قراءة في جدل الافكار, وغربلة الشعار في ضوء الاحداث التي تعصف بالمنطقة والعالم وتأخذهم الى حيث يراد لهم لا الى حيث يريدون, ومن هنا يظهر بطلان الاعتماد المطلق على الدعاوى المسرفة باحادية العقل المتنكر لمشروع الدين كنظام حياة مستوحى من السماء, لان النظام الكوني يجعل من العقل رديفا, بينما تصّر العلمنة القديمة والحديثة ممن يدعون للدولة المدنية على مرجعية العقل بالمطلق, فيخذلون العقل, ويعطلون التواصل مع النظام الكوني
ولقد كان الشاعر ابو العلاء المعري الذي عرف بتناقض المواقف عندما يقول:
في الاذقية ضجة مابين احمد والمسيح
كل ينادي دينه ياليت عمري ما الصحيح
هذا الشاعر قديما كان يرى مرجعية العقل فقط حيث يقول :
زعم القوم ان يقوم امام ناطق في الكتيبة الخرساء
كذب الزعم لا امام سوى العقل في صبحه والمساء
وابو العلاء المعري كان شاعرا مشهودا له بالشاعرية المتفلسفة حيث يقول :
خفف الوطئ ما اظن اديم الارض
إلا من تزاحم الاجساد
وهو خطأ فكري تلبس في شاعرية قلقة, فراح يغري القراء بصحة ما يقول, والامر ليس كذلك, فالعقل الذي يرى ابو العلاء المعري امامته, يرفض قبول مقولة المعري, لان الارض بما فيها من تكوين قد كانت وخلقت قبل ان يخلق الانسان, قال تعالى: “والأرض وضعها للأنام” فمقولة المعري الشعرية سالبة بانتفاء الموضوع كما يقول المناطقة وعلماء الاصول.
والمعري كان مثقفا ولم يكن سياسيا هذا في القديم, اما في زماننا هذا, فيظهر الشاعر ادونيس” احمد سعيد” من سورية المقيم في فرنسا مثقفا وليس سياسيا كما اعترف هو في مقابلة اجرتها معه قناة دبي الفضائية , ولذلك كان محاصرا في المساحة السياسية لعدم خبرته مثلما كان غير متألق في المساحة الثقافية لانه من الداعين الى مرجعية العقل بالمطلق ورفضه لحاكمية الدين, فأوقع نفسه في تناقض فكري لايحسد عليه لانه رفض الواضحات عقلا واتبع المبهمات واعلن عدم معرفته بالسياسة, وهذا اعتراف يضر بمرجعية العقل ودوره في الحياة.
ومثلما واجهنا المثقف غير السياسي قديما وحديثا, فاننا اليوم نواجه السياسي غير المثقف في محطات كثيرة, وربما تكون الساحة العراقية من اكثر الساحات خصوصية في بروز السياسي غير المثقف, ولذلك رأينا جدبا وفقرا معرفيا واضحا في كتابة الدستور العراقي الذي وضع هيكليته ” نوح فيلدمان” المستشار القانوني للحاكم المدني في العراق” بول بريمر” في بدايات الاحتلال الامريكي للعراق, وبسبب ذلك ظل العراق مربكا لايهتدي الى فضاءات العمل السياسي التي تقودها الخبرة وعقول اهل الحكمة الذين يعرفون مخارج الازمات, ويجيدون فن الادارة في الملمات, ويتجاوزون الشبهات على طريقة: “رحم الله امرا جب الغيبة عن نفسه”.
واحداث العالم اليوم تحتشد بمايلي:
1- بالافكار المختلطة
2- والمفاهيم الملتبسة
3- والخطط المبهمة .
4- والنوايا الغامضة
وهذه جميعها تحتاج السياسي المثقف, وليس السياسي المصفف والمعرف حزبيا فقط.
والسياسي المعرف حزبيا في بلادنا وفي هذا المقطع التاريخي ثبت فشله الميداني وعرف الجمهور فشله قبل ان يعرفه حزبه, فهو كمن يدخل الامتحان بدون تحضير, لان العمل الحزبي عندنا اصبح هواية للعبة السلطة, ولم يصبح مؤسسة لبناء الافكار المنفتحة على الاخر, وانما تحول الى عصبية قبلية متخصصة في انتاج مايلي:
1- الانانية الشخصية
2- الكراهية للآخر
3- العداوة التي تستحضر ادوات القتال
4- السطحية والمحدودية الثقافية
5- الانتهازية في المواقف
6- الابتزاز والتطفل على الآخرين
7- احتكار الامتيازات
8- احتكار المواقع والادوار
9- تهميش وتقزيم الحكومة والدولة, حيث تجعل من القبيلة حكومة ومن الحكومة قبيلة. ولذلك كان مشروع الاسناد العشائري يصب في المنافع الشحصية والحزبية, ولا يصب في منفعة الحكومة والدولة.
ولذلك فشلت الحزبية لانها كانت عصبية, وكانت بدون مشروع اجتماعي ثقافي سياسي.
والحزبي الذي زج في المحطات السياسية لم يكن مثقفا ولذلك لم يستطع مواجهة احداث الساحة, فضلا عن احداث العصر, فهو :
1- لايقرأ
2- واذا قرأ لايتدبر: والتدبر ظاهرة عقلية, ومفهوم معرفي قال تعالى : “افلا يتدبرون القرآن أم على قلوب اقفالها”.
3- وهو لايسمع لغيره
4- واذا سمع لايعي
5- وهو لايشارك مع غيره
6- واذا شارك لايتفاعل
7- وشخصية من هذا النمط الحزبي هي شخصية مأزومة, والمأزوم لايجب ان يتصدى, لانه جزء من المشكلة وليس حلا لها.
ولذلك نحن نعاني ازمة ثقافية سياسية في كل من:
1- البرلمان
2- الحكومة
3- القضاء
4- الهيئات الخاصة
5- مجالس المحافظات
6- المؤسسات والدوائر الوظيفية
7- الجامعات ومؤسسات التربية
8- النقابات, ومنظمات المجتمع المدني
9- الحوزات والمدارس الدينية
10- الاعلام والصحافة والفضائيات
وازمة وجود السياسي غير المثقف هي التي تفوت علينا مايلي:
1- عدم معرفة الافكار السياسية الدولية
2- عدم مواكبة الخطط التي تدار على مدار الساعة
3- عدم معرفة المفاهيم وما يختبئ وراؤها
4- عدم الاكتراث بالنوايا ودراستها
ولذلك نحن في العراق بقينا تسع سنوات لانعرف كيف نعالج خروجنا من الفصل السابع .
وبقينا تسع سنوات لانكترث بمعنى “المناطق المتنازع عليها”.
وبقينا تسع سنوات لانعرف كيف نوزع النسب المالية على المحافظات بعدالة, فظل اقليم كردستان العراق يأخذ نسبة 17|0 من الموازنة العامة, واستحقاقه هو 5و12|0 من الموازنة العامة, وحتى الذين ادخلوه مطلبا انتخابيا لم يفوا بتعهداتهم.
وبقينا تسع سنوات نقبل بممثل لاقليم كردستان في حكومة بغداد وهو خطأ تنظيمي ودستوري.
وبقينا تسع سنوات نعطي من مسترجعات موازنة المحافظات مانسبته 17|0 الى اقليم كردستان, ولو ان احدا يعرف باصول الزكاة والخمس وكيف يدفعان ويحسبان لما دفع للاخوة في اقليم كردستان مرتين كما جرى ويجري.
وبقينا تسع سنوات لايتمكن جيشنا الفدرالي من الوصول الى حدودنا الشمالية في اقليم كردستان بدواعي لاتنتمي الى روح الفدرالية, ولا الى مفهوم الاقاليم وعلاقتها بالدولة المركزية. في حين ان قادة الاقليم يحملون الحكومة المركزية تقصيرا عندما تهاجم الحدود الشمالية من قبل الجيران, والتصريحات في هذا الشأن كثيرة وموثقة, ولكن اصبح ينطبق على من هم في الحكم ماقاله الشاعر:
لقد اسمعت لوناديت حيا
ولكن لاحياة لمن تنادي
وبقينا تسع سنوات بدون قانون للاحزاب, والاحزاب تتكاثر عندنا كتكاثر الفطر في الارض الرطبة المظلمة.
وبقينا سنوات نشكو من ثغرات الدستور دون ان نتمكن من ايجاد الطريق لحلها.
وبقينا تسع سنوات نشكو من ازمة المياه دون ان نخطو خطوة واحدة باتجاه التفاهم مع الجيران.
وبقينا تسع سنوات لانعرف كيف نتعامل مع الجارة سورية حتى عادت ازماتها تنفث الدخان في مناخنا العراقي. وبقينا تسع سنوات لانتطلع الى بوابتنا الضيقة على الخليج حتى فوجئنا بما هو خلاف الجيرة والشركة.
وقدمنا من السجناء الارهابيين عربونا فاشلا لعلاقة لم تتبلور على اسس سليمة مع جارتنا السعودية. وفرشنا البساط الاحمر بخلاف الاعراف الدبلوماسية لبعض الساسة الايرانيين, فكتبنا على انفسنا بما لايتفق ومفهوم السياسي المثقف.
ومن هنا ونتيجة لكل مامضى معنا نطرح السؤال التالي:
هل يمكن ان يكون السياسي غير مثقف.
وللجواب على هذا السؤال لابد من تعريف المثقف حتى ننطلق الى استشراف افاق مساحة النظر بهذا الموضوع.
فالمثقف: “هو الذي يعرف كل شيء عن شيء” التخصص” وشيئا عن كل شيء “المواكبة العامة دون التخصص”.
فالسياسي لابد ان يكون مثقفا, اما المثقف فلا يشترط ان يكون سياسيا.
ووجوب الثقافة للسياسي يأتي من خلال تعريف المضمون السياسي على الشكل الاتي:
1- لابد للسياسي ان يكون ملما بالتاريخ
2- ولابد له من ان يكون ملما بالاقتصاد
3- وان يكون ملما بالاجتماع وتنظيمه
4- وان يكون ملما بالفقه والقانون
5- وان يكون مطلعا على قواعد واصول علم النفس التحليلي
6- عارفا بالادارة وعلومها
وهذه المحاور جميعها لايمكن ان تتحقق بدون ثقافة موسعة ومعرفة متخصصة, ولذلك عندما طلب من ديغول معاقبة من كان محرضا للحركة الطلابية في فرنسا في الستينات وهو من المثقفين, قال ديغول : تريدون مني ان اعاقب فولتير.
وذلك في اشارة لاحترام المثقف, ولو لم يكن ديغول السياسي مثقفا لما ادلى بذلك التصريح.
وكان النجاشي في قديم الزمان حاكما سياسيا ومثقفا من خلال استماعه الجيد لموفد المسلمين جعفر بن ابي طالب, مثلما استمع لمقولة المشركين, ثم مال ورجح خطاب الايمان الذي جسده ممثل المسلمين.
وكان سيف بن ذي يزن اول ملوك العرب مثقفا عندما استمع الى خطاب عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف جد النبي محمد وكافله, فقام سيف بن ذي يزن باحترام عبد المطلب وميزه على غيره من الضيوف, وخصه بما تناهى عنده من اخبار نبي اخر الزمان الذي كانت تختصره المقولة التالية: “يخرج من تهامه, فتى يتيم في كتفه شامة يبعث بالدين الذي يظل الى يوم القيامة”.
بينما كان ابرهة الحبشي صاحب الفيل غير مثقف لانه لم يعرف معنى مقولة عبد المطلب الشهيرة : “انا رب الابل وللبيت رب يحميه”.
واليوم لايكون سياسيا ومثقفا من لايدرك فحوى ومضامين احداث العصر التي يتقدمها الخطابات التالية:
1- ماقاله جورج بوش الابن: “الهرمجدون هي المعركة التاريخية الفاصلة في العالم, والهرمجدون هي مقولة يهودية توراتية.
2- وما يردده المرمون بقيادة “مت رومني” المتقدم بالفوز في انتخابات الحزب الجمهوري الامريكي من ان : “الصهيونية هي نشيد المسيح التي تحولت الى دعوة سياسية.
3- وما قاله هنري كيسنجر وزير خارجية امريكا الاسبق هذه الايام من انهم : “في حرب كونية ثالثة ” ويقصد بها الحالة السورية.
4- وما تدعو له المنظمات الصهيونية من اقامة حفل غنائي ريعه للمقاومة السورية.
5- وما يدعو له سعود الفيصل وحمد القطري من تزويد المعارضة السورية بالسلاح.
6- وما تناقلته الاخبار من دعوة الحكومة السعودية لتسليح مايسمى بالحيش السوري الحر عبر الاردن التي جاءت بعد زيارة ملك الاردن للسعودية.
7- وان قوات درع الجزيرة التي دخلت البحرين هي قوة اردنية بسلاح سعودي.
8- وان القوات التي حاربت الحوثيين في اليمن المتاخم للحدود السعودية هي قوات اردنية.
9- وان دعوات ضم الاردن والمغرب الى منظومة دول الخليج تأتي لتغطية تلك المساهمات عندما تكشف وتعرف معالمها.
7- دعوات تركيا لايجاد ممرات امنة في سورية هي ترجمة لرسالة الدكتوراه التي تقدم بها احمد داود اوغلو والتي تتحدث عن مشروع تهدئة الصراع الاسرائيلي العربي ببدائل من الخطاب الاسلامي البديل والذي اختيرت له مجاميع الاخوان والسلفية عبر نصوص تزحف على المعاني الحقيقية عبر حادثة خلق القران وامثالها التي شغلت السياسي غير المثقف والمثقف غير السياسي طيلة حكم المأمون والمعتصم والواثق واطاحت بالكثير من الرؤوس, ونحن اليوم امام محنة الثورة ومتناقضاتها والحرية ومتفاوتاتها والعدالة ومرادفاتها, وبين هذه وتلك يقف السياسي غير المثقف والمثقف غير السياسي مما يزيد من حدة الفتنة والابتلاء.