تستعمل كلمة الإصلاح بكثرة في الشؤون الاجتماعية والسياسية وحسنا فعلت لجنة التحالف الوطني العراقي في تسمية ورقتها بورقة ” الإصلاح ” .
فالإصلاح : مصطلح قرآني , وكل ما هو قرآني فهو مبارك ولكن بشرط التطبيق الحقيقي على ارض الواقع حتى يتبين الناس نصيبهم
ولقد ورد مفهوم الإصلاح في ثلاث سور قرآنية كريمة هي :-
1- سورة البقرة : قال تعالى :” ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وان تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لاعنتكم إن الله عزيز حكيم – 220 – البقرة
2- سورة النساء : قال تعالى :” واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما – 16- النساء
3- سورة النساء : قال تعالى :” وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا – 35- النساء
4- سورة هود : قال تعالى :” قال يا قوم ارايتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب – 88- هود
ونلاحظ إن كلمة الإصلاح ومشتقاتها قد استعملت للدلالة على وجود مشكلة ما , رأيناها في حالة ” اليتامى ” وما يتعلق بهم وهم ظاهرة اجتماعية تحتاج التنظيم الذي يوفر الحلول لوضعـــهم وضمان مستقبلهم .
كما استعملت في الشأن النسائي في ما يخص السلوك الخاص بالمرأة وتنظيمه وهو ضرورة يحتاجها الاجتماع الإنساني وأدواته كثيرة , وأعطى القرآن للمرأة حقها في المبادرة للتغير معتمدا حضورها الإنساني وإرادتها المستجمعة للخير عندما تقوم بممارسة الإصلاح الذاتي بنفسها , ومن هنا أصبح موضوع التوبة مشروعا إنسانيا وبابا من أبواب الرحمة الإلهية وهذا ما نحتاجه في العراق في مشروع المصالحة الوطنية
وأكثر الاستعمالات وضوحا لمصطلح ” الإصلاح ” ما جاء على لسان النبي ” شعيب ” عليه السلام , فهو استعمال يستوفي القضايا الاجتماعية , والقضايا السياسية معا , فقد بين النبي شعيب لقومه : انه عندما ينهاهم عن أشياء في السلوك وفي المعاملات : لا يريد أن يخالفهم , وإنما يريد الإصلاح , ثم أوضح إن هذا الإصلاح هو جهد إنساني بتوجيه رباني , ولذلك عبر بكلمة ” ما استطعت ” ذات الدلالة الموضوعة في التواضع ثم أعقبها ” وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب ” وهو وعي إيماني ببوصلة الكون ومرجعيته , نحن بأمس الحاجة إليه في مواجهة مشكلاتنا في العراق التي يتعاون عليها وعلى إدامتها أكثر من طرف في العالم , وما الإرهاب إلا خلاصة عدوانية تمثل تلك التوجهات التي تريد بنا شرا ؟
ومن هذه المقدمة المعرفية المختصرة التي استضاءت بنور القرآن , نقول : إن الإصلاح دائما يقترن بالقول المعروف مثلما يقترن: بالخـــير , ويمكن فهرستهما كالآتي :-
1- قول معروف
2- نوايا الخير ونتائجه
3- يساوي إصلاح
ولنا أن نتفحص مسيرة المباحثات , والاجتماعات التي استغرقت وقتا طويلا , والتي كانت تتسرب أخبارها عن ” التحالف الوطني العراقي ” والذي أهدر كثيرا من الفرص نتيجة عدم توفر ” القول المعروف ” دائما , حيث تركت التصريحات بدون ضوابط , مما ساعد على تشنج الأجواء السياسية ليس على مستوى الكتل السياسية وأحزابها وإنما على المستوى السياسي في البلد , والذي انتقلت آثاره السلبية إلى الجوار , ثم المؤسسات الدولية , ثم العالم؟
ولم يتوقف الأمر على ندرة القول المعروف لمن يعنيهم الأمر , والذين يعنيهم الأمر ليسوا من داخل التحالف الوطني العراقي فقط وإنما من شركائهم في الحكم والسلطة من الكتل والأحزاب في كل من ” العراقية ” والكردستاني .
حيث لم يلحظ توفر حسن النوايا , وحسن النوايا هو ” الخير ” الذي جعلناه مقترنا بالقول المعروف لإنتاج مشروع الإصلاح في العملية السياسية برمتها , وليس ببعض أجزائها كما جاء في ورقة الإصلاح التي طرحت في المؤتمر الصحفي , والذي ستكون لنا ملاحظات لابد منها وان كان محتواها ثقيلا على البعض , إلا أن قاعدة : ” المؤمن مرآة أخيه المؤمن ” لابد من تطبيقها هنا وان اعرض عنها الجميع في مرحلة تداول السلطة ما بعد 2003 والتي لم يوفق فيها الجميع مفهوما ومصداقا.
إن تقسيم القضايا التي يراد إصلاحها إلى :
1- آنية
2- متوسطة المدى
3- بعيدة المدى
هو اختصار غير موفق من حيث التنظيم والأولويات , وتهرب واضح من مواجهة المشكلة الأساس التي أوصلت البلاد إلى طريق مسدود سياسيا ؟
واعتبار ما جرى من البعض ليس خرقا دستوريا وإنما ممارسة ديمقراطية , هو كمن يختفي وراء ظل إصبعه ؟ أو كما تفعل النعامة عندما تخفي رأسها في الرمال ؟ وهو بالتالي ليس حلا للمشاكل وإنما هو الدوران في الحلقة المفرغة ؟
إن الدستور مرجع لا يمكن الابتعاد عنه , لاسيما وان المختلفين كانوا يصوبون آراءهم بالدستور ويخطئون غيرهم بالدستور ؟
وإذا عرفنا ما في ورقة الإصلاح لا يلبي طموحات المعارضين فانه لا يلبي حاجات العراقيين فضلا عن طموحاتهم التي تشكل تحديا لكل من لا يعرف كيف تشكل اللجان وكيف يختار أعضاءها من الذين ليس فيهم مزور للشهادة وفاقد لأهلية القيادة , مثلما تشكل تحديا للذين لا يعرفون حاجة الدولة للعقول , وحاجة الحكم للأصول التي تشكل العدالة أمها , والأخلاق ثمارها , ومن يكلم الصحفيين بلغة ” بابا ” يشوه الثمار ويفسدها وان لم يقصد ذلك ؟