قراءة في الموقف السياسي للكتل والأحزاب وبعض الأسماء من خلال ضبابية الموقف السياسي وافتعال الأزمات التي أدخلت البلاد في نفق الاحتقان الحزبي-الحكومي بين المركز والإقليم، ثم بين أحزاب السلطة التي تعاني جميعا من افتقادها مشروعا للدولة وقيادة المجتمع.
أسفرت اجتماعات أربيل والنجف عن نتائج غير نهائية تتراوح بين تطبيق مطالب غير واضحة تتعلق باتفاقية اربيل التي لا يعرفها الا من حضرها، والتي ظهر البعض منها لا ينسجم مع نصوص الدستور الذي اعتبر مستفتى عليه من قبل الشعب العراقي مما يجعله مصدرا تشريعيا يلغي ما قبله وما بعده من النصوص وهذه الحقيقة يجب ان يعرفها كل السياسيين وكل أفراد الشعب العراقي.
وبين مطالب سحب الثقة التي لم يكن مجمعا عليها، ولكن البعض استعملها للتهديد، مما ضيع عليه فرصة التواصل مع الكتل النيابية التي تعرضت الى تشتت بحيث اصبح البعض من أعضائها لا يلتزمون بالموقف الانتخابي لكتلهم التي لم تحسن ادارة الموقف السياسي من 2010 إلى اليوم.
ومن خلال أجواء الاحتقان السياسي الذي يعم البلاد، والذي خفف من وطأته اجتماع “5+1” في بغداد، مثلما خففت من حدته وجود اتفاقيات ومواقف جديدة منها التأكيد على استمرار تزويد العراق بطائرات “أف 16 المتطورة، ومواقف أخرى مشابهة لكل من:
1- الولايات المتحدة الأمريكية.
2- بريطانيا.
3- فرنسا.
4- ايطاليا.
وكان المفروض بالكتل والأحزاب العراقية لاسيما تلك التي حضرت اجتماعات أربيل والنجف ان تأخذ بالحسبان مواقف الدول المؤثرة بوضع المنطقة والعالم، مثلما كان المفروض بها ان تلتفت إلى نصوص الدستور العراقي عندما تقترب من التلويح بسحب الثقة، او أي شيء يقترب من تبديل رئيس الحكومة او أي مسؤول من الدرجة الأولى في الدولة العراقية.
ومن خلال الاحتقان السياسي الذي خيم على الشارع العراقي فقد ظهرت ممارسات مدانة دستوريا منها على سبيل المثال:
1- قيام إقليم كردستان بقطع أنبوب النفط من كردستان عن الأنبوب الرئيسي للنفط العراقي الذي يدار دستوريا من قبل الحكومة المركزية.
2- إعلان حكومة إقليم كردستان العراق عن نيتها مد أنبوب نفط إلى ميناء جيهان التركي لتنفرد في تصدير النفط، وهذا الامر هو الآخر مخالف للدستور العراقي وهو الذي دعا السيد جلال طالباني بالتهديد بتقديم استقالته كما نشرت بعض الصحف ذلك وهو رد على موقف حكومة إقليم كردستان لصالح حكومة المركز.
3- إعلان السيد مسعود بارزاني عن فقدان الثقة بالسيد نوري المالكي وقيامه بالتحريض على تبديله، حتى اعتبر من لا يفعل ذلك سيقع في الندامة وهو رد على موقف السيد مقتدى الصدر.
4- دعوة السيد مسعود بارزاني سكان إقليم كردستان العراق إلى الاستفتاء لصالح الانفصال على حساب البقاء ضمن الفدرالية، وهو مخالفة دستورية لا غبار عليها.
5- تصريحات استفزازية من قبل السيد مسعود بارزاني ضد السيد نوري المالكي على اثر عقد اجتماع مجلس الوزراء في كركوك.
6- تصريحات لبعض السياسيين الكرد وبعض أعضاء البرلمان الكرد لا تقل درجة عن الاستفزاز ضد السيد نوري المالكي مما ليس لها غطاء دستوري.
7- عدم التزام رئاسة وحكومة اقليم كردستان العراق بالمادة “13” من الدستور العراقي والتي تنص على “… لا يجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور، ويعد باطلا كل نص يرد في دساتير الأقاليم او اي نص قانوني آخر يتعارض معه”.
كما ان الحراك السياسي لبعض الأطراف لاسيما من قبل حكومة ورئاسة اقليم كردستان العراق لم يكن آخذا بنظر الاعتبار نصوص المواد “108” و “109” من الدستور العراقي، فالأول ينص على أن ثروة النفط والغاز ملك للشعب العراقي، والثاني ينص على صلاحيات الحكومة المركزية في إدارة شؤون النفط والغاز، وكذلك المادة “116 ” من الدستور العراقي التي نصت على ان لا يجوز للأقاليم تشريع نصوص تتعارض مع الدستور العراقي.
ان المراوحة في تسريبات كل من:
1- سحب الثقة عن رئيس الحكومة
2- الدعوة الى انتخابات مبكرة
3- ترشيح بدلاء للسيد نوري المالكي من داخل التحالف الوطني
وهذه جميعها مازالت محكومة بمزاج شخصي، تتقدمها مواقف السيد مسعود بارزاني التي تحولت الى تراكمات شخصية لاتنتمي الى المطالب الوطنية، مع ظهور مواقف لبعض قادة الكتل والاحزاب فيها العلني الذي اسقطته قائمته بانقسامها مثل: العراقية، وفيها البراغماتي المتداخل مع شريط طويل من المواقف والحسابات غير المحسومة بشكل نهائي : مثل موقف السيد مقتدى الصدر، ومواقف اخرى صغيرة متناثرة لا تشكل رقما في المعادلة السياسية، ولكنها تؤخذ بنظر الاعتبار في تصويت البرلمان.
إن ظاهرة التشرذم والتفتيت التي تواجه الدولة العراقية اليوم والتي تواجه تحديات الداخل على الشكل الآتي:
1- اقليم كردستان ورئاسته التي مارست كل انواع الخروقات الدستورية، ولقد بينا في مقالة سابقة ان السيد مسعود بارزاني في دعوته للاستفتاء على الانفصال وترك الفدرالية قد خالف ” 8″ مواد من الدستور العراقي، ونحن من زاوية تحليلية بحثية لا يمكن أن نكون مع من يخالف الدستور العراقي بهذا الوضوح، ثم يطالب بتطبيق الدستور؟
2- رفض السيد مسعود بارزاني تسليح الجيش العراقي، وهذا الرفض الذي لا يمتلك مبررات الشراكة الوطنية، لم يبق في حاضنة الحوارات الداخلية حتى يمكن للمراقب التأمل فيه وانما مشى به السيد مسعود بارزاني في خانات غير عراقية وطرحه في لقاءات خارجية مما جعله يمثل تحديا للدولة العراقية ونظامها وليس لشخص السيد رئيس الحكومة نوري المالكي الذي لا نميل إليه بمقدار ما نميل الى الحرص على وجود الدولة والنظام، وهو حرص عقلائي يغترف من أعالي الحكمة والفهم لمواجهة الأزمات مع امتلاك صورة لفهم السياسة الدولية والمخططات الجارية للمنطقة ومنها العراق، وهذا المستوى من الفهم واستجماع أعالي المعرفة قد لا يروق للبعض، لاسيما أولئك الذين لا نصيب لهم من المعرفة السياسية سوى النفخ في الأسماء والشعارات بطريقة سوقية تذبح عند عتبتها المبادئ والأخلاق والقيم لتطلع الفتنة من رؤوس الطائفية والعنصرية والحزبية وتعم الفوضى، وهذا ما نخشاه اليوم على العراق.
3- وجود تشرذم وضعف بنيوي مخلوط بضبابية وميوعة مواقف لا تخدم الموقف الوطني لأنها لا تنتصر للحق وغير قادرة على هزيمة الباطل، وهذه الحالة تمثل تاريخيا محنة الرجال الكبار من أصحاب القيم والمثل والذين تفت في عضدهم غوغاء لا تهتدي إلى طريق الحق والصلاح؟
أما الخارج والمناخ الدولي المختنق بدخان الأزمات التي قادته إلى تبني المجاميع والعصابات التي يدينها في العلن ويتحالف معها في السر الذي لم يعد سرا بعد أحداث المنطقة في كل من المناطق التالية:
1- البحرين وظلامة أهلها المسالمين.
2- سورية ومحنة غالبية شعبها مع عصابات الجريمة والإرهاب المنظم المدعوم من قبل انظمة التبعية الفاقدة للهوية في المنطقة العربية والإسلامية.
3- اليمن وضياع المطالب وتفتت الدولة.
4- ليبيا ونار الانقسام العشائري بسبب فتنة تنظيم القاعدة.
5- تونس وتفجير الخلافات مع افتقاد البرامج التي توحد الشارع.
6- مصر ودوامة العسكر وأحزاب الشارع المتعدد الولاءات وحضور المال الفتنة.
ومع هذه العوامل والاسباب الداخلية والخارجية من الضروري اضافة العوامل الخارجية التالية الى ملف المنطقة :-
1- الوجود الصهيوني الحاضر للفتنة وأدواته والمتدخل تحت أغطية وعناوين مموهة كثيرة، والذي اصبح من اصحاب الخبرة في المنطقة على مستوى الانظمة، والأحزاب، والعشائر، والحاضنات الدينية، ومنظمات المجتمع المدني.
2- الوجود التركي الاردوغاني صاحب الدور المفاجئ والجديد من خلال الازمة السورية والمتسلح برضا صهيوني وقبول خليجي مترهل، ودعم أمريكي يمثله الدرع الصاروخي والمستحضر بشكل خفي لايام السلطنة العثمانية للحصول على حصة الولاء الطائفي من قبل احزاب التيار السلفي.
3- الحضور الكاريكاتيري لأنظمة التبعية والذل الفاقد للهوية من ايام لورنس العرب والصحفية المس بل التي تلاعبت بمزاج المراهقين السياسيين في ايامها فكان اختيار فصيل ملكا للعراق هو الخلطة التي ضيعت الهوية وابقت على التخندق الطائفي حاضرا في الملفات السرية، وهو تماما ما حصل بعد 2003 في العراق مرة ثانية بتقسيم الشعب العراقي إلى:
ا- شيعة
ب- اكراد
ت- سنة
وهو التقسيم القاتل لهوية الوطن والمستحضر للانقسام والانفصال بتصميم جو بايدن نائب الرئيس الامريكي الذي يسعى مع قادة الفهم التوراتي الامريكي لتوفير الامن لاسرائيل مع عدم نسيان وصية “هنري كيسنجر” وزير خارجية امريكا الأسبق بتفتيت المنطقة إلى دويلات، حيث يقوم اليوم كل من ليبرمان من مجلس الشيوخ الأمريكي وفيلتمان معاون وزير الخارجية الامريكي بالتحضير لتفتيت لبنان من خلال الأزمة السورية التي يمنحوها وقتا اطول لنيل المطالب التي وضعوها بالتقسيم ؟
ان وجود ازمة النووي الإيراني بجوار العراق التي انعكست آثارها على الوجود الخليجي ببدعة إنشاء الدرع الصاروخي الأمريكي في الخليج بتقنية أمريكية ومال خليجي مستنزف دائما للازمات وليس لصالح شعبه كما حدث في الحرب العراقية الإيرانية.
هذه الاجواء التصعيدية ضد إيران يراد ترجمتها طائفيا ضد العراق وحكومة العراق، وذلك باستدراج مشاعر سلفية ودفع تنظيم وهابي ارهابي لايعرف الا الكراهية والتكفير الى اشاعة اتهامات الحكم في العراق بالتعاطف الفارسي والميل الشيعي، وهي تهم جزافية تستغفل العقل الشعبي الذي لايقدر ضرورات العلاقات الدولية لاسيما الجيران، مثلما لايقدر الحقوق الانسانية للشعبين من خلال ممارسة طقوس الزيارة الدينية وهي حق اعترفت به لائحة حقوق الانسان في الامم المتحدة، ولكن الأطراف المشحونة بالتعصب الطائفي والكراهية للاخر اصبحت حصان طروادة في المنطقة للمشاريع الدولية من خلال استحضار العامل الطائفي للتفتيت وحدة المجتمعات في المنطقة، وتنظيم القاعدة الوهابي الارهابي وانظمة التبعية في المنطقة التي وجدت من التيار السلفي واحزاب الطائفة السنية مع تنظيم القاعدة بتوصية امريكية رحمة بأمن إسرائيل ان تحرك هذه الأحزاب طائفيا ليصبح الحكم في العراق محاصرا بشبهة إيران، وهي شبهة مصطنعة يراد منها تخريب الاجتماع العراقي وإضعاف الدولة العراقية من خلال تحميلها تهم ومواقف ليست من خطها الوطني ولا من متبنياتها الإستراتيجية في قيام الدولة المدنية التي تحترم طقوس وعادات شعبها مثلما تحترم طقوس وعادات شعوب العالم والمنطقة ولاسيما جيرانها ومنها ايران، ومن عجائب المفارقات في موقف المنددين بايران اليوم وهي تعلن الحكم الاسلامي شعارا يضل قابلا للتحليل والتقييم وتقوم بدعم المقاومة الفلسطينية في غزة التي نساها العرب والمقاومة اللبنانية التي اعترف العدو الاسرائيلي بقوتها وصلابتها بينما نرى ونسمع كيل التهم لها من قبل بعض الانظمة العربية ومعها بعض النفوس التي اشبعت بالكراهة الطائفية، فايران هذه اليوم التي تبني لنفسها مجدا علميا يتحامل عليها بعض العرب ويقفون الى جانب اسرائيل في ازمتها النووية بينما نفس هذه الانظمة ومن معها كانوا اصدقاء لشاه ايران الذي فتح سفارة لإسرائيل في طهران وجعل الشبيبة الاوربية الجوالة تتخذ من بحر قزوين ميدانا لنشر الميوعة والانحلال في وسط الشباب الايراني في تلك الفترة، وجعل من الامريكي سيدا في ايران لا يحاكم من قبل المحاكم الايرانية وجعل المواطن الإيراني ذليلا ؟
فكيف يمكن فهم هذه المواقف دون ادانتها، وكيف يمكن للمحلل والباحث في الشأن الدولي أن يتقبل تدخل أصحاب تلك المواقف المدانة في الشأن العراقي الداخلي ولاسيما من خلال الأزمة المفتعلة اليوم حول رئيس الحكومة نوري المالكي.
ان الدعوات التي تمحورت حول إقالة نوري المالكي لم تقدم للشعب العراقي مشروعا وطنيا في الحكم والإدارة، وانما اكتفت بدعوات شخصية ومعها طموحات فردية للبعض ممن لم يكونوا على قدر من المقبولية في تجاربهم الصغيرة والمحدودة، فكيف يراد لهم ان يتبوءوا رئاسة الحكومة وهم لا يمتلكون مصداقية القدرة على ذلك ولهذا يراد ادخال البلاد في نفق التجارب غير المكتملة والانتهازية حتى يتاح لاصحاب المشاريع الانفصالية والطموحات الشخصية ان يحققوا لهم ما يريدون، لينسحب منهم من ينسحب لتحقيق مشروعه الانفصالي المعلن والمؤجل، وليحصل على بعض الامتيازات من لا تهمه الا المكاسب الشخصية والحزبية، وليبقى العراق في دوامته على طريقة من قال: “ليسلم رأسي وليكن بعدي الطوفان”.
وهذا الصنف من الناس يطلق عليهم “راكبو القطارات” فهم ينتظرون على الرصيف، ورصيف الاحداث في غياب الوعي يحمل النطيحة والمتردية، وقد عانينا من مرارة ذلك بعد 2003 وما بعدها ولازلنا في دوامة ضجيج مراهقي وأدعياء السلطة والسياسة.
واليوم عندما يحتدم النقاش حول رئيس الحكومة من خلال نوايا انفصالية ومصالح شخصية بعيدا عن مشروع الحكم الصالح الذي ياخذ على عاتقه صياغة قانون الانتخابات، واعادة كتابة الدستور واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات بما يجعلها مؤهلة لادارة العملية الانتخابية بروح عصرية ونفس ديمقراطي، وبعيدا عن هموم المواطن الذي تكدست عليه صنوف المعاناة، فهذا الاحتدام الذي تشارك به فضائيات متحيزة، وأطراف تستقي المعلومة من نوافذ خارجية، واخرى تعاني من عدم نضج سياسي مدفوعة بإرث لا تمتلك القدرة على ترجمته بواقعية تريح المواطن والوطن، لذلك كله، وبانتظار انتهاء دورة البرلمان والحكومة، فان السيد نوري المالكي رغم كل المؤاخذات المسجلة عليه من جراء الذين حوله وهو الخندق الذي لم يستطع مغادرته والذي لا يمتلك معه أسبابا مقنعة لبقائه فيه وهذا الخندق هو وراء اغلب الفساد المسجل في مرحلة السيد نوري المالكي، ومع هذه الرؤية وعمقها فان السيد نوري المالكي بلحاظ استكمال مدة الدورة الانتخابية هو الأفضل قياسا للأسماء التي تداولها الإعلام بطريقة ترويجية لا تخلو من المنافسة غير البريئة التي تستحضر المصالح الشخصية وتنسى المصالح الوطنية، فبعض الأسماء نفس الأطراف صاحبة الدعوة للتبديل هي من انقلبت عليها وأسقطتها في مرحلة سابقة، وبعضها فشل في تجربة صغيرة ومحدودة في الحكم وخرج بملفات تنتظره في حقوق الإنسان والطائفية والانتماء للأجنبي، والبعض الآخر مستهلك معزوف عنه شعبيا ومحاصر إقليميا بملفات لا يصلح صاحبها ان يتصدى في مرحلة لم تستقر فيها الأوضاع.
واما هذه الأرقام لا يمكن القبول بالمجهول الذي تضيع معه البلاد، ويمكن معها القبول بالمعلوم الأخطاء والثغرات والمعروف بالوطنية والتاريخ النظيف، وهذا هو حكم العقل ومنطق الصواب.