الابداع اصبح مؤطرا بضوابط تحدد مضامينه، ولم تخرج تلك المضامين عن موضوع واحد، هو التغني بأمجاد القائد وبطولاته الفردية، وليس ثمة فروق بين مبدعي هذا النمط إلا في التفاصيل، ومن هنا لم يتم الالتفات إلى عشرات، بل مئات المبدعين الحقيقيين في الأدب والفن والصحافة لأنهم لم يجيّروا أعمالهم للرئيس، ناهيك عن مئات المبدعين في مجالات الهندسة والطب والرياضة وشتى الميادين العلمية، وهكذا خلقت تكريمات التغني بالقائد جيشا من شحاذي الصحافة يقفون على باب السلطان، ويمطرونه بالغث والسمين من المدائح المفتعلة، حتى لأكاد اقسم، ان كتاباتهم جميعا افتقرت الى ادنى حدود الابداع، وان صدرت عن مبدعين كونها خالية من الإيمان والصدقية ومع ذلك كانت السلطة تشجع هذا النمط، وتغدق عليه طالما يسير في ركب المضامين المطلوبة، وشيئا فشيئا اخذ الإبداع الصحفي بالتراجع حتى مات تلقائياً، ليس بسبب نوافذ الحرية النادرة فقط، بل كذلك بسبب التكريم!!

لا اسلخ ذلك التهافت الصحفي عن طبيعة المرحلة، وخاصة التسعينات او عقد الحصار والجوع والحاجة (وأنا لا ابحث عن تبرير لذلك التهافت، ولكنني اصف ظروف المرحلة)، فقد برزت إشكالية جديدة، أطاحت بأقلام إبداعية نظيفة، حاول أصحابها النأي بأنفسهم عن مائدة السلطان الى آخر مدى ممكن، فإذا كان من الصحيح ان السلطة (بصورة عامة) لم تجبر أحداً على المشاركة في مائدتها المفتوحة للجميع، فانه من الصحيح كذلك ان من يقربها يقرب من النعيم، وينتقل من الحاجة إلى البحبوحة، ومن الجوع الى التخمة، فالى اي مدى ممكن يستطيع من نأى بنفسه ان يحتمل وقائع الحصار والجوع والحاجة اليومية الملحة ولهذا تخاذلت الأقلام النظيفة (الا من رحم ربي) تحت ضغط المتطلبات الموجعة، وأمام إغراءات المائدة الشهية، وبذلك انتصرت تكريمات الرئيس على المبادئ والصمود والتعفف، ولعل فجيعة الانتصار تلك كانت وراء من التمس كرامته في الهجرة او حافظ عليها تحت وطأة الفاقة!!

أخيرا، وانا في محراب كلية الإعلام وقد انتعشت ذاكرتي، أرى من واجبي الابوي ان ادعوا أبنائي طلبة الإعلام الى الأخذ بهاتين النصيحتين، الاولى ان لا يمدوا ايديهم الى الحكومة ولا يشاركون في ولائمها، لان الحكومة اذا كانت من فضة فالابتعاد عنها من ذهب، والثانية أن لا يعملوا بنصيحتي السابقة لأنهم سيموتون جوعا ويندمون طول العمر !!

التعليقات معطلة