هل الديمقراطية التوافقية مشكلة؟ أم أن المشكلة أعمق بكثير من المصطلحات والشعارات؟وهل الديمقراطية أصلا أصبحت مفهومة ومهضومة كسلوك لأحزاب السلطة وعامة المواطنين؟ولأن جذر المعادلة: هو المواطن الذي يشكل القاعدة الشعبية التي يخرج منها الموظف، والتاجر، والسياسي، والمثقف، ثم المسؤول؟
والمواطن تحت أي سقف من الثقافة والفهم السياسي يعيش؟ وكيف يتعاطى التعامل من المفاهيم السياسية؟
المواطن العراقي ليس أرضا بكرا للأفكار والمعتقدات، انه سليل تاريخ طويل من التراكم في العقائد بعضها اختفى ولم يبق منه سوى الأسماء التي لا تمتلك حتى الذاكرة للتواصل، فالسومرية، والبابلية، والآشورية، أسماء تاريخية فقط ليس لها حضور حيوي في شخصية العراقي سوى الادعاء.
أما الأسماء التي تلت الحقبة الإسلامية، فهي الوحيدة التي مازالت تشكل ذاكرة المواطن العراقي، وتمثل حضورا حيويا على تنوع في السلبية والإيجاب.
والشخصية العراقية هي متحف تاريخي متجول، تنعكس فيها العادات والتقاليد بصياغات متفاوتة تشكل العائق الحقيقي للحاق بركب البناء والتفاعل مع المعطيات الحياتية.
ولذلك ومن هذه النقطة التي طالما يغفل الدارسون من عراقيين وغير عراقيين تسليط الضوء عليها، وإعطائها حقها من الدراسة والتقييم، بمعنى آخر: إن التنظير حول هذه النقطة في شخصية العراقي أصيب بعمى الألوان، فكانت النتائج ليست لصالح المعطى التقويمي.
ولذلك لا ينظر للثقافة من زاويتها الاصطلاحية ومفهومها الذي يتداخل مع سايكولوجية الأداء والظهور الشعبي، وإنما ينظر إليها بطريقة التقاطية كعدسة الكاميرا التي يختار مصورها بعض اللقطات وتفوته الكثير من اللقطات المعبرة.
فالاجتماع العراقي اليوم لا ينتمي لما يعرض من كثير من التمثيل الذي يظل هواية الممثل ومتعته الشخصية المتولدة ضمن مناخات لا تنتمي للحاضنة العراقية، كذلك لا ينتمي للكثير من الشعر المغنى بنوعيه الشعبي والفصيح.
ومن هنا تستجد لدينا نتيجة صادمة: ان كثير من المغنين والممثلين هم لا يحظون بحضور حقيقي في الحاضنة العراقية على مستوى العائلة والمجتمع، ولكن التسويق الإعلامي التجاري هو من يفرض الحضور لهؤلاء الذين يظلون خارج اطار الذاكرة الوجدانية للقاعدة الشعبية التي أصبحت ولاءاتها معقودة بشكل نهائي ومعبر عنها بزخم مليوني في المناسبات التي تطرز أيام السنة وأشهرها.
ولذلك لا يمكن تفسير ظاهرة ذوبان شخصية هؤلاء في الحاضنة الدينية في خريف العمر، ورجوعهم يلتمسون القبول المتأخر للتوبة بمعناها النفسي وان لم يعلنوها.
وما يقال عن الممثلين والمغنين، يقال عن السياسيين ولكن بنسب مختلفة.
فالسياسة التي لا تمتلك حضورا في وجدان القاعدة الشعبية تظل معلقة فوق الجدران ولا تجدلها دخولا للقلوب، ومثلما فعل الإعلام في الجانب الغنائي والتمثيلي المحشور في الفن حشرا فيه الكثير من المشاغبة، فان العمل الحزبي السياسي المرحل عبر حاضنات طارئة ودخيلة أو حاضنات تنقصها الخبرة والمعرفة ظلت هي الأخرى تراوح خارج إطار الحاضنة الشعبية ولم تجد لها قبولا نهائيا على مستوى الوجدان، ولذلك رأينا الكثير من النماذج الحزبية عندما تمضي مرحلة الشباب والمراهقة تهجر تلك الحاضنات وترجع إلى الحاضنة التاريخية ذات الولاء الشعبي الذي يكتسح المناسبات.
وفي ذلك يتساوى من يعمل في السياسة والأحزاب من خلال الدين بمفهوم خاطئ وتطبيقات مشوهة “يا أيها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”، أو الذين يعملون في السياسة وأحزابها من خارج الإطار الديني، فهؤلاء جميعا مثلهم كمثل الذي يحصد الريح، عندما تخذلهم التجربة، ويتعبهم الانكسار منهم من يستسلم لولاءات القاعدة الشعبية ولكن بشكل متأخر، ومنهم من يظل يكابر حتى خريف العمر ورحلته التي لا يملك بطاقة سفرها.
من هذا التحليل المختصر والمكثف لواقع الشخصية العراقية وتنوعها عبر تجاربها المتراكمة بالخيبة والفشل لاسيما في القرون الاخيرة من عمرها التاريخي، والحالمة بشيء من النجاح لم تحقق مناخاته ولم تكتشف فضاءاته بعد، وظلت تطفو على لغة شعرية خدعتها أكثر من مرة ولم تحسن صحبتها، فصنعت لها أشباح مضللة من الأسماء التي لم يغادرها أصحاب الكبائر “ان قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم” و “إن فرعون علا في الأرض” حتى اصبحت الفرعونية والقارونية نصيبا وارثا للسلوك الاستعلائي، لم يستطع ديالكتيك ماركس ولا وحدة الشغيلة التي اخذت هوى بعض شبابنا قبل ان يتبينوا سرى الصبح، وهدي الخليقة.
كذلك لم يستطع عصر الديمقراطية ان يتغلب على فتنة الجنس والمال وحب الكراسي، فتحولت الديمقراطية الى عش لتفريخ المفترسين والأباطرة الذين يلبسون لبوس الدكتاتورية ويتكلمون بشعارات الديمقراطية، والفارق بين التجربة الأوروبية والتجربة العربية في الديمقراطية هو فارق نسبي وليس حقيقي حيث يقوم على حسن التنظيم في التجربة الاوربية التي أعطته مدى أطول للبقاء ولكنها لن تعطيها الديمومة والانتصار النهائي، حيث لازالت مشاكل الإنسان الاوروبي والأمريكي الروحية تبحث عن حلول ولن تتوقف عند عتبة الحلول الديمقراطية على كل مسمياتها وأنواعها التطبيقية، لأنها حصرت تركيزها على ظاهرة تعاطي الحكم وما يرتبط بذلك من عملية انتخابية، وبقي التنظيم الروحي خارج اطار الحلول الديمقراطية، مثلما بقي خارج اطار الحلول الماركسية في الاقتصاد والديالكتيك المادي وتطبيقاته التي لم تصل الى جوهر الوجود عبر نافذة الروح والعقل والنفس، والرحلة الابدية الحتمية من عالم الدنيا الى عالم الاخرة الضارب بترسانة الامثلة والتجارب والحجج المستمرة لتنبيه البشرية الى ان معطيات الرحلة ومعرفة مفرداتها لاتتم الا عبر بوابة السماء صاحبة العلاقة الحتمية مع الارض ” قل لو كان في الارض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا”.
وإذا كانت الديمقراطية هي آخر معطيات التجارب البشرية في حقل السياسة وبناء الدولة وتنظيم المجتمع، وبعد مضي أكثر من قرنين من التجارب الديمقراطية المدعومة بغطاء قوة تصل الى حالة الاستعمار والاحتلال احيانا، وتصل الى حالات اخرى الى حالة التقليد والمحاكاة الفاقدة للحيوية المنتجة لروح الابداع والتطور مما يجعلها تسقط فريسة التراكم التاريخي للعادات والتقاليد، او فريسة التزاحم والتنافس غير المتكافئ في التعامل مع المعطى الروحي الذي لا يغيب دائما من خلال غلبة المفاهيم والشعارات السلطوية التي تتحرك بانكشارية المحازبين والمستفيدين من أتباع السلطة.
والذي يحدث في العراق اليوم هو من هذا الصنف الأخير والذي لانتفع معه تبريرات ومسميات تعطى للديمقراطية بعنوان “الديمقراطية التوافقية”.
وهذا النوع من الديمقراطية فشل في لبنان “أي الديمقراطية التوافقية” لان الذين مشوا في رفع شعارها هم غير مخلصين في تطبيقها بسبب طبيعة انتماءاتهم، فالدرزي له شخصيته التاريخية ومفهومه الخاص بالعلاقة مع الآخر، يتحكم فيها الولاء الذي اصبح منقسما الى ولاءات درزية سورية متوحدة مع نظام الدولة، ولبنانية منقسمة لجهة العلاقة مع الحكومة ونظام الحكم.
والماروني اللبناني له شخصيته المتداخلة مع المسيحي الآخر بدرجة اكبر من تداخله مع الآخر غير المسيحي، ولكن انقساما بين صفوف المارونيين فتح الولاء على مشاريع لم تنقذها الديمقراطية التوافقية.
اما المسلم اللبناني فيمتلك ولاءً تاريخيا عقائديا جامحا تعززه الحرية النسبية في هذا البلد “المختبر” لتجارب السياسة والمخابرات الدولية في الحقبة الماضية، مما جعل الديمقراطية التوافقية اشبه بالمزحة في الجانب المسلم من لبنان وأحزابه التي تختصر سلة الأحزاب في المنطقة الإسلامية، ولذلك نجد لبنان اليوم يغرق في المسالة السورية، لأنه الأضعف، وسورية تغرق في لعبة المحاور الدولية لأنها مستهدفة من صناع القرار الذين عرفوا فشل تجارب الديمقراطية التوافقية ونموذجها في العراق.
والعراق اليوم وما يشهده من صراع على السلطة وقبل ذلك على الهوية، ولكن صراع الهوية لم يعط مجالا من الجدية ولم يصبح مشروعا حقيقيا عند أحزاب السلطة ولا النخب السياسية التي اختطفتها زخرفة المكاتب وكثرة الشعارات التي لا تلامس الواقع العراقي فتحولت إلى انتهازية سلوكية، مما جعل اغلب السلوك السياسي هو انتهازي بالعادة والممارسة.
والذين يتعاملون مع الواقع العراقي لاسيما الذين لهم صفة وتاريخ الحقب الاستعمارية والاحتلالية وهم كل من:
1- بريطانيا
2- أمريكا
فهم غير جادين في التجربة الديمقراطية في العراق، وإنما يعتبرونها مرحلة فرز وتشخيص للافراد والأحزاب والأدوار وبقائهم متفرجين على المشهد العراقي في معاناته المختلفة على المستويات التالية:
1- مستوى الخدمات وترديها.
2- مستوى التلوث وتصاعده
3- مستوى المياه وخطورتها المستقبلية
4- مستوى الانقسامات الحزبية والسياسية
5- مستوى الحكومة وضعفها المستمر
6- مستوى علاقات الجوار وعدم حسمها بل تغذيتها بالتصعيد المتعمد وما بقاء العراق تحت البند السابع إلا بسبب ذلك.
وغرق العراق في المشاكل الداخلية هو مخطط بعناية الذين كانوا ولازالوا يؤثرون في الشأن العراقي بمستويات مختلفة وهم كل من:-
1- امريكا: التي تحرص على وجود سفارة عملاقة بكادر “20000 ” موظف. وايقافها برنامج دعم الشرطة العراقية واحدة من تلك المؤشرات، كما ان بيعها لطائرات ” اف 16 ” المتطورة هو رهن التجاذب.
2- بريطانيا التي خصصت “45” مليون دولار لعشائر العراق.
3- تركيا التي تستفز العراق بمصادر المياه التي تصل الى حد الحرب الخفية الخانقة دون وجود وعي حكومي عراقي لما يدبر سرا وعلنا في هذا الاطار، مثلما تستفزه بالتدخل الطائفي المبرمج دوليا لصالح إسرائيل وامنها.
4- ايران التي تستفز العراق بتصريحات غير مدروسة مثل تصريح الاتحاد مع العراق وهي لما تزل لم تحل مشكلة الحدود والنفط والمياه والمفقودين، مثلما لم ترفع يدها عن الاحزاب التي لازالت تعمل تحت غطائها تنظيميا وسياسيا مما جعلها اللاعب الاقوى في العراق يساعدها في ذلك التقارب المذهبي والجوار الجغرافي والتداخل الاجتماعي الأسري والذي لم ينظم بما يخدم البلدين
5- السعودية التي تعمل جاهدة ومنذ ظهور الحقبة النفطية واموالها ان تكون مرجعا لسنة العالم الاسلامي وقد تغلبت بذلك على مرجعية الازهر في مصر، وما قرار الازهر الاخير بمنع بناء مساجد للشيعة في مصر الا من جراء التاثير السعودي، واطلاقها العنان لتنظيم القاعدة الوهابي في العالم العربي والاسلامي ودعمه ماليا والوقوف ورائه في الانتخابات المصرية والتونسية والمغربية مع الدعم الواضح للجماعات الليبية من تنظيم القاعدة، والوقوف العلني مع العصابات المسلحة التي تفتك بالشعب السوري واخرها مجزرة “الحولا” بحمص، وقبل ذلك احتضانها للارهابيين الانتحاريين الذين مارسوا عمليات القتل الوحشي على الهوية في العراق من السعوديين الذين استلمتهم كصفقة تبادل مع سجناء عراقيين في السعودية مما يدل بوضوح على تدخلها في الشأن العراقي.
ومع وجود هذه التأثيرات الخارجية التي يحمل كل منها أجندات خاصة بها وبمشاريعها في العراق، فان الخلافات الداخلية العراقية تعطي لتلك التأثيرات الخارجية مبررا اكثر لإيقاع الضرر بالعراق دولة وحكومة وشعبا.
والخلافات الداخلية العراقية هي إفرازات ونتيجة مخيبة للديمقراطية التوافقية التي عبر عنها “بالمحاصصة” وهي عبارة عن رشا لأحزاب السلطة والمتعاونين معها.
وهذه الرشا دائما هي موضع نزاع وخلاف مستمر شهدنا لها محطات كثيرة منها:
1- محطة مجلس الحكم سيئ الصيت والذي وصفه بريمر الحاكم المدني للعراق ابان فترة الاحتلال الامريكي بأوصاف يندى لها الجبين، ولو كان هناك شرف سياسي عند من ذكرت أسماءهم لاستقالوا من الحياة السياسية او لردوا على بريمر ان كانوا ابرياء مما نسبه لهم من تهم سلوكية مخزية.
2- الانتخابات النيابية عب دوراتها الثلاث وما جرى فيها من مماحكات وتهم بين الاطراف الحزبية المشاركة.
3- كتابة الدستور وما جرى فيه من تغاضي وتنازل عن مصلحة العراق لصالح المصالح الحزبية والشخصية.
4- تشكيل مفوضية الانتخابات وبداية عهد المحاصصة البغيض.
5- قانون الانتخاب المجحف والذي ينتظر الشعب العراقي اعادة كتابته بصيغة “الفرد” لا القائمة.
6- محطات تشكيل الحكومات وما جرى فيها من نزاع وتجاذب وصل إلى حد الصراع والمهاترات.
7- مشاكل اقليم كردستان مع الحكومة والتي آلت الى طلب الاستفتاء على الانفصال.
8- اتفاق اربيل وما فيه من مخالفات دستورية والذي اعتبر اليوم وقودا للازمة الحاضرة، بينما هناك ما هو اكبر واهم واخطر مما جرى في اتفاق اربيل.
9- اجتماع مجلس الوزراء في كركوك وما فجره من خلاف لا مبرر له دستوريا.
10- اجتماعات بعض الأطراف التي لم تظهر حنكة سياسية في فهم خلفيات الصراع، ولا في طريقة التعامل مع الازمة الموزعة على خانة المصالح الشخصية اكثر مما هي موزعة على مصلحة الوطن والمواطن.
وكل ذلك بسبب الديمقراطية التوافقية ووليدتها الهجين “المحاصصة”.
فالديمقراطية لم تتضح وتتجلى في سلوك الكتل والأحزاب وقادتهم مثلما لم تتضح في النظم والقوانين التي سادت المرحلة السابقة.
من ذلك كله نخلص الى نتيجة مفادها لا تغادر النظام الديمقراطي في صيغته التنظيمية ولكنها تتطلب إعادة صياغة قانون الانتخاب الى الانتخاب الفردي دون القائمة وهذا يخفف كثيرا من الثغرات والأخطاء التي رافقت التجربة السابقة، كما أن إعادة كتابة بعض مواد الدستور بما يتناسب مع وحدة الشعب العراقي ومستقبله المنشود في الحرية والعدالة وبذلك نحصل على حل شامل للمشكلة وليس الى حل جزئي وترقيعي لا يصمد أمام التحديات وهي كثيرة، ومثلما بقيت الحكومة شبه حكومة تصريف أعمال، فإنها يمكن ان تستمر كذلك لبقية المدة المتبقية من الدورة الانتخابية، وإلا فان الانتخابات المبكرة لا تحل المشكلة إذا بقي قانون الانتخاب على ما هو عليه وبقيت بعض مواد الدستور الخلافية على ما هي عليه.