سمعت برحيله متأخرا فله الرحمة, قال تعالى “والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا ان لله عليم قدير” – 70- النحل –

جاءني الصديق أحمد السعدي عضو نادي الصيد العراقي الذي كثيرا ما كان يحدثني عن طريقة صيد الأميركيين للدراج العراقي ونقله إلى أميركا, والسيد أحمد السعدي هو صهر المرحوم ناجي طالب في يوم من أيام عام 2008 ليقول لي: إن الأستاذ ناجي طالب يرغب باللقاء بك فكيف تحب؟ 

فقلت له: الأستاذ ناجي طالب وهو في عمر التسعين يجب علينا نحن القيام بزيارته, فبدت علامات الفرحة على محيا صديقي, ثم قال: وبهذه المناسبة زوجتي تقول سيكون إفطارك في بيتنا, وكان الوقت هو شهر رمضان المبارك.

ولأن منزل المرحوم ناجي طالب كان في منطقة المنصور التي لا تخلو من مشاكل أمنية بسبب بعض الخلايا الإرهابية التي تسببت بالأذى لأهالي هذه المنطقة الجميلة من بغداد, مثلما تسببت بالأذى لبقية مناطق بغداد وبعض المحافظات في تلك الأيام, لذلك طلبت من صديقي السعدي أن يصطحبني هو بسيارته من مقر إقامتي بالكرادة إلى منزل المرحوم ناجي طالب.

وأذكر أنني اصطحبت معي ولدي حسين الذي كان طالبا في كلية الهندسة – قسم الكهرباء – وهو اليوم طالب ماجستير هندسة الاتصالات – مرحلة البحث ويتهيأ لتقديم رسالته عن الجيل الرابع للموبايلات.

استقبلنا المرحوم ناجي طالب بحيوية يحسد عليها رغم أن ثقل السنين عمريا بدا واضحا عليه “جسم نحيل رشيق يحتفظ بأناقة العسكري المثقف”.

جلسنا لوحدنا في صالون الاستقبال, وأخذنا أطراف الحديث ولهيب السياسة العراقية يحتضن جلستنا, وجدت الأستاذ ناجي طالب شغوفا بسماع كل ما يتعلق بالسياسة من أحزاب وحكومة ومشاريع ومستقبل.

قدمت له في البداية أحد مؤلفاتي وهو بعنوان “القاعدة الشعبية واللعبة السياسية ” فتلقفه بلهفة عرفت من خلالها ولع الرجل بالقراءة والمتابعة.

لم أكن قد التقيت بالأستاذ ناجي طالب من قبل, وعندما أصبح رئيسا لوزراء العراق عام 1966 كنت طالبا في كلية طب الموصل, وكان ابن أخيه “الدكتور علي كاظم طالب” زميلي في كلية طب الموصل والذي لم أره منذ افتراقنا حتى زيارتي لعمه الأستاذ ناجي طالب حيث كلمه صديقي السعدي وأعطاني جهاز الموبايل فتكلمت مع زميل عزيز بعد فراق طويل.

استغرق لقاؤنا ما يقرب من ثلاث ساعات, كان المرحوم يتمتع بحيوية ملفتة للنظر يفتقدها شباب وكهول اليوم, وكنت حريصا على ألا أسبب له إرهاقا، فرجل في التسعين من العمر وأنا طبيب أعرف ماذا يعني هذا العمر لصاحبه, ولكنه كان في حالة من الانسجام والرغبة الواضحة في مواصلة الحديث بطريقة منظمة تنم عن خبرة رجل السياسة والدولة, مثلما تنم عن شخصية رجل سليل الاجتماع العراقي بكل أصالته وعمقه التاريخي.

سألني عن الانتخابات, وعن الاحزاب والكتل, وعن المذاهب والفرق وكيفية تلافي الخلافات حتى لا تتحول الى خنادق طائفية، لم يكن الرجل طائفيا ولم يكن حزبيا, ولم يكن متحجرا ولا متزمتا بالرغم من أنه قضى شبابه في عصر ملكي ومناخ عسكري وتقلبات في التحالفات واضطرابات أفسدت كل شيء في السياسة والاجتماع وكان قريبا من خلية الأزمة السياسية لما يزيد عن نصف قرن.

وجدته مستمعا شغوفا بالحديث السياسي المعرفي, ووجدته متحدثا منظما في حديثه باحثا عن الحلول لعراق تحتوشه الشراك والخلافات والمشاريع التي لا تنتمي لهوية الوطن.

ناجي طالب وجدته وطنيا لا يمل عن الحديث عن الوطن وهو في سن التسعين وفيا متواضعا متواصلا مع نبض الحياة بقناعة واطمئنان, وهذا ما نفتقده اليوم في أروقة السياسة والحكم، فرحم الله ناجي طالب الذي لا يزال ولدي المهندس حسين يتذكره عندما ختم لقاءنا بقوله: يا حسين عليك بوالدك هذا تمسك به بكلتا يديك، وهو تقييم أعتز به من رجل غادرنا وهو يحلم بعراق موحد معافى، فإن كنت لم أحضر مجلس الفاتحة على روحه فإن قراءتي للفاتحة على روحه عند سماعي بخبر وفاته هي عربون وفاء يعرفه هو ومن يعرف معنى القراءة القرآنية لأرواح الموتى.

التعليقات معطلة