ج2
وخلاصة ما توصلنا له في الجزء الأول: ان النفس إذا غلبت عليها القوة الشهوية سميت “بالبهيمية” وإذا غلبت عليها الغضبية سميت “سبعية” وان غلبت عليها العقلية سميت ” الملكية او الإلهية”.
واالفائدة من وجود القوة الشهوية هو بقاء البدن وهو وسيلة تحصيل الكمال النفسي.
وفائدة الغضبية ان يكسر سورة الشهوية والشيطانية عند انغماسهما في الخدع والشهوات , لان هذه القوى في حال تمردهما لا تطيعان القوة العاقلة بسهولة , بينما في حالة وجود الغضبية فأنهما تطيعانها وتتأدبان بتأديبها بسهولة , ومن هنا يأتي ضرورة وجود الحكومة في المجتمع, والحكومة في مثل هذه الحالة يمثلها: الشرطي والجندي .
ولذلك قال افلاطون : السبعية بمنزلة ” الذهب” في اللين والانعطاف .
واما البهيمية فهي بمنزلة : ” الحديد في الكثافة والامتناع ”
ولذلك قال : ما أصعب ان يصير الخائض في الشهوات فاضلا.
فالقوة الغضبية هي المهيجة للغيرة والحمية, والغيرة والحمية هما من يقهر الشهوات, ومن ليست لديه غيرة ولا حمية فهو بعيد عن الإصلاح , ومن وجدت عنده الغيرة والحمية فالإصلاح معه ممكن فإن سبيل الخيرات مفتوح وأبواب الرحمة الالهية غير مسدودة – جامع السعادات – محمد مهدي النراقي ج1 ص62
قال تعالى :” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ” – العنكبوت – 69.
والقوة الوهمية : وظيفتها إدراك المعاني الجزئية واستنباط الوسائل التي يتوصل بها الى الغايات الصحيحة , ولتوضيح ذلك ان الخيال والمتخيلة هي ثلاث قوى على الشكل الأتي:
1- إدراك المعاني الجزئية ” كحب فلان مثلا ”
2- إدراك الصور ” كصورة فلان مثلا”
3- القدرة على التركيب والتفصيل في الصور
وكل من مدركات تلك القوى الثلاث فهي اما مطابقة للواقع او مخترعة من دون تحقق, وأما من مقتضيات العقل والشريعة وهي الوسائل إلى المقاصد الصحيحة , فالنفس إذا تابعت ” الواهمة ” وأخذت بطريق الحيل والمكر في سبيل التوصل الى الأهداف سميت ” شيطانية ”
ولكل من هذه القوى ثلاث حالات هي :
1- حالة الكمال
2- حالة اعتدال
3- حالة تفريط وإفراط
وحالة الاعتدال : ان يكون الإنسان عفيفا عقلا وشرعا
فللقوة الغضبية : كمال هو الشجاعة , وتفريط ونقصان هو الجبن ولها إفراط هو ” التهور”.
اما القوة الفكرية فكمالها هو ” الحكمة ” وتفريطها ” البله ” وإفراطها ” الجربزة ” او التشدق.
ولكل من هذه القوى رغبة وإرادة تسعى لها وتدفع بالإنسان اليها حتى لو كانت على حساب بقية القوى , فمثلا حالة ” الأكل ” وهو من مطالب القوة ” الشهوية ” قال تعالى :” ولحم طير مما يشتهون”.
فكثرة الأكل مثلا يؤدي الى الخمول والكسل ” قال النبي محمد “” (نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع) وهي أهم قاعدة صحية في نظام الأكل والصحة وضعت للناس على مستوى العالم .
فالتزاحم بين هذه القوى يقع في دائرة النفس, ولهذا قال النبي “ص” للذين رجعوا من الجهاد 🙁 مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر) ” – الكافي – ج5 ص 12
لأن معركة صراع الرغبات باقية مع الإنسان مدى عمره مادام له غضب وشهوة وعقل .
فالعدالة في “علم الأخلاق” هي الوسط في كل شيء على مستوى ” الفرد ” وعلى مستوى ” الجماعة ” او ” الامة ” قال تعالى :” وجعلناكم امة وسطى” وقال تعالى ” أهدنا الصراط المستقيم , صراط الذين أنعمت عليهم” – الحمد – 6-7. وقال تعالى ” ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ” – النساء – 69.
قال عبد الله بن سنان : سألت جعفر بن محمد الصادق “ع” : فقلت الملائكة أفضل أم بنو ادم؟
فقال “ع” : “إن الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة, وركب في البهائم شهوة بلا عقل, وركب في بني ادم كليهما, فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة, ومن غلب شهوته عقله فهو شر من البهائم”.
قال تعالى ” ولقد ذرانا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم أذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ” – الأعراف – 179. وقال تعالى ” أم تحسب ان أكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ” – الفرقان – 44.
أصول الأخلاق الفاضلة:
وتنبع من الملكات الأربع وهي:
1- القوى الظاهرة : الحواس الخمس
2- القوى الباطنة: نباتية: وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة, والقوى الخادمة وهي: الغاذية والنامية والمولدة والمصورة , والقوى المدركة في الباطن وهي الحس المشترك والمتخيلة والوهم والحافظة والمفكرة.
3- القوى المحركة وهي : الباعثة : شهوية وغضبية, والفاعلة وهي التي تحرك الأعضاء.
4- القوى العقلية : وهي أربع : ما تفرق الانسان عن البهائم , وما تميز الصبي, وما تحصل العلوم المستفادة من التجارب , وما يعرف بها حقائق الأمور.
والأخلاق الفاضلة هي:
1- العفّة
2- الشجاعة
3- الحكمة
4- العدالة
ولكل من هذه فروع ترجع اليها كما يرجع النوع الى الجنس, وهي مثل:
ا- الجود
ب- السخاء
ت- القناعة
ث- الشكر
ج- الصبر
ح- الشهامة
خ- الجرأة
د- الحياء
ذ- الغيرة
ر- النصيحة
ز- الكرامة
س- التواضع
فمثلا يدخل تحت ” الحكمة ” ست صفات هي:
1- الذكاء : وهو سرعة انتاج القضايا وسهولة استخراجها حتى تصبح ملكة.
2- سرعة الفهم : وهو حركة النفس من الملزومات الى اللوازم بلا توقف
3- صفاء الذهن : وهو استعداد النفس لاستخراج المطالب بلا اضطراب
4- سهولة التعلم : وهو ان يكون للنفس قابلية في اكتساب المطالب بلا ممانعة الخواطر االمختلفة.
5- التحفظ : وهو ان يكون صور الأمور المدركة بالعقل بقوة التفكر والتخيل حاصلة بدون ابطاء.
6- التذكر: وهو ان تلاحظ النفس الصور المحفوظة في أي وقت شاءت بسهولة من جهة الملكة المكتسبة.
ومن المناسب ان نعرف ما يدخل تحت الشجاعة على الشكل الآتي:
1- كبر النفس : وهو عدم المبالاة بالكرامة والهوان
2- النجدة : وهو ان يكون الإنسان واثقا بثبات نفسه عند الخوف من الجزع الذي يجعل الاعضاء تضطرب وهذه تدخل في لغة الجسد واشارات البدن وهو اليوم من العلوم التي تدرس في الاختصاصات العليا من علم النفس والجهاز العصبي وتأثير الانفعالات.
3- علو الهمة: وهو ان لا تكون النفس مستبشرة بالسعادة الدنيوية ولا متضجرة منها غير خائفة من الموت.
4- ثبات الهمة : وهو ان تكون للإنسان قوة مقاومة الآلام والشدائد.
5- الحلم : وهو قوة تمنع النفس من الغضب بسهولة
6- السكون : وهو ان تكون النفس حريصة على اقتناء الامور العظيمة لتوقع الذكر الجميل.
7- التحمل : وهو ان تكون النفس قوية على استعمالات الآلات من اجل اكتساب الأمور اللائقة.
8- التواضع : وهو ان لا تضع لنفسك مرتبة على من هم دونك
9- الحمية : وهو ان يحافظ الانسان على ما يجب المحافظة عليه من غير تهاون: مثل تجاه الجار والعرض.
10- الرقة : وهو ان تكون النفس متأثرة مما يصيب ابناء الجنس البشري مثل الارهاب اليوم مع عدم الاضطراب.
ويدخل تحت العفة ما يلي:
1- الحياء : وهو تغير يحصل عند استشعار القبيح لئلا تقع في دائرة المذمة
2- الرفق : وهو انقياد النفس الى الامور الجاذبة لاسيما من جهة الشرع
3- حسن الهدى : وهو ان تكون النفس في تكميل ذاتها راغبة صادقة
4- المسالمة : وهو ان تظهر المجاملة في النفس عند المنازعة في الاراء بلا اضطراب
5- الدعة : وهو ان تكون ساكنة عند حركة الشهوة مالكة لزمام امرها
6- الصبر : وهو مقاومة النفس للأمور الملذة القبيحة حتى لا تصدر عنها
7- القناعة : وهو رضاء النفس بضرورات البدن
8- الوقار : وهو حالة النفس عند توجهها الى المطالب خالية عن الاضطراب
9- الورع : وهو ان تكون النفس ملازمة على الافعال الجيدة والاعمال اللائقة ” وقد عرف الورع : الوقوف عند الشبهات “.
10- الانتظام: وهو ان يكون للنفس تقرير وترتيب حسب الواجب ورعاية المصالح.
11- الحرمة : وهو ان تتمكن النفس من اكتساب المال من المكاسب الصحيحة وصرفها في الوجوه المحمودة
12- السخاء : وهو انفاق المال على الوجه الاسهل والاستحقاق يكون للكرم.
13- العفو : وهو ان يسهل على النفس ترك المكافأة
14- المروءة : وهو ان تكون النفس راغبة بالتحلي بزينة الافادة وبذل ما لابد منه.
15- النبل : وهو ان تكون النفس مبتهلة ومبتهجة للسير الحسنة
16- المواساة : وهو معاونة الاصحاب والمستحقين في المعيشة والمال
17- المسامحة : وهو ترك ما لايجب تركه من طريق الاختيار وما يدخل تحت العدالة وتهذيب النفس وتحصيل الأجر.
18- الصداقة : وهي محبة صادقة تبعث على مودة الصديق روحيا
19- الألفة : وهي معاونة بعض لبعض في تدبير المعيشة من جهة الاعتقاد بالصحة.
20- الوفاء : وهو التزام طريق المساواة والمعاونة بدون تجاوز
21- الشفقة : وهو ان يكون للنفس عند مشاهدة حالة غير ملائمة للغير العمل على إزالتها.
22- صلة الرحم : وهو ان يشرك الاقرباء في الخيرات الدنيوية.
23- المكافأة : وهو ان يقابل الاحسان بمثله.
24- حسن القضاء : وهو ان تكون الحقوق المتوجهة عليه يؤديها على وجه بدون منّة ولا ندامة.
25- التوكل : وهو ان يفوض امر الدنيا المتعلقة بالقدرة والكفاية إلى الله تعالى
26- العبادة : وهو ان يكون الله معظما عنده في النفس ممجدا في القلب وكذلك الأنبياء والأولياء والملائكة.
هذه هي حزمة المطالب التي تشكل الدائرة الاوسع للاخلاق الفاضلة, والتدريب عليها هو الذي يهذب النفس .
اقسام النفس :
في القرآن الكريم ترتسم صور للنفس البشرية منها :-
1- النفس الأمارة بالسوء, قال تعالى ” وما أبرئ نفسي ان النفس لأمارة بالسوء إلا مارحم ربي ان ربي غفور رحيم” – يوسف – 53 . وتعطينا آية قرآنية اخرى معنى لهذه النفس الامارة بالسوء , قال تعالى ” ارايت من اتخذ ألهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا” – الفرقان – 43- وقال تعالى ” فإن لم يستجيبوا لك فأعلم انما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ان الله لا يهدي القوم الظالمين ” – القصص – 50.
2- النفس اللوامة: وهي النفس التي إذا وقعت بالخطأ, تراجعت واعترفت بالذنب , قال تعالى ” لا اقسم بيوم القيامة ولا اقسم بالنفس اللوامة ” القيامة – 1-2-
3- النفس المطمئنة : وهي النفس التي تسكن الى ربها وترضى بما قسم لها , فترى نفسها عبدا لله لا تملك نفعا ولا ضرا الا بما شاء الله , وكل ما في هذه الدنيا إلى زوال وما في الآخرة هو الابقى , ومن هنا فصاحب هذه النفس لا يطغى ولا يتكبر , والنفس المطمئنة اعطيت صفات ” الراضية ” أي القانعة بما يقسم لها ربها دون ادنى تململ وهي ” مرضية ” اي نتيجة رضاها المطلق بربها فهي مرضية عند الرب في الدنيا والاخرة , وهذه الدرجة هي التي تجعل صاحب هذه النفس في درجة ” عباد الله المخلصين ” قال تعالى ” ان عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين “- الحجر – 42.
انواع النفوس عند الإمام علي “ع” :
لان الإمام علي هو مفسر القرآن بعد رسول الله “ص” ولان القرآن قال :” لا يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم” ولان أهل بيت النبوة المطهرين من الله هم الراسخون في العلم , وقد ثبت هذا بما يلي –
1- بالنص القرآني : “اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ” وأولي الامر هم : الراسخون في العلم , وأهل الذكر وقال تعالى ” انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ” ” قل لا اسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى” وكان المسلمون يسألون رسول الله : يا رسول الله من هم القربى في هذه الآية فيقول هم : علي وفاطمة والحسن والحسين”.
2- بالنص النبوي :” اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي , ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا حتى تردوا علي الحوض “.
3- بالتجربة والمشاهدة الحسية : فقد عرف المسلمون الاوائل من الصحابة والتابعين وتابع التابعين ان أهل البيت التي قصدتهم الآية القرآنية الكريمة هم حفظة القرآن وحملته بحق تفسيرا وتأويلا , وهم حفظة علوم رسول الله “ص” حيث كان بعض الناس يقولون لعلي بن أبي طالب عندما يحدثهم بشيء , انت تعلم الغيب؟ فيقول: لا , ولكن هذا علم علمنيه رسول الله “ص” ففي كل المسائل الفقهية كان أهل البيت هم أصحاب الحلول ومن عندهم الجواب الحاضر دائما.
والإمام علي “ع” بناء على ذلك وبما يتمتع به من علم لدني يطمئن اليه في اخذ التفسير والتأويل والشرح والتوضيح وهو من ثبتت معرفته بالعام والخاص من الآيات القرآنية , وبالمحكم والمتشابه, وبالناسخ والمنسوخ من الآيات القرآنية, ولذلك عندما سأله كميل بن زياد قائلا له: أريد ان تعرفني نفسي،
قال : يا كميل أي نفس تريد؟
قال : يا مولاي وهل هي إلا نفس واحدة ؟
قال : يا كميل انما هي أربع:
1- النامية النباتية
2- والحسية الحيوانية
3- والناطقة القدسية
4- والكلية الالهية
ثم بين عليه السلام ان لكل واحدة من هذه النفوس خمس قوى وخاصتين.
فالنامية النباتية لها خمس قوى هي:
1- ماسكة
2- جاذبة
3- هاضمة
4- ودافعة
5- ومربية
ولها خاصتان هما الزيادة والنقصان , وهذه تنبعث من الكبد
واما الحيوانية الحسية فلها خمس قوى هي, سمع , وبصر, وشم, وذوق, ولمس , ولها خاصتان : الرضا والغضب , وانبعاثها من القلب
والناطقة القدسية: ولها خمس قوى هي : فكر , وذكر , وعلم , وحلم , ونباهة , وليس لها انبعاث, وهي اشبه الاشياء بنفس الملائكة , ولها خاصتان هما : النزاهة والحكمة.
والكلية الالهية : ولها خمس قوى : بقاء في فناء , ونعيم في شقاء, وعز في ذل, وفقر في غنى , وصبر في بلاء , ولها خاصتان هما : الحلم والكرم , وهذه مبدأها من الله واليه تعود قال تعالى ” ونفخت فيه من روحي” – الحجر – 30. واما عودها فهي ما ذكناه في اية النفس المطمئنة ورجوعها الى الله راضية مرضية.
وحتى تكون الصورة واضحة نقتبس عن الإمام جعفر الصادق تقسيمه للأرواح على الشكل الأتي:
1- في الأنبياء والأوصياء : خمسة ارواح هي : روح البدن , وروح القدس , وروح القوة , وروح الشهوة , وروح الإيمان.
2- في المؤمنين أربعة ارواح هي: روح البدن , وروح القوة , وروح الشهوة , وروح الايمان.
3- وفي الكفار ثلاثة ارواح هي : روح البدن وروح القوة, وروح الشهوة.
وروح الإيمان يلازم الجسد مالم يعمل بكبيرة , فإذا عمل بكبيرة فارق الروح , وروح القدس صاحبها لا يعمل بكبيرة ابدا – بحار الأنوار ج25 ص 53 . ويليه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى.